كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
عطاء المشرف
عدد الزيارات : 354
خطبة الجمعة بعنوان "أيام الآخرة"
13 مارس, 2017 - 14 جمادى الثانية 1438هـ

عناصر الخطبة:

* هديه عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر.

* الاجتهاد في الطاعة وتحري ليلة القدر.

* اغتنموا هذه الأيام فيما يعود عليكم بالنفع العميم.

 

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كتابه المبين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المؤمنين

* هديه عليه الصلاة والسلام في العشر الأواخر:

إقبال وإدبار، وصل وقطع، تعلق وانقطاع، صور متقابلة، تلك هي الأيام التي سنستقبلها من الغد بمشيئة الله تعالى، عشر من الأيام معدودة في الدنيا لكنها مخصوصة للآخرة، من أيام حياتنا لكنها ينبغي أن تكون خاصة بزيادة رصيدنا في ما نأمله بين يدي ربنا، وأبتدئ فيها بكلمة قيلت منذ أكثر من ألف عام، قالها أحد أعلام التابعين ممن لقي صغار الصحابة، وهو من أئمة المحدثين الحفاظ لحديث وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الإمام الزهري قال: (عجباً لأمر المسلمين تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله تعالى)، وهنا  أنتقل لأرسم الصورة لنا نحن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، نحن محبي رسول الله عليه الصلاة والسلام، نحن الذين نفتخر ونتشرف بأن نكون من هذه الأمة المحمدية، دعونا نرسم في دقائق معدودة الصورة لهدي محمد صلى الله عليه وسلم في هذه العشر، روى مسلم عن أم المؤمنين عائشة قالت: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لاَ يَجْتَهِدُ فِى غَيْرِهِ) وروى البخاري ومسلم عنها قالت : (كان يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ويتحرى ليلة القدر) وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: (َكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْلِطُ الْعِشْرِينَ بِصَلاَةٍ وَنَوْمٍ، فَإِذَا كَانَ الْعَشْرُ شَمَّرَ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ)، وروى البخاري في صحيحه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً) قال بعض أهل العلم لأن جبريل في ذلك العام دارسه القرآن مرتين، وقال بعضهم إنما هو قضاء لاعتكاف لم يسبق له أن قام به في العام الذي سبقه أو أعوام سبقت، كما روى النسائي وأبو داود وابن حبان في صحيحه عن أبيّ رضي الله عنه قال: (أَنَّ النَّبِىَ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً) وورد أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم فاته اعتكاف لعارض فقضى الاعتكاف بعشر أخرى من شهر شوال، وفي البخاري أيضاً (كان النبي صلى الله عليه وسلم لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) وفي رواية مسلم (إلا لحاجة الإنسان) قال الزهري أي لبول أو لغائط أي لقضاء الحاجة، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً، ولايشهد جنازةً، ولا يمس امرأةً ولا يباشرها، ولايخرج لحاجةٍ إلا ما لابد منه) ، وأختم لكم بحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أيضاً وهو من الجمل الثلاث البديعة الرائعة التي تصور كل ماسبق، (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ)، بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا هديه في هذه العشر، فما شأن أحبابه وأتباعه الذين خاطبهم ربهم بقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} (الأحزاب:21) تأملوا هذه الصورة، من كان يقوم بها؟ هو حاكم الأمة، والمفتي الذي يسأله المستفتون، والقاضي الذي يتحاكم إليه المتخاصمون، من يقول منا إني منشغل، ولدي أعمال وثمة مصالح، فكان رسولنا صلى الله عليه وسلم وهو من هو هذا حاله.

* الاجتهاد في الطاعة وتحري ليلة القدر:

وهنا وقفة أولى سريعة عن التفاته عليه الصلاة والسلام إلى أهله، التفت إليهم في الأمر المهم، التفت إليهم في المهمة العظمى، التفت إليهم في الأمانة الكبرى، التفت إليهم ليأخذهم معه في طاعة الله، لا ليغفل عنهم ويتركهم، ولا ليوصيهم بالأسواق والأغذية والأكفية، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه اسْتَيْقَظَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: (سُبْحَانَ اللهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَة) واستيقظ مرة في الليلة فمضى إلى بضعته فاطمة الزهراء وزوجها الإمام علي رضي الله عنه زارهما في بيتهما فوجدهما نائمين، قال: (ألا تَقُومَانِ فَتُصَلِّيَانِ)، فقال علي رضي الله عنه أنفسنا بيد الله إن شاء أن يوقظنا أيقظنا، فقال صلى الله عليه وسلم {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الكهف:54) أنظروا إلى هذا التفقد في الليل، لا لطعام وشراب، وإنما ألا تقومان فتصليان، وروى أبو داود في سننه في صورة جميلة يصورها لنا حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلاً قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، رَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ» انظروا إلى هذه الصورة، أنظروا إلى بيت النبوة، أنظروا إلى هدي محمد صلى الله عليه وسلم، أنظروا إلى أيام من الدنيا خصصها رسولنا صلى الله عليه وسلم ليقطع كل أسباب الدنيا، من زوجة لها حق، ومن جنازة ومن كل الأمور حتى لايكون شيء إلا قلب موصول بالله، ولسان ذاكر لله، وعين ذارفة من خشية الله، وجبهة ساجدة عبادة وصلاة لله، ووقت كله في كل لحظة وسكنة منه لله سبحانه وتعالى، وتأملوا ما ورد في النصوص التي أسلفتها كان يقوم العشر أو يعتكف العشر يتحرى ليلة القدر، يقوم عشراً بحثاً عن ليلة، ولم؟ وحق له عليه الصلاة والسلام، لأن هذه الليلة هي الليلة التي أنزل فيها القرآن، هي اللية التي خصت بسورة خاصة باسمها وبوصفها، وهي الليلة التي قال الله فيها إنها خير من ألف شهر، وهي التي خصت بتنزل الملائكة والروح جبريل عليه السلام، وهي التي خصت بالسلام أي لايستطيع الشيطان فيها أن يصل إلى أذاً كما قال بعض أهل العلم، وهي التي يفرق فيها كل أمر حكيم، وهي التي خصت بالخصائص العظيمة ومنها (منْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من هذا الذي تفتح كل له هذه الأبواب، وتساق له كل هذه الخيرات، وتبذل له كل هذه الأعطيات، ثم يقول عندي مهمة لشراء حذاء، أو عندي مهمة لأبحث عن هذا الأمر أو أبحث عن ذاك، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هديه وتلك هي أيامه ولياليه في العشر، ووصفها واضح في جمل قصيرة، والعجب كل العجب أنه كان يجتهد في العشرين، ويجتهد في كل أيامه ولياليه فهو أعبد خلق الله وأتقاهم لله، ومع ذلك يجتهد في العشر الأواخر ما لايجتهد في غيرها، كيف يزيد فيها؟ إنها العظمة التي تنشأ من تعلق القلب بالله، وتفرغ الوقت لطاعة الله، والانقطاع التام للصلة بالله سبحانه وتعالى.

وهنا وجدت أمراً لابد أن أذكر به نفسي وإخواني، لأن بعضنا عندما يمكث في المسجد أو في معتكفه أو يقوم ليلته ماذا أصنع في هذا الوقت؟ وربما بعضنا ينشغل بأمور وبكلام وباستقبال وبزيارة وسلام في وسط اعتكافه وربما وسط مسجده، وينسى هذا الهدي النبوي، أقول إن أعظم أمر قد ساقه الله لنا في كل وقت، وخصه لنا في هذه العشر بأمور كثيرة عظيمة، وخيرات لامنتهى لها، هو الدعاء ومناجاة الله سبحانه وتعالى، كل أمر من هم وغم أدع الله به، كل أمر من سؤال وطلب ورجاء أدع الله به، كل أمر من دفع مكروه وسوء أدع الله به، كل أمر من قوة وعزيمة وصلابة وثبات أدع الله به، كل أمر من نصر وعز وتمكين أدع الله به، فالله سبحانه وتعالى هو الذي قال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة:186) ورد في بعض الروايات من أسباب النزول أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو مع أصحابه فقال: (أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه) فنزلت هذه الآية (فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) وفي مسلم كان الصحابة يدعون وربما أرتفعت أصواتهم فقال لهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم : (ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ ، وَلاَ غَائِبًا إِنَّهُ مَعَكُمْ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ تَبَارَكَ اسْمُهُ وَتَعَالَى جَدُّهُ) فهذه أيام لو انقطعنا فيها لطاعته، فإننا سنكون في أقرب أحوالنا، لأننا نكون في كل يومنا في طاعة، ألسنتنا تلهج بالذكر، أقدامنا تقف في الصلاة، جباهنا تسجد في السجود، أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وراء ذلك خير لامنتهى له، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَنْزِلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ)، وأنت تكون في ذلك الوقت معتكفاً قائماً ليلك متهجداً لربك منتظراً وقت الفجر، فسبحان الله ما أعظم هذا الفضل «إِنَّ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةً لاَ يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ» رواه مسلم من حديث جابر رضي الله عنه، جوف الليل الآخر هو مظنة إجابة الدعاء، فكيف بالعشر الأواخر وكيف بمعتكف صائم وقائم، وكيف بمن يكرمه الله بموافقة ليلة القدر، فينال كل مايريد، وكأني بتلك اللحظة أو تلك الليلة تعدل الدنيا ومافيها لمن ينالها، ولمن يوفقه الله فيها، ولمن يكرمه الله سبحانه وتعالى مع آلاف مؤلفة وملايين ممن يجيب الله دعائهم.

والله سبحانه وتعالى قال: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} (غافر:60) وهذه من آيات الرجاء العظيمة، هو الذي أمرنا أن ندعوه، هو الذي يقول لنا اطلبوني واسألوني وادعوني ثم يقول مباشرة أستجب لكم، يريد منا أن نثني عليه، وأن نظهر ضعفنا وذلنا بين يديه، وأن نقر من أعماق قلوبنا أن لاحول ولا قوة لنا إلا به، وأن نقوم بهذه العبادة التي قال فيها رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم (الدعاء هو العبادة) وقال أيضاً (الدعاء مخ العبادة) ، هو روح كل عبادة فنحن نصلي وندعو، ونحن نطوف وندعو، ونحن نقف في عرفات وندعو، ونحن في كل أمر وفي كل حال ندعو، فلنجعل هذه العشر عبادة الدعاء الأعظم من أوقاتنا، والأكثر مما يشغل قلوبنا، والأكثر مما نتوجه به إلى ربنا سبحانه وتعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ} (النمل:62) يجيب بصيغة المضارع أي في كل وقت وآن في كل لحظة في كل ظرف في كل زمان، والله سبحانه وتعالى فتح أبواباً من الرجاء لا منتهى لها {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} (الزمر:53) لاتستعظم ذنبك، فإن سعة رحمته وعظمة مغفرته أعظم من ذلك كله، وإن الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء:48) فرصتك فاهتبلها، الأمر الذي جعله الله لك بين يديك ليس بينك وبينه إلا قلب حاضر، ولسان ذاكر، ودعاء خاشع، وحينئذ تتنزل عليك رحمة الله سبحانه وتعالى، وروى الترمذي بسند حسن في الحديث القدسي عن رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم (ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ مَعَ مَا كَانَ فِيكَ وَلَوْ لَقِيتَنِي مِلْءَ الأَرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ مِلْءَ الأَرْضِ مَغْفِرَةً مَا لَمْ تُشْرِكْ بِي وَلَوْ بَلَغَتْ خَطَايَاكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ) ذلك فضل الله، وذلك عطاء الله، وتلك رحمة الله {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف:56) وتأمل كذلك حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وقل لنفسك ويحك أيها الغافل تنبه فها هو يقول: «مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب، ويحك ألم تسمع أيضاً حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (« إِنَّ رَبَّكُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيِىٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِى مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا».

لن ترجع خائباً لأن الله كريم جواد، وتأمل كذلك ما هو أعظم ربما من هذا من حيث المعنى بالنسبة لنا، في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد في مسنده من رواية أبي هريرة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» سبحان الله! ونحن نضيق بمن يسألنا، ونتذمر ممن يطلب منا، والله سبحانه وتعالى في جلاله وعظمته ورحمته وسعة رزقه وجوده يريد منا أن نسأله، فسألوا الله وتهيأوا لهذه العشر، بأن تجعلوا الدنيا ورائكم والآخرة أمامكم، والطاعة والعبادة هي الأولى والأخيرة، والمشاغل الأخرى لها أوقات أخرى.

أسأل الله جل وعلا أن يوفقني وإياكم في هذه العشر، للاهتداء والاقتداء بهدي رسولنا صلى الله عليه وسلم وأن نقبل بقلوبنا عليه، وأن يذيقنا لذة مناجاته وحلاوة طاعته، وأن يلهمنا ذكره وشكره وحسن الثناء عليه والدعاء له، وأن يتقبل منا ومنكم، أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

معاشر الإيمان

* اغتنموا هذه الأيام فيما يعود عليكم بالنفع العميم:

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، ورمضان موسم التقوى، والعشر الأواخر فيض التقوى فيها عظيم لمن أقبل، وليس فيما أقوله بعد هذا مزيد، فقد رأينا الصورة الكاملة المدهشة العجيبة الفريدة العظيمة لرسولنا عليه الصلاة والسلام في هذه العشر، وقد رأينا أبواب الرحمة الواسعة والمغفرة الغامرة والجود الوافر العظيم، الذي أخبرنا به كذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر عنه عليه الصلاة والسلام عن رب العزة والجلال: (عِبَادِى لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِى فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ) فضل الله أعظم من هذه النفوس التي قد يكون فيها مافيها من ضيق أو هم أو غم أو ذنب، لكن رحمته أوسع مما نتخيل {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} لكننا نحرم أنفسنا، لكننا نجني في حق أنفسنا، إذا لم نغتنم مثل هذه الأيام وهي أيام معدودة وليال محدودة، وخصت بكل هذه الخصائص، ما بالنا لا نقطع كل شيء لأجلها، كما فعل رسولنا صلى الله عليه وسلم، ما بالنا لانفرغ أنفسنا لها، ما بال بعضنا ربما حتى في هذه الليالي يتابع مسلسلات ومشاهدات فيها مافيها من المنكرات، بل فيها عدوان على الدين، وتهكم بشعائره وشرائعه، الله جعل لنا هذه الأيام لتكون زكاة عامنا كله، زكاة نخرجها ونخرج بها ومنها وبها وفيها من كل شيء إلا لطاعة الله سبحانه وتعالى، فلنفكر ولنتدبر ولنتأمل، وكما يكون عندنا بعض المشاغل المهمة في حياتنا، فنجد لها الوقت، ونقطع لأجلها المشاغل، ونعتذر فيها من الناس، ونعلن أننا في حال من الانشغال اعذرونا، هنا فلنعلن ذلك حتى للأزواج والأبناء والأصدقاء لأن هذه أيام الطاعة.

أسأل لله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم فيها لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا فيها من الذاكرين الداعين القائمين الصائمين الخاشعين، الذين يمن الله سبحانه وتعالى عليهم بمغفرته ورحمته ورضوانه، نسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم بالاقتداء به بالاعتكاف والقيام والصيام واغتنام هذه العشر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل فيها فرجاً لإخواننا المسلمين في كل مكان، ونسأله أن يجيب فيها دعاءنا ودعاءهم على أعداء الإسلام المحاربين لدينه ولكتابه ولسنة نبيه فيخذلهم ويجعل بأسهم بينهم وينزل بهم بأسه الذي لايرد عن القوم المجرمين.

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0