كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
عطاء المشرف
عدد الزيارات : 459
خطبة الجمعة بعنوان "أين الناصحين"
13 مارس, 2017 - 14 جمادى الثانية 1438هـ

عناصر الخطبة:

* الأمن منة عظمى وضرورة حياتيه.

* الأمن مسؤولية الجميع.

* مفاهيم ومحاذير.

 

الخطبة الأولى

إخوة الإسلام والإيمان

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في آيات القرآن {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المؤمنين

* الدين النصيحة:

أوتي رسولنا الأكرم صلى الله عليه وعلى آله وسلم جوامع الكلم، فكان يقول في الكلمات الوجيزة معانٍ عظيمة جليلة، ولعلنا اليوم نقف مع حديث من جوامع كلمه، جلنا إن لم يكن كلنا يحفظه ويردده، ولوجازة كلماته أحسب أننا لانقف عند معانيه كثيراً، روى مسلم في صحيحه من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه عن رسول الهدى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا لِمَنْ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» سبحان من أوتي جوامع الكلم، فإنها بالفعل كلمات عظيمة جليلة، أولاً هذا الحديث كما قال العلماء: يشتمل على معظم الدين، لأنه كما نعلم في حديث جبريل الدين اشتمل على الإسلام والإيمان والإحسان، حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «أتاكم جبريل يعلمكم دينكم، ثم قال: الدين النصيحة»، أي عماده وقوامه وصلاحه بالنصيحة، كما قال: الحج عرفة، أي معظم مناسكه وأعظم مناسكه الذي لايكون التمام إلا به في عرفة، وكأننا هنا ننظر إلى هذه النصيحة، وهي بالفعل عمود يقوم عليه بناء هذا الدين في كل الجوانب التي أشار إليها رسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم هذه النصيحة ليست أمراً سهلاً ولا عارضاً، إنه أمر احتفى به واعتنى به ديننا ورسولنا عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين من حديث جرير بن عبدالله البجلي قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) بايعه على أن ينصح كل مسلم، أن يقوم بهذا الواجب العظيم الذي به الكمال والتمام، الذي به تقويم المعوج، وإكمال النقص، وتصحيح المسار، لأن النصيحة كما نعلم معناها: أنها الأمر الخالص من الشوائب، النصيحة أمر فيه قدر كبير من الكمال والاكتمال يحصل من خلال هذه الممارسة التقويمية التي فيها محبة وإيمان وتبادل بين أهل الإسلام، كما صح عنه أيضاً عليه الصلاة والسلام "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" والنصيحة كذلك في معناها التئام بين شيئين، والنصح فيه معنى الخياط التي تلئم الأمر وتجمعه وتجعله منسجماً، فهي تسد النقص، وتسد الثلمة، وتعين على الاكتمال والكمال فيما بين المؤمنين وأنفسهم.

لكننا هنا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم لمن تكون النصيحة؟ فقال: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» ومن هنا تكلم العلماء في هذه الجوانب الخمسة، وأنا سأذكر هنا موجزاً من قولهم في كلمات كذلك، هي كلمات أهل العلم التي تحمل معان غزيرة، وكلمات دقيقة، تعبر عن هذه الواجبات، ومن أجلّ ذلك وآكده، ماذكره الإمام الخطابي رحمه الله حيث قال: (وحقيقة هذه الأوصاف - أي المطلوبة – راجعة إلى العبد في نصحه نفسه، فإن الله سبحانه وتعالى غني عن نصح الناصحين) فالأمر يعود إلينا، وهذه الدوائر كلها متصلة بنا، وهي تبين الواجبات اللازمة علينا، والمنافع الحاصلة لنا عندما نؤدي هذا الأمر، «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» فيما نقل الإمام ابن دقيق العيد عن الخطابي وغيره قال: (النصيحة لله منصرفة إلى الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد، ووصفه بصفات الكمال والجلال، وتنزيهه عن جميع النقائص) أي أننا ننصح أنفسنا بأن نحقق توحيدنا وإيماننا كاملاً خالصاً، بعيداً عن الشرك والإلحاد والنقص الذي يعتلي كل انحراف عن جادة الإيمان الخالص، والتوحيد الصادق لله سبحانه وتعالى، ثم قالوا في الجانب العملي (والقيام بطاعته جل وعلا، واجتناب معصيته والحب فيه وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته والشكر عليها، والإخلاص في جميع الأمور) انظروا في الكلمة «لِلَّهِ» كل ذلك يندرج فلله كم في حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم من فوائد غزيرة ومعانٍ عظيمة، ثم أيضاً يكملون إلى الجانب العملي الآخر، ليس في ذات نفسك وإنما في واجبك تجاه أمتك وتجاه البشرية كلها، فيتم هذا الواجب وهذا النصح لله بالدعوة إلى جميع الأوصاف المذكورة، والحث عليها، والتلطف بالناس فيها، فنحن مطالبون أن نؤمن بالله وأن نستجيب لآثار هذا الإيمان في العمل، بما أمرنا الله به وما نهانا عنه، ثم كذلك بالدعوة وتبصير الخلق، وما أعظم هذه المهمة لأنها مهمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي جعل الشرف والانتساب فيها لأمته لمن قام بها، {قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (يوسف:108) (وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) والأمر قد يطول هنا، لأن بعض أهل العلم أضاف معانٍ جليلة، نصوا على أمور من المهم أن نلتفت إليها، فقال بعضهم في (النصيحة لله): (غيرته لله، فيغار إذا انتهكت محارمه، ويبطل كيد الكائدين، ويرد على الملحدين) لأن بعض الناس اليوم، يقولون نحن نريد الحرية، ويرون أن في الدين قيداً على الحرية، ونحن نقول إن الإنسان حريته الحقيقية في عبوديته لله، لأنه لابد أن يخضع الإنسان فخير له أن يخضع لخالقه، وخير له أن يذل، ويتزلف ويتضرع لمن له الفضل والمنة عليه أولاً وآخراً، وإن لا فسيكون عبداً لشيطانه، وسيكون عبداً لنفسه، وسيكون عبداً لغيره من البشر، وسيخاف ممن يطغى، وسيكون راغباً وراهباً من غير الله عزوجل والعياذ بالله، كما قال ابن القيم رحمه الله: (هربوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان) فالعبودية الحقة والنصح لله عزوجل هو الذي يحقق لنا الحرية، فلا يعود أحدنا عبداً لدرهم ولا لدينار ولا خميصة ولا خميلة ولا عبداً لغير الله عزوجل من كل خلقه، ومن أبى عبودية الله سلطت عليه أنواع من العبودية يذل لها نسأل الله عزوجل السلامة.

* كيف تكون النصيحة لله ولكتابه؟

 (النصح لله ولكتابه) هذا الذي قلناه بإيجاز في النصح لله، يمكن أن يكون له وقفات لا تنتهي في مقام ولا اثنين ولا أكثر من ذلك، لكننا هنا نوجز، (والنصيحة لله) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (كلام الله المشتمل أن يكون النصح لله أي لكتاب الله أن نؤمن بكتاب الله واشتماله على الأخبار الصادقة، والأحكام العادلة، والقصص النافعة، وأنه يجب أن يكون التحاكم إليه في كل شؤونا) فأعظم نصح لكتاب الله أن نحكّمه في حياتنا، ليس على مستوى الأمة والمجتمع فقط، بل على مستوى كل فرد وحده، بل على مستوى مافي داخل قلبك، لأن التحكيم بشرع الله عزوجل أمر يتصل بالإيمان، كما قال الحق سبحانه وتعالى {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} (النساء:65) لابد أن يكون هذا التحاكم عن رضًا تام، وقبول كامل، وحب للخضوع لأمر الله ولحكمه ولما جاء في كتابه، وإذا نظرنا كذلك إلى قول أبي الحسن أبي ذر من أحد شراح الحديث قال: (إقامته في تلاوته، وتحسينه عند قراءته، وتفهم مافيه، واستعماله والذب عنه من تأويل المحرفين، وطعن الطاعنين) فأيضاً من ذلك النصح أن نشنف الآذان، ونرطب الألسنة، ونحيي القلوب بدوام كتاب الله، تلاوةً صحيحةً حسنةً نتعلمها ونتقرب إلى الله بتعلمها، وكم فينا من تقصير وعندنا من تقصير في ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كما تعلمون عندما سمع أبا موسى الأشعري، قال: (لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) ورأي في تحسين صوته، وذكر ذلك في أمور كثيرة ونصوص وأحاديث معروفة، وأيضاً نجد في أمر القرآن ما أوجزه بكلام نفيس الإمام ابن القيم رحمه الله: (وأن هجر القرآن على أنواع، أوله وأعظمه هجره بالكلية فترك تلاوته، ثم قال وقد يكون يتلوه ولكنه لايحسن تلاوته، فذلك هجر، وقد يتلوه ويحسن تلاوته لكنه لايتدبر في معانيه، فيكون ذلك هجراً، وقد يتدبر في معانيه ولكنه لايعمل به، وقد يعمل به ولكنه لايدعوا إليه ويعلمه)، فكل ذلك دوائر ينبغي أن نلتفت إليها ونعتني بها، وهي جديرة أن يطول فيها حديثنا، ويعظم فيها تواصينا، ويكثر فيها التناصح بيننا، اليوم الفرص عظيمة، والأبواب مشرعة، والمساجد وحلقات التحفيظ من فاته شيء في عمره فليعوض في أبنائه وأحفاده، ولنجعل هذا ليس مجرد حفظ لكتاب الله، وإنما نجعله نوراً نستضيء به، فنجعل بناءً عليه واستناداً إليه واستمداداً منه وانتفاعاً به مزيداً من معرفة المعاني، وأسباب النزول والتدارس حولها، ما أجمل أن تجتمع الأسرة ولو يوماً في الأسبوع أو يومين في آخر الأسبوع، ليتلوا الآباء والأمهات مع أبنائهم بعض الآيات ويقرأوا شيئاً من تفسيرها ويحيوا بكتاب الله عزوجل بيوتهم، فتضيء قلوبهم قبل بيوتهم، ويكون لذلك الأثر التربوي العظيم، الذي أيضاً أحسب أننا مقصرون فيه، ونحتاج إلى تداركه.

قال «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» وقالوا في هذا الشأن كما بيّن الخطابي رحمه الله (تصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حياً وميتاً، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، واجابة دعوته، ونشر سنته، كل ذلك داخل من هذا الواجب في هذا النصح، ونفي التهمة عنها – أي عن سنته - والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعليمها وإعظامها وإجلالها، والتأدب عند قراءتها، والإمساك عن الكلام فيها بغير علم، وإجلال المنتسبين إليها، والتخلق بأخلاقه عليه الصلاة والسلام، والتأدب بآدابه، ومحبة أهل بيته، وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته، أو تعرض لأحد من أصحابه) كل ذلك في النصح لرسولنا صلى الله عليه وسلم، وهو نصح لأنفسنا في واجبنا تجاهه عليه الصلاة والسلام، إيماناً وتعظيماً وتوقيراً ومحبة واتباعاً، ودعوةً ونشراً لسيرته وسنته عليه الصلاة والسلام، وكم في هذا من تقصير وتفريط أيضاً عندنا، فإنني وجدت كثيراً من أبنائنا تغيب عنهم وعن أذهانهم ومحفوظاتهم صفحات جليلة عظيمة من السيرة، ونصوص كثيرة من الشمائل، فضلاً عن ما قد يستنبط ويذكّر به من تربية وتوجيه وإرشاد، سيّما وأن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم تشتمل على أعظم ما نفتقر إليه، ففيها الفهم السليم لكتاب الله عزوجل، والإسلام بكل مافيه، وفيها الامتثال الأمثل الأكمل الأفضل للتطبيق العملي لكتاب الله ولهذا الدين العظيم، فنحن قد عُصِمنا بعصمة رسول الله عليه الصلاة والسلام في فهم صحيح بينه لنا، ورد فيه على كل فهم غالٍ ومتطرف، أو فهم قاصرٍ وجافٍ، كل ذلك قد ورد في سنته في مواقف كثيرة، تعلمون منها كثيراً، الثلاثة الذين جاءوا زاروه فتقالوا عبادته فقال أحدهم أصوم فلا أفطر، وأصلي فلا أنام، وأصوم الدهر إلى آخر ذلك، فردهم إلى الاعتدال، وحبل لزينب رآه متدلياً فقال (مَهْ ، عَلَيْكُمْ مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ) (لِيُصَلِّي أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا) (إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ) (وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ)، كل ذلك موجود في هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكيف نبتت نوابت التطرف والتشدد؟ وكيف سارت مسيرة التسيب والتفلت؟ لأنها تركت هذا المستمسك العظيم، وتركت هذا النبع النقي الثري الغني، من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأحاديثه الشريفة وشمائله المنيفة، فإن في ذلك أمراً عظيماً مهماً نحن فيه مقصرون، لماذا لا نتلوا ونقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في كل أيامنا وسائر أوقاتنا؟ لماذا لا نخصص مع أبنائنا ذلك الكتاب العظيم من كتب الإسلام الذي شرق وغرب وهو من الكتب التي يطلق عليها العلماء التي بورك فيها فانتشرت، وهو كتاب الشمائل النبوية للإمام الترمذي، كتاب صغير لكن فيه كل جوانب حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، بل إني أزعم أن رياض الصالحين للإمام النووي لو قرأَته الأسرة في بيتها، لألمت بجل ما تحتاجه، من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم وسنته، لقد عمل أئمتنا وعلماؤنا من المحدثين عبر الأجيال أعمالاً علمية، وجهوداً علميةً ضخمة هائلة، ليس لها في تاريخ البشرية مثيل، ونحن اليوم وقد صار ذلك بين أيدينا وعند أطراف أصابعنا لانكاد نقرأ، كيف ألفوا هذه الكتب في وقت لم تكن فيه الأوراق ولا المحابر ولا هذه الأجهزة الحاسوبية، واليوم نحن عن قراءتها بل ربما حتى عن سماعها، اليوم كل هذه الكتب مسجلة تسجيلاً متقناً يكفيك أن تسمعها، أفعجزت أن تقرأها وعجزت أن تسمعها وتركت ذلك؟ وما زال كثير من هدي المصطفى وسنته لم تعلمه ولم تسمع به، ولم تقرأه، وما قرأت كتاباً كاملاً في سنته أو في سيرته، وقد مر بك من العمر ما مر من الزمن، كيف هذا وأين نحن من النصح لرسول الله إذا لم نقم بذلك كله؟ وهذا غيض من فيض، وقليل من كثير.

نسأل الله عزوجل أن يعيننا عليه، وأن يبلغنا إياه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية

معاشر المؤمنين

* النصيحة للأئمة المسلمين وعامتهم:

هذا الحديث العظيم الجليل لا ينقضي الوقت ولا الزمان في كمال ماينبغي أن يقال فيه، وأن يعرف من معانيه، ونحن نكمل ما نحن بأمس الحاجة إليه أيضاً مما هو قريب منا، ومتصل بنا مباشرةً (ولأئمة المسلمين وعامتهم) فالنصيحة هنا شاملة، ليس فيها كبير يعظم عليها، وليس فيها صغير لايلتفت له بها، هي لكل أحد صغيراً كان أو كبيراً عالماً أو متعلماً حاكماً أو محكوماً، لأن هذه حق بين المسلمين وواجب عليهم فيما بينهم، ولذا قال (ولأئمة المسلمين وعامتهم) بأبي هو وأمي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل ترون بعد هذا الإيجاز من القول أحداً خرج عن دائرة النصيحة والتناصح، لما قال أئمة المسلمين وعامتهم أي أنك مسؤول أو مطالب أن تنصح كل أحد من هذه الأمة ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، في أقصى الصين أو في أقصى الهند أو السند لأنه من عامة المسلمين، وكذلك كل إمام وكل حاكم وكل مسؤول عن قضية من قضايا المسلمين أنت مطالب بالنصح فيها، قال ابن دقيق العيد رحمه الله في النصح لأئمتهم قال: (معاونتهم على الحق، وهذا أول الواجبات وطاعتهم، وأمرهم به وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه، وما كان من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم بالسيف، وتأليف قلوب الناس لطاعتهم، والصلاة خلفهم والجهاد معهم، وأن يدعوا لهم بالصلاح) وأبو الحسن بن أبي ذر قال: (معاونتهم فيما تكلفوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وتقويمهم عند الهفوة، وسد خلتهم عند الحاجة، ونصرتهم في جمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم).

 وأنا أقول هنا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (النساء:59) وأنادي ولاة أمرنا، وأنصح ليس بقولي، وإنما بما بينه لنا رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم، والحق أن بعض ما سأذكره غيظ من فيض ولكن قليل ما سأذكره يكفي {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق:37) أن يرى عظمة المسؤولية، وجسامة الخطورة، وأنه قد تحمل عبئاً ثقيلاً، كل بقدره، ولي الأمر الأول، ومن دونه من الولاة، ومن دونهم من المسؤولين، لأننا نسوق هذا لعلمائنا وأمرائنا، فهم ولاة الأمر كما ذكر أهل التفسير في تفسير القرآن الكريم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المحفوظ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) أول ما ذكر بعد ذلك في التفصيل (الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) فإذا كانت رعيته اليوم عشرة ملايين فهو مسؤول عن عشرة ملايين، صغيرهم وكبيرهم، كل أمر يتصل بهم هو منوط به عنده فيه مسؤولية، قدره وحاجته أن يبذل أقصى مايستطيع، و{لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} (البقرة:286)، أما تقصيره وتفريطه سيحاسب عليه وانظروا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه النسائي في سننه وابن حبان في صحيحه قال: (إِنَّ اللَّهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ) وكلكم يعرف ما كان يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لو أن بغلة عثرت في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها، لم لم أسوِ لها الطريق؟) وكلنا يعرف من سيرة عمر بن عبدالعزيز لما تولى الخلافة كيف كان يبكي، ولما جاءته زوجه تسأله، قال: (لقد تحملت من أمر أمة محمد أمراً عظيماً) سيسأل وهذا قول الله سبحانه وتعالى وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيسأل، لن ينفعه حينئذٍ من جاه ولا مال ولا خدم ولا حشم، لأنه سيقف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ) بل إن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ، سَلِينِي مَا شِئْتِ، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم، وانتبهوا هنا لأن لا نظن أن المسؤولية في الأمارة فقط على المسؤول الأول والحاكم الأول، بل الأمر واسع كما قال عليه الصلاة والسلام فيما روى أحمد بإسناد جيد رجاله رجال الصحيح «مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلاَّ وَهُوَ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولاً حَتَّى يَفُكَّهُ الْعَدْلُ أَوْ يُوبِقَهُ الْجَورُ» مامن أمير عشرة، إما أن يعدل فيعتق، وإما أن يجور فيكون حسابه شديداً، ثم أيضاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ وَلاَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ» وفي رواية «أَغْلَقَ اللَّهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ ، دُونَ حَاجَتِهِ ، وَخَلَّتِهِ ، وَمَسْكَنَتِهِ» والحديث رواه أبو داود في سننه بسند صحيح، والأمر في هذا يطول، والأحاديث كثيرة والمسؤولية عظيمة، مسؤولية عن تفقد الأحوال، مسؤولية عن العدل بين الناس، مسؤولية عن تأمين معاشهم، وتوفير أرزاقهم، وإعانتهم في ذلك، ولما كانت عام الرمادة رأينا وتحدثنا من قبل كيف صنع عمر حتى إنه أبى أن يأكل شيئاً ما لم يأكل غيره من أبناء المسلمين، وأما عامة المسلمين فالنصح المقصود هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم العلم والشرع، وبذل المعروف والنصح، كل ذلك دائر.

أيها الأخوة المسلمين، لسنا بصدد أن نطيل الحديث ولا أن نفرعه، نحن نريد أن نقيم الحجة على أنفسنا، ونريد أن نعظم الأمانة أمامنا، ونريد أن نستحضر تقصيرنا ليكون ذلك كله عوناً لنا على أن نقوم بهذا الواجب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة) فهل نصحنا لله؟ وهل نصحنا لكتابه؟ وهل نصحنا لرسوله؟ وهل نصحنا للأئمة المسلمين وعامتهم كما يجب؟ أحسب أن في هذا تقصيراً وتفريطاً كل منا يدركه ويعرفه، ولو أننا أخذنا سعياً وجدّاً في هذا الباب، وسد ثلمته، والتقصير فيه، لحسن من أحوالنا، وصلح من أمورنا، ما الله سبحانه وتعالى عليم به مما نحن نشكو منه.

فنسأل الله عزوجل أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يرزقنا كمال النصح لله ولكتابه ولسنة رسوله، ولرسوله وللأئمة المسلمين وعامتهم، وأن يجعل بعضنا لبعض نصحه، وأن لايكون بعضنا لبعض غششه.

 اللهم إنا نسألك يا حي ياقيوم أن تطهر قلوبنا، وتزك نفوسنا، وتهذب أخلاقنا، وتخلص نياتنا، وتصلح أعمالنا، وتضاعف أجورنا، وتبلغنا فيما يرضيك أمالنا.

 

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0