أقوال بعض المفسرين في معنى (العزيز الجبار):

{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)} (سورة الحشر).

* من تفسير ابن كثير:

{السَّلامُ} أي: من جميع العيوب والنقائص؛ بكماله (1) في ذاته وصفاته وأفعاله.

وقوله: {الْمُؤْمِنُ} قال الضحاك، عن ابن عباس: [أي] (2) أمن خلقه من أن يظلمهم. وقال قتادة: أمَّن بقوله: إنه حق. وقال ابن زيد: صَدّق عبادَه المؤمنين في أيمانهم به.

وقوله: {الْمُهَيْمِنُ} قال ابن عباس وغير واحد: أي (3) الشاهد على خلقه بأعمالهم، بمعنى: هو رقيب عليهم، كقوله: {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [البروج: 9]، وقوله {ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ} [يونس: 46].

وقوله: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} الآية [الرعد: 33].

وقوله: {الْعَزِيزُ} أي: الذي قد عزّ كل شيء فقهره، وغلب الأشياء فلا ينال جنابه؛ لعزته وعظمته وجبروته وكبريائه؛ ولهذا قال: {الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} أي: الذي لا تليق الجَبْرّية إلا له، ولا التكبر إلا لعظمته، كما تقدم في الصحيح: (العَظَمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما عَذَّبته) [أخرجه أبو داود وابن ماجة].

وقال قتادة: الجبار: الذي جَبَر خلقه على ما يشاء.

وقال ابن جرير: الجبار: المصلحُ أمورَ خلقه، المتصرف فيهم بما فيه صلاحهم.

وقال قتادة: المتكبر: يعني عن كل سوء.

* من تفسير الطاهر بن عاشور:

{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الحشر: 23).

{الملك}: الحاكِم في الناس، ولا مَلِك على الإِطلاق إلاّ الله تعالى وأما وصف غيره بالمَلِك فهو بالإِضافة إلى طائفة معيَّنة من الناس. وعُقب وصفا الرحمة بوصف{الملك} للإِشارة إلى أن رحمته فضل وأنه مطلق التصرف كما وقع في سورة الفاتحة.

و{القدوس} مُنزه عن نقائص الملوك المعروفة من الغرور والاسترسال في الشهوات ونحو ذلك من نقائص النفوس.

و{السلام} مصدر بمعنى المسالَمَة وُصف الله تعالى به على طريقة الوصف بالمصدر للمبالغة في الوصف، أي ذو السلام، أي السلامة، وهي أنه تعالى سالَمَ الخلقَ من الظلم والجور. وفي الحديث «إن الله هو السلام ومنه السّلام» [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]وبهذا ظهر تعقيب وصف {الملك} بوصف {السلام} فإنه بعد أن عُقب بــ{القدوس} للدلالة على نزاهة ذاته، عُقب بــ{السلام} للدلالة على العدل في معاملته الخلق، وهذا احتراس أيضاً.

و{المؤمن} اسم فاعل من آمن الذي همزته للتعدية، أي جعل غيره آمناً.

وذكر وصف {المؤمن} عقب الأوصاف التي قبله إتمام للاحتراس من توهّم وصفه تعالى بــ{الملك} أنه كالملوك المعروفين بالنقائص. فأفيد أولاً نزاهة ذاته بوصف {القدوس}، ونزاهة تصرفاته المغيَّبة عن الغدر والكَيد بوصف {المؤمن}، ونزاهةُ تصرفاته الظاهرةِ عن الجور والظلم بوصف {السلام}.

و{المهيمن}: الرقيب بلغة قريش، والحافظ في لغة بقية العرب.

وفي «المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى» للغزالي {المهيمن} في حق الله: القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطلاعه واستيلائه وحفظه. وتعقيب {المؤمن} بــ{المهيمن} لدفع توهم أن تأمينه عن ضعف أو عن مخافة غيره، فأُعلموا أن تأمينه لحكمته مع أنه رقيب مطلع على أحوال خلقه فتأمينه إياهم رحمة بهم.

و{العزيز} الذي لا يُغلب ولا يُذلّه أحد، ولذلك فسر بالغالب.

و{الجبار}: القاهر المُكرِه غيره على الانفعال بفعله، فالله جبار كل مخلوق على الانفعال لما كوّنه عليه لا يستطيع مخلوق اجتياز ما حدّه له في خلقته.

وإذا وصف الإِنسان بالجبار كان وصف ذمّ لأنه يشعر بأنه يحمل غيره على هواه، ولذلك قال تعالى: {إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين} [القصص: 19]. وقيل: الجبار معناه المصلح من جبر الكَسر، إذَا أصلحه، فاشتقاقه لا نذرة فيه.

و{المتكبر}: الشديد الكبرياء، أي العظمة والجلالة.

ووجه ذكر هذه الصفات الثلاث (العزيز الجبار المتكبر) عقب صفة {المهيمن} أن جميع ما ذكره آنفاً من الصفات (القدوس السلام المؤمن) لا يؤذن إلا باطمئنان العباد لعناية ربهم بهم وإصلاح أمورهم وأن صفة {المهيمن} تؤذن بأمر مشترك فعقبت بصفة {العزيز} ليعلم الناس أن الله غالب لا يعجزه شيء. وأتبعت بصفة {الجبار} الدالة على أنّه مسخر المخلوقات لإِرادته ثم صفة {المتكبر} الدالة على أنه ذو الكبرياء يصغر كل شيء دون كبريائه، فكانت هذه الصفات في جانب التخويف كما كانت الصفات قبلها في جانب الإِطماع.

* من كتاب في ظلال القرآن:

ولكل اسم من هذه الأسماء الحسنى أثر في هذا الكون ملحوظ، واثر في حياة البشر ملموس. فهي توحي إلى القلب بفاعلية هذه الأسماء والصفات. فاعلية ذات أثر وعلاقة بالناس والأحياء. وليست هي صفات سلبية أو منعزلة عن كيان هذا الوجود، وأحواله وظواهره المصاحبة لوجوده.

{هو الله الذي لا إله إلا هو} فتتقرر في الضمير وحدانية الاعتقاد، ووحدانية العبادة، ووحدانية الاتجاه، ووحدانية الفاعلية من مبدأ الخلق إلى منتهاه. ويقوم على هذه الوحدانية منهج كامل في التفكير والشعور والسلوك، وارتباطات الناس بالكون وبسائر الأحياء. وارتباطات الناس بعضهم ببعض على أساس وحدانية الإله.

{عالم الغيب والشهادة} فيستقر في الضمير الشعور بعلم الله للظاهر والمستور. ومن ثم تستيقظ مراقبة هذا الضمير لله في السر والعلانية؛ ويعمل الإنسان كل ما يعمل بشعور المراقَب من الله المراقِب لله، الذي لا يعيش وحده، ولو كان في خلوة أو مناجاة! ويتكيف سلوكه بهذا الشعور الذي لا يغفل بعده قلب ولا ينام!.

{هو الرحمن الرحيم} فيستقر في الضمير شعور الطمأنينة لرحمة الله والاسترواح.

{المهيمن} وهذا بدء صفحة أخرى في تصور صفة الله سبحانه إذ كانت الصفات السابقة: {القدوس السلام المؤمن} صفات تتعلق مجردة بذات الله. فأما هذه فتتعلق بذات الله فاعلة في الكون والناس. توحي بالسلطان والرقابة.

وكذلك: {العزيز. الجبار. المتكبر} فهي صفات توحي بالقهر والغلبة والجبروت والاستعلاء. فلا عزيز إلا هو. ولا جبار إلا هو. ولا متكبر إلا هو. وما يشاركه أحد في صفاته هذه. وما يتصف بها سواه. فهو المتفرد بها بلا شريك.

* من تفسير السعدي:

{الْمُؤْمِنُ} أي: المصدق لرسله وأنبيائه بما جاءوا به، بالآيات البينات، والبراهين القاطعات، والحجج الواضحات.

{الْعَزِيزُ} الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء، وخضع له كل شيء، {الْجَبَّارُ} الذي قهر جميع العباد، وأذعن له سائر الخلق، الذي يجبر الكسير، ويغني الفقير، {الْمُتَكَبِّرِ} الذي له الكبرياء والعظمة، المتنزه عن جميع العيوب والظلم والجور.

{سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} وهذا تنزيه عام عن كل ما وصفه به من أشرك به وعانده.

{هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ} لجميع المخلوقات {الْبَارِئُ} للمبروءات {الْمُصَوِّرُ} للمصورات، وهذه الأسماء متعلقة بالخلق والتدبير والتقدير، وأن ذلك كله قد انفرد الله به، لم يشاركه فيه مشارك.

{لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى} أي: له الأسماء الكثيرة جدا، التي لا يحصيها ولا يعلمها أحد إلا الله هو، ومع ذلك، فكلها حسنى أي: صفات كمال، بل تدل على أكمل الصفات وأعظمها، لا نقص في شيء منها بوجه من الوجوه، ومن حسنها أن الله يحبها، ويحب من يحبها، ويحب من عباده أن يدعوه ويسألوه بها.

ومن كماله، وأن له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، أن جميع من في السماوات والأرض مفتقرون إليه على الدوام، يسبحون بحمده، ويسألونه حوائجهم، فيعطيهم من فضله وكرمه ما تقتضيه رحمته وحكمته، {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي لا يريد شيئا إلا ويكون، ولا يكون شيئا إلا لحكمة ومصلحة.

2- فوائد جليلة متعلقة بهذين الاسمين:

تكرر اقتران العزيز بالحكيم في القرآن الكريم في آيات كثيرة وذلك في نحو ستة وأربعين موضعًا كما في قوله تعالى: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وعن سر اقتران هذين الاسمين الكريمين، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: "فإن العزة: كمال القدرة، والحكمة: كمال العلم، وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى ما يشاء، ويأمر وينهى، ويثني، ويعاقب، فهاتان الصفتان: مصدر الخلق والأمر" الجواب الكافي.

ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "أن الجمع بين الاسمين (العزيز والحكيم) دال على كمالٍ آخر، وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظلماً وجوراً وسوء فعل، كما قد يكون من أعزاء المخلوقين، فإن العزيز قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيء التصرف، وكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعز الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته فإنها يعتريها الذل" القواعد المثلى.

* من بلاغة القرآن:

من كتاب إعراب القران الكريم وبيانه - محي الدين الدرويش:

ذكر الاصمعي أنه كان يقرأ (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم) وكان يسمعه أعرابي, فاعترضه وغلطه.. فراجع الاصمعي الآية فاذا بها {والله عزيز حكيم}. فقال للأعرابي كيف عرفت ذلك؟ فقال: يا هذا عز فحكم فقطع ولو غفر ورحم لما قطع، فدهش الاصمعي وأفحم، وفي البلاغة هناك فن التخيير.. قال تعالى {إن تعذبهم فانهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (المائدة: 118).

في الآية أعلاه: أن البداهة البدائية تقتضي بأن تكون الفاصلة: (إنك أنت الغفور الرحيم) لملاءمتها لقوله (إن تغفر) ولمناسبة ما بين الغفران والغفور.. لكن هؤلاء استحقوا العذاب دون الغفران فيجب أن تكون الفاصلة (العزيز الحكيم).. العزيز تعني الممتنع، لأن الله سبحانه ممتنع عن القهر والمعارضة. ولا بد أن يصف نفسه بالحكمة بعد العزة, لأنه الحكيم الذي يضع كل شيء موضعه.

* من دعاء الركوع:

ورد في سنن النسائي والترمذي عن عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَلَمَّا رَكَعَ مَكَثَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: (سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ) [أخرجه أبو داود والنسائي].

3- فائدة حول مسألة اسم الله الأعظم:

أصح ما ورد في هذه المسألة حديثان هما:

حديث بريدة: فعن بريدة أن رسول الله سمع رجلاً يقول: اللهم إني أسالك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال: (لقد سألت الله تعالى بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب) [أخرجه أبو داود في سننه ] وفي رواية: (لقد سألت الله تعالى باسمه الأعظم).  قال ابن حجر: إن هذا الحديث أرجح ما ورد في الاسم الاعظم من حيث السند. وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وصححه الألباني.
حديث أنس: فعن أنس انه كان مع رسول الله جالساً ورجل يصلي ثم دعا: اللهم إني أسالك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السماوات والأرض ياذا الجلال والإكرام ياحي ياقيوم، فقال النبي: (لقد دعا الله تعالى باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى) [أخرجه النسائي وأبو دواد].

قال الألباني: واعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين اسم الله الأعظم على أربعة عشر قولاً، ساقها الحافظ في "الفتح"، وذكر لكل قول دليله، وأكثرها أدلتها من الأحاديث وللإمام ابن حجر رحمه الله قولٌ خالف به العلماء الذي توجهوا لتحديد اسم الله الأعظم، وهو أنه لا يوجد هناك اسم من أسماء الله أعظم من غيره، بل كلها عظيمة، وما قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذكره لــ"اسم الله الأعظم" إلا من باب الحثِّ على الدعاء والزيادة فيه، وأن المقصود من "أعظم" عظيم. أو أن اسم الله الأعظم موجود ولكن الله اختص به لنفسه ولم يطلعه على أحد.
قال العلامة السعدي رحمة الله
: والتحقيق أن الاسم الأعظم اسم جنس لا يراد به اسم معين، فإن أسماء الله نوعان:

أحدهما: ما دل على صفة واحدة أو صفتين أو تضمن أوصافا معدودة.

والثاني : ما دل على جميع ما لله من صفات الكمال، وتضمن ما له من نعوت العظمة والجلال والجمال، فهذا النوع هو الاسم الأعظم لما دل عليه من المعاني التي هي أعظم المعاني وأوسعها.
فالله اسم أعظم، وكذلك الصمد، وكذلك الحي القيوم، وكذلك الحميد المجيد، وكذلك الكبير العظيم، وكذلك المحيط.

وهذا التحقيق هو الذي تدل عليه التسمية وهو مقتضى الحكمة، وبه أيضا تجتمع الأقوال الصحيحة كلها، والله اعلم. انتهى كلام السعدي.

4- فائدة: هل اسم المنتقم من أسماء الله الحسنى؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: واسم "المنتقم" ليس من أسماء الله الحسنى الثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم وإنما جاء في القرآن مقيداً  كقوله تعالى {إنا من المجرمين منتقمون} وقوله {إن الله عزيز ذو انتقام} والحديث الذي في عدد الأسماء الحسنى الذي يذكر فيه "المنتقم" فذكر في سياقه "البر التواب المنتقم العفو الرؤوف": ليس هو عند أهل المعرفة بالحديث من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. "مجموع الفتاوى" (8/96 (وقال:
وكذلك الأسماء التي فيها ذكر الشر لا تذكر إلا مقرونة كقولنا :الضار، النافع، المعطي، المانع، المعز، المذل، أو مقيدة كقوله {إنا من المجرمين منتقمون}. "مجموع الفتاوى" (14/276).

قال ابن عثيمين عندما تكلم عن أقسام الأسماء والصفات:

القسم الثالث: ما لا يكون كمالاً عند الإطلاق؛ ولكن هو كمال عند التقييد؛ فهذا لا يجوز أن يوصف به إلا مقيداً، مثل: الخداع، والمكر، والاستهزاء، والكيد. فلا يصح أن تقول: إن الله ماكر على سبيل الإطلاق، ولكن قل: إن الله ماكر بمن يمكر به وبرسله، ونحو ذلك.

هل "المنتقم" من جنس الماكر، والمستهزئ؟

الجواب: مسألة "المنتقم" اختلف فيها العلماء؛ منهم من يقول: إن الله لا يوصف به على سبيل الإفراد، وإنما يوصف به إذا اقترن بــ"العفوّ"؛ فيقال: "العفوُّ المنتقم"؛ لأن "المنتقم" على سبيل الإطلاق ليس صفة مدح إلا إذا قُرِن بــ"العفوّ"؛ ومثله أيضاً المُذِل: قالوا: لا يوصف الله سبحانه وتعالى به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بــ"المُعِز"؛ فيقال: "المعزُّ المُذل"؛ ومثله أيضاً "الضار": قالوا: لا يوصف الله سبحانه وتعالى به على سبيل الإفراد إلا إذا قُرِن بــ"النافع"؛ فيقال: "النافع الضار"؛ ويسمون هذه: الأسماء المزدوجة.

ويرى بعض العلماء أنه لا يوصف به على وجه الإطلاق. ولو مقروناً بما يقابله. أي إنك لا تقول: العفوّ المنتقم؛ لأنه لم يرد من أوصاف الله سبحانه وتعالى "المنتقم"؛ وليست صفة كمال بذاتها إلا إذا كانت مقيدة بمن يستحق الانتقام؛ ولهذا يقول عزّ وجلّ: {إنا من المجرمين منتقمون} [السجدة: 22]، وقال عزّ وجلّ: {والله عزيز ذو انتقام} [آل عمران: 4] ؛ وهذا هو الذي يرجحه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ والحديث الذي ورد في سرد أسماء الله الحسنى، وذُكر فيه المنتقم غير صحيح؛ بل هو مدرج؛ لأن هذا الحديث فيه أشياء لم تصح من أسماء الله؛ وحذف منها أشياء هي من أسماء الله. مما يدل على أنه ليس من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم. انتهى كلام ابن عثيمين.

قال الشيخ عمر الأشقر: فلا يجوز أن يسمى الرب تبارك وتعالى بالأسماء المذمومة، وكذلك بالصفات التي تشعر بالذم: كالمخادع، والماكر، والمنتقم. "أسماء الله وصفاته" (ص 58).
5- أثر الإيمان بهذين الاسمين (العزيز الجبار):

قال ابن القيم رحمه الله: [وأكمل الناس عبودية  المتعبد  بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر فلا تحجبه عبودية اسم عن عبودية اسم آخر كمن يحجبه التعبد باسمه القدير عن التعبد باسمه الحليم الرحيم أو يحجبه عبودية اسمه المعطي عن عبودية اسمه المانع أو عبودية اسمه الرحيم والعفو والغفور عن اسمه المنتقم أو التعبد بأسماء التودد والبر واللطف والإحسان عن أسماء العدل والجبروت والعظمة والكبرياء ونحو ذلك وهذه طريقة الكمل من السائرين إلى الله وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180].

ومن ثمرات الإيمان بالأسماء والصفات ومنها هذان الاسمان (العزيز الجبار):

1- أن العبد يسعى إلى الاتصاف والتحلِّي بها على ما يليق به، فالله كريم يحب الكرماء، رحيم يحب الرحماء، رفيق يحب الرفـق، فإذا علم العبد ذلك؛ سعى إلى التحلي بصفات الكرم والرحمة والرفق، والله هو (العزيز) ويحب المعتزين به وبطاعته {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يفقهون} {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا} وقال عمر بن الخطاب في قصة فتح بيت المقدس (نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله) وهكذا في سائر الصفات التي يحب الله تعالى أن يتحلَّى بها العبد على ما يليق بالعبد.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: [وأحب الخلق إلى الله من اتصف بمقتضيات صفاته فإنه كريم يحب الكريم من عباده وعالم يحب العلماء وقادر يحب الشجعان وجميل يحب الجمال، وهو سبحانه وتعالى رحيم  يحب الرحماء وإنما يرحم من عباده الرحماء وهو ستير  يحب من يستر على عباده وعفو  يحب من يعفو عنهم من عباده وغفور  يحب  من يغفر لهم من عباده ولطيف  يحب من اللطيف من عباده ويبغض الفظ الغليظ القاسي الجعظري الجواظ ورفيق  يحب الرفق وحليم  يحب الحلم، ومن عامل خلقه بصفة عامله الله تعالى بتلك الصفة بعينها في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لعبده على ما حسب ما يكون العبد لخلقه، فكما تدين تدان وكن كيف شئت فان الله تعالى لك كما تكون أنت لعباده].

2- تورث تعظيم الله تعظيما يليق بجلاله وعظمته فسبحانه هو قاهر الجبابرة وقاصم ظهور القياصرة ومدمر الأكاسرة ومذل الفراعنة، قال الشيخ السعدي رحمه الله: وهو تعالى موصوف بكل صفة كمال، وله من ذلك الكمال الذي وصف به أكمله وأعظمه وأجله، فله العلم المحيط، والقدرة النافذة، والكبرياء والعظمة، حتى أن من عظمته أن السموات والأرض في كف الرحمن كالخردلة في يد المخلوق، وهو تعالى يستحق على العباد أن يعظموه بقلوبهم وألسنتهم وأعمالهم، وذلك ببذل الجهد في معرفته ومحبته، والذل له والخوف منه، وإعمال اللسان بالثناء عليه، وقيام الجوارح بشكره وعبوديته. ومن تعظيمه أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، ومن تعظيمه وإجلاله أن لا يُعترض على شيء مما خلقه أو شرعه، بل يخضع لحكمته، وينقاد لحكمه.

وتعظيم الله تعالى يورث العبد الذل والافتقار بين يديه سبحانه وتعالى [يحكى عن بعض العارفين أنه قال: دخلت على الله من  أبواب الطاعات كلها فما دخلت من باب إلا رأيت عليه الزحام فلم أتمكن من الدخول حتى جئت باب الذل والافتقار فإذا هو أقرب باب إليه وأوسعه ولا مزاحم فيه ولا معوق فما هو إلا أن وضعت قدمي في عتبته فإذا هو سبحانه قد أخذ بيدي وأدخلني عليه].

3- تورث العبد محبة الله جل جلاله: من تأمل أسماء الله وصفاته وتعلق بها طرحه ذلك على باب المحبة، وفتح له من المعارف والعلوم أمورا لا يعبر عنها، وإن من عرف الله أورثه ذلك محبة له سبحانه وتعالى.

وهذه المحبة عاطفة شرعية إيمانية وعبادة قلبية وهي محبة إجلال وتعظيم، ومحبة طاعة وانقياد يبرهن بها العبد على صدق عبوديته لمولاه تعالى. فالمحبة هي ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته واعتقاد جماله وكماله وجلاله، والاعتراف بإحسانه وإنعامه.

4- تورث اليقين والطمأنينة والثقة الكاملة فى الله وفى نصره وتأييده للفئة المؤمنة فمهما عظمت المحن والابتلاءت فالمؤمن بالله الجبار يحمل ثقة فى الله لا تهتز، إن قلب العبد لا يزال يهيم على وجهه في أودية القلق وتعصف به رياح الاضطراب حتى يخالط الإيمان بأسماء الرب تعالى وصفته بشاشة قلبه، فحينئذ يبتهج قلبه ويأنس بقربه من معبوده جل جلاله ويحيا حياة طيبة ويصبح فارغا إلا من ذكر الله تعالى وذكر أسمائه وصفاته ويأتيه من روح اللذة والنعيم السرور وريحان الأمان والطمأنينة والحبور ما يعجز عن ذكره التعبير ويقصر عن بيانه التقرير.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: [وحقيقة الطمأنينة التي تصير بها النفس مطمئنة أن تطمئن في باب معرفة أسمائه وصفاته ونعوت كما له إلى خبره الذي أخبر به عن نفسه وأخبرت به عنه رسله فتتلقاه بالقبول والتسليم والإذعان وانشراح الصدر له وفرح القلب به فإنه معرفة من معرفات الرب سبحانه إلى عبده على لسان رسوله فلا يزل القلب في أعظم القلق والاضطراب في هذا الباب حتى يخالط الإيمان بأسماء الرب تعالى وصفاته وتوحيده وعلوه على عرشه وتكلمه بالوحي بشاشة قلبه فينزل ذلك عليه نزول الماء الزلال على القلب الملتهب بالعطش فيطمئن إليه ويسكن إليه ويفرح به ويلين له قلبه ومفاصله حتى كأنه شاهد الأمر كما أخبرت به الرسل بل يصير ذلك لقلبه بمنزلة رؤية الشمس في الظهيرة لعينه فلو خالفه في ذلك من بين شرق الأرض وغربها لم يلتفت إلى خلافهم وقال إذا استوحش من الغربة: قد كان الصديق الأكبر مطمئنا بالإيمان وحده وجميع أهل الأرض يخالفه وما نقص ذلك من طمأنينة شيئا، فهذا أول درجات الطمأنينة ثم لا يزال يقوى كلما سمع بآية متضمنة لصفة من صفات ربه وهذا أمر لا نهاية له فهذه الطمأنينة أصل أصول الإيمان التي قام عليه بناؤه[.

5- تورث زيادة الإيمان: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: [من عرف أسماء الله ومعانيها فآمن بها كان إيمانه أكمل ممن لم يعرف تلك الأسماء بل آمن بها إيمانا مجملا] فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانه، وقوي يقينه. فينبغي للمؤمن: أن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات.

6- تورث زيادة في الطاعات البدنية: لما كان القلب للجوارح [كالملك المتصرف في الجنود الذي تصدر كلها عن أمره ويستعملها فيما يشاء فكلها تحت عبوديته وقهره وتكسب منه الاستقامة والزيغ وتتبعه فيما يعقده من العزم أو يلحه]؛ كانت لهذه الثمرات التي يجنيها القلب من توحيد الله بأسمائه وصفاته سريان إلى الجوارح، ولا بدَّ، فكلما [قوي سراج الإيمان في القلب وأضاءت جهاته كلها به وأشرق نوره في أرجائه سرى ذل النور إلى الأعضاء وانبعث إليها فأسرعت الإجابة لداعي الإيمان وانقادت له طائعة مذللة غير متثاقلة ولا كارهة بل تفرح بدعوته حين يدعوها].

7- معرفة الأسماء والصفات تجعل العبد يتنقل بين درجات الرجاء والخوف: فالخوف والرجاء جناحا الإيمان وبهما يصل العبد لمرضاة الرحمن، ويظهر أثر الإيمان باسم الله (العزيز) بأنه سبحانه يعز من أطاعه ويذل من عصاه، وقد قال أحد الحسن البصري عن الجبارين والمتكبرين (إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين إن ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه).

ويظهر أثر الإيمان باسم الله (الجبار) بأنه سبحانه هو المعنيّ بجبر عباده الضعفاء برحمته ورعايته وجعلهم في كنفه وفي حفظه، وكذلك يدل هذا الاسم (الجبار) بأنه هو الذى يقهر الجبابرة ويغلبهم بجبروته وعظمته فكل جبار وإن عظم فهو تحت قهر الله وجبروته، سبحانه دان لعظمته كل شىء وخضع لجبروته كل مخلوق، ويظهر أثر الإيمان بالأسماء الحسنى والصفات العلى في مواطن عدة منها:

* أن العبد إذا آمن بصفة [الحب والمحبة] لله تعالى وأنه سبحانه [رحيم ودود] استأنس لهذا الرب، وتقرَّب إليه بما يزيد حبه ووده له،وحبُّ الله للعبد مرتبطٌ بحبِ العبدِ لله، وإذا غُرِست شجرةُ المحبة في القلب، وسُقيت بماء الإخلاص،ومتابعة الحبيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أثمرت أنواعَ الثمار، وآتت أُكُلَها كلَّ حينٍ بإذن ربها.

* ومنها: أنه إذا آمن العبد بصفات: [العلم، والإحاطة، والمعية] أورثه ذلك الخوف من الله عَزَّوجَلَّ المطَّلع عليه الرقيب الشهيد، فإذا آمن بصفة [السـمع] علم أن الله يسمعه؛ فلا يقول إلا خيراً، فإذا آمن بصفات [البصر، والرؤية، والنظر، والعين] علم أن الله يراه ؛ فلا يفعل إلا خيراً.

* ومن ثمرات الإيمان بصفات الله: ألا ينازع العبدُ اللهَ في صفة [الحكم، والألوهية، والتشريع، والتحليل، والتحريم] فلا يحكم إلا بما أنزل الله، ولا يتحاكم إلا إلى ما أنزل الله. فلا يحرِّم ما أحلَّ الله، ولا يحل ما حرَّم الله.

* ومن ثمرات الإيمان بصفات الله عَزَّ وجَلَّ: تَنْزِيه الله وتقديسه عن النقائص، ووصفه بصفات الكمال، فمن علم أن من صفاته [القُدُّوس، السُّبُّوح ] نَزَّه الله مـن كلِّ عيبٍ ونقصٍ.

8- يورث العبد حسن الظن بالله: القلب الممتلئ بأسماء الله وصفاته علما ومعرفة يضع الرجاء بالله تعالى وحسن الظن في محله اللائق به، فحسن الظن إنما يكون مع انعقاد أسباب النجاة وأما مع انعقاد أسباب الهلاك فلا يتأتي إحسان الظن. فإن قيل: بل يتأتي ذلك ويكون مستند حسن الظن سعة مغفرة الله ورحمته وعفوه وجوده وأن رحمته سبقت غضبه وأنه لا تنفعه العقوبة ولا يضره العفو قيل: الأمر هكذا والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة والانتقام وشدة البطش وعقوبة من يستحق العقوبة فلو كان معول حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه لاشترك في ذلك البر والفاجر والمؤمن والكافر ووليه وعدوه فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته وقد باء بسخطه وغضبه وتعرض للعنته وأوقع في محارمه وانتهك حرماته بل حسن الظن ينفع من تاب وندم وأقلع وبدل السيئة بالحسنة واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة ثم أحسن الظن فهذا حسن ظن، والأول غرور والله المستعان.

9- الإيمان بهذين الاسمين يورث في القلب كمال العبودية وصدق اللجوء إلى الله في الشدائد فإذا كنت مظلوما الجأ الى الله وإذا كنت مستضعفا فالجأ إلى الله فليس للمنكسرين نصير إلا الله.

ومن تأمل حديث البخاري الذي رواه عن عبدالله بن مسعود قال: جَاءَ حَبْرٌ مِنْ الْيَهُودِ فَقَالَ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ وَالْخَلَائِقَ عَلَى إِصْبَعٍ ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ فَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر:67) [أخرجه البخاري].