الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذه قصة نبي الله إبراهيم عليه السلام استلت واختصرت من كتاب البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله فإلى تفاصيل القصة نقف عند دروسها وعبرها يحدونا التدبر والعمل.

* نسبه:

ذكر الخلاف في اسم أبيه:

هو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ  بن راغو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. هذا نص أهل الكتاب في كتابهم.

وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين}.

هذا يدل على أن اسم أبي إبراهيم آزر. وجمهور أهل النسب منهم ابن عباس على أن اسم أبيه تارخ. وأهل الكتاب يقولون: تارخ بالخاء المعجمة. فقيل: إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر. وقال ابن جرير: والصواب أن اسمه آزر، ولعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب، والآخر علم، وهذا الذي قاله محتمل، والله أعلم.

وحكى الحافظ ابن عساكر  أن اسم أم إبراهيم أميلة، وقال الكلبي: اسمها نونا.

* نشأته وزواجه بسارة:

روى ابن عساكر: كان إبراهيم عليه السلام يكنى أبا الضيفان، قالوا: ولما كان عمر تارخ 75 سنة ولد له إبراهيم عليه السلام، وناحور، وهاران، وولد لهاران لوط. وعندهم أن إبراهيم عليه السلام هو الأوسط، وأن هاران مات في حياة أبيه في أرضه التي ولد فيها، وهي أرض الكلدانيين يعنون أرض بابل. وهذا هو الصحيح المشهور عند أهل السير والتواريخ والأخبار، وولد إبراهيم  ببابل.

تزوج إبراهيم سارة، وكانت سارة عاقرا لا تلد. وانطلق تارخ بابنه إبراهيم، وامرأته سارة، وابن أخيه لوط بن هاران، فخرج بهم من أرض الكلدانيين إلى أرض الكنعانيين وهي بلاد بيت المقدس وما حولها من أرض الشام فأقاموا بحران، فمات فيها تارخ وله 250 سنة، وكانوا يعبدون الكواكب السبعة  والأصنام بأنواع من الفعال والمقال؛ ويعملون لها أعيادا وقرابين، وكل من كان على وجه الأرض كانوا كفارا سوى إبراهيم الخليل، وامرأته، وابن أخيه لوط عليهم السلام. وكان الخليل عليه السلام هو الذي أزال الله به تلك الشرور، وأبطل به ذاك الضلال. فإن الله سبحانه وتعالى آتاه رشده في صغره، وابتعثه رسولا، واتخذه خليلا في كبره. قال تعالى: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين} [الأنبياء: 51] أي كان أهلا لذلك.

* دعوته لأبيه:

كان أول دعوته لأبيه، وكان أبوه ممن يعبد الأصنام؛ لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له، كما قال تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا. إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا. يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا. يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا. يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا. قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا. قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا. وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا} [مريم: 41-48]. يذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة، وكيف دعا أباه إلى الحق بألطف عبارة وأحسن إشارة، بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأصنام التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه، كيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر؟ ثم قال منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع، وإن كان أصغر سنا من أبيه يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا. أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا، يفضي بك إلى الخير في دنياك وأخراك، فلما عرض هذا الرشد عليه، وأهدى هذه النصيحة إليه لم يقبلها منه، ولا أخذها عنه بل تهدده وتوعده قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك. قيل: بالمقال. وقيل: بالفعال، واهجرني مليا أي واقطعني وأطل هجراني فعندها قال له إبراهيم: سلام عليك أي لا يصلك مني مكروه، ولا ينالك مني أذى، بل أنت سالم من ناحيتي، وزاده خيرا فقال: سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا. قال ابن عباس وغيره: أي لطيفا. يعني في أن هداني لعبادته والإخلاص له؛ ولهذا قال: وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا.

وقد استغفر له إبراهيم عليه السلام كما وعده في أدعيته، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه، كما قال تعالى: {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} (التوبة: 114).

وروى البخاري عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة. فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني. فيقول له أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني ألا تخزني يوم يبعثون، وأي خزي أخزى من أبي الأبعد. فيقول الله: إني حرمت الجنة على الكافرين، ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك، فينظر فإذا هو بذبخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار.

* دعوته لقومه من عباد الكواكب:

قال تعالى: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين. فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين. فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين. فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال ياقوم إني بريء مما تشركون. إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون. وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون. الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون. وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [ الأنعام: 75-83]. وهذا المقام مقام مناظرة لقومه، وبيان لهم أن هذه الأجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية، ولا أن تعبد مع الله عز وجل؛ لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة وتأفل أخرى، فتغيب عن هذا العالم، والرب تعالى لا يغيب عنه شيء. ولا تخفى عليه خافية، بل هو الدائم الباقي بلا زوال لا إله إلا هو ولا رب سواه، فبين لهم أولا عدم صلاحية الكوكب لذلك ترقى منها إلى القمر الذي هو أضوأ منها وأبهى منها حسنا، ثم ترقى إلى الشمس التي هي أشد الأجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء، فبين أنها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة، كما قال تعالى: {ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} [ فصلت: 37]. ولهذا قال: فلما رأى الشمس بازغة. أي طالعة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا. أي لست أبالي في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل، بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها، أو مصنوعة منحوتة منجورة.

والظاهر أن موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كان يعبدونها.

* دعوته لقومه من عباد الأصنام:

وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام، وهم الذين ناظرهم في عبادتها، وكسرها عليهم وأهانها وبين بطلانها، كما قال تعالى: {وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين}.

وقال في سورة الأنبياء: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين. إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون. قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين. قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين. قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين. قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين. وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين. فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون. قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين. قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون. قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم. قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون. ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم. أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون. قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين} [الأنبياء: 51-70].

وقال في سورة الشعراء: {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين} (الشعراء: 69-83).

وقال تعالى: {وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} (العنكبوت: 16–27).

وقال تعالى في سورة الصافات: {وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم فتولوا عنه مدبرين فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين} (الصافات: 83–98).

يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله عليه السلام أنه أنكر على قومه عبادة الأوثان، وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون. أي معتكفون عندها وخاضعون لها، قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين. ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد، وما كانوا عليه من عبادة الأنداد، قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين. كما قال تعالى: {إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين}. قال قتادة: فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره. وقال لهم: هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون. سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا، وإنما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم، ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال؛ ولهذا قال لهم: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين. وهذا برهان قاطع على بطلان إلهية ما ادعوه من الأصنام؛ لأنه تبرأ منها وتنقص بها، فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لأثرت فيه، قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين. يقولون: هذا الكلام الذي تقوله لنا وتنتقص به آلهتنا وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا، قال: بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين. يعني: بل أقول لكم ذلك جادا محقا، وإنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو ربكم، ورب كل شيء فاطر السماوات والأرض الخالق لهما على غير مثال سبق، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنا على ذلكم من الشاهدين. وقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين. أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين إلى عيدهم. قيل: إنه قال هذا خفية في نفسه. وقال ابن مسعود: سمعه بعضهم. وكان لهم عيد يذهبون إليه في كل عام مرة إلى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره، فقال: إني سقيم كما قال تعالى: {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم}. عرض لهم في الكلام حتى توصل إلى مقصوده من إهانة أصنامهم، ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر، وأن تهان غاية الإهانة، فلما خرجوا إلى عيدهم، واستقر هو في بلدهم فراغ إلى آلهتهم. أي ذهب إليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم، وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الأطعمة قربانا إليها، فقال لها على سبيل التهكم والازدراء: ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون فراغ عليهم ضربا باليمين؛ لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر، فكسرها بقدوم في يده، كما قال تعالى: {فجعلهم جذاذا أي حطاما كسرها كلها إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون}. قيل: إنه وضع القدوم في يد الكبير إشارة إلى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار، فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين.

وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون، وهو ما حل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها، فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء، لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم: من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها، فهو المقيم عليها والكاسر لها، وعلى قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين. قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون. أي في الملأ الأكبر على رءوس الأشهاد لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه، وكان هذا أكبر مقاصد الخليل عليه السلام أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه، كما قال موسى عليه السلام لفرعون: موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى  فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا: قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال بل فعله كبيرهم هذا. قيل: معناه هو الحامل لي على تكسيرها، وإنما عرض لهم في القول فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وإنما أراد بقوله هذا أن يبادروا إلى القول أن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون. أي فعادوا على أنفسهم بالملامة فقالوا: إنكم أنتم الظالمون. أي في تركها لا حافظ لها، ولا حارس عندها ثم نكسوا على رءوسهم. قال السدي: أي ثم رجعوا إلى الفتنة فعلى هذا يكون قوله: إنكم أنتم الظالمون. أي في عبادتها. وقال قتادة أدركت القوم حيرة سوء أي فأطرقوا، ثم قالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل عليه السلام: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون. كما قال: فأقبلوا إليه يزفون. قال مجاهد: يسرعون. قال أتعبدون ما تنحتون. أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة، وتصورونها وتشكلونها كما تريدون والله خلقكم وما تعملون؟ وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الذي فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون وهذه الأصنام مخلوقة، فكيف يعبد مخلوق مخلوقا مثله فإنه ليس عبادتكم  لها بأولى من عبادتها لكم، وهذا باطل فالآخر باطل للتحكم؛ إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له.

* محاولة قومه إحراقه في النار والمعجزة في ذلك:

قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم فأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين. عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا، ولم تبق لهم حجة ولا شبهة إلا استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم، فكادهم الرب جل جلاله وأعلى كلمته ودينه وبرهانه، كما قال تعالى: {قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين. قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم. وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين}. وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الأماكن، فمكثوا مدة يجمعون له حتى إن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم، ثم عمدوا إلى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب، وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت، وعلاها شرر لم ير مثله قط، ثم وضعوا إبراهيم عليه السلام في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له هيزن، وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه، وهو يقول: لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. فلما وضع الخليل عليه السلام في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا، ثم ألقوه منه إلى النار قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. كما روى البخاري، عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل. قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} [آل عمران: 173-174].

وروى أبو يعلى عن أبي هريرة قال: قال صلى الله عليه وسلم: (لما ألقي إبراهيم في النار قال: اللهم إنك في السماء واحد، وأنا في الأرض واحد أعبدك) [اخرجه البزار في مسنده].

قال علي بن أبي طالب أي لا تضريه، وقال ابن عباس وأبو العالية: لولا أن الله قال: وسلاما على إبراهيم لآذى إبراهيم بردها. وقال كعب الأحبار: لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار، ولم يحرق منه سوى وثاقه. وقال الضحاك: يروى أن جبريل عليه السلام كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شيء غيره. وقال السدي: كان معه أيضا ملك الظل. وصار إبراهيم  عليه السلام في مثل الجونة حوله النار، وهو في روضة خضراء، والناس ينظرون إليه لا يقدرون على الوصول إليه، ولا هو يخرج إليهم فعن أبي هريرة أنه قال: أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال: نعم الرب ربك يا إبراهيم.

فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا، وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا، وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا قال الله تعالى: {وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين}. وفي الآية الأخرى: الأسفلين ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا، وأما في الآخرة فإن نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما، ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما، بل هي كما قال تعالى: إنها ساءت مستقرا ومقاما.

عن أم شريك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ. وقال : (كان ينفخ على إبراهيم) [أخرجه البخاري]. ورواه مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ على إبراهيم النار. قال: فكانت عائشة تقتلهن .

عن سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة قالت دخلت على عائشة  فرأيت في بيتها رمحا موضوعا فقلت: يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح؟ قالت: هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا تطفئ النار عنه غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله [أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم 24824].

* ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد أن ينازع العظيم الجليل في إزار العظمة ورداء الكبرياء فادعى الربوبية وهو أحد العبيد الضعفاء:

قال الله تعالى: {ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين} [البقرة: 258]. يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد الذي ادعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل عليه السلام دليله، وبين كثرة جهله وقلة عقله، وألجمه الحجة وأوضح له طريق المحجة.

قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار: وهذا الملك هو ملك بابل، واسمه النمرود بن كنعان وكان أحد ملوك الدنيا. فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة مؤمنان وكافران، فالمؤمنان؛ ذو القرنين وسليمان. والكافران؛ النمرود وبختنصر، وذكروا أن نمرودا هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة، وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا، وآثر الحياة الدنيا، ولما دعاه إبراهيم الخليل إلى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الإمهال على إنكار الصانع، فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية، فلما قال له الخليل: ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت.

قال قتادة: يعني أنه إذا أتي بالرجلين قد تحتم قتلهما فإذا أمر بقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر، وهذا ليس بمعارضة للخليل، بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة ليس بمنع ولا بمعارضة، بل هو تشغيب محض، وهو انقطاع في الحقيقة، فإن الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات؛ من إحياء الحيوانات وموتها على وجود فاعل ذلك الذي لا بد من استنادها إلى وجوده ضرورة، وعدم قيامها بنفسها، ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة؛ من خلقها وتسخيرها وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر، وخلق هذه الحيوانات التي توجد مشاهدة ثم إماتتها. ولهذا قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت. فقول هذا الملك الجاهل: أنا أحيي وأميت. إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند، وإن عنى ما ذكره قتادة فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل؛ إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل، ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم، ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود، وانقطاعه جهرة قال فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها، وهو الله الذي لا إله إلا هو خالق كل شيء، فإن كنت كما زعمت من أنك الذي تحيي وتميت، فأت بهذه الشمس من المغرب، فإن الذي يحيي ويميت هو الذي يفعل ما يشاء، ولا يمانع ولا يغالب، بل قد قهر كل شيء، ودان له كل شيء، فإن كنت كما تزعم فافعل هذا، فإن لم تفعله فلست كما زعمت، وأنت تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شيء من هذا، بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنتصر منها فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه، ولم يبق له كلام يجيب الخليل به، بل انقطع وسكت؛ ولهذا قال: فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين.

وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار، ولم يكن اجتمع به إلا يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة، وقد روى عبدالرزاق أن النمرود كان عنده طعام، وكان الناس يفدون إليه للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة، ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطي الناس، بل خرج وليس معه شيء من الطعام، فلما قرب من أهله عمد إلى كثيب من التراب فملأ منه عدليه. وقال أشغل أهلي إذا قدمت عليهم، فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام، فقامت امرأته سارة إلى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما، فلما استيقظ إبراهيم وجد الذي قد أصلحوه، فقال: أنى لكم هذا؟ قالت: من الذي جئت به. فعرف أنه رزق رزقهموه الله عز وجل.

قال زيد بن أسلم: وبعث الله إلى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالإيمان بالله فأبى عليه، ثم دعاه الثانية فأبى عليه، ثم الثالثة فأبى عليه. وقال: اجمع جموعك وأجمع جموعي. فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس، فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس، وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظاما بالية، ودخلت واحدة منها في منخري الملك، فمكثت في منخريه أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمرازب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله عز وجل بها، والله تعالى أعلم.

* ذكر هجرة الخليل إلى بلاد الشام ودخوله الديار المصرية واستقراره في الأرض المقدسة:

قال الله تعالى: {فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين} [العنكبوت: 26-27].

وقال تعالى: {ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [الأنبياء: 71-73].

لما هجر قومه في الله، وهاجر من بين أظهرهم، وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها، ولم يكن له من الولد أحد، بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه خلعة من الله وكرامة له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه، وهاجر إلى بلد يتمكن فيها من عبادة ربه عز وجل ودعوة الخلق إليه، والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام، وهي التي قال الله عز وجل: إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين.

وروى العوفي، عن ابن عباس قوله: إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. مكة ألم تسمع إلى قوله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} [آل عمران: 96]. وقال السدي: انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام فلقي إبراهيم سارة، والمشهور أنها ابنة عمه هاران الذي تنسب إليه حران. وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله إليه إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه النعمة، وضرب قبته شرقي بيت المقدس، ثم انطلق مرتحلا إلى اليمن، وأنه كان جوع أي قحط وشدة، وغلاء فارتحلوا إلى مصر، وذكروا قصة سارة مع ملكها، وأن إبراهيم قال لها قولي: أنا أخته. وذكروا إخدام الملك إياها هاجر، ثم أخرجهم منها فرجعوا إلى بلاد التيمن يعني أرض بيت المقدس، وما والاها ومعه دواب وعبيد وأموال.

عن أبي هريرة قال: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، ثنتان منهن في ذات الله قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا. وقال: بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس. فأرسل إليه فسأله عنها. فقال: من هذه؟ قال: أختي. فأتى سارة فقال: يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي فلا تكذبيني. فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال: ادعي الله لي، ولا أضرك. فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية، فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي، ولا أضرك. فدعت فأطلق فدعا بعض حجبته، فقال: إنك لم تأتني بإنسان، وإنما أتيتني بشيطان فأخدمها هاجر. فأتته وهو قائم يصلي فأومأ بيده؛ مهيم؟ فقالت: رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره، وأخدم هاجر. قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء [أخرجه البخاري ومسلم].

وروى الإمام أحمد  عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات؛ قوله حين دعي إلى آلهتهم فقال: إني سقيم. وقوله: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله لسارة: إنها أختي  وزيادة عنده:فلما دخلت عليه قام إليها فأقبلت توضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر. قال: فغط حتى ركض برجله.  عن أبي هريرة أنها قالت: اللهم إن يمت يقل: هي قتلته. قال: فأرسل. قال: ثم قام إليها. قال: فقامت توضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط علي الكافر. قال: فغط حتى ركض برجله. قال: فقال في الثالثة أو الرابعة: ما أرسلتم إلي إلا شيطانا أرجعوها إلى إبراهيم، وأعطوها هاجر. قال: فرجعت فقالت لإبراهيم: أشعرت؟ إن الله رد كيد الكافر وأخدم وليدة. تفرد به أحمد من هذا الوجه، وهو على شرط الصحيح

فقوله في الحديث. هي أختي. أي في دين الله، وقوله لها إنه ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك. يعني زوجين مؤمنين غيري وغيرك، ويتعين حمله على هذا؛ لأن لوطا كان معهم، وهو نبي عليه السلام، وقوله لها لما رجعت إليه: مهيم؟ معناه ما الخبر فقالت: إن الله رد كيد الكافر. وفي رواية الفاجر. وهو الملك. وأخدم جارية. وكان إبراهيم عليه السلام من وقت ذهب بها إلى الملك قام يصلي لله عز وجل ويسأله أن يدفع عن أهله، وأن يرد بأس هذا الذي أراد أهله بسوء، وهكذا فعلت هي أيضا كلما أراد عدو الله أن ينال منها أمرا قامت إلى وضوئها وصلاتها، ودعت الله عز وجل بما تقدم من الدعاء العظيم؛ ولهذا قال تعالى: واستعينوا بالصبر والصلاة. فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم عليه السلام.

والذي عليه الجمهور أن سارة وأم موسى ومريم عليهن السلام صديقات رضي الله عنهن وأرضاهن ورأيت في بعض الآثار أن الله عز وجل كشف الحجاب فيما بين إبراهيم عليه السلام، وبينها فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده إلى أن رجعت إليه، وكان مشاهدا لها وهي عند الملك، وكيف عصمها الله منه؛ ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه وأشد لطمأنينته، فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها، وقرابتها منه وحسنها الباهر، فإنه قد قيل: إنه لم تكن امرأة بعد حواء إلى زمانها أحسن منها رضي الله عنها، ولله الحمد والمنة.

 ثم إن الخليل عليه السلام رجع من بلاد مصر إلى أرض التيمن، وهي الأرض المقدسة التي كان فيها، ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل، وصحبتهم هاجر القبطية المصرية، ثم إن لوطا عليه السلام نزح بما له من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك إلى أرض الغور، فنزل بمدينة سدوم، وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان، وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا، وأوحى الله تعالى إلى إبراهيم الخليل يأمره أن يمد بصره، وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، وبشره بأن هذه الأرض كلها سأجعلها لك، ولخلفك إلى آخر الدهر، وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض، وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة، بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمدية، يؤيد ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها) [أخرجه مسلم] قالوا: ثم إن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط عليه السلام فأسروه، وأخذوا أمواله واستاقوا أنعامه، فلما بلغ الخبر إبراهيم الخليل عليه السلام سار إليهم في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا، فاستنقذ لوطا عليه السلام واسترجع أمواله، وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم، وساق في آثارهم حتى وصل إلى شمالي دمشق، وعسكر بظاهرها عند برزة، وأظن مقام إبراهيم المنسوب إليه ببرزة اليوم إنما سمي لأنه كان موضع موقف جيش الخليل، والله أعلم. ثم رجع مؤيدا منصورا إلى بلاده، وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين، واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه.

* ذكر مولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام من هاجر:

قال أهل الكتاب: إن إبراهيم عليه السلام سأل الله ذرية طيبة، وأن الله بشره بذلك، وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد بيت المقدس عشر سنين، قالت سارة لإبراهيم عليه السلام: إن الرب قد أحرمني الولد، فادخل على أمتي هذه لعل الله يرزقنا منها ولدا. فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم عليه السلام فحين دخل بها حملت منه. قالوا: فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها، فغارت منها سارة فشكت ذلك إلى إبراهيم، فقال لها: افعلي بها ما شئت. فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك، فقال لها ملك من الملائكة: لا تخافي فإن الله جاعل من هذا الغلام الذي حملت خيرا. وأمرها بالرجوع، وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه إسماعيل، ويكون وحش الناس، يده على الكل، ويد الكل به، ويملك جميع بلاد إخوته، فشكرت الله عز وجل على ذلك.

وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه، فإنه الذي سادت به العرب، وملكت جميع البلاد غربا وشرقا، وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم يؤت أمة من الأمم قبلهم، وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به. وعموم بعثته لجميع أهل الأرض.

ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل عليه السلام قالوا: ولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة. ولما ولد إسماعيل أوحى الله إلى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة فخر لله ساجدا. وقال له: قد استجبت لك في إسماعيل، وباركت عليه وكثرته ونميته جدا كبيرا، ويولد له اثنا عشر عظيما، وأجعله رئيسا لشعب عظيم. وهذه أيضا بشارة بهذه الأمة العظيمة، وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء الاثنا عشر المبشر بهم في حديث عبدالملك بن عمير، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يكون اثنا عشر أميرا). ثم قال: كلمة لم أفهمها فسألت أبي ما قال؟ قال: (كلهم من قريش). [أخرجه البخاري]، وفي رواية : (لا يزال هذا الأمر قائما). وفي رواية : (عزيزا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش). فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة؛ أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومنهم عمر بن عبدالعزيز أيضا، ومنهم بعض بني العباس، والمقصود أن هاجر عليها السلام لما ولد لها إسماعيل اشتدت غيرة سارة منها، وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها، فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم، ويقال: إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا، فلما تركهما هناك وولى ظهره عنهما قامت إليه هاجر وتعلقت بثيابه، وقالت: يا إبراهيم أين تذهب، وتدعنا هاهنا، وليس معنا ما يكفينا؟ فلم يجبها، فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: فإذا لا يضيعنا.

* ذكر مهاجرة إبراهيم عليه السلام بابنه إسماعيل وأمه هاجر إلى جبال فاران وهي أرض مكة:

روى البخاري عن ابن عباس قال: أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب، وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهؤلاء الكلمات ورفع يديه فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} (إبراهيم: 37) [أخرجه البخاري].

* حادثة اكتشاف بئر زمزم:

جعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى. أو قال: يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى إذا جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا، ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذلك سعي الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت: صه. تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء، فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا، وجعلت تغرف من الماء في سقائها، وهو يفور بعد ما تغرف. قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم - أو قال - لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا) [أخرجه البخاري]. قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن هاهنا بيت الله يبني هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله، وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على الماء، لعهدنا بهذا الوادي، وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا قال: وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: تأذنين لنا أن ننزل عندك. قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال عبدالله بن عباس قال النبي صلى الله عليه وسلم: فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس. فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم. وشب الغلام، وتعلم العربية منهم، وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم، وماتت أم إسماعيل عليهم السلام جميعا.

* قدمات إبراهيم إلى إسماعيل وقصته مع زوجتي إسماعيل الأولى والثانية:

جاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بشر نحن في ضيق وشدة. وشكت إليه، قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له يغير عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا، فقال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: نعم. جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك. فطلقها وتزوج منهم أخرى، ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في اللحم والماء [أخرجه البخاري].

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ولم يكن لهم يومئذ حب، ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، ومريه يثبت عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم. أتانا شيخ حسن الهيئة، وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير، قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم، هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة، وأمرني أن أمسكك، ثم لبث عنهم ما شاء الله.

* بناء البيت العتيق:

جاء بعد ذلك إبراهيم إلى مكة وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم، فلما رآه قام إليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد، ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. قال: وتعينني. قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127]. قال: وجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت، وهما يقولان: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم.

قال الله تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}. [الحج: 26-27].

وقال تعالى: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 96-97].

وقال تعالى: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} [البقرة: 124-129].

يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله، إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء عليه أفضل صلاة وتسليم، أنه بنى البيت العتيق الذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون الله فيه، وبوأه الله مكانه أي أرشده إليه ودله عليه، وقد أرشد إليه بوحي من الله عز وجل، والكعبة بحيال البيت المعمور بحيث أنه لو سقط لسقط عليها، وكذلك معابد السماوات السبع، كما قال بعض السلف: إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء وهو فيها كالكعبة لأهل الأرض فأمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يبني له بيتا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السماء، وأرشده الله إلى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السماوات والأرض، (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة) [اخرجه البخاري ومسلم]. ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل عليه السلام ومن تمسك في هذا بقوله: مكان البيت فليس بناهض ولا ظاهر؛ لأن المراد مكانه المقدر في علم الله، المقدر في قدره، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم.

وقد قال الله: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين}. أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الذي ببكة قيل: مكة. وقيل: محلة الكعبة فيه آيات بينات. أي على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده الذين يقتدون به. ويتمسكون بسنته؛ ولهذا قال: مقام إبراهيم أي: الحجر الذي كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء، وقد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه فأخره عن البيت قليلا لئلا يشغل المصلون عنده الطائفين بالبيت، واتبع عمر بن الخطاب رضي الله عنه في هذا، فإنه قد وافقه ربه في أشياء منها؛ في قوله لرسوله صلى الله عليه وسلم: لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى. فأنزل الله واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة إلى أول الإسلام، وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة:

وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه  == وراق ليرقى في حراء ونازل

وبالبيت حق البيت من بطن مكة == وبالله إن الله ليس بغافل

وبالحجر المسود إذ يمسحونه == إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل

وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة  == على قدميه حافيا غير ناعل

يعني أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة؛ ولهذا قال تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل}. أي في حال قولهما: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. فهما في غاية الإخلاص والطاعة لله عز وجل، وهما يسألان من الله السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في واد غير ذي زرع، ودعا لأهلها بالبركة، وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه، وعدم الأشجار والزروع والثمار، وأن يجعله حرما محرما وأمنا محتما، فاستجاب الله -وله الحمد- له مسألته، ولبى دعوته وأتاه طلبته، فقال تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: 67]. وقال تعالى: {أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا} [القصص: 57]. وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية، بسعادة الأولى والآخرة، وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولا، وأي رسول، ختم به أنبياءه ورسله، وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله، وعم بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الأقطار والأمصار والأعصار إلى يوم القيامة كان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء لشرفه في نفسه، وكمال ما أرسل به، وشرف بقعته، وفصاحة لغته، وكمال شفقته على أمته، ولطفه ورحمته، وكريم محتده، وعظيم مولده، وطيب مصدره ومورده؛ ولهذا استحق إبراهيم الخليل عليه السلام إذ كان باني كعبة أهل الأرض أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السماوات، ورفيع الدرجات عند البيت المعمور الذي هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور الذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه، ثم لا يعودون إليه إلى يوم البعث والنشور.

ولما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت، ثم لم يدريا أين مكانه حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول، وأتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس، وذلك حيث يقول تعالى: {وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} [الحج: 26]. فلما بلغا القواعد بنيا الركن قال إبراهيم لإسماعيل: يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه هاهنا قال: يا أبت إني كسلان تعب. قال: علي ذلك. فانطلق وجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن، فقال: يا أبت من جاءك بهذا؟ قال: جاء به من هو أنشط منك. فبنيا، وهما يدعوان الله: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. وذكر ابن أبي حاتم أنه بناه من خمسة أجبل، وأن ذا القرنين -وكان ملك الأرض إذ ذاك- مر بهما وهما يبنيانه، فقال: من أمركما بهذا؟ فقال إبراهيم: الله أمرنا به. فقال: وما يدريني بما تقول؟ فشهدت خمسة أكبش أنه أمره بذلك فآمن وصدق. وذكر أنه طاف مع الخليل بالبيت.

وقد كانت على بناء الخليل مدة طويلة، ثم بعد ذلك بنتها قريش فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ما هي عليه اليوم، وفي الصحيحين عن  عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم). فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: (لولا حدثان قومك - وفي رواية-  لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية - أو قال - بكفر، لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر) [أخرجه البخاري ومسلم]. وقد بناها ابن الزبير رحمه الله في أيامه على ما أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبما أخبرته خالته عائشة أم المؤمنين عنه، فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب إلى عبدالملك بن مروان الخليفة إذ ذاك، فاعتقدوا أن ابن الزبير إنما صنع ذلك من تلقاء نفسه، فأمر بردها إلى ما كانت عليه فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر، ثم سدوا الحائط وردموا الأحجار في جوف الكعبة فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية، كما هو مشاهد إلى اليوم، ثم لما بلغهم أن ابن الزبير إنما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك، ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الإمام مالك بن أنس في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير، فقال له: إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة، يعني كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم.

* قصة الذبيح  إسماعيل عليه السلام:

قال الله تعالى: {وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} [الصافات: 99-113]. يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه أن يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم، وهو إسماعيل عليه السلام؛ لأنه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل، وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل أنه أول ولده وبكره. وقوله: فلما بلغ معه السعي أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه. قال مجاهد: فلما بلغ معه السعي أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل، فلما كان هذا أري إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يؤمر بذبح ولده هذا.

وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا. (رؤيا الأنبياء وحي) [أخرجه البخاري والترمذي]. وهذا اختبار من الله عز وجل لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الذي جاءه على كبر، وقد طعن في السن بعد ما أمر بأن يسكنه هو وأمه في بلاد قفر، وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع، فامتثل أمر الله في ذلك، وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه فجعل الله لهما فرجا ومخرجا، ورزقهما من حيث لا يحتسبان، ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا، الذي قد أفرده عن أمر ربه، وهو بكره ووحيده الذي ليس له غيره أجاب ربه وامتثل أمره وسارع إلى طاعته، ثم عرض ذلك على ولده؛ ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا، قال: يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى. فبادر الغلام الحليم يبر والده الخليل إبراهيم، فقال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين. وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد. قال الله تعالى: فلما أسلما وتله للجبين. قيل: أسلما أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك. وقيل: هذا من المقدم والمؤخر، والمعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه. قيل: أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال ذبحه. قاله ابن عباس،  وقيل: بل أضجعه كما تضجع الذبائح، وبقي طرف جبينه لاصقا بالأرض، وأسلما أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد وسلم الولد للموت. قال السدي وغيره: أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا. ويقال: جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس. والله أعلم. فعند ذلك نودي من الله عز وجل: أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا. أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك إلى أمر ربك وبذلك ولدك للقربان، كما سمحت ببدنك للنيران، وكما مالك مبذول للضيفان؛ ولهذا قال تعالى: إن هذا لهو البلاء المبين. أي الاختبار الظاهر البين. وقوله: وفديناه بذبح عظيم. أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه، والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير. وعن ابن عباس قال: كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال سعيد بن جبير: كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير، وكان عليه عهن أحمر. وعن ابن عباس: هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه، وهو الكبش الذي قربه ابن آدم فتقبل منه. قال مجاهد: فذبحه بمنى. وقال غيره: ذبحه بالمقام، وقد ورد في الحديث أنه كان كبشا، وروى الإمام أحمد: عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتني امرأة من بني سليم، ولدت عامة أهل دارنا قالت: أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عثمان بن طلحة. وقال مرة: إنها سألت عثمان لم دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي. قال سفيان: لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احتراق البيت فاحترقا. وهكذا روي عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس، وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل؛ لأنه كان هو المقيم بمكة وإسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره، والله أعلم.

وهذا هو الظاهر من القرآن، بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل؛ لأنه ذكر قصة الذبيح، ثم قال بعده: وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين. ومن جعله حالا فقد تكلف، ومستنده أنه إسحاق إنما هو إسرائيليات، وكتابهم فيه تحريف، ولا سيما هاهنا قطعا لا محيد عنه فإن عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وبكره، وإنما حملهم على هذا حسد العرب فإن إسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإسحاق والد يعقوب، وهو إسرائيل الذين ينتسبون إليه، فأرادوا أن يجروا هذا الشرف إليهم فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت، ولم يقروا بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وليس في أن الذبيح هو إسحاق عليه السلام حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن، بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسماعيل، وما أحسن ما استدل محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل، وليس إسحاق من قوله: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. قال: فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب، ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له؟ هذا لا يكون؛ لأنه يناقض البشارة المتقدمة، والله أعلم.

وعن ابن عباس أنه قال: المفدي إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود.

* ذكر مولد إسحاق عليه الصلاة والسلام:

قال الله تعالى: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين} [الصافات: 112]. وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيم وسارة لما مروا بهم مجتازين ذاهبين إلى مدائن قوم لوط ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم.

قال الله تعالى: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قالت يا ويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد} [هود: 69-73].

وقال تعالى: {ونبئهم عن ضيف إبراهيم إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} [الحجر: 51-56].

وقال تعالى: {هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم} [الذاريات: 24-30] يذكر تعالى أن الملائكة قالوا وكانوا ثلاثة؛ جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، لما وردوا على الخليل حسبهم أولا أضيافا فعاملهم معاملة الضيوف شوى لهم عجلا سمينا من خيار بقره، فلما قربه إليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة إلى الأكل بالكلية، وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة إلى الطعام فنكرهم إبراهيم: وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط. أي لندمر عليهم فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم وكانت قائمة على رءوس الأضياف، كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم، فلما ضحكت استبشارا بذلك قال الله تعالى: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. أي بشرتها الملائكة بذلك فأقبلت امرأته في صرة. أي في صرخة فصكت وجهها أي كما يفعل النساء عند التعجب، وقالت: يا ويلتا أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا. أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضا وهذا بعلي أي زوجي شيخا، تعجبت من وجود ولد والحالة هذه؛ ولهذا قالت: إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد. وكذلك تعجب إبراهيم عليه السلام استبشارا بهذه البشارة وتثبيتا لها وفرحا بها قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين. أكدوا الخبر بهذه البشارة، وقرروه معه فبشروهما بغلام عليم وهو إسحاق وأخوه إسماعيل غلام حليم مناسب لمقامه وصبره. وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر. وقال في الآية الأخرى: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي، وغيره على أن الذبيح هو إسماعيل، وأن إسحاق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده.

وعند أهل الكتاب: أن الملائكة كانوا يورون أنهم يأكلون، والطعام يتلاشى في الهواء، وعندهم أن الله تعالى قال لإبراهيم: أما سارة امرأتك فلا يدعى اسمها سارا، ولكن اسمها سارة، وأبارك عليها، وأعطيك منها ابنا وأباركه، ويكون للشعوب، وملوك الشعوب منه. فخر إبراهيم على وجهه يعني ساجدا وضحك قائلا في نفسه: أبعد مائة سنة يولد لي غلام، أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة؟ وقال إبراهيم لله تعالى: ليت إسماعيل يعيش قدامك! فقال الله لإبراهيم: بحقي إن امرأتك سارة تلد لك غلاما وتدعو اسمه إسحاق إلى مثل هذا الحين من قابل، وأواثقه ميثاقي إلى الدهر، ولخلفه من بعده، وقد استجبت لك في إسماعيل، وباركت عليه وكبرته ونميته جدا كبيرا، ويولد له اثنا عشر عظيما، وأجعله رئيسا لشعب عظيم.

فقوله تعالى: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب. دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق، ثم من بعده يولد ولده يعقوب أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به. كما قرت بوالده. ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحاق فائدة، ولما عين بالذكر دل على أنهم يتمتعان به ويسران بمولده، كما سرا بمولد أبيه من قبله. وقال تعالى: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا} [الأنعام: 84]. وقال تعالى: {فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب} [مريم: 49]. وهذا إن شاء الله ظاهر قوي، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أي مسجد وضع أول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنة. قلت: ثم أي؟ قال: ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد. وعند أهل الكتاب أن يعقوب عليه السلام هو الذي أسس المسجد الأقصى، وهو مسجد إيليا، وهو مسجد بيت المقدس شرفه الله. وهذا متجه، ويشهد له ما ذكرناه من الحديث. فعلى هذا يكون بناء يعقوب، وهو إسرائيل عليه السلام بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء، وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود إسحاق؛ لأن إبراهيم عليه السلام لما دعا قال في دعائه كما قال تعالى: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب} [إبراهيم: 35-41].

* دروس من قصة نبي الله إبراهيم عليه  الصلاة والسلام:

1- مكانة نبي الله إبراهيم عليه السلام:

* أبو الأنبياء: قال تعالى عنه: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت:27].

معنى قوله تعالى (وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) النساء 125

سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إلاَّ ملأته.

ومعنى (وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) أي اصطفاه الحق اصطفاءً خاصاً، لأن الحب قد يُشارَك فيه، فهو سبحانه يحب ٱلتَّوَّابِينَ والْمُتَّقِينَ وٱلصَّابِرِينَ... إلخ.

لكنه اصطفى إبراهيم خليلاً، أي لا مشاركة لأحد في مكانته، أما الحب فيعم، ولكن الخلَّة لا مشاركة فيها. ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا وإن صاحبكم خليل الله تعالى) يعني نفسه. [أخرجه مسلم]

الفرق بين المحبة والخلة:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: الخلة هي كمال المحبة المستلزمة من العبد كمال العبودية لله ومن الرب سبحانه كمال الربوبية لعباده الذين يحبهم ويحبونه، ولفظ العبودية يتضمن كمال الذل وكمال الحب فإنهم يقولون قلب متيم إذا كان متعبدا للمحبوب، والتيم التعبد، وتيم الله عبده، وهذا أعلى الكمال حصل لإبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم، ولهذا لم يكن له من أهلا لأرض خليل، إذ الخلة لا تحتمل الشركة فإنه كما قيل في المعنى

قد تخللت مسلك الروح منى ==  وبذا سمى الخليل خليلا

بخلاف أصل الحب فإنه صلى الله عليه وسلم قد قال في الحديث الصحيح في الحسن وأسامة: (اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما) [أخرجه البخاري].

وسأله عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: (عائشة). قال: فمن الرجال؟ قال: (أبوها) [أخرجه البخاري ومسلم] وقال لعلي رضى الله عنه: (لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) [أخرجه البخاري ومسلم]، وأمثال ذلك كثير.

وقد أخبر تعالى أنه يحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب المقسطين ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص، وقال: {فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه}، فقد أخبر بمحبته لعباده المؤمنين ومحبة المؤمنين له حتى قال {والذين آمنوا أشد حبا لله}.

وقال رحمه الله الخليلين هما أكمل خاصة الخاصة توحيدا فلا يجوز أن يكون في أمة محمد صلى الله عليه و سلم من هو أكمل توحيدا من نبي من الأنبياء فضلا عن الرسل فضلا عن أولي العزم فضلا عن الخليلين.

وكمال توحيدهما بتحقيق إفراد الألوهية وهو أن لا يبقى في القلب شيء لغير الله أصلا بل يبقى العبد مواليا لربه في كل شيء يحب ما أحب ويبغض ما أبغض ويرضى بما رضي ويسخط بما سخط ويأمر بما أمر وينهى عما نهى.

وقال ابن القيم رحمه الله: الخُلّة هي توحيد المحبة، فالخليل هو الذي توحد حبه لمحبوبه وهي رتبة لا تقبل المشاركة، ولهذا اختص بها العالم الخليلان إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما قال تعالى: (واتَخَذَ اللهُ إبراهيم خليلاً).

وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنّ الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً) [أخرجه مسلم] وقال صلى الله عليه وسلم: (لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرحمن) [أخرجه البخاري ومسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم:( إني أبرأ إلى كل خليل من خلته) [اخرجه ابن ماجة وأحمد].

قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقول بعض الناس إن محمدا حبيب الله وإبراهيم خليل الله، وظنه أن المحبة فوق الخلة، قول ضعيف، فإن محمدا أيضا خليل الله، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة المستفيضة اهـ.

وقال ابن القيم رحمه الله: وقد ظن بعض من لا علم عنده أن الحبيب أفضل من الخليل، وقال: محمد حبيب الله، وإبراهيم خليل الله. وهذا باطل من وجوه كثيرة:

منها: أن الخلة خاصة، والمحبة عامة. فإن الله يحب التوابين، ويحب المتطهرين، وقال في عباده المؤمنين: {يحبهم ويحبونه}.

ومنها: أن النبي نفى أن يكون له من أهل الأرض خليل، وأخبر أن أحب النساء إليه عائشة، ومن الرجال أبوها.

ومنها: أنه قال: (إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا) [أخرجه مسلم].

ومنها: أنه قال: (لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته) [أخرجه البخاري ومسلم] اهـ.

2- عظيم درجته عند أهل الملل:

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود المدينة عند النبي فتنازعوا أمر إبراهيم، كل ينسبه إليه، فأنزل الله: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ. هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ. مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 65-68). [أخرجه البيهقي في دلائل النبوة]

الشبه بينه وبين النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

أولاً: في الخلق والخـُلق؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَرَأَيْتُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ- فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ -صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ-) [أخرجه مسلم].

ثانيًا: مراحل الدعوة وتنوعها "دعوة المشركين عباد الأصنام - الهجرة والخروج عن أرض الكفر - كثرة الابتلاء والامتحان".

دعوته عليه السلام:

أولاً: دعوة أبيه وعشيرته:

- الأقربون أولى بالخير، قال تعالى: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214]، وقال صلى الله عليه وسلم: (يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لاَ أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) [أخرجه البخاري].

- رزق إبراهيم الهداية منذ صغره: {وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ} [الأنبياء:51]

- كان ينكر على أبيه صناعة الأصنام.

- أحسن الموعظة: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا. إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا. يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا. يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا. يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} [مريم:41-45].

- ألطف عبارة وأحسن إشارة: (يَا أَبَتِ)، يستخرج عطفه وحنانه وغير ذلك.

-  كان رد أبيه الغلظة والقسوة والإصرار على الكفر: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} [مريم: 46].

* دروس وفوائد:

1- الإحسان لمن له حق علينا من والد أو شيخ ونحوه عند الخصومة: (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ) (مريم:47)، أي لا يصلك من مكروه ولا أذى.

2- الثبات على الحق ولو كان الخصم كافرًا: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا) (المائدة: 8).

3- عدم اليأس من الإصلاح والانصلاح:  (قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي) [مريم:47]

4- قلوب الدعاة إلى الله رحيمة: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) [إبراهيم:41]

ثانيًا: دعوته قومه:

- إنكاره عليهم عبادة الأصنام: (إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ) (الأنبياء:52).

- التذكير بربوبية الله فيهم: (قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ. قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) (الأنبياء:55-56).

- إقامة الحجة على بطلان عبادة الأصنام ببيان عجزها الشديد: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ. قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ. قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ. قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ. قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ. ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأنبياء: 58-67).

* فائدة: من مواطن جواز الكذب أو التعريض:

1- قول إبراهيم -عليه السلام: (إِنِّي سَقِيمٌ) (الصافات: 89)، ففي المعاريض مندوحة عن الكذب، وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم التعريض يوم خرج يستخبر أمر قريش من الأعرابي، فلما سأله من أين أنتما؟ قال صلى الله عليه وسلم: من ماء؛ لقوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) (السجدة:8).

2- الكذب على العدو في الحرب: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) (الأنبياء:63)، وقالت أم كلثوم بنت عقبة رضي الله عنها: (وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ الْحَرْبُ وَالإِصْلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا) [أخرجه مسلم].

* موقف قومه من دعوته:

- البطش والغلظة ومحاولة قتله: (قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) [الأنبياء: 61]. (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ) (الأنبياء:68).

- الظلمة يتفقون على جعله عبرة لغيره: (لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) (الأنبياء:61) (ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) (الصافات: 97).

- المجتمع الظالم كله ضد إبراهيم عليه السلام: "جمعهم الحطب - صناعة المنجنيق - حضور المشهد".

- لست وحدك أيها المؤمن.

- التوكل سلاح المؤمنين إذا اجتمع عليهم.

- الله نعم النصير: عن ابن عباس قال: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ أُلْقِىَ فِي النَّار، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم حِينَ قَالُوا: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [أخرجه البخاري].

- (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء:69)، روي عن ابن عباس وابن جبير: "جعل ملك المطر يقول: متى أؤمر فأرسل المطر؟ فكان أمر الله أسرع".

- ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله: (وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ) [الأنبياء:70]

- العاقبة لأهل الإيمان: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} (الأنبياء:71-73].

* قصة الذبيح إسماعيل دروس وعبر:

أولا / تمهيد قبل الدخول إلى القصة:

1- الحكمة من الابتلاء؟

الابتلاء سنة ماضية قدرها الله على عباده المؤمنين، لأن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف؛ فلا يكفي أن يقول الناس: آمنا، وانتهى الأمر فإن لكل قول حقيقة، فلابد أن يتعرضوا للفتنة فيثبتوا عليها ويخرجوا منها صافية عناصرهم خالصة قلوبهم.

قال تعالى: {أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يتركواْ أَن يقولواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ} (العنكبوت 2،3).

أصل كلمة فتنة في اللغة:

ولو نظرنا إلى أصل كلمة (فتنة) في اللغة العربية نجده مقتبسا من فتن الذهب إذا وضع في النار، لأن هذا المعدن حينما يستخرج من باطن الأرض يكون مختلطا بالشوائب وبعض المعادن، فلكي يصفى وتذهب عنه تلك الشوائب، فانه يحتاج إلى (الفتنة)؛ أي يعرض على النار فتذوب الشوائب فيها ويبقى الذهب ببريقه وصفائه، ومن ذلك قوله تعالى: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ} (الذاريات: 13).

فما هو معنى الفتنة للمؤمنين؟

إنها تعني؛ أن في داخل المؤمن بقايا من رواسب الذنوب والخطايا.. والفتنة هي التي تتكفل بإزالة رواسب الذنوب، والألم الذي يعاني منه الإنسان في هذه الحالة، يؤدي إلى تطهير القلب، كما تطهر النار الذهب من الرواسب العالقة به.

2- لا حياة بدون ابتلاءات:

وعلى هذا الأساس فان الحياة الدنيا لا تخلو من المشاكل والمعاناة والمنغصات الكثيرة، قال تعالى (لقد خلقنا الإنسان في كبد) (البلد: 4).

ومن يظن أن الدنيا يدوم صفوها فهو واهم، لأن الدنيا دار ابتلاء، أما الراحة فهي عند الله في الجنة دار السلام؛ كما قال الإمام أحمد لما سئل متى الراحة؟ قال عند وضع أول قدم في الجنة.

3- يبتلى المرء على قدر دينه:

يقول النبي صلى الله عليه وسلم (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم 27124].

فالله سبحانه حينما يبتلي يعطي كل واحد بما يطيقه ويتحمله إيمانه، فبلاء الأنبياء ليس كبلاء من دونهم في الإيمان، فكل يبتلى على قدر دينه.

4- الرضا والتسليم عند البلاء:

فالمؤمن عنده يقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، فليس له عند وقوع البلاء إلا الصبر والثبات والتلفظ بما يرضي الله فيقول (قدر الله وما شاء فعل) ويستحضر عظم الأجر عند الله فذلك مما يخفف وقع المصيبة على المسلم، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر؛ فكان خيراً له) [أخرجه مسلم].

والصبر عند وقوع البلاء ليس وليد اللحظة، إنما الصبر مخزون إيماني داخل القلب، كرصيدي المالي في البنك أسحب منه عند الأزمات.

فما يدعيه بعض ضعاف الإيمان من سوء الحظ والنحس، وسوء الطالع، كل هذا ينم عن ضعف في العقيدة، فكل شيء بيد الله ولا يقع إلا بمشيئته.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف. وفي كلٍّ خير. احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعْجَز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا، كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإنّ لَوْ تفتح عمل الشيطان) [أخرجه مسلم].

الحكمة من أمر الله إبراهيم بذبح ولده:

والمقصود من هذا الابتلاء إظهار عزمه وإثبات علوّ مرتبته في طاعة ربّه فإن الولد عزيز على نفس الوالد، والولد الوحيد الذي هو أمل الوالد في مستقبله أشدّ عزّة على نفسه لا محالة، وقد علمتَ أنه سأل ولداً، فبعد أن أقرّ الله عينه بإجابة سؤله وترعرع ولده أمره بأن يذبحه وذلك أعظم الابتلاء. فقابَل أمر ربه بالامتثال وحصلت حكمة الله من ابتلائه، وهذا معنى قوله تعالى: {إنَّ هٰذَا لهو البلاء المبينُ} (الصافات: 106).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله في جلاء الأفهام (274):

"ولما اتَّخذه ربُّه خليلاً؛ والخَلّة هي كمال المحبَّة، وهي مرتبة لا تَقبَلُ المشاركةَ والمزاحمةَ، وكان قد سأل ربَّه أن يهَبَ له ولدًا صالحًا، فوهَب له إِسماعيلَ، فأخذ هذا الولدُ شعبةً من قلْبه، فغار الخليلُ على قلب خليلِه أن يكونَ فيه مكانٌ لغيرِه، فامتحَنَه بذَبْحِه ليظهرَ سرُّ الخَلّة في تقدِيمه محبّةَ خليلِه على محبَّةِ ولدِه، فلمَّا استسلم لأمر ربّه، وعزم على فعله، وظهر سلطان الخَلَّة في الإقدام على ذبح الولد إيثاراً لمحبَّة خليله على محبّته، نسخ الله ذلك عنه، وفداه بالذِّبح العظيم، لأنَّ المصلحة في الذَّبح كانت ناشئةً من العزم وتوطين النَّفس على ما أمر به، فلمَّا حصلت هذه المصلحة، عاد الذَّبح مفسدة، فنُسخ في حقِّه، فصارت الذَّبائح والقرابين من الهدايا والضَّحايا سُنَّة في اتّباعه إلى يوم القيامة".

والآن مع قصة الذبيح:

قال تعالى {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ ٱلصَّالِحِينِ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّيۤ أَرَىٰ فِي ٱلْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يٰأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤمَرُ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ سَلاَمٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ} (الصافات: 99-110).

شدة البلاء في قصة الذبيح:

رُزق إبراهيم بولده إسماعيل في سن كبير، ورد في التوراة أنه كان في السادسة والثمانين من العمر، ولنا أن نتخيل كم يكون قدر هذا الطفل الذي جاء على شوق كبير وانتظار طويل، كم يكون قدره عند والديه ومحبتهما له، ثم تأمل كيف بلغ إسماعيل مرحلة السعي أَيْ كَبِرَ وَتَرَعْرَعَ وَصَارَ يَذْهَب مَعَ أَبِيهِ وَيَمْشِي مَعَهُ، وعلى هذا فإن إسماعيل في سن بداية الشباب ثلاثة عشر عاما تقريبا، ووالده قد أتم المائة عام، ومن المعلوم أن الوالد حينما يكبر في السن يزداد ضعفه، ويبدأ في الاعتماد على ولده بصورة كبيرة.

والابتلاء في حَقِّ سيدنا إبراهيم عليه السلام ابتلاءٌ مركَّب هذه المرة، فقد ابتُلِىَ في شبابه حين أُلْقي في النار، فنجح في الابتلاء، أما هذه المرة فالابتلاء وهو شيخ كبير، جاءه الولد على كِبَر، فهو أحبُّ إليه من نفسه ويُؤمَر بقتله.

ونلاحظ شدة البلاء حينما يأمر الله تعالى أن يتولى إبراهيم بنفسه الذبح، لم يخبره الله أنه سيموت فيهون الأمر، ولا يطلب منه أن يرسل بابنه الوحيد إلى معركة، ولا يطلب منه أن يكلفه أمراً تنتهي به حياته.. إنما يطلب إليه أن يتولى هو بيده... يتولى ماذا؟

يتولى ذبحه.. وهو مع هذا يتلقى الأمر هذا التلقي، ويعرض على ابنه هذا العرض؛ ويطلب إليه أن يتروى في أمره، وأن يرى فيه رأيه!

ونلاحظ أن إسماعيل كان هو الوحيد في هذا الوقت ليس له إخوة آخرين، لو تخيل أحدنا هذا الأمر: ماذا لو أمرك الله بذبح ولدك وحيدك؟ هل تقوى على ذلك؟ والله إنه لبلاء لا يطيقه إلا الأنبياء.

يقول تعالى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَام أَنِّي أَذْبَحك فانْظُرْ مَاذَا تَرَى} عبّر بالمضارع، والرؤيا قد انتهت، فلم يقل: إني رأيت، كأنّ إبراهيم عليه السلام يشاهد الرؤيا وقت كلامه مع ابنه، فهو يستحضر ذلك وهو يخاطبه، وهذا أهون في التزام الأمر.

يا لله! ويا لروعة الإيمان والطاعة والتسليم..

هذا إبراهيم الشيخ الذي تجاوز المائة، المقطوع من الأهل والقرابة، المهاجر من الأرض والوطن، ها هو ذا يرزق في كبره بغلام، طالما تطلع إليه مشتاقا فلما رزق به ما كاد يأنس به، ويبلغ معه السعي، ويرافقه في الحياة.. حتى يرى في منامه أنه يذبحه!!!

ويدرك أنها إشارة من ربه بالتضحية. فماذا؟ إنه لا يتردد، ولا يخالجه إلا شعور الطاعة والتسليم.. نعم إنها إشارة، مجرد إشارة، وليست وحياً صريحاً، ولا أمراً مباشراً. ولكنها إشارة من ربه.. وهذا يكفي.. هذا يكفي ليلبي ويستجيب. ودون أن يعترض، ودون أن يسأل ربه.. لماذا يا ربي أذبح ابني الوحيد؟!

ولكنه لا يلبي في انزعاج، ولا يستسلم في جزع، ولا يطيع في اضطراب.. كلا إنما هو القبول والرضا والطمأنينة والهدوء.

يبدو ذلك في كلماته لابنه وهو يعرض عليه الأمر الهائل في هدوء وفي اطمئنان عجيب: {قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك. فانظر ماذا ترى}.

لماذا أخبر إبراهيم ولده بالأمر؟

إن إبراهيم لم يأخذ ابنه على غرة لينفذ إشارة ربه وينتهي؛ إنما يعرض الأمر عليه كالذي يعرض المألوف من الأمر؛ فالأمر في حسه هكذا... ربه يريد. فليكن ما يريد. على العين والرأس، وابنه ينبغي أن يعرف، وأن يأخذ الأمر طاعة وإسلاماً، لا قهراً واضطراراً، لينال هو الآخر أجر الطاعة، وليسلم هو الآخر ويتذوق حلاوة التسليم!

إنه يحب لابنه أن يتذوق لذة التطوع التي ذاقها؛ وأن ينال الخير الذي يراه هو أبقى من الحياة وأقنى..

أَعْلَمَ اِبْنه بِذَلِكَ لِيَكُونَ أَهْوَن عَلَيْهِ وَلِيَخْتَبِرَ صَبْره وَجَلَده وَعَزْمَهُ فِي صِغَره عَلَى طَاعَة اللَّه تَعَالَى وَطَاعَة أَبِيهِ {قَالَ يَا أَبَتِ اِفْعَلْ مَا تُؤْمَر} أَيْ اِمْضِ لِمَا أَمَرَك اللَّه مِنْ ذَبْحِي {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ الصَّابِرِينَ} أَيْ سَأَصْبِرُ وَأَحْتَسِب ذَلِكَ عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ.

إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب، ولكن في رضى ويقين.. ولم يقُلْ: افعل ما تريد؛ لأن طاعته لأبيه هنا من باطن طاعته لله تعالى وامتثاله لأمر ربه، فهو يدرك تماماً أن أباه مُتلَقٍّ الأمر من الله، وإنْ جاء هذا الأمر في شكل رؤيا، إذن: هو يعلم رغم صِغَره أن رؤيا الأنبياء وَحْىٌ حَقٌّ.

وسيدنا إبراهيم ينادى ولده {يٰبُنَيَّ} هكذا بالتصغير، لأن بُني تصغير ابن فلم يقل يا ابني، فقد أوثقه الحنان الأبوي، وعرض عليه هذا الابتلاء، وهو مشحون بعاطفة الحب لولده والشفقة عليه، لأنه ما يزال صغيراً، ويجيب الابن {يا أبت}وأصلها أبي والتاء أضيفت للتعظيم والتوقير.

{يا أبت} هكذا في مودة وقربى، فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده. بل لا يفقده أدبه ومودته.

رؤيا الأنبياء وحي:

رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْيٌ، لأن الأنبياء ليس للشيطان عليهم في التخييل سبيل، ولا للاختلاط عليهم دليل، وإنما قلوبهم صافية، وأفكارهم صقيلة، فما ألقي إليهم ونفث به الملك (جبريل) في رُوعهم، وضرب المثل له عليهم فهو حق، ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك: وما كنت أظن أنه ينزل فِيّ قرآن يتلى، ولكن رجوت أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله بها". ولعل السر في كونه مناماً لا يقظة أن تكون المبادرة إلى الامتثال أدل على كمال الانقياد والإخلاص.

مشهد الذبح:

{فلما أسلما وتله للجبين} يعنى: ألقاه على وجهه، حتى لا يرى أبوه وجهه ساعةَ يذبحه، فتأخذه الشفقة به، فلا يذبح، وكأن الولد يُعين والده ويساعده على إتمام الأمر، وهكذا الاستسلام واضحاً، فالولد مُلقىً على الأرض، والوالد في يده السكين، يحاول بالفعل ذَبْح ولده، وأيّ ولد؟ ولده الوحيد الذى رُزِق به على كِبَر.

إن الرجل يمضي فيكب ابنه على جبينه استعداداً. وإن الغلام يستسلم فلا يتحرك امتناعاً، وقد وصل الأمر إلى أن يكون عياناً.

أرأيتم قلبا أبويا * * * * * يتقبل أمرا يأباه

أرأيتم ابنا يتلقى * * * * * أمرا بالذبح ويرضاه

ويجيب الابن بلا فزع * * * * * افعل ما تؤمر أبتاه

لن أعصي لإلهي أمرا * * * * * من يعصي يوما مولاه

واستل الوالد سكينا * * * * * واستسلم ابن لرداه

ألقاه برفق لجبينٍ * * * * * كي لا تتلقى عيناه

وتهز الكون ضراعات * * * * * ودعاء يقبله الله

تتوسل للرب الأعلى * * * * * أرض وسماء ومياه

ويجيب الحق ورحمته * * * * * سبقت في فضل عطاياه

صدقت الرؤيا لا تحزن * * * * * يا إبراهيم فديناه

لقد أسلما.. فهذا هو الإسلام، هذا هو الإسلام في حقيقته، ثقة وطاعة وطمأنينة ورضى وتسليم وتنفيذ.. وكلاهما لا يجد في نفسه إلا هذه المشاعر التي لا يصنعها غير الإيمان العظيم.

وهنا كان إبراهيم وإسماعيل كانا قد حققا الأمر والتكليف،  ولم يكن باقياً إلا أن يذبح إسماعيل، ويسيل دمه، وتزهق روحه.. وهذا أمر لا يعني شيئاً في ميزان الله، كان الابتلاء قد تم، والامتحان قد وقع، وغاياته قد تحققت، ولم يعد إلا الألم البدني، والله لا يريد أن يعذب عباده بالابتلاء. ولا يريد دماءهم وأجسادهم في شيء.

وعرف الله من إبراهيم وإسماعيل صدقهما،  فاعتبرهما قد أديا وحققا وصدقا، فلما وصل إبراهيم وولده إلى هذه الدرجة من الاستسلام لله، ناداه الله {وَنَادَيْنَاهُ أَن يٰإِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلْبَلاَءُ ٱلْمُبِينُ} (الصافات: 104-106).

يعنى: ارفع يدك يا إبراهيم عن ذبح ولدك الوحيد، فما كان الأمرُ إلا بلاءً مبيناً، أي: واضح قاسٍ عليك أنت وولدك، وهو مبين لأنه يُبين قوة عقيدة إبراهيم عليه السلام في تلقِّي الأمر من الله، وإنْ كان صعباً وقاسياً، ثم الانصياع له والطاعة، وكذلك كان البلاء في حَقِّ ولده الذى خضع وامتثل.

وجاء الفداء: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات: 107) ذبح بمعنى مذبوح، وهو الكبش الذي أنزله الله فِداءً لإسماعيل.

ومضت بذلك سنة النحر في الأضحى، ذكرى لهذا الحادث العظيم الذي يرتفع منارة لحقيقة الإيمان، وعظمة التسليم.

{وتركنا عليه في الآخرين} فهو مذكور على توالي الأجيال والقرون. وهو أمة. وهو أبو الأنبياء.

{سلام على إبراهيم. كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المؤمنين}..

وهذا جزاء الإيمان. وتلك حقيقته فيما كشف عنه البلاء المبين.

هل الذبيح إسماعيل أم إسحق؟

المسلمون يعتقدون أن الذبيح إسماعيل، واليهود يقولون: الذبيح إسحق، وهذا القول مردود من عدة وجوه:

1- لو كان الذبيح إسحق لكانت مسألة الذبح والفداء وما يتعلق بهما من مناسك بأرض الشام، حيث عاشَ هناك إسحاق، أما وهي تُفعل في أرض الحجاز حيث وُلِد وعاش إسماعيل، فهذا دليل من المواقع على أن الذبيح إسماعيل.

2- أن القرآن صريح في أن الله لمّا بشر إبراهيم بإسحاق قرن تلك البشارة بأنه يولد لإِسحاق يعقوب، قال تعالى: {فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب} (هود: 71).

وكان ذلك بمحضر إبراهيم فلو ابتلاه الله بذبح إسحاق لكان الابتلاء صورياً لأنه واثق بأن إسحاق يعيش حتى يولد له يعقوب لأن الله لا يخلف الميعاد.

ولمّا بشره بإسماعيل لم يَعِدْه بأنه سيُولد له وما ذلك إلا توطئة لابتلائه بذبحه فقد كان إبراهيم يدعو لحياة ابنه إسماعيل. فقد جاء في «سفر التكوين» الإِصحاح السابع عشر «وقال إبراهيم لله: ليت إسماعيل يعيش أمامك فقال الله: بل سارة تلد لك ابناً وتدعو اسمه إسحاق وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده». ويظهر أن هذا وقع بعد الابتلاء بذبحه.

3- أنه لو كان المراد بالغلام الحليم إسحاق لكان قوله تعالى بعد هذه الآيات: {وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالِحينَ} (الصافات: 112) لكان تكريراً لأن فعل: بشرناه بفلان، غالب في معنى التبشير بالوجود فالله تعالى قال {فبشرناه بغلام حليم} ثم قال بعد ذلك عاطفاً على البشارة الأولى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ ٱلصَّالِحِينَ} (الصافات: 112).

فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضاً: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزّه عنه كلام الله، وهو واضح في أن الغلام المبشَّر به أولاً الذي فُدي بالذبح العظيم، هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك.

4-  ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقيناً عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم.

5- وقد ورد ما يثبت صحة ذلك في التوراة في الإصحاح الثالث والعشرين في سفر التكوين (وأوحى الله إلى إبراهيم أن اصعد بابنك الوحيد جبل الموريا وقدَّمْه قرباناً لي) وكان إسماعيل عليه السلام وحيداً وقد وُلِد إسحق وعمر إسماعيل أربعة عشر عاماً.

وفى الإصحاح الرابع والعشرين (وُلِد إسحقُ وعمر إسماعيل أربع عشرة سنة).

وَإِنَّمَا قالوا إن الذبيح هو  إِسْحَاق لِأَنَّهُ أَبُوهُمْ وَإِسْمَاعِيل أَبُو الْعَرَب فَحَسَدُوهُمْ فقالوا مقالتهم أن الذبيح هو إسحق.

تنبيه:

من المشهور في هذا المقام حديث (أنا ابْنُ الذبيحين) أي: فداء أبيه عبدالله من الذبح بمائة ناقة، وأما الذبيح الثاني فإسماعيل عليه السلام الذي فَدَاه ربه بكبش.

[أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال عنه الذهبي : إسناده واهٍ ، وقال ابن كثير: حديث غريب جداً]

نعم قصة فداء والد النبي بمائة ناقة مذكورة تاريخيا لكن لا يعنى ذلك صحة هذا الحديث.