مصادر ومراجع الموضوع الرئيس:

موقع الايمان أولا

الابتلاء- د. موفق الحكيم.

خمس حقائق من فقه الابتلاء – د. محمد راتب النابلسي.

لماذا خلق الله الآلام والمؤذيات في حياة الناس.

الابتلاء – محمد سلامة جبر.

صبراً آل ياسر فالعاقبة للمتقين- د. مجدي الهلالي.

الابتلاء والمحن وأثره في الدعوات – د. محمد أبو فارس.

الأبعاد التربوية في سنة الابتلاء في ضوء الفكر الإسلامي – محمد إسماعيل أبو سخيل.

مواقع مختلفة على الشبكة العنكبوتية.

للاستزادة:

عنوان الكتاب
المؤلف
تحميل
الأبعاد التربوية لسنة الابتلاء في ضوء الفكر التربوي الإسلامي محمد إسماعيل أبو سخيل

 

المقالات:

سنة الابتلاء

د. موفق الحكيم

الابتلاء هو أحد سنن الله عزّ وجل في عباده المؤمنين في الحياة الدنيا ، وهو سنة الله في العقائد والدعوات ، فطريق الدعوة إلى الله طريق شاق وطويل ، محفوف بالمكاره ، مليء بالأشواك ، حافل بالعقبات ، مفروش بالدماء والأشلاء ، محكوم عليه بالابتلاء والإيذاء . يقول الله تعالى : { ألم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } [العنكبوت:1-3] . يقول الشهيد سيد قطب في الظلال : « إن الإيمان ليس كلمة تقال ، إنما هو حقيقة ذات تكاليف ، وأمانة ذات أعباء ، وجهاد يحتاج إلى صبر ، وجهد يحتاج إلى احتمال ، فلا يكفي أن يقول الناس : آمنا ، وهم لا يتركون لهذه الدعوة حتى يتعرضوا للفتنة ، فيثبتوا عليها ، ويخرجوا منها صافية عناصرهم ، خالصة قلوبهم ، كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ، وهذا هو أصل الكلمة اللغوي ، وله دلالته وظله وإيحاؤه ، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب . هذه الفتنة على الإيمان أصل ثابت ، وسنة جارية في ميزان الله سبحانه : { ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين }.
وأنواع الابتلاء متعددة ، وطرق الإيذاء متنوعة ، ولا بد من الصبر على تلك وهذه ، فطريق الجنة محفوفة بالمكاره وطريق النار قد حُفت بالشهوات . يقول الله تعالى : { لتُبلونّ في أموالكم وأنفسكم ولتسمعُنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذىً كثيراً } [آل عمران:186] . ويقول الله تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين } [البقرة:155].
إنها سنة الله في العقائد والدعوات ، لابد من البلاء والابتلاء ، في المال والنفس والأحباب ، ولكن لا بد من الصبر والتحمّل والمقاومة ، فهذا هو الطريق الحقيقي لتحمل الأعباء والتكاليف ومن أجل المعرفة الواقعية والحقيقية لمكنونات النفس ، وقدرات الجسم ، ومعرفة الواقع وحقيقة الحياة .
فالابتلاء هو سنة ربانية نابعة من طبيعة الدعوة من جهة ، ومن طبيعة الجاهلية من جهة أخرى .
أ- الابتلاء سنة ربانية :
لأن الداعية يحتاج إلى صياغة كافية وإعداد حقيقي وتدريب مستمر ليحمل ويتحمّل تكاليف الحق وأعباء الدعوة ، وهي تكاليف مرهقة ، وأعباء باهظة تحتاج إلى تدريب شاق ، وإعداد مستمر ، وتحتاج معها إلى الصبر والإيمان وصدق العزيمة ، وذلك لما يتطلبه هذا الإعداد ولما يترتب عليه هذا التدريب من معاناة واضطراب وقلق ، فالطريق إلى الله ليس بالطريق المُعبد السهل اليسير ، وليس هو بالرحلة أو النزهة القصيرة الجميلة ، ولا عَرَضاً قريباً وسفراً قاصداً .
إن الدعوة إلى الله هي أشبه ما تكون بتشييد بناء متين مكين يستظل فيه الناس بظل الله في الأرض ، يستروحون فيه العدل ، وينشدون فيه الأمان والاطمئنان ، تكتنفهم في جنباته الرحمة وتظلهم في أرجائه الألفة والأخوة ، هو أشبه ما يكون بالواحة الوارفة الظلال التي تقي من لهيب شمس الهاجرة ، وتعطي السكينة والهدوء للنفس القلقة المضطربة » .
إن الإيمان كما يقول الشهيد سيد قطب في الظلال : « إن الإيمان أمانة الله في الأرض لا يحملها إلا من هم لها أهل ، وفيهم على حملها قدرة ، وفي قلوبهم تجرد لها وإخلاص ، وإلا الذين يؤثرونها على الراحة والدعة ، وعلى الأمن والسلامة ، وعلى المتاع والإغراء » .
ويتابع رحمه الله : « وما بالله - حاشا لله - أن يعذب المؤمنين بالابتلاء ، وأن يؤذيهم بالفتنة ، ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة ، فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية للمشاق ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات ، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه ، على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء » .
نعم ، كما أن العجينة تحتاج إلى حرارة لإنضاجها ، فإن العجينة البشرية تحتاج أيضاً إلى حرارة الابتلاء لتصلب وتنضج وتقسى وتصبح قادرة على الصمود وتحمل الصدمات ، والنفس تصهرها الشدائد فتنفي عنها الخبث ، وحتى تتمكن جذور العقيدة في نفس الداعية وتتغلغل في كيانه وأعماقه فلا تقتلعها العواصف ولا تذهب بها الرياح : {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} [آل عمران:159] . والشدائد والأزمات تستجيش مكنونات النفس وطاقاتها وإمكاناتها وتطرقها بعنف وقوة ليشتد عودها ويصلب ساقها ويصقل قوامها .
إن النعيم لا ينال إلا بعد الشقاء ، ولذة السرور تأتي عقب شديد الألم ، وجمال الربيع يتلو زمهرير الشتاء ، وهذا هو حال الدعوة فإنها لا تعطي وروداً ولا تجني منها ثماراً إلا بعد أن ينالك الوافر من التعب والمشقة وجروح الأشواك . يقول الأستاذ أحمد أمين في كتاب " فيض الخاطر" [ج1 ص118] تحت عنوان : فلسفة المصائب : « حتى كان من غريب أمر الإنسان أنه لا يدرك اللذة إلا بالألم ، ولا الفائدة إلا بالمصيبة ، كما لا يدرك الحلو إلا بالمر ، ولا المر إلا بالحلو ، ولا يمكن أن نتصور سعادة إلا بشقاء ، ولا شقاء إلا بسعادة ، فكأن السعادة والشقاء وجها القطعة من النقود لا يمكن أن يُتصوّر وجود أحد الوجهين إلا بالآخر » . ويتابع : « على أن المصائب نفسها ليست تخلو من وجه جميل وناحية رائعة ، فهي ليست قبحاً صرفاً ولا شقاءً خالصاً بل كثيراً ما تكون بلسماً كما تكون جروحاً ، ودواءً كما تكون داءً . إن الرخاء يفسد الطبيعة البشرية فلا بد لها من شقاء يصلحها ، والحديد قد يفسد فلا بد له من نار تذيبه حتى تصلحه ، وتذهب خبثه ، فكذلك النفوس قد يطغيها النعيم ويصدئها الترف ، فلا بد لها من نار تُكوى بها لتنصهر ويذهب رجسها ، ثم إذا أردت أن تعرف نفوس الناس حقاً فتعرّفها في أوقات المصائب لا في أوقات النعيم » .
وأشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء والصالحون كما جاء في الحديث الشريف الصحيح : « أشد الناس بلاءً الأنبياء ، ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء » ؛ لأن كل مصيبة تصيب الإنسان الصالح أو كل ابتلاء يقع به فيواجهه بالصبر والإيمان والاحتساب يغسل عنه ذنوبه وخطاياه ، ويزيل عنه الرجس والآثام ليلاقي ربه في دار النعيم وقد فاز بجنات الله ورضوانه ورؤية وجهه الكريم .
كما أنه لابد من الابتلاء لتستطيع الجماعة أن تقوم بحمل هذه الدعوة والنهوض بتكاليفها ومعرفة عناصر الخير من عناصر السوء في أفرادها وقياداتها ، ولمعرفة حقيقة النفس البشرية وخباياها ، وحقيقة الجماعات والمجتمعات التي تعيش فيها ، وهم يرون كيف تصطرع مبادئ الدعوة مع أهواء النفوس والشهوات ، ومعرفة مداخل الشيطان إلى هذه النفوس ومزالق الطريق ومسارب الضلال . يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله : « لابد من تربية النفوس بالبلاء ، ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد ، وبالجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات » لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة ، كي تعزّ على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف ، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى ، فالتكاليف هنا هي الثمن النفسي الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين . وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها ، كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها ، كذلك لا يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها بها وصبرهم على بلائها ، إنهم عندئذ سيقولون في أنفسهم لو لم يكن ما عند هؤلاء من العقيدة خيراً مما يبتلون به وأكبر ما قبلوا هذا البلاء ولا صبروا عليه ، وعندئذ ينقلب المعارضون للعقيدة باحثين عنها ، مقدرين لها ، مندفعين نحوها ، وعندئذ يجيء نصر الله والفتح ويدخل الناس في دين الله أفواجاً .
ب- الصدام مع الجاهلية وأعوانها:
ولا بد من الابتلاء بسبب الصدام مع الجاهلية وأعوانها ، لأن الحق واحد لا يتعدد في كل زمان ومكان ، ولأن الباطل مهما اختلفت أشكاله وتعددت صوره وتنوعت مشاربه لا يمكن أن يهادن الحق ، ولا أن يتحمل وجوده في أي زمان أو مكان ، لأن الدعوة الحقيقية التي تصدر عن نبع الإسلام ، وتعبر عن موقفه وتتبع منهجه وأحكامه ، وتتحكم في الدنيا وما فيها من أموال وأنفس وأنظمة ، لاتروق لقوى الشر التي لا تستريح لهذا المنهج الخير العادل ولا ترتاح إليه ، ومهما هادن الباطل الحق وسكت عنه ، فإنه لا بد أن يقع الصدام لأنه لا يمكن أن يجتمعا معاً على صعيد واحد ، ولا بد أن يتنازل أحدهما للآخر ، ولقد عبّر عن هذا الموقف ، وبين ما هي قوى الشر التي تواجه دعوة الحق ولا ترضخ لحكمها ودعاتها ، الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله الذي أوضح في رسالته “ بين الأمس واليوم ” ، وأنقل هذه الرسالة موجزة من كتاب [واقعنا المعاصر] للأستاذ محمد قطب حفظه الله [ص:407-408] : يقول الإمام الشهيد رحمه الله : « أحب أن أصارحكم أن دعوتكم لا زالت مجهولة عند كثير من الناس ، ويوم يعرفونها ويدركون مراميها ، ستلقى منهم خصومة شديدة وعداوة قاسية ، وستجدون أمامكم كثيراً من المشقات ، وسيعترضكم كثير من العقبات ، وفي هذا الوقت وحده تكونون قد بدأتم تسلكون سبيل أصحاب الدعوات ، أما الآن فلا زلتم مجهولين ، ولا زلتم تمهدون للدعوة ، وتستعدون لما تتطلبه من كفاح وجهاد » . ويتابع رحمه الله : « سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم ، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله ، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء ، وذو الجاه والسلطان ، وستقف في وجوهكم كل الحكومات على السواء ، وستحاول كل حكومة أن تحدّ من نشاطكم وأن تضع العراقيل في طريقكم » . ويتابع رحمه الله : « وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم ، وسيستعينون بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال ، وإليكم بالإساءة والعدوان ، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبار الشبهات وظلم الاتهامات ، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة ، وأن يظهروها للناس في أبشع صورة ، معتمدين على قوتهم وسلطانهم ، معتدّين بأموالهم ونفوذهم : {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} [التوبة:32] » . إن هذه الرسالة الموجزة بكلامها ، العظيمة بأفكارها ، تبين الطريق للدعاة ، وتظهر لهم أن قوى الشر مهما اختلفت فيما بينها فإنها يد واحدة ترمي عن قوس واحدة أمام عدوهم الرئيسي وهم دعاة الحق . إن من أهم العقبات والصعوبات التي تواجه الدعاة كما ذكرنا هي :
ج- جهل الشعب بحقيقة الإسلام :
إن أكبر المعارضين لدعاة الحق والمهاجمين له « العوام » وعامة الشعب الذين يتألبون عليه ، لأنهم تعودوا على نظام معين ألفوه وألف إليهم ، ورضوا به ورضي بهم ، ولا يرضى لهم الكسل العقلي ولا “ الروتين ” اليومي أن يقبلوا بالجديد وإن كان مفيداً ، فتراهم إذا ما استثيروا ضد دعاة الحق ثاروا ، وإذا ما حُرضوا تحرضوا وحرضوا ، وكانوا رأس حربة في يد عبيد الهوى وأصحاب المصالح والشهوات والمراكز . يقول الأستاذ أحمد أمين في فيض الخاطر [ج3 ص 142] : « والتاريخ يجري على نمط واحد منذ تكونت الجمعية البشرية إلى اليوم ، يلمع فيها أفراد قلائل في كل عصر ، يخرجون على إلف الناس وما اعتادوه في أفكارهم وعقائدهم وعواطفهم ، فيتألب عليهم الناس لكسلهم العقلي ، ولأن الدعوة الجديدة تقلق راحتهم ، وتدعوهم إلى قلب نظامهم العقلي والعاطفي كالذي يدعو كسلاناً أن يغير نظام بيئته أو نظام معيشته ، وبدلاً من أن يوجه غضبه إلى نفسه لكسلها أو جمودها يحوّل غضبه على من سبب له هذا القلق ، ثم لا يقتصر على محاربته بالأساليب الشريفة ، بل يحاربه بكل سلاح ، ولا يتورع عن أن يختلق عليه ويتهمه بما يستطيع من تهم ، ويرى أن كل وسيلة تفضي إلى قتل هذه الفكرة الجديدة جائزة ومشروعة ، فإذا وصل إلى هذا الغرض بإعدام الفكرة أو إعدام قائلها اطمأن واستراح لأنها تتفق مع طبيعته في الكسل واستنامته إلى ما ألف » .
والأدهى من ذلك والأمر أنه إذا كان جُلّ الشعب ، وبدعم من السلطان وأصحاب الهوى يُحقون الباطل ويبطلون الحق ، ويأتمرون بالمنكر ويتناهون عن المعروف ، فإن دعاة الحق في هذا المجتمع غرباء عليه وسيواجهون أشد أنواع العسف والظلم والاستبداد ، ألم تر إلى جواب قوم لوط وهو ينهاهم عن الفساد والرذيلة ، ويأمرهم باتباع الحق والصواب ، ماذا أجابوه ؟! : { ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون * أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون * فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون } [النمل:54-56] . فهم على درجة كبيرة من انحراف الفطرة وشذوذ الغريزة بحيث لا يستشعرون أو يدركون ما في انحرافهم من قذارة وما يبعث عليه من اشمئزاز ، والأنكى من هذا أنهم يحاربون الطهارة والتطهر إذا كانت الطهارة تدعوهم وتأمرهم بالإقلاع عن ذلك الشذوذ والابتعاد عن هذا الانحراف ، وما نراه في هذه الأيام وللأسف وفي بعض المجتمعات ليس بعيداً عن هذا الواقع المزري وهذه الحقيقة المؤلمة !!.
إن الباطل يحاول بشتى الوسائل ومختلف الأساليب استمالة الحق واحتواءه والسيطرة عليه ، تارة بالترغيب ، وتارة بالترهيب ، فإن لم ينجح لجأ إلى كل الوسائل الدنيئة والأساليب الباطلة من أجل التخلص منه والقضاء عليه ، لأن الفضيلة والرذيلة لا يجتمعان ، ولأن الضّعة والرفعة لا يلتقيان . يقول الأستاذ أحمد أمين في “ فيض الخاطر [ج1 ص198] ” : « ألست ترى أن جمعية الشراب تكره كل الكراهية أن يكون بينهم وقت شرابهم من لا يشرب ، ويستثقلونه مهما ظرف ، ويستسمجونه مهما لطف ، لأنه يذكرهم بالفضيلة حين ارتكابهم الرذيلة ، ويشعرهم بأنهم الوضعاء وهو الرفيع ، وأنه العين الناقدة ، وأنه الرقيب عليهم ، وأنه العادّ لسقطاتهم ، وأنه المحتفظ بقوته وإدراكه عند ضعف إرادتهم ، كل هذا يشعرهم بالضعة فيكرهونه ويبدؤون بالإلحاح عليه أن يشرب لا حباً فيه ولكن حباً لأنفسهم ، وإبعاداً لشعورهم بضعتهم ، ولا يزالون يستحلفونه حتى إذا نجحوا أمنوا الشعور بالضعة ، وإذا فشلوا مقتوه ، ومقتوا جلوسه بينهم ، لأنه نغّص عليهم بهجتهم ، ومن أجل هذا أيضاً أحبوا أن يسمعوا أدب الخمر ، وأحبوا أن يسمعوا من يفلسف لهم الحياة ، وأنها ليست إلا متعة الساعة وشهوة الوقت ، فإذا تجاوز المحدّث ذلك إلى أنه لا يعبأ بحرام ولا حلال وأنه يقول كما قال أبو نواس:
فإن قالوا حرامٌ قل حرامٌ == فإن لذاذة العيش الحرام

فذلك عندهم أظرف وأفكه لأنه اجتث الشعور بالضعة من جذوره ، هذا هو سبب العداء دائماً بين الفضيلة والرذيلة أو بين الفاضل والرذل ، وهذا هو السبب في أن الرذل يكره الفاضل أكثر مما يكره الفاضل الرذل » .
ولا يقتصر الأمر على مجرد الاتهام وأذى اللسان بل السنان من خلال “ العوام ” والجهال ، بل إن أقرب المقربين إلى الدعاة قد يكونون من أشد الحاقدين والمتآمرين عليه ، والقرآن الكريم يوضح لنا أن زوجة لوط ونوح كانتا من أشد أعدائهما والساخرين من دعوتهما ، وأن والد إبراهيم آزر توعده بالطرد والعذاب ، وأن عم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أبا لهب كان من أشد أعدائه والناقمين عليه ، وأن أبا بكر الصديق وابنه ، وأبا عبيدة بن الجراح ووالده التقوا في ساحة القتال ؛ فريق مع أصحاب الجنة وفريق مع أصحاب السعير ، وتوضح لنا السيرة النبوية كيف أن والدة مصعب بن عمير سجنته ومنعت عنه الطعام ، وأن والدة سعد بن أبي وقاص وكان باراً بها جداً كانت في صفوف أعدائه ، روى الترمذي عند تفسير الآية : {ووصينا الإنسان بوالديه حسناً وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إليّ مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون} [العنكبوت:8] ، قال : « إنها نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأمه حمنة بنت أبي سفيان وكان باراً بأمه ، فقالت له : ما هذا الدين الذي أحدثت ، والله لا آكل ولا أشرب حتى ترجع إلى ما كنت عليه أو أموت ، فتتعير بذلك أبد الدهر ، يقال : يا قاتل أمه ! . ثم إنها مكثت يوماً وليلة لم تأكل ولم تشرب ، فجاء سعد إليها وقال : يا أماه ، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني ، فكلي إن شئت ، وإن شئت فلا تأكلي ، فلما أيست منه أكلت وشربت ، فأنزل الله هذه الآية آمراً بالبر بالوالدين والإحسان إليهما وعدم طاعتهما بالشرك » .
والأشد من هذا أن الداعية قد يواجه فتنة الأهل والأحباب الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه وهو لا يملك لهم دفعاً ، وقد يهتفون به ليسالم أو يستسلم ، وينادونه باسم الأسرة والقرابة ، وباسم الأبوة والأمومة والأخوة ، واتقاء الله في الأرحام أن لا يعرضهم للأذى أو الهلاك… وليس الواقع المعاصر عنا ببعيد أو غريب ! وعندها يقف الداعية وحيداً غريباً ، يرى كل ما حوله وكل من حوله غارقاً في تيار الضلالة ، ممعناً في العماية ، وهو وحده موحش غريب طريد ، إنها والله فتنة ما أشدها من فتنة ، وابتلاء ما أصعبه من ابتلاء .
* علماء السوء : أو ما يسمى علماء السلاطين ، وهم من أشد أعداء دعاة الحق وطُلاب العدل ، وأنصار النور .
* قوم تجدهم في كل عصر ومصر وقصر . باعوا دينهم بدنيا غيرهم ، فلبئس الشاري والمشتري ، واشتروا متاع الدنيا الفاني بنعيم الآخرة الباقي ، فلبئس القاني والمقتني .
* أصدروا الفتاوى عن هوى ، أو حسد ، أو غفلة ، أو ضلال ، بحق الفئة المؤمنة الداعية الواعية ، واستغلوا الإسلام ، والإسلام منهم براء…
* لم يستخدموا علمهم ومعرفتهم في نصر دينهم ، بل في تحقيق رغباتهم وتحصيل شهواتهم ولم ينصروا دعاة الحق ، بل تألبوا عليهم لينصروا أصحاب السلطان الباطل ، والملك الزائل ، أحقوا الباطل وأبطلوا الحق طمعاً في رضا سلطان فان أو منصب زائل أو غرض زائف .
* هم قدماء معاصرون ، تجدهم في كل زمان ومكان ، ولعل أبرز دعاتهم وأفضل قدوتهم علماء اليهود ثم النصارى الذين عرفوا الحق وتنكبوا له ، أو جهلوه ، فضلوا وأضلوا ، واشتروا برسالاتهم ثمناً بخساً ، فحق عليهم العذاب في الدنيا والآخرة ، يقول الإمام العظيم ابن القيم رحمه الله :
« انقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به ثلاثة أقسام ، لأن العبد إما أن يكون عالماً بالحق أو جاهلاً به . والعالم بالحق إما أن يكون عاملاً بموجبه أو مخالفاً له . فهذه أقسام المكلفين لا يخرجون عنها البتة . فالعالم بالحق العامل به هو المنعَم عليه وهو الذي زكّى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح وهو المفلح : { قد أفلح من زكّاها } ، والعالم به المتبع هواه هو المغضوب عليه ، والجاهل بالحق هو الضال . والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل ، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل ، فكل منهما ضال مغضوب عليه ، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته أولى بوصف الغضب وأحق به ، ومن ههنا كان اليهود أحق به : { بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغياً أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب } [آل عمران:90] ، والجاهل بالحق أحق باسم الضلال ، ومن هنا وصفت النصارى به : { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل } » .

ويقول الإمام الشعبي : كل أمة علماؤها شرارها إلا المسلمين ، فإن علماءهم خيارهم . ويعلق الإمام ابن تيمية رحمه الله على كلام الشعبي فيقول : « وذلك أن كل أمة غير المسلمين فهم ضالون ، وإنما يُضلهم علماؤهم » [الإيمان:270] .
والبون شاسع ، والفرق واسع بين علماء الآخرة وعلماء الدنيا .
فعلماء الآخرة كانوا وما زالوا يتجنبون صحبة السلطان ، ويمتنعون عن أخذ أُعطياته ، ولا يستجيبون لرغباته وغير حريصين على كسب مرضاته . أرسل أبو جعفر المنصور إلى المحدث والفقيه العظيم سفيان الثوري رحمه الله ، فلما دخل عليه قال : سلني حاجتك يا أبا عبد الله ؟ قال : وتقضيها يا أمير المؤمنين ؟ قال نعم . قال : فإن حاجتي إليك ألا ترسل لي حتى آتيك ، ولا تعطني شيئاً حتى أسألك ، ثم خرج . فقال المنصور : ألقينا الحبّ إلى العلماء فلقطوا إلا ما كان من سفيان الثوري ، فإنه أعيانا فراراً… وفي هذا يقول الإمام سفيان الثوري : ما أخاف من إهانتهم لي ، وإنما أخاف من إكرامهم فيميل قلبي إليهم .
وبعث أبو جعفر المنصور إلى الإمام جعفر الصادق رسالة يقول فيها : لماذا لا تزورنا كما تزور الناس ؟! فرد عليه جعفر بقوله : ليس لنا في الدنيا ما نخافك عليه ، ولا عندك من الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها ، ولا في نقمة فنعزيك بها . فبعث إليه المنصور : تصحبنا لتنصحنا ، فرد عليه جعفر الصادق : من يطلب الدنيا لا ينصحك ، ومن يطلب الآخرة لا يصحبك !!.
وسأل سليمان بن عبد الملك التابعيّ الجليل أبا حازم فقال له : هل لك أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب منك ؟ قال : كلا ، قال : ولم ؟! قال : إني أخاف أن أركن إليكم قليلاً ، فيذيقني ضعف الحياة وضعف الممات ، ثم لا يكون لي منه نصير . قال : يا أبا حازم ، ارفع إليّ حاجتك . قال : نعم ! تدخلني الجنة وتخرجني من النار . قال : ليس ذلك إلي . قال : فما لي حاجة سواها . قال : يا أبا حازم أوصني . قال : نعم ، سوف أوصيك وأوجز : نزّه الله تعالى وعظمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك . قال سليمان : يا أبا حازم هذه مئة دينار ، أنفقها ولك عندي أمثالها كثير . فرمى بها وقال : والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي ؟ إني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلاً وردي عليك بذلاً ! إن كانت هذه المئة دينار عوضاً عما حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل منها ، وإن كانت من مال المسلمين فلا حاجة لي فيها . إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتقى حتى كان أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم ، فلما نُكسوا وسقطوا عند الله تعالى وآمنوا بالجبت والطاغوت ، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم ويشاركونهم في دنياهم…
ويقول حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رحمه الله : « إن الظلمة في العصر الأول لقرب عهدهم بزمن الخلفاء الراشدين ، وكانوا مستشعرين ظلمهم ، ومتشوقين إلى استمالة قلوب الصحابة والتابعين ، وحريصين على قبولهم عطاياهم وجوائزهم ، وكانوا يبعثون إليهم من غير سؤال أو إذلال ، بل كانوا يتقلدون المنّة بقبولهم ويفرحون به ، وكانوا يأخذون منهم ويُفرقون ، ولا يطيعون السلاطين في أغراضهم ولا يغشون مجالسهم ، ولا يكثرون جمعهم ، ولا يحبون بقاءهم ، بل يدعون عليهم ، ويطلقون اللسان ، وينكرون المنكرات » .
أما علماء الدنيا فإنهم يسعون إلى صاحب السلطان وإن لم يسع إليهم ، تراهم أفواجاً على بابه ينتظرون ، ولمرضاته يسعون ، ولرغباته يحققون ، يستذلهم فلا يأنفون ، ويمتهنهم فلا يكترثون أو يبالون . مرّ الحسن البصري بباب الأمير ابن هبيرة ، فإذا هو بالقراء على الباب ، فقال : ما يجلسكم ههنا ؟ تريدون الدخول على هؤلاء الخبثاء ، أما والله ما مجالسهم بمجالس الأبرار . تفرقوا فرّق الله بين أرواحكم وأجسادكم ! قد شمرتم ثيابكم ، وجززتم شعوركم ، فضحتم القراء فضحكم الله ، أما والله لو زهدتم فيما عندهم لرغبوا فيما عندكم ، لكنكم رغبتم فيما عندهم فزهدوا فيما عندكم… ويقول الإمام الجليل سعيد بن المسيب رضي الله عنه : « إذا رأيتم العالم يغشى الأمراء فاحذروا منه فإنه لص » . ويقول الإمام جعفر الصادق : « الفقهاء أمناء الرسل ، فإذا رأيتم الفقهاء ركنوا إلى السلاطين فاتهموهم » .
وعلماء الآخرة تراهم زاهدين في الدنيا وما فيها ، تسعى إليهم ولا يسعون إليها ، تُجبى إليهم أموالها فيوزعونها ، ولا يهتمون بزخارفها وزينتها ، رضوا بالقليل احتساباً وطمعاً بالعظيم عند رب العالمين ، يعيشون على النذر النذير ، ويقدمون الخير الكثير ولذا أحبهم الناس ووقرهم السلاطين . دخل محمد بن سليمان أمير البصرة على حماد بن سلمة وقعد بين يديه يسأله ، فقال له : يا أبا سلمة ما لي كلما نظرت إليك ارتعدت فرقاً ؟! قال حماد : حدثني ثابت البناني قال : سمعت أنساً يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن العالم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء ، وإذا أراد أن يكنز الكنوز هاب كل شيء » . ويقول الإمام عبد الله بن المبارك : إن العلماء ورثة الأنبياء ، فإذا كانوا على طمع فبمن يقتدى ؟ ويقول أيضاً : من شرط العالم أن لا تخطر محبة الدنيا على باله ، ويقول أيضاً : كيف يدعي رجل أنه أكثر علماً وهو أقل خوفاً وزهداً . وينسب إلى الخليفة عمر الفاروق رضي الله عنه قوله : « يا أهل العلم والقرآن لا تأخذوا للعلم ثمناً فتسبقكم الدناءة إلى الجنة » .
أما علماء الدنيا فتراهم يسعون جاهدين لاهثين في جمع الأموال وامتلاك الضيع والعقارات ، وأصبحوا أرباباً للمؤسسات والشركات ، يتعاملون بالحلال والحرام ، ويأكلون أموال الأيتام ، استولوا على أموال الأوقاف ووزعوه بينهم وبين أنصارهم وأقاربهم والحكام ، لم يردعهم علم ولا معرفة ، ولم يوقف جشعهم خوف من الله أو خشية ، اتخذوا الدين مطية لأغراض الدنيا وشهوات النفس وشياطين الإنس . جاء في العقد الفريد [ج2:ص80] : قال عيسى بن مريم : سيكون في آخر الزمان علماء يزهدون في الدنيا ولا يزهدون ويرغبون في الآخرة ، ينهون عن إتيان الولاة ولا ينتهون ، يقربون الأغنياء ويبعدون الفقراء ، ويتبسطون للكبراء ، وينقبضون عن الفقراء ، أولئك إخوان الشياطين وأعداء الرحمن ، ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله : « شرار الناس صنفان : عالم يبيع دينه لحاكم ، وحاكم يبيع آخرته بدنياه » . ويقول الشاعر :
ما أقبح التزهيد من واعظٍ == يُزهّد الناس ولا يزهدُ
لو كان في تزهيده صادقاً == أضحى وأمسى بيته المسجدُ
ويــرفـض الـــدنــيــا ولم يـقـنــــها == ولم يكن يسعى ويسترفدُ

ويقول المعري :
صمْ ثم صلِّ وطفْ بمكة زائراً == سبعين لا سبعاً فلست بناسكِ
جهل الديانة من إذا عرضت له == أطماعه ، لم يُلفَ بالمتماسكِ

يقول الله تعالى : { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننّه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون }[آل عمران: 187].

يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار في « التلميذ الناشئ والشيخ الحكيم » معقباً على هذه الآية ، وكيف أن بعض العلماء يكتمون الحق وما استودعوا من العلم تجاه بعض الحكام الذين يُحرِّفون الإسلام أو يشتمونه دون تهيب ولا وجل : « لقد كان في قلوبهم خشية المخلوق ، ولم تكن في قلوبهم خشية الخالق ، فسكتوا عن الباطل ، وعجزوا عن إعلان كلمة الحق ، ولو كان في قلوبهم خشية الخالق لا المخلوق ، لكان لهم موقف آخر يشمخ فيه الحق ويخنس فيه الباطل وتهتز له أعطاف العالم الإسلامي ، ويردد صداه التاريخ إلى مدى بعيد ».
وعلماء الآخرة تراهم قد عزوا بعلمهم ، وبرزوا بتقواهم ، يسعى إليهم الصغير والكبير ، ويوقرهم القريب والبعيد ، هم مصابيح الدنيا ، ومشاعل الحرية ، وأنوار الدين ، لا يخافون في الله لومة لائم ، ولا يطيعون مخلوقاً -مهما علا شأنه - في معصية الخالق ، أقوالهم قوانين يعمل بها ، وأعمالهم سنن يقتدى بها ، هم كما قال أحد الصالحين : « إن العلماء الذين يخشون الله هم الذين إذا علموا حراماً اجتنبوه ، وإذا علموا واجباً بادروا إليه ، وإذا علموا مكروهاً تنزهوا عنه ، أولئك هم الناجون عند الله ، وهم الذين يحتاج إليهم المجتمع ، ويندى بهم وجه الحياة على الأرض ، وبهم تخف مصائبها ، وتضيء دياجيرها ، وتذل صعابها ، وتحلّ مشكلاتها ، يستقيم معوجها ، وينتصف مظلومها ، فما أشبههم بواحة خضراء في صحراء قاحلة أو ينبوع عذب في أرض جرداء يأوي إليهم كل مضنى ساغب ، وكل ضال حائر » .
أما علماء الدنيا فقد ذلوا وهانوا ، صغروا عند الصغير والكبير ، وحقّروا من قبل الجليل والحقير ، أعمالهم نافت أقوالهم ، وجشعهم أوداهم حتفهم ، فضحوا في الدنيا ، فكيف حالهم في الآخرة ؟! يقول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : « لو أن أهل العلم صانوه ووصفوه عند أهله لسادوا به أهل زمانهم ، ولكنهم بذلوه لأهل الدنيا لينالوا دنياهم فهانوا على أهلها » ويقول الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : « أحمق الناس رجل باع آخرته بدنيا غيره » ، ويقول التابعي الجليل سعيد بن المسيب رحمه الله : « إن العلماء لا يذلون إلا إذا احتاجوا إلى أموال الملوك » ، ويقول الخليفة الفاروق عمر رضي الله عنه : « إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة المنافق العليم ! قالوا : وكيف يكون منافقاً عليماً ؟ قال : عليم اللسان ، جاهل القلب والعمل ! » ، ويقول الأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله : « من استغنى بالله عن الملوك والرؤساء كان في نفسه أكبر من الملوك والرؤساء ، ومن استغنى بالملوك والرؤساء عن الله كان في دنياه وآخرته أحقر الناس وأذل الناس وأضيع الناس » .
وعلماء الآخرة كانوا للسلطان ناصحين ، يقولون الحق ولو كان على حساب أرواحهم ، ويحمون الرعية من ظلم الحاكم أو بطش الوالي ، أو خيانة القاضي ، أو غدر أصحاب الجاه والسلطان ، وكانوا يحمون العقيدة والشريعة من تحريف المبطلين وتشويه المنحرفين وعدوان الظالمين ، تجردوا عن حظوظ النفس وشهواتها ، واستهانوا بالأخطار في سبيل الله عز وجل ، كانوا أولياء الناس في أرواحهم وأعراضهم وأملاكهم ، وكانوا خلفاء الله على الأرض يسعون إلى الإصلاح ما أمكن ، ويدرؤون الفساد ما أمكن .
انظر إلى سيد التابعين الإمام الحسن البصري رحمه الله ، عندما تسلم الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز مفاتيح الخلافة وتقلد مقاليد الحكم واستنصح الإمام الحسن البصري ، فنصحه بكلمات من نور يجب أن تكون أمام عين كل حاكم أو ملك أو خليفة إذا أراد أن يحكم بما أنزل الله ويُرضي الله ورعيته في حكمه ، يقول الإمام الحسن البصري : « اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل قوام كل سائل ، وقصد كل حائر ، وصلاح كل فاسد ، وقوة كل ضعيف ، ونصفة كل مظلوم ، ومفزع كل ملهوف . والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالراعي الشفيق على إبله الرفيق الذي يرتاد لها أطيب المراعي ، ويذودها عن مراتع المهلكة ، ويحميها من السباع ، ويكنفها من أذى الحر والقر . والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوانح ، تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده . هو القائم بين الله وبين عباده ، يسمع كلام الله ويُسمعهم ، وينظر إلى الله ويريهم ، وينقاد إلى الله ويقودهم ، فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرد العيال فأفقر أهله وفرق ماله .
واعلم يا أمير المؤمنين أن الله أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش ، فكيف إذا أتاها من يليها ، وأن الله أنزل القصاص حياة لعباده ، فكيف إذا قتلهم من يقتص لهم ؟!! واذكر يا أمير المؤمنين الموت وما بعده ، وقلة أشياعك عنده وأنصارك عليه ، فتزود له ولما بعده من الفزع الأكبر ، واعلم أن لك منزلاً غير منزلك الذي أنت فيه ، يطول فيه ثواؤك ، ويفارقك أحبابك ، يسلمونك في قعره فريداً وحيداً ، فتزود له ما يصحبك يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه ، فالآن يا أمير المؤمنين وأنت في مهل قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل . لا تحكم يا أمير المؤمنين في عباد الله بحكم الجاهل ولا تسلط المستكبرين على المستضعفين ، فإنهم لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ، فتبور بأوزارك وأوزار من معك ، وتحمل أثقالك وأثقالاً مع أثقالك » [تطور أساليب النشر :ص 135-136].
وكتب الإمام الأوزاعي إلى أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي :
« أما بعد ، فعليك يا أمير المؤمنين بتقوى الله عز وجل ، وتواضع يرفعك الله تعالى يوم يضع المتكبرين في الأرض بغير الحق ، واعلم أن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تزيد حق الله إلا وجوباً » .
وجاء في العقد الفريد لابن عبد ربه : عن مالك بن أنس قال : بعث أبو جعفر المنصور إليّ وإلى ابن طاووس فأتيناه فدخلنا عليه ، فإذا هو جالس على فُرش قد نُضدت ، وبين يديه أنطاع قد بسطت ، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق . فأومأ إلينا أن اجلسا فجلسنا ، فأطرق عنا طويلاً ، ثم رفع رأسه والتفت إلى ابن طاووس فقال له : حدثني عن أبيك ، قال : نعم ، سمعت أبي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل أشركه الله في حكمه ، فأدخل عليه الجور في عدله » فأمسك المنصور ساعة ، قال مالك : فضممت ثيابي من ثيابه ( أي ثياب ابن طاووس) مخافة أن يملأني من دمه . ثم التفت إليه أبو جعفر فقال : عظني يا ابن طاووس ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى يقول : { ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يُخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذي الأوتاد * الذين طغوا في البلاد ، فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد } قال مالك : فضممت ثيابي من ثيابه مخافة أن يملأني من دمه . فأمسك المنصور ساعة حتى اسود ما بيننا وبينه ،ثم قال : يا ابن طاووس ناولني هذه الدواة ، فأمسك ابن طاووس عنه ، ثم قال المنصور : ناولني هذه الدواة… فأمسك عنه ، فقال أبو جعفر : ما يمنعك أن تناولنيها ؟ قال : أخشى أن تكتب بها معصية لله فأكون شريكك فيها . فلما سمع ذلك قال : قوما عني . قال ابن طاووس : ذلك ما كنا نبغي . قال مالك : فما زلت أعرف لابن طاووس فضله .
وسلطان العلماء العز بن عبد السلام عندما سأله أحد تلامذته بعد مواجهة السلطان أيوب : أما خفت السلطان ؟! فأجابه : استحضرت في قلبي خشية الله فصار السلطان في عيني كالقط . وعندما توفي رحمه الله التفت السلطان إلى بعض خواصه وقال : اليوم فقط طاب ملكي !!. وانظر إلى ما قاله الإمام الحسن البصري لوالي البصرة عمر بن هبيرة ، الذي استفتاه في أمر يطيع به السلطان ويعصي به الرحمن ، فقال له : « يا ابن هبيرة اتق الله ، فإنه يوشك أن يأتيك رسول من رب العالمين يزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك ، فتدع سلطانك ودينك خلف ظهرك وتقدم إلى ربك وتنزل على عملك . يا ابن هبيرة : إن الله ليمنعك من يزيد ، وإن يزيد لا يمنعك من الله ، وإن أمر الله فوق كل أمر وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . وإني أحذرك بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين .
يا ابن هبيرة : الحساب من ورائك سوط بسوط وغضب بغضب والله بالمرصاد .
يا ابن هبيرة : إنك إن تلق من ينصح لك في دينك ويحملك على آخرتك ، خير من أن تلقى رجلاً يُغريك ويمنيك » .
وجاء في كتاب قلائد الجواهر : لما وَلّى المقتفي لأمر الله القضاء يحيى بن سعيد بن يحيى المظفر المشهور بابن المزاحم الظالم قال له الشيخ عبد القادر الجيلاني في خطبة الجمعة : « وليت على المسلمين أظلم الظالمين ، ما جوابك غداً عند رب العالمين ، أرحم الراحمين ؟!! فارتعد الخليفة وبكى وعزل القاضي المذكور » .
وهل ننسى موقف إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه عندما سئل عن طلاق المُكره وهو يعلم ما يقصد السائل ، فإنه يعني : يكره الولي الأمة فلا تجد مخرجاً إلا اليمين هرباً من العذاب الأليم ، فقال قولته المشهورة : طلاق المكره لا يقع… وعذب بالسياط وضرب حتى خلعت كتفه ، وطيف به في الأسواق وهو يقول مع هذا : طلاق المكره لا يقع . وهل ننسى موقف التابعي الجليل سعيد بن جبير مع الحجاج الطاغية الظالم الذي قتله فسقط شهيداً بل سيداً من سادة الشهداء .
أما علماء الدنيا وما أكثرهم في هذا العصر ، وما أبشع طرائقهم ، وأفدح جرائمهم ، تجدهم في كل مكان يتملقون السلطان ويتزلفون الحكام ، ويصدرون الأحكام التي تنافي الشرع ، وتسخط الله وتلحق العذاب والهوان في حق الرعية والناس . وصدق من قال : آفة هذه الأمة فساد أمرائها وجبن علمائها . ومنهم - أي علماء السوء - من سيطر عليه لؤم مغرسه وخبث عنصره ، وأقام على خساسته ينافح عن لؤمه ويدعي الشرف للحاكم ليحظى بمنزلة الشرف عنده ، ويظهر الحقد والبغضاء لدعاة الحق بتنقصهم والاستهزاء بهم وإلحاق أشد الضرر بهم وبأسرهم ، ويستفرغ مجهوده في إظهار مثالب هؤلاء - أي الدعاة - ومناقب هؤلاء - أي الحكام ، يؤولون الآيات والأحاديث حسب هواهم وهوى السلطان ، وإن احتمل التأويل عدة معان صرفه إلى مايرضيه ويرضي سلطانه . يقول الإمام الحسن البصري [عيون الأخبار لابن قتيبة : كتاب العلم - باب القرآن] :
« من العلماء قوم حفظوا حروفه ، وضيعوا حدوده ، واستدروا به الولاة ، واستطالوا به على أهل بلادهم . وقد كثر هذا الضرب في حملة القرآن لا كثرهم الله » . ويقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله : « وكم رأينا الفكر والعلم مطية للأغراض والمنافع الحقيرة ، بل كم رأينا من العلماء بالإسلام نفسه من يصفون أنفسهم في خدمة أعداء الإسلام ، ويحاربون أولياءه ، ويشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ، مكسباً أو منصباً ، أو مالاً أو جاهاً أو عَرَضاً زائلاً ومتاعاً فانياً من متاع هذه الدنيا » [أزمة روحية].
يقول المعري :
توهمت يا مغرور أنك ديـنٌ == عليّ يمين الله ، ما لك ديــنُ
تسيرُ إلى البيت الحرام تنسكاً == ويشكوك جارٌ بائس وحزين

نعوذ بالله من هؤلاء العلماء كما قال الإمام العظيم سفيان الثوري : تعوذوا بالله من فتنة العابد الجاهل والعالم الفاجر فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون . ونسأل الله أن ينفعنا بما علمنا ، ويعلمنا ما ينفعنا .

ذوو الجاه والسلطان:
إن فرعون والذي يمثل طغيان السلطة وجبروت الحاكم ، والذي كان يرتكب أبشع الجرائم ، لم يكن وحده في مواجهة موسى وهارون ، وما جاءا به من البينات ، بل كان معه زبانيته وأعوانه ومنهم هامان وزيره وقائد جنده ، المدبر لمكائده والمعين له على ظلمه وبطشه ، وكان معه قارون والذي كان من يهود قوم موسى وكان يمثل الجشع المادي والمطمع الدنيوي فبغى على موسى وقومه بثروته وعلمه ولم يستمع لنصح الناصحين بعدم البغي والفساد.
{ وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات } [العنكبوت :39]
{ إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب } [غافر 24]
أضف إلى ذلك الملأ من قوم فرعون الذين كان يستشيرهم ويشيرون عليه ، وكانوا أصحاب الجاه والمراكز والنفوذ من أسرته وأقاربه وأعوانه وزبانيته.
{ وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة } [المؤمنون 33]
وهؤلاء جميعاً أي الثالوث الجبروت المتمثل في سلطة الطاغية الحاكم ، وسلطة الجشع المادي ، وسلطة الملأ من أصحاب النفوذ تجدهم في كل زمان ومكان يحاربون دعاة الحق ويواجهونهم بكل الوسائل ويقاتلوهم بكل الأساليب:
فمنها التكذيب { قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين } [الأعراف:60]
ومنها التشهير { قال الملأ الذين استكبروا من قومه إنا لنراك في سفاهة } [الأعراف :66]
{ قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم } [الأعراف : 109]
وقد يصل الأمر إلى حد القتل إن لم ينفع الإبعاد والسجن والتعذيب. { قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين } [القصص :20]
وهذا ما يجب على الدعاة فهمه ووعيه ، إن أصحاب السلطة والنفوذ والمال ليسوا وحدهم في مواجهتهم ومحاربتهم بل معهم من يحاربهم في مصالحهم وأهوائهم من كبار التجار وقادة الجيوش الفاسدين المفسدين وأصحاب السلطان والهوى والمنفعة ، وعندما يتصدى دعاة الباطل لدعاة الحق ، ويتصدى أدعياء الشر لأنصار الحق والنور ، يهب لحمايتهم ونصرتهم المستغلون والمستكبرون والطغاة والبغاة والعتاة ، والمستهزئون والمنحلون أصحاب الشهوات وأنصار الإنحلال ، وهذا الواقع قديم جديد ، عهدناه ونعهده وسوف يُشاهد في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فلقد تماثلت أساليب أصحاب الباطل قديماً وحديثاً في مهاجمة دعوة الحق والصد عنها حتى لكأن أولهم أوصى آخرهم .
{ كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أومجنون ، أتواصوا به ، بل هم قوم طاغون. } [ الذاريات: 52 ]
{ ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك } [ فصلت : 42 ]
فهي جبلة واحدة ، وطبيعة واحدة للمكذبين في التعامل مع دعاة الحق وكأنهم تواصوا بذلك ، وما تواصوا بشيء من هذا ، إنما هي طبيعة الطغيان وتجاوز الحق و القصد تجمع بين الغابرين واللاحقين .
إن الباطل قديمه وحديثه يتبع نفس الأساليب في محاربة الحق وأعوانه ، معتمداً على نفس الأعوان والأنصار ، لا يتغير ذلك بتغير الزمان ولا بتبدل المكان. يقول الشهيد سيد قطب في الظلال :
« والمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان ، إنه واحد في ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم : نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وعيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام ،{ وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون } [ الأنبياء : 92 ] هذا الموكب الكريم الممتد في شعاب الزمن من قديمه وحديثه ، يواجه مواقف متشابهة وأزمات وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكثر الدهور ، وتغير المكان وتعدد الأقوام ، يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى والاضطهاد والبغي والتهديد والتشريد » .
وقوى الباطل مهما اختلفت مذاهبها وتعددت مشاربها ، وتنوعت أهوائها ، تلتقي دوماً وتوحد جهودها في مواجهة دعاة الحق ، ناسية ما بينها من الخلاف والخصام ، يقول الأستاذ عصام العطار حفظه الله : « إن الذي يخدم الإسلام ويلتزم خطه المتميز ويدعو الناس إليه ، ويكشف لهم الحقائق ويبين لهم الأمور ، ويأخذ بأيديهم بأمانة وصدق ، يجتمع على محاربته والكيد له أعداء الإسلام ومستغلوه معاً ، وإن افترقت بهم السبل في المجالات الأخرى ، واشتد بينهم الصدام ، لأن أعداء الإسلام يدركون أن الإسلام الحقيقي كما أنزله الله عز وجل هو وحده الذي يستطيع أن يسد عليهم الطريق ويوقع بهم الهزيمة لا إسلام الشعارات والعناوين ، ولأن مستغلي الإسلام يدركون أن انكشاف الإسلام على حقيقته للناس واستبانة خطه المتميز المستقيم وإمساك رجاله الصادقين بزمام التوجيه سيقطع عليهم طريق استغلال الإسلام والمسلمين ، واستخدامهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. كما سيكشف انحرافهم وزيف ما يرفعونه من شعارات وعناوين » [ من بقايا الايام ، ج2 ، ص : 118 ].
نعم ، إن الصدام لا بد واقع بين الحق والباطل ، فالباطل وضيع والحق سامٍ رفيع ، والباطل ضئيل حقير ، والحق أصيل وقدير ، وبما أن الظلام والضياء لا يجتمعان ، كذلك فإن الحق والباطل لا يتفقان.
يقول الاستاذ أحمد أمين في فيض الخاطر ( ج1 ، ص:201)
« ولعل كثيراً من صفحات التاريخ المملوءة باضطهاد العظماء وقتل النبغاء، واغتيال الأبطال تستر وراءها هذا السر الكامن الخطير وهو أن الاضطهاد والقتل والإغتيال كان سببه الخفي شعور المدبرين بضعفهم أمام هؤلاء العظماء »
نعم ، إن طريق الدعوة إلى الله هو طريق الابتلاء ، وهو طريق طويل عصيب شاق ، فيه الأذى والسجن والاعتقال والتشريد ، وفيه التعذيب والنفي والتهديد ، فيه مصادرة المصالح وتعطيل الأعمال ومصادرة الأموال ، فيه تفتيش البيوت وأذى الأحبة والأهل والأقارب وأعز الناس ، وفيه القتل إن لم ينفع مع الدعاة كلما ذكر. يقول الأستاذ الحبيب عصام العطار حفظه الله : « رسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل جيل معالم الطريق ، دماً وألماً وصبراً وجهاداً متواصلاً ويقيناً راسخاً وثقةً لا حد لها بالله عز وجل وبنصره المؤكد ، ولقد كان المسلمون الأولون أفرادا في العهد المكي وجماعة على أبواب العهد المدني على بينة من هذه الحقيقة أيضاً ، سلكوا الطريق إلى الغاية التي يرخص في سبيلها كل بذل ، ووطنو النفس على مجابهة كل الدنيا والتضحية بكل ما في الدنيا ، واحتمال أقصى ما يمكن أن يُتصور في هذه الدنيا ، لا يستعجلون ولا يطلبون إلا الجنة ومرضاة الله عز وجل » . [ بقايا الأيام ، ج2 ].
ويقول الشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال : « ولكن المؤمن يمضي في طريقه ثابت الخطو ، مطمئن الضمير ، واثقاً من نصر الله ، متعلقاً بالرجاء فيه ، متوقعاً كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد }[إبراهيم:16-17]. موقف واحد وتجربة واحدة ، وتهديد واحد ، ويقين واحد ، ووعد واحد للموكب الكريم وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف.
{… فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين …} [ الصف : 14]
 

 

خمس حقائق من فقه الابتلاء

د. محمد راتب النابلسي

الحمد لله المتفرد بالعز والجلال المتفضل بالعطاء وسخَّر السحاب الثقال, أحمده سبحانه على كل حال وأصلي على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أشرف من نطق وقال وصل اللهم على آله وصحبه أجمعين.
 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آل بيته الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته وقادة ألويته ، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين .
 

الابتلاء :
الإنسان يمتحن في ماله وأهله
قال تعالى : ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [ سورة العنكبوت الآيات : 1-2 ]
لقد جرت سنة الله في الحياة الدنيا أن تبنى على الابتلاء ، فالإنسان يبتلى في دينه ، ويبتلى في ماله ، ويبتلى في أهله ، وكل هذه الابتلاءات ما هي إلا امتحانات يمتحن الله بها عباده ليميز الخبيث من الطيب ، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين .
وقد صدق من قال : إن الله تعالى يقوي أعداءه ويقويهم حتى يقول ضعفاء الإيمان أين الله ؟! ثم إنه ليظهر آياته في الانتقام للمظلومين حتى يقول الملحدون لا إله إلا الله .
والفتن والابتلاءات التي يتعرض لها أهل الإيمان كثيرة :
ومن بين هذه الفتن أن يتعرض المؤمن للأذى والاضطهاد من الباطل وأهله من أعدائنا أعداء الحق والخير والإنسانية ثم لا يجد النصير الذى يسانده ويدفع عنه الأذى ، ولا يملك لنفسه النصره أو المنعة ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان .

خمس حقائق من فقه الابتلاء :
فما هي الحكمة من الابتلاءات التي يبتلى الله بها المؤمنين ؟‍!
الحقيقة الأولى : الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة .
الفتن تطهر النفوس كما تصفي النار الذهب
الحقيقة الأولى إن الله تعالى غني عن تعذيب عباده وحاشا له جل جلاله أن يكون هدفه من الابتلاء تعذيب عباده أو إيذاؤهم فهو جل جلاله الرحمن الرحيم خلق عباده ليرحمهم ويسعدهم بمعرفته وعبادته .
أما هدف الابتلاء فهو الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة الكبرى والمسؤولية العظمى ، فحمل الأمانة لا يتم إلا بالمعاناة ، وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات ، وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام ، وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو ثوابه على الرغم من طول الفتنة وشدة الابتلاء .
فكما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به ، كذلك تصنع الفتن بالنفوس تصهرها فتنفي عنها الخبث .

الحقيقة الثانية : الابتلاء يكفر الخطايا والذنوب .
الابتلاء يرفع الدرجات عند الله
الحقيقة الثانية في فقه الابتلاء أن الابتلاء يكفر الخطايا والذنوب ويرفع عند الله الدرجة .
ومن خلاله يشهد الله لأهله بأن في دينهم صلابة ، وفي عقيدتهم قوة فهو سبحانه يختارهم للابتلاء .
وفي الحديث الشريف :
عن مصعب بن سعد رحمه الله ، عن أبيه رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، أيُّ الناس أشَدُّ بلاء ؟ قال :
(الأنبياءُ ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ على حَسْبِ دِينه ، فإن كان دِينُهُ صُلْبا اشتَدَّ بلاؤه ، وإن كان في دِينه رِقَّة على حَسبِ دِينه ، فما يَبْرَحُ البلاءُ بالعبد حتى يتركَهُ يَمْشِي على الأرض وما عليه خطيئة) [ أخرجه الترمذي ]
ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : (أشد الناس بلاءً الأنبياء ، ثم الصالحون ، لقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر حتى ما يجدُ إلا العباءة يجوبها ، فيلبسها ، ويُبتلى بالقمَّل حتى يقتلُه ، ولأحدهم كان أشدَّ فرحاَ بالبلاءِ من أحدكم بالعطاء) [ أخرجه الحاكم في مستدركه ]


وقد ورد في صحيح البخاري أن النبي قام يوماً يصلي في حجر الكعبة فأقبل عليه عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه في عنق النبي فخنقه خنقاً شديداً فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي وهو يقول أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله .
ولقد ورد أيضاً في صحيح البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال : أتيت النبي وهو متوسد بردة في ظل الكعبة – وقد لقينا من المشركين شدة – فقلت : يا رسول الله ألا تدعو الله لنا ، ألا تستنصر لنا ، فقعد وهو مُحمرٌ وجهه فقال : (لقد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط من الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله)
وإذا كانت هذه الاعتداءات على النبي وله من الجلال والوقار في نفوس العامة والخاصة فكيف بالصحابة الكرام ، لاسيما الضعفاء منهم ، فأنتم تعلمون ما الذي كان يُفعل ببلال و خباب وآل ياسر وصهيب وابن مسعود وغيرهم ممن قالوا : لا إله إلا الله .
فضربوا لنا أروع الأمثلة في الصبر على البلاء والتضحية لهذا الدين حتى ولو كانت بالأرواح والأبدان .

الحقيقة الثالثة : عملية الفرز .
في الابتلاء تمحيص وفرز بين المؤمن والمنافق
الحقيقة الثالثة في فقه الابتلاء أن الله تعالى يمحص الناس في الابتلاء ويفرزهم فيظهر نفاق المنافقين وينجلي كذب الكاذبين كما يظهر ثبات الثابتين ويتضح إيمان المؤمنين قال تعالى : ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [ سورة آل عمران : 141 ]
قال ابن القيم رحمه الله :
إن الله سبحانه وتعالى اقتضت حكمته أنه لا بد أن يمتحن النفوس ، ويبتليها ، فيظهر بالامتحان طيبها من خبيثها ، ومن يصلح لموالاته وكرامته ومن لا يصلح ، وليمحص النفوس التي تصلح له ويخلصها بكير الامتحان كالذهب الذي لا يخلص ولا يصفو من غشه إلا بالامتحان ، إذ النفس في الأصل جاهلة ظالمة ، وقد حصل لها بالجهل والظلم من الخبث ما يحتاج خروجه إلى السبك والتصفية ، فإن خرج في هذا الدار وإلا ففي كير جهنم ، فإذا هذب العبد ونُقي أُذن له في دخول الجنة .
ليس أحدٌ أغير على الحق وأهله من الله .. ولكنها سنة الله الجارية لامتحان القلوب وتمحيص الصفوف ، قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِين ﴾ [ سورة العنكبوت الآية : 2 ]

الحقيقة الرابعة : إظهار آياته .
تظهر آيات الله في قصم الظالمين
الحقيقة الرابعة في فقه الابتلاء أن الله تعالى من خلال الابتلاء يظهر للناس آياته ويبين لعباده عاقبة الظلم والظالمين ويستخلف عباده الصالحين مهما طالت مدة الابتلاء .
فأين فرعون الذي قال لقومه : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾ [ سورة القصص الآية : 38 ]
والذي قال لقومه : ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾ [ سورة النازعات الآية : 24 ]
والذي قال : ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ﴾ [ سورة الزخرف الآية : 51 ]
فأجراها الله من فوقه !
وأين هامان ؟ وأين قارون ؟ وأين عاد ؟ وأين ثمود ؟
﴿ فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت الآية : 40 ]
دعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب
وصدق من قال :


أين الظالمون وأين التابعون لهم == في الغي بل أين فرعون وهامان ؟
وأين من دوخوا الدنيا بسطوتهم == وذكرهم في الورى ظلمٌ وطغيان ؟
أين الجبابرة الطاغون ويحهم ؟ == وأين من غرهم لهو وسلطان ؟
هل أبقى الموت ذا عزٍ لعزته ؟ == أو هل نجا منه بالأموال إنسان ؟
لا والذي خلق الأكوان من عدم == الكل يفنى فلا إنس ولا جان
 


وفي الحديث الشريف : (( اتَّقِ دعوةَ المَظْلومِ ، فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا ، وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ )) [ أخرجه الترمذي]
وفي رواية أخرى : (( دعوةُ المَظْلُومِ ، يَرْفَعُها اللهُ فوقَ الغَمَامِ ، وتُفْتَحُ لها أَبْوَابُ السماء ، ويقول الرَّبُّ : وعِزَّتي لأنصُرَنَّكِ وَلَو بَعدَ حِينٍ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي]

الحقيقة الخامسة : الشوق لله تعالى .
الحقيقة الخامسة في فقه الابتلاء أن الابتلاء في الدنيا يجعلك في شوق للقاء الله تعالى فالدنيا لا تستقر لأحد ولا تدوم على حال فإذا ما اشتد الكرب وتعاظم الابتلاء اشتاق المؤمن للقاء مولاه وخرج حب الدنيا من قلبه وتعلق بالآخرة وعمل لها وسعى .
اللهم ارحم شهداءنا وداو جرحانا وفك أسر المعتقلين واحقن دماء الابرياء المظلومين .

والحمد لله رب العالمين

 

لماذا خلق الله الآلام والمؤذيات في حياة المسلمين الاجتماعية والسياسية؟

محمد أمين - منتديات قصة الإسلام

لماذا خلق الله الآلام والمؤذيات في حياة المسلمين الاجتماعية والسياسية؟

قد يبدو هذا السؤال في الوهلة الأولى قاسياً أو فيه تجاوز على الله تعالى، ولا شك أن الله سبحانه وتعالى ليس لأحد من خلقه أن يعترض عليه، لأنه وحده صاحب الحكم والملك، يقضي كيف يشاء، ولا راد لقضائه وحكمه الكوني القدري.

ويكون هذا السؤال تعدياً على الله -جل وتقدس- إذا قصد به المعارضة والجحود، إذ أن هذا الباب -أقصد باب الاعتراض على حكمة الله الكونية- من أخطر الأبواب التي ضل فيها الناس، فما تزندق من تزندق، وما انتكس من انتكس؛ إلا بسبب هذه الموضوع، الذي هو مزلق أقدام البرية.. نسأل الله الثبات.

وهذا المقال ليس إلا إقرار وإذعان بحكم الله وإرادته المطلقة، ثم هو –أيضاً- تحقيق وإظهار –حسب الطاقة- لحكمة الله البالغة في حكمه الغالب.. سبحانه وبحمده.

ولذلك .. ولبيان بعض جوانب الحكمة الإلهية العظيمة في ذلك لا بد من بيان أسس ومبادئ لا غنى عنها لفهم هذا الباب الخطير.

* أسس ومبادئ مهمة في هذا الباب:

أولاً: أن الله سبحانه وتعالى عدل.

فهولا يضع الشيء إلا في موضعه، فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه، وفي كل ما وضعه في محله، وهيأه له، وهو سبحانه له الخلق والأمر، فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين، ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وإذا تعارض أمران رجح أحسنهما وأصلحهما، وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده، وإذا كانت هذه سنته في أمره وشرعه؛ فهكذا سنته في خلقه وقضائه وقدره فما أراد أن يخلقه أو يفعله كان أن يخلقه ويفعله خيراً من أن لا يخلقه ولا يفعله، وبالعكس، وما كان عدمه خيراً من وجوده فوجوده شر وهو لا يفعله، بل هو منزه عنه والشر ليس إليه.

وبذلك ُيعلم أن الله تعالى لم يخلق هذه المؤذيات والآلام ظلماً، بل أوجدها بمقتضى عدله سبحانه، ووضعها في موضعها اللائق بها، ومن تمام عدله سبحانه أنه لم يخلق من المؤذيات والآلام ما عدمه خيراً من وجوده وإلا كان شراً، بل لم يخلق من ذلك من شيء إلا وهو عدل وخير.

ثانياً : أن الخير هو الغالب في الوجود.

فمن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب، وأن الأمراض وإن كثرت فالصحة أكثر منها، واللذات أكثر من الآلام، والعافية أعظم من البلاء، والغرق والحرق والهدم ونحوها وإن كثرت فالسلامة أكثر، ولو لم يوجد هذا الوجود الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر لفات الخير الغالب، وفوات الغالب شر غالب.

مثال على ذلك : النار فإن في وجودها منافع كثيرة وفيها مفاسد لكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها وكذلك المطر، والرياح، والحر، والبرد، فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها ولكن خيرها غالب.

ثالثاً : أن الله رحيم لا يفعل إلا الخير.

فرحمته سبحانه غلبت الغضب، والعفو سبق العقوبة، والنعمة تقدمت المحنة، والخير في صفاته وأفعاله، والشر في المفعولات لا في الأفعال، فأوصافه كلها كمال وأفعاله كلها خيرات، فإن آلم الإنسان أو الحيوان لم يعدم بألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم، أو إعداده لقوة وصحة وكمال أعظم، أو عوضا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما.

رابعاً : أن الآلام ليست شراً محضاً .

فالآلام والأمراض وإن كانت شروراً من وجه، فهي خيرات من وجوه عديدة، فالخير والشر من جنس اللذة والألم، والنفع والضرر، وذلك في المقضي المقدر لا في نفس صفة الرب وفعله القائم به، فإن قطع يد السارق شر مؤلم ضار له، وأما قضاء الرب ذلك وتقديره عليه فعدل خير وحكمة ومصلحة، فهذه الآلام والمؤذيات قد تكون شراً بالنسبة إلى محلها، لكنها تكون خيراً إلى ما سواه، بل قد تكون خيراً على نفس المحل، فهي شر من وجه وخير من الوجه الآخر، فقطع يد السارق إن كان فيه ألم للسارق وضرر وشر، فهو خير للمجتمع كله والذي سينتفع بذلك، بل السارق نفسه له في ذلك الألم خير وهو كفارة له وعبرة .

خامساً : اللذات تنشأ من الآلام، والآلام من اللذات.

فأعظم اللذات ثمرات الآلام ونتائجها، وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها، فسنة الله هي ترتيب الجزاء على العمل، واللذة بعد الألم، وقد أجرى الله سبحانه سنته وعادته أن حلاوة الأسباب في العاجل تعقب المرارة في الآجل، ومرارتها تعقب الحلاوة، فحلو الدنيا مر الآخرة، ومر الدنيا حلو الآخرة، وقد اقتضت حكمته سبحانه أن جعل اللذات تثمر الآلام، والآلام تثمر اللذات، والقضاء والقدر منتظم لذلك انتظاماً لا يخرج عنه شئ ألبتة، والشر مرجعه إلى اللذات وأسبابها، والخير المطلوب هو اللذات الدائمة والشر المرهوب هو الآلام الدائمة، فأسباب هذه الشرور وإن اشتملت على لذة ما، وأسباب تلك خيرات وإن اشتملت على ألم ما، فألم تعقبه اللذة الدائمة أولى بالإيثار والتحمل، من لذة يعقبها الألم الدائم.

سادساً : الآلام والمؤذيات خلقت للحكمة، ولم توجد عبثاً.

فالله سبحانه وتعالى لم يخلق الآلام واللذات بدون حكمة، ولم يقدرهما عبثاً، ومن كمال قدرته وحكمته أن جعل كل واحد منهما تثمر الأخرى، هذا ولوازم الخلقة يستحيل ارتفاعها كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق، فلا يكون المخلوق إلا فقيراً محتاجا ناقص العلم والقدرة، فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم الكون والفساد لم يكن حيواناً، ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك، وإنما جعلها داراً ممتزجاً ألمها بلذتها، وسرورها بأحزانها، وغمومها وصحتها بسقمها، حكمة منه بالغة سبحانه وتعالى.

وخلاصة هذه الأسس هي : القضاء الإلهي لا شر فيه بوجهٍ من الوجود ، لأنه علم الله وقدرته وكتابته ومشيئته ، وذلك خيرٌ محض وكمالٌ من كل وجه ، فالشر ليس إلى الرب تعالى بوجهٍ من الوجوه ، لا في ذاته ، ولا في أسمائه ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، وإنما يدخل الشر الجزئي الإضافي في المقضي المقدر ، ويكون شراً بالنسبة إلى محل ، وخيراً بالنسبة إلى محل آخر ، وقد يكون خيراً بالنسبة إلى المحل القائم به من وجهٍ ، كما هو شر له من وجهٍ ، وهذا هو الغالب في هذا العالم ، فلله فيما خلقه الحكمة والعدل .

وعلى ضوء ذلك نفهم مدى ضعف أكثر الاعتراضات العقلية على الحكمة الإلهية، مثل قول البعض : أي حكمة أو مصلحة في خلق الكفر والفسوق والعصيان ؟ وأي حكمة في خلق الشرور والمؤذيات والآلام ؟ وأي حكمة في خلق المضار والسموم ؟ وأي حكمة في خلق إبليس والشياطين وإبقائهم إلى آخر الدهر ؟ أي حكمة في كل ذلك ؟ وغيرها من الاعتراضات.

وللجواب عن هذه الأسئلة .. نقول :

إن لله في كل ما خلقه وأمر به حكمة بالغة، علمها من علمها وجهلها من جهلها، وكما لا يحيط بعلمه أحد، كذلك لا يحيط بحكمته أحد سواه، ولكن يمكننا تلمس تلك الحكم بمقدار ما أنعم الله علينا من عقول ومدارك، ولعل من أهم الحكم فيما خلقه الله من آلام ومؤذيات وكفر وفسوق .. ما يلي:

(1)للتمحيص والابتلاء والامتحان:

إن أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاؤه، وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار كما قال تعالى : ) ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين( .

فذكر سبحانه أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم، ليتبين الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، ومن يشكره ويعبده ممن يكفره ويعرض عنه ويعبد غيره والله يبيّن سر هذه الفتنة والمحنة، وهو تبيين الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، وهو سبحانه كان يعلم ذلك قبل وقوعه، ولكن اقتضى عدله وحمده أنه لا يجزي العباد بمجرد علمه فيهم، بل بمعلومه إذا وجد وتحقق، والفتنة هي التي أظهرته وأخرجته إلى الوجود فحينئذ حسن وقوع الجزاء عليه.

فمن قال: "آمنت" امتحنه الله وابتلاه لتتحقق بالإيمان حجة إيمانه وثباته عليه، وأنه ليس بإيمان عافية ورخاء فقط بل إيمان ثابت في حالتي النعماء والبلاء، فلا بد من حصول الألم لكل نفس مؤمنة أو كافرة، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداءً ثم ينقطع ويعقبه أعظم اللذة، والكافر يحصل له اللذة والسرور ابتداءً ثم ينقطع ويعقبه أعظم الألم والمشقة، وهكذا حال الذين يتبعون الشهوات فيلتذون بها ابتداءً ثم تعقبها الآلام بحسب ما نالوه منها، والذين يصبرون عنها يتألمون بفقدها ابتداءً ثم يعقب ذلك الألم من اللذة والسرور بحسب ما صبروا عنها وتركوه منها .

إن الله سبحانه أخبر أنه خلق السماوات والأرض العالم العلوي والسفلي ليبلونا أينا أحسن عملاً ، وأخبر أنه زين الأرض بما عليها من حيوان ونبات ومعادن وغيرها لهذا الابتلاء ، وأنه خلق الموت والحياة لهذا الابتلاء ، فكان هذا الابتلاء غاية الخلق والأمر ، فلم يكن من بد من دار يقع فيها هذا الابتلاء جسراً يعبر عليه إليها ، ومزرعة يبذر فيها وميناء يزود منها ، وهذا هو الحق الذي خلق الخلق به ولأجله وهو أن يعبد وحده بما أمر به على ألسنة رسله ، فأمر ونهى على ألسنة رسله ، ووعد بالثواب والعقاب ، ولم يخلق خلقه سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم ولا يتركهم هملا ، لا يثيبهم ولا يعاقبهم ، بل خلقوا للأمر والنهي والثواب والعقاب ، ولا يليق بحكمته وحمده غير ذلك .

(2) الآلام من طبيعة حياة الإنسان:

إن هذه الآلام والمؤذيات هي من طبيعة الحياة التي يحياها الإنسان ، وهي من طبيعة تركيب هذا العالم ن ولا يكون هذا العالم كما هو إلا بتلك الشرور الإضافية.

فالألمواللذة أمر ضروري لكل إنسان ، لكن الفرق بين العاجل المنقطع اليسير والآجل الدائم العظيم بون ، ولهذا كان خاصة العقل النظر في العواقب والغايات ، فمن ظن أنه يتخلص من الآلام بحيث لا يصيبه البتة فظنه أكذب الحديث ، فإن الإنسان خلق عرضة للذة والألم والسرور والحزن والفرح والغم .

(3) الآلام فيها منافع للإنسان والحيوان وليس لله فيها منفعة:

إن هذه المؤذيات والآلام مثل : المجاهدة ، والصبر ، والاحتمال ، والمشاق ، ونحوها ، لا يعود منها منفعة على الله سبحانه فإنه غني عن العالمين ، لأنه لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم ، ولا نهاهم عما نهاهم عنه بخلا منه عليهم ، بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ومعادهم ، ونهاهم عما يعود مضرته وفساده عليهم ، في معاشهم ومعادهم ، فكانت ثمرة هذا الابتلاء والامتحان مختصة بهم .

ولما كانت الآلام أدوية للأرواح والأبدان كانت كمالاً للحيوان ، خصوصاً لنوع الإنسان ، فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه ، وإنما ابتلاه ليعافيه ، وإنما أماته لحييه، فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب الكمال طوراً بعد طور إلى آخر كماله، بأسباب لا بد منها ، وكماله موقوف على تلك الأسباب ، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع ، كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ، ولوازم ذلك ولوازم تلك اللوازم .

والآلام والمشاق إما أن تكون إحسان ورحمة ، وإما عدل وحكمة ، وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها ، وإما لدفع ألم هو أصعب منها ، وإما لتولدها عن لذات ونعم يولدها عنها أمر لازم لتلك اللذات ، وإما أن يكون من لوازم العدل ، أو لوازم الفضل والإحسان ، فيكون من لوازم الخير التي إن عطلت ؛ عطلت ملزوماتها ، وفات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام .

(4) الآلام والمشاق جسر للكمالات وأعظم اللذات:

لأن الكمالات الإنسانية لا تنال إلا بالآلام والمشاق ، كالعلم ، والشجاعة ، والزهد ، والعفة ، والحلم ، والمروءة ، والصبر ، والإنسان ، وإذا كانت الآلام أسباباً للذات أعظم منها وأدوم منها ، كان العقل يقضي باحتمالها ، وكثيراً ما تكون الآلام أسباباً لصحة لولا تلك الآلام لفاتت.

ولذلك حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره ، وجعلها جسراً موصلاً إليها ، كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات ، وجعلها جسراً موصلاً إليها ، ولهذا قال العقلاء : إن النعيم لا يدرك بالنعيم ، وأن الراحة لا تنال بالراحة ، وأن من آثر اللذات فاتته اللذات .

(5) تحقيق العبودية لله:

فالله سبحانه يحب أن يعبد بأنواع العبودية ، ومن أعلاها وأجلها عبودية الموالاة فيه والمعادة فيه ، والحب فيه والبغض فيه ، والجهاد في سبيله وبذل مهج النفوس في مرضاته ومعارضة أعدائه ، وهذا النوع هو ذروة سنام العبودية ، وأعلى مراتبها ، وهو أحب أنواعها إليه ، وهو موقوف على ما لا يحصل بدونه ، من خلق الأرواح التي تواليه وتشكره وتؤمن به ، والأرواح التي تعاديه وتكفر به ، ويسلط بعضها على بعض ، لتحصل بذلك محابه على أتم الوجوه ، وتقرب أولياءه إليه بجهاد أعدائه ومعارضتهم فيه ، وإذلالهم وكبتهم ومخالفة سبيلهم، فتعلو كلمته ودعوته على كلمة الباطل ودعوته ، ويتبين بذلك شرف علوها وظهورها ، ولو لم يكن للباطل والكفر والشرك وجود فعلى أي شئ كانت كلمته ودعوته تعلو ؟

فإن العلو أمرٌ لشيء يستلزم غالباً ما يعلى عليه ، وعلو الشيء على نفسه محال ، والوقوف على الشيء لا يحصل بدونه .

ولو لا وجود الكفار لما حصلت عبودية الجهاد ، ولما نال أهله درجة الشهادة ، ولما ظهر من يقدم محبة فاطره وخالقه على نفسه وأهله وولده ، ومن يقدم أدنى حظ من الحظوظ عليه ، فأين صبر الرسل وأتباعهم وجهادهم وتحملهم لله أنواع المكاره والمشاق وأنواع العبودية المتعلقة بالدعوة وإظهارها لو لا وجود الكفار ؟

وتلك العبودية تقتضي درجة لا تنال إلا بها ، والرب تعالى يحب أن يبلغها رسله وأتباعهم ويشهدهم نعمته عليهم ، وفضله وحكمته ، ويستخرج منه حمده وشكره ومحبته والرضا عنه .

وذلك أن من عبوديته العتق ، والصدقة ، والإيثار ، والمواساة ، والعفو ، والصفح ، والصبر، وكظم الغيظ ، واحتمال المكاره ، ونحو ذلك مما لا يتم إلا بوجود متعلقه وأسبابه ، فلو لا الرق لم تحصل عبودية العتق ، فالرق من أثر الكفر ، ولو لا الظلم والإساءة والعدوان لم تحصل عبودية الصبر والمغفرة وكظم الغيظ ، ولو لا الفقر والحاجة لم تحصل عبودية الصدقة والإيثار والمواساة ، فلو سوَّى بين خلقه جميعهم لتعطلت هذه العبوديات التي هي أحب شئ إليه ، ولأجلها خلق الجن والإنس ولأجلها شرع الشرائع ، وأنزل الكتب ، وأرسل الرسل، وخلق الدنيا .

وذلك لأنه سبحانه يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح يقدر أو يخطر ببال أو يدور في خلد ، وحصول هذا الفرح موقوف على التوبة الموقوفة على وجود ما يتاب منه ، وما يتوقف عليه الشئ لا يوجد بدونه ، فإن وجود الملزوم بدون لازمه محال ، ولا ريب أن وجود الفرح أكمل من عدمه ، فمن تمام الحكمة تقدير أسبابه ولوازمه ، فلو لم يقدر الذنوب والمعاصي فلمن يفغر ، وعلى من يتوب ، وعمن يعفو ، ويسقط حقه ، ويظهر فضله ، وجوده ، وحلمه ، وكرمه ، وهو واسع المغفرة ، فكيف يعطل هذه الصفة ، أم كيف يتحقق بدون ما يغفر ومن يغفر له ، ومن يتوب وما يتاب عنه ؟ فلو لم يكن في تقدير الذنوب والمعاصي والمخالفات إلا هذا وحده لكفى به حكمة وغاية محمودة ، فكيف والحكم والمصالح والغايات المحمودة التي في ضمن هذا التقدير فوق ما يخطر بالبال ، ولو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه .

(6) ظهور الآيات الدالة على عظمة الله .

فإنه قد يترتب على خلق من يكفر به ويشرك به ويعاديه من الحكم الباهرة والآيات الظاهرة ما لم يكن يحصل بدون ذلك ، فلو لا كفر قوم نوح لما ظهرت آية الطوفان وبقيت يتحدث بها الناس على ممر الزمان ، ولو لا كفر عاد لما ظهرت آية الريح العقيم التي دمرت ما مرت عليه ، ولو لا كفر قوم صالح لما ظهرت آية إهلاكهم بالصيحة ، ولو لا كفر فرعون لما ظهرت تلك الآيات والعجائب يتحدث بها الأمم أمة بعد أمة ، واهتدى من شاء الله ، فهلك بها من هلك عن بينة ، وحي بها من حي عن بينة ، وظهر بها فضل الله وعدله وحمته ، وآيات رسله وصدقهم ، ولو تعطلت تلك الأسباب لتعطلت هذه الحكم والمصالح والآيات وحمته وكماله المقدس يأبى ذلك وحصول الشئ بدون لازمه ممتنع ، وكم بين ما وقع من المفاسد الجزئية وبين ما رتب الله عليها من حم ومصالح لا تحصى ، وهل تلك المفاسد الجزئية إلا دون مفسدة الحر ، والبرد ، والمطر ، والثلج ، بالنسبة إلى مصالحها بكثير .

(7) التمحيص بالفتن
وذلك أن الله سبحانه بمقتضى حكمته وحمده ، وأمره ونهيه ، وقضائه وقدره ، قد جعل بعض عباده فتنة لبعض ، فهو سبحانه جعل أوليائه فتنة لأعدائه ، وأعداءه فتنة لأوليائه ، والملوك فتنة للرعية ، والرعية فتنة لهم ، والرجال فتنة للنساء ، وهن فتنة لهم ، والأغنياء فتنة للفقراء، والفقراء فتنة لهم ، وابتلى كل أحد بضد جعله متقابلاً ، وكذلك ابتلاء عباده بالخير والشر في هذه الدار ، وكم له سبحانه في مثل هذا الابتلاء والامتحان من حكمة بالغة ، ونعمة سابغة ، وحكم نافذ ، وأمر ونهي ، وتصريف دال على ربوبيته وإلهيته وملكه وحمده ، دال على كمال حكمته ومقتضى حمده التام . فلو لا هذا الابتلاء والامتحان لما ظهر فضل الصبر، والرضى ، والتوكل ، والجهاد ، والعفة ، والشجاعة ، والحلم ، والعفو ، والصفح ، والله سبحانه يحب أن يكرم أوليائه بهذه الكمالات ويحب ظهورها عليهم ليثني بها عليهم هو وملائكته ، وينالوا باتصافهم بها غاية الكرامة واللذة والسرور ، وإن كانت مرة المبادئ فلا أحلى من عواقبها ، ووجود الملزم بدون لازمه ممتنع ، ولذا كان أفضل العطاء وأجله على الإطلاق الإيمان وجزاءه وهو لا يتحقق إلا بالامتحان والاختبار .

قال تعالى : {آلم * أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون * ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين * أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون * من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآتٍ وهو السميع العليم * ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه أن الله لغني عن العالمين} .
فذكر سبحانه أنه لا بد أن يمتحن خلقه ويفتنهم ليتبين الصادق من الكاذب ، والمؤمن من الكافر، ومن يشكره ويعبده ، ممن يكفره ويعرض عنه ، ويعبد غيره… سبحانه وبحمده له الحكمة البالغة.

 

اليقين والثقة في الله عز وجل (2/3)

أحمد المتوكل

 

الابتلاء هو التمحيص والاختبار والامتحان، من بلاه يبلوه أي جربه واختبره، فالله تعالى يبتلى الإنسان ليختبره ويمتحنه، حتى يكون جزائه على قدر أدائه فيما ألقى عليه وأنيط به من اختبارات وابتلاءات، فيكون الجزاء من جنس العمل.

لا يقتصر البلاء على الكافر دون المسلم، ولا على المسلم دون الكافر، وإنما يشتمل جنس الانسان مسلماً كان أو كافراً، ما دام يعيش على ظهر الأرض، التي خلقها الله لتكون داراً لاختبار الانسان، لأنه المخلوق الذي قبل الأمانة وتحمل تبعاتها، في الوقت التي أبت جميع المخلوقات أن يحملنها، فتصدر لها الإنسان، قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الاحزاب: 72].

كما جعل سبحانه الآخرة داراً للجزاء، يجازى فيها كل إنسان على قدر تحمله وأدائه للأمانة التي تصدر لها في الدنيا، قال تعالى: {فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [يس: 54]، وقال تعالى: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123-124].

البلاء كما يشمل المسلم وغير المسلم، فهو أيضاً أمر حتمي لا يخلوا منه أحد، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3]، وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

يقول ابن الجوزي: ليس في الدنيا أشد بلهاً ممن يريد معاملة الحق سبحانه على بلوغ الأغراض، فأين تكون البلوى إذن؟ لا والله، بل لابد من انعكاس المرادات ومن توقف أجوبة السؤالات، ومن تشفى الأعداء في أوقات، فأما من يريد أن تدوم له السلامة والنصر على من يعاديه، والعافية من غير بلاء فما عرف التكليف، ولا فهم التسليم .

الابتلاء يكون في الخير والشر، بالسراء والضراء، بالسعادة والشقاء، بالراحة والرفاهية والكد والتعب، فيبتلى الإنسان بما يسره وبما يسوؤه، ولا يكون بالضراء فقط، فلابد أن يكون صابراً على الضراء، شاكراً على السراء.

قال تعالى: " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ " [الأنبياء: 35].

وقال تعالى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ " [الانعام: 42].

وقال تعالى: " وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " [الأعراف: 168].

وقال تعالى: " قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " [طه: 123-124].

فالابتلاء بالشر معلوم ومشهور، أما الآخر فلا يظنه كثير من الناس ابتلاء، فهم لا يعلمون أن ما أنعم الله به عليهم من بركة في المال أو الأولاد أو الصحة، وما إلى ذلك من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، أنما هو اختبار وامتحان من الله، فالمنعم جل وعلا يستودع هذه النعم عند أصحابها ليرى كيف يتصرفون فيها، أيتكبرون ويفسدون في الأرض، مثل ما فعل فرعون، أم يبخلون ويمنعون ما أمر الله به. مثل ما فعل قارون، أم يسخرون علمهم الذي أنعم الله به عليهم، في الرياء، والاستعلاء على الخلق، ولا يتقون الله فيه، مثل ما فعل بلعام بن باعوراء.

إن الابتلاء بالخير أشد وأثقل من الابتلاء بالشر، فقد زين الله سبحانه وتعالى الخير للإنسان وجبله عليه، فالنفوس تهوى الخير وتتطلع إليه، وتكد الأبدان وترهق العقول وتزهق الأرواح من أجل تحصيل المنافع ودفع المضار، قال تعالى: " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ" [البلد: 4]، وقال تعالى: " زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ " [ال عمران: 14].

وقال تعالى: " الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا "[الكهف: 46].

فالخير دائماً مزين محفوف بالشهوات، تتطلبه النفس الأمارة وتحث صاحبها على اكتسابه و الحصول عليه بشتى الطرق والوسائل، سواء أكان حلالاً أم حراماً، فهو من أهم حبائل الشيطان ومكايده، التي يوقع بها الإنسان في المعصية، فهو من الأمور التي يشارك الشيطان فيها الإنسان، بحضهم على جمعها واكتسابها من طرق الحرام، قال تعالى: " وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا " [الاسراء: 64]، ولا يخفى على أحد مدى قوة إبليس في الإغواء والتزين.

وقد حذر الله تبارك وتعالى من هذا النوع من الابتلاء، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ " [التغابن: 14- 15]، ومما لاشك فيه أن الله لا يستخدم اسلوب النداء إلا ليسترعي الآذان ويجذب العقول لأهمية ما سيلقى عليهم من توجيهات، وكان ما ألقاه الله هو التحذير من أحب النعم إلى الإنسان.

فضلاً عن أن المبتلى بالضراء، يسهل عليه الصبر والاحتمال، فليس أمامه سوى الصبر، ولا يوسعه إلا الرضا، ولا تتحقق له الراحة إلا بالقناعة، فالمبتلى بالفقر لا يستطيع شرب الخمر لأنه لا يملك ثمنها، وليس بإمكانه منع زكاة لأنها لم تجب عليه، ولا يستطيع التكبر، لأنه لا يملك مقوماته، هذا بخلاف من يستطيع أن يرتكب مثل هذه المعاصي، لأنها في إمكانه وتحت طائلته وفى مقدرته.

يقول صاحب الظلال: الابتلاء بالشر مفهوم أمره ليتكشف مدى احتمال المبتلى ومدى صبره على الضر ومدى ثقته في ربه ورجائه في رحمته، فأما الابتلاء بالخير فهو في حاجة إلى بيان أن الابتلاء بالخير أشد وطأة وإن خيل للناس أنه دون الابتلاء بالشر، وإن كثيرين يصمدون للابتلاء بالشر ولكن القلة القليلة هي التي تصمد للابتلاء بالخير، كثيرون يصبرون على الابتلاء بالمرض والضعف ولكن قليلون هم الذين يصبرون على الابتلاء بالصحة والقدرة ويكبحون جماح القوة الهائجة في كيانهم، الجامحة في أوصالهم، كثيرون يصبرون على الفقر والحرمان فلا تتهاوى نفوسهم ولا تزل ولكن قليلون هم الذين يصبرون على الثراء والوجدان وما يغريان به من متاع وما يثيرانه من شهوات وأطماع. أ. هـ.

عن أبي الدرداء قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم و نحن نذكر الفقر و نتخوفه، فقال " آلفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هيه، وايم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء ". قال أبو الدرداء: صدق - و الله -رسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا - و الله - على مثل البيضاء ليلها و نهارها سواء " . فالنبي صلى الله عليه وسلم ينكر على الصحابة خشيتهم من الفقر، وينبئهم بأن الدنيا ستصب خيراتها من فوقهم صباً، وقد صدق رسول الله في نبوءته، حتى أصبح الغنى أمرا عجيبا، وسادت الأمة مع الفقر وتخلفت مع الغنى، فالذي اقتتل الناس من أجله إنما هو المال، وهو الذي دمر كثيرا من البيوت.

وقد دل قوله تعالى:" كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى " [العلق: 6: 7]، على ذم الغنى إن كان سبب الطغيان. وسأل أبو حنيفة رحمه الله تعالى عن الغنى و الفقر فقال: وهل طغى من خلق الله عز وجل إلا بالغنى وتلا هذه الآية المتقدمة. والمحققون يرون الغنى والفقر من قبل النفس لا في المال. وكان الصحابة رضى الله تعالى عنهم يرون الفقر فضيلة.

يقول ابن عوف ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر، ويقول أحد السلف كنا فقراء متآخين فلما تغانينا وتغانينا حمل بعضنا السيف على بعض، ومر قيس بن زهير في قومه فوجدهم فقراء فقال الحمد لله، قالوا مالك، قال يتعاونون ويتساعدون، ثم مر بعد سنة فإذا هم أغنياء عندهم خيل وبقر وإبل، فغضب، قالوا مالك، قال يتقاتلون، وما مر على كلامه أشهر إلا وقعت مقتلة بينهم.

وقيل:

وقد يهلك الإنسان كثرة ماله كما ==يذبح الطاووس من أجل ريشه

فالغنى له أسباب وتأثيرات منها الحسد والضغينة والبغضاء والشحناء والتناحر وترك الطاعة عند الكثير من الناس بسبب اشتغالهم بأموالهم من دون الله.

  قدر الابتلاء:

طالما أن الابتلاء أمر حتمي، لا خلاص ولا فكاك منه، فإن من رحمة الله تبارك وتعالى أن نوٌع من قدر البلاء، بحسب طاقة كل إنسان، فالناس متفاوتون فيما بينهم، فمنهم من يتحمل الفقر، ولا يقف أمام الغنى، ومنهم من يتحمل موت الأقارب ولا يتحمل الفقر، ومنهم من يتحمل نقص الأولاد ولا يتحمل نقص الأموال وهكذا، فالله تبارك وتعالى ساوى بين الناس جميعاً في السراء والضراء، ولكن اختلفت المقادير من إنسان لآخر، قال تعالى: " تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ " [أل عمران: 108].

وعلى ذلك فالله تعالى نوع في مقادير الابتلاءات ومن صورها كلا حسب طاقته، قال تعالى: " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ " [البقرة: 286].

وقال الحسن: تساوى الناس في العافية فإذا نزل البلاء تباينوا.

وقيل: على قدر العزائم يبتلى الناس بالمصائب.

فلا يلبس الشيطان على أحد أن الله اختصه بالمصائب والبلايا، فالله تعالى لا يظلم أحدا، فاعلم أنه لا يخلوا من البلاء أحد، وانظر حولك، وتيقن من أن ما ابتلاك الله به لا يزيد على طاقتك، بل تستطيع أن تسعه وتتحمله، فاستعن بالله ولا تعجز.

 قال تعالى: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ " [البقرة: 155 – 156].

  بعد أن أكد الله تبارك وتعالى حتمية الابتلاء بين مقصودة من هذا الابتلاء، وما ينبغي أن يكون عليه المبتلى، فقد بين الداء والدواء:-

1. التحلي بالصبر من غير سخط أو يئس، فلا يشكو المبتلى ربه إلى أحد من خلقه، ولا يظهر الجزع، وما يتبعه من أعمال وأقوال تخل بالصبر.

2.التسليم التام والانقياد الكامل لحكم الله وقضائه، فنحن عباده يتصرف فينا كيف يشاء " إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ".

3.حصول الشكر على ما أنعم الله به عليه وذلك بالنسبة للابتلاء بالخير، فالنعمة تستوجب الشكر.

 

الابتلاء للمؤمن نعمة، وللكافر نقمة:

قال تعالى: " وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ " [ال عمران: 141]، والتمحيص هو التنقية والتخليص، وهو بمعنى الابتلاء والاختبار، أما المحق فهو محو الشيء والذهاب به.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه " ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله إذا أراد بعبد خيراً عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبد شراً أمسك عنه حتى يوافى يوم القيامة بذنبه " .

فالابتلاء للمؤمن نعمة من ربه يلقيها عليه ليمحصه وينقيه ويزيل عنه بصبره عليه ورضائه بقضائه، ما قد يكون في صحيفته من الذنوب والآثام، حتى يأتي يوم القيامة بصحيفة بيضاء نقية لا يرى فيها إلا الخير، فيكون من أهل اليمين، ولا يخلو إنسان من الذنوب الصغيرة، على الأقل، لذلك فهي رحمة من الله لأن المؤمن يستطيع الصبر وتحمل ابتلاء الدنيا، ولا يقدر عليه في الآخرة، لذلك كان بعض السلف يسألون الله الابتلاء، لينالوا جزاء الصبر عليه.

قال تعالى: " الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " [البقرة: 156- 157]، بينت الآية ما أعده الله للمبتلين الصابرين، بجانب تكفير الذنوب ومحوها، فمما أعده الله لهم، صلوات من ربهم، وصلاة الله على العبد إقباله عليه بالثناء والعطف والمغفرة، فينال خيرى الدنيا والآخرة، فضلاً عن تغمد الله تعالى له بالرحمة والإحسان، وفى النهاية هم المهتدون المتبعون صراط الله المستقيم.

أقرب ما يكون العبد من الفرج مع كثرة البلاء، ومن الأمثال السائرة: اشتدي أزمة تنفرجي، وإنما يكون الفرج عند كثرة البلاء، لأنه يكون مضطراً، والبارئ سبحانه وتعالى وعد المضطرين بالإجابة وكشف السوء، فضلاً عن أنه وعد الداعي مطلقاً بالإجابة.

وقال تعالى: " وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ " [الأعراف: 94]، وقال تعالى: " أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ "{النمل: 6].

 

ما يقوله المبتلى:

عن أُم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم! أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها ". إلا أخلف الله له خيراً منها قالت: فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبى سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

فإذا قال المبتلى هذا الدعاء، وهو صابرا محتسب، آجره الله على مصيبته وجزاه الجزاء الأوفى، وأخلف عليه خيراً منها.

 

ما يقول من رأى مبتلى:

عن أبى هريرة – رضى الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً، لم يصبه ذلك البلاء "

 

آداب وأساليب مواجهة الابتلاء بالخير:

الشكر:

حصول الشكر من العبد، هو الغاية من الابتلاء بالخير، قال تعالى: " وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ " [إبراهيم: 7]، فعلق الزيادة على الشكر، وقال تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم: " وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا " [الإسراء: 111].

وقال تعالى: " مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا " [النساء: 147].

وعن أنس – رضى الله عنه – قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها "، فالحمد يستجلب رضى الله عز وجل، ومن رضى الله عنه أصابه الخير من حيث لا يدري.

 أما من ينكر فضل الله ونعمته عليه، فهو الجحود، ومن جحد نعمة الله فمصيره مصير قارون، قال تعالى: " قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ " [القصص: 78]، وقال تعالى: " وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ " [العنكبوت: 47]، فمن يرعى الفضل لنفسه، وينكر نعمة الله الظاهرة والباطنة، فهذا الجحود والنكران لا يكون إلا من الكافرين، وقال تعالى: " يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ " [النحل: 83].

 إذن غاية الابتلاء بالنعم هو حصول الشكر، ومن شكر زاده الله، ورضى عنه، ومن جحد وأنكر غضب الله عليه، وأعد له عذاباً أليماً.

 

المجاهدة:

 ينبغي للإنسان أن يجاهد نفسه على العبادات والطاعات، وأن يلومها على تقصيرها، إذا قصرت أو فترت أو توانت عن أداء الفضائل، أو كسلت عن شيء من المناسك و الأوراد.

كما ينبغي أن يجاهد نفسه الأمّارة والشيطان، بالتحكم في الشهوات والملذات، وأن يجتهد في الابتعاد عن مصادر الفتن، ومواقع الشبهات، حتى لا يقع في شراكها، فاتباع الأوامر واجتناب النواهي في ظل المغريات والفتن التي يلقيها الشيطان في طريق الإنسان، ليس بالأمر الهين اليسير، بل هو الأمر الذي يحتاج إلى شخصية لاتقف أمام الشهوات، ولا يستحوذ عليها الشيطان، شخصية تتصف بالجلد والمثابرة، لا تستكين المغريات ولا تهوى في مواجهة الملذات ولا تصرعها الفتن.

فمن جاهد وقاوم واستعان بالله، هداه الله ووفقه الله وجزاه الجزاء الأوفى، قال تعالى: " وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ " [العنكبوت: 69].

والمجاهدة هي مقصود الابتلاء والغاية منه، حتى يتبين صحيح الإيمان من غيره، قال تعالى: " وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ " [محمد: 31].

ومن جاهد في الله أعانه الله، ومن تقرب من الله، تقرب الله منه، قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: " إذا تقرب العبد إلي شبرا تقربت إليه ذراعاً، وإذا تقرب العبد إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإذا أتاني يمشى أتيته هرولة "

 كما أن الشهوات طريق النار، والمجاهدة هي طريق الجنة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره ".

ومما يعين على المجاهدة، مصاحبة الأخيار، والسير على نهج الأبرار، وأولهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكثرة الاطلاع على سير وقصص السلف الصالح، فهم قدوة المجاهدة.

قال تعالى: " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " [الكهف: 28].

 

المراقبة:

 يجب أن يعلم الإنسان أن الله مطلع عليه، مراقب له أينما كان في بر أو بحر أو جو أو ظلمة أو ضياء، وأن هناك من يسجل عليه كل قول أو فعل.

 قال تعالى: " إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ " [أل عمران: 5]، وقال تعالى: " الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ " [الشعراء: 218 – 219]، وقال تعالى: " هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " [الحديد: 4]، وقال تعالى: " يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ " [غافر: 19].  

 

العلم بحقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة:-  

قال تعالى: " وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " [العنكبوت: 64].

يبين الله تعالى في الآية حقيقة الدنيا فما هي إلا دار تعب وشقاء، فمتاعها قليل وشقاؤها كثير، وما فيها من لذة فهي مكدرة، لا تستقيم لأحد، أما الآخرة فهي دار المستقر والقرار، والدنيا إذا ما قُرنت بالآخرة فما هي إلا لعب ولهو.

فالعاقل هو الذي يستجمع قواه للآخرة، لا الذي تضره توافه الدنيا الذائلة الفانية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله الفقر بين عينيه وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ".

 

محاسبة النفس:

حث الله سبحانه وتعالى على محاسبة الإنسان نفسه أولاً بأول، حتى يكون دائماً متأهباً مستعداً للقاء الله، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ " [الحشر: 18].

ومحاسبة النفس سلوك يساعد على دعم الوازع الداخلي للفرد وتقوية النفس اللوامة التي تساعده على تقويم سلوكه، وتدفعه إلى اتباع الحق والهدى بصورة متزايدة، ويتصرف بعد معرفة سليمة صادقة، ويسعى إلى ما يرضى الخالق – سبحانه وتعالى – ولعل عبارة " الضمير الحي " أقرب ما تكون إلى معنى " النفس اللوامة "، وفي العصر الحاضر فالضمير الحي الذي يحاسب النفس ويوجهها إلى فعل الخير بعد أن يوقظ فيها الإحساس بالخطأ والصواب، وضمان استمرارية صحوة هذا الضمير هو الهدف الأساسي للتربية في الإسلام ".

 

آداب وأساليب مواجهة الابتلاء بالشر والمصائب والهموم:

الصبر:

أصل هذه الكلمة هو المنع والحبس فالصبر حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي، والجوارح عن عن لطم الخدود وشق الثياب ونحوهما، ويقال: صبر يصبر صبراً وصبر نفسه، قال تعالى: " وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا " [الكهف: 28].

وقد حث الله تعالى عليه وذكره في القرآن الكريم في نحو تسعين موضوعاً، كما أمر بالاستعانة به، قال تعالى: " وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ " [البقرة: 45]، وجعل جزاء الجنة والنجاة من النار من حظ الصابرين، قال تعالى: " إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ " [المؤمنون: 111]، كما أخبر سبحانه وتعالى أن الإنسان في خسران وأكد ذلك بالقسم وبالنون، واستثنى من ذلك أولئك المؤمنون الذين يتواصوا بالحق والصبر، قال تعالى: " وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر " [العصر: 1-2-3]، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر وأن يجعله لله حتى تهون عليه جميع المصائب والأحزان، قال تعالى: " وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ " [النحل: 127-128]، وكذلك أخبر الحق جل وعلا أنه في حالة اجتماع الصبر مع التقوى، لا ينفع معهما كيد العدو، ولو كان ذا تسليط، قال تعالى: " إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ " [ال عمران: 120]، وكذلك أخبر سبحانه أن معيته إنما تكون مع من يتصفون بالصبر، قال تعالى: " وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ " [الأنفال: 46].

كما رغب سبحانه وتعالى في الصبر أيما ترغيب، وذلك بأن جعل المتسمون ينالون محبة الله ورضوانه، قال تعالى: " وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ " [ال عمران: 146].

وتأمل الآيات القرآنية التي تخبر عن جزاء الصابرين، فسوف تجد أن الله تعالى أعطى على الصبر ما لم يعطه لغيره، قال تعالى: " قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ " [الزمر: 10]، وقال تعالى: " مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " [النحل: 96].

كما أنه جمع للصابرين أمور لم يجمعها لغيرهم، فقال تعالى: " أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ " [البقرة: 157].

فالصبر هو السلاح الفعال الذي أعطاه الله لعباده المؤمنين، ليستعينوا به ضد المصائب والمكايد والهموم، وما يعصف بهم من رياح الدنيا، وقد جربه من كان قبلنا، وانظر في سير الأنبياء والمرسلين، فهذا " نوح " عليه السلام ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ومع ذلك لم يؤمن له إلا القليل، فصبر واستمر في دعوته حتى أهلكهم الله، وهذا " إبراهيم " عليه السلام يُحرم الذرية مع كبر سنه ويجمع له الحطب ويلقى في النار ويترك ولده بعد ما رزقه الله إياه على كبر ونجا من الذبح في واد غير ذي زرع، ومع ذلك صبر فجزاه الله خيراً، وهذا " يعقوب " عليه السلام يعلم أن أبنائه كادوا لأخيهم ومكروا به ومع ذلك يقول " فصبر جميل "، و" أيوب " عليه السلام الذي ابتلاه الله بأشد أنواع البلاء وأخذ منه ما أصاب من الدنيا، فصبر حتى عوضه الله خيراً، وهذا " نبينا صلى الله عليه وسلم " يتحمل الجوع والإيذاء وموت الاهل والاحباب والتغريب عن الوطن والطعن في العرض وهو مع ذلك ظل صابراً محتسباً، حتى أعزه الله ونصره وجعل كلمته العليا.

 

التسليم والانقياد التام لله عز وجل "الإيمان بالقضاء والقدر":

إن الإيمان والإذعان والانقياد والتسليم التام بأنه لا يحدث أي شيء في هذا الكون كبر أو صغر مهما كان من أمره إلا وهو مطابق لقضاء الله تعالى وقدره، يعتبر ذلك جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلم، ولا يكتمل إيمانه إلا بها، قال تعالى: " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ " [الحديد: 22-23]، فهاتان الآيتان قد ألقيتا الثقة والرضا والاطمئنان بقضاء الله وقدره في قلوب المؤمنين، قال تعالى: " قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ " [التوبة: 51].

وهناك فوائد نفسية من جراء الإيمان بالقضاء والقدر منها:

* هون المصائب على العبد، الإنسان إذا علم أنها من عند الله، هانت عليه المصيبة، كما قال تعالى: " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " [التغابن: 11]، قال علقمة – رحمه الله -: " هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم ".

* أن الإنسان منا متى اعتقد اعتقاداً جازماً أن ما قضاه الله – تعالى – في علمه لابد أن يتم، وأن ما قدره لابد أن يكون متى اعتقد ذلك انطلق في هذه الحياة ليؤدي ما يجب عليه نحو خالقه – عز وجل – ونحو عقيدته، ونحو ذاته، ونحو غيره، يؤدى التكاليف التي كلف بها بكل نشاط وإقدام وإخلاص وإتقان ثم بعد ذلك يترك النتائج لله – عز وجل – يصرفها كيف يشاء .

* كما أن الإيمان بالقضاء والقدر يجعل الإنسان في حالة انقياد واستسلام لأمر الله، لا يفاجئ بما يحل به، لأنه اختيار الله، ومن ثم إن كان خير شكر، وإن كان غير ذلك صبر وفى كلاً خير، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير وليس ذاك لأحد إلا المؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له " .

 

الدعاء:

أمر الله تبارك وتعالى بالدعاء، وحث عليه، قال تعالى: "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ" {البقرة: 186]، فلا وساطة في الدعاء حتى ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم.

كما أن الدعاء من أسباب نزول البلاء، قال تعالى: " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ " [الأنعام: 42].

والبلاء مفيد في الوقاية والعلاج، أما الوقاية فلقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر " ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من شدة الابتلاءات، فعن أبى هريرة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء ، والأحاديث في الباب كثيرة.

 

المواظبة على أداء الصلوات:

تعد الصلاة من أهم أساليب مقاومة الهموم والغموم، قال تعالى: " وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ " [البقرة: 45]، والاستعانة هي طلب العون والمدد، فهذا أمر من الله تعالى للمؤمنين، والنداء لجذب انتباههم لما سيلقى عليهم، فيأمرهم سبحانه بالاستعانة بالصبر مع الصلاة، على ما يواجهونه من مهمات وملمات ومما تعصف به الحياة من كدر وهم وغم وأحزان، وما يلاقونه من شدائد، فقد أذاقتهم قريش ألوان وصنوف العذاب، وحدث لهم في صدر الدعوة ما لا يطيقه غيرهم، كما نبههم الله إلى أن الصلاة كبيرة ثقيلة إلا على الخاشعين، لذلك فلابد من الخشوع في الصلاة حتى تأتى الطمأنينة من خلالها.

من أعظم النعم – لو كنا نعقل – هذه الصلوات الخمس كل يوم وليلة كفارة لذنوبنا، رفعة لدرجاتنا عند ربنا، ثم هي علاج عظيم لمآسينا، ودواء ناجح لأمراضنا، تسكب في ضمائرنا مقادير زاكية من اليقين، وتملأ جوانحنا بالرضا، أما أولئك الذين جانبوا المسجد، وتركوا الصلاة، فمن نكد إلى نكد، ومن حزن إلى حزن، ومن شقاء إلى شقاء " فتعساً لهم وأضل أعمالهم " .

تعد الصلاة بالنسبة لكثير من الناس طريقة فعالة للتغلب على التوتر والمعاناة، حيث يساعدهم إيمانهم بحب الله وبعدالته على الصبر، وتساعدهم الصلاة على الثبات عند المحن والصعاب، فهم عندما يصلون يعترفون بقلة حيلتهم وبعظمة الله، وهذا الخضوع لله يمنحهم القوة والشجاعة، وقد أشارت العديد من الدراسات إلى القوة المؤثرة على الجسد، فالأشخاص الذين يصلون يكونون أقل عرضة لارتفاع ضغط الدم، والسكنة الدماغية، كما تساعدهم الصلاة – نفسياً – على تحويل القلق إلى هدوء وسكينة ، كما تعمل الصلاة على التغلب على الانفعالات والشعور بالأمن ومواجهة مصاعب الحياة .

 

اليقين بفرج الله تعالى وعدم اليأس:

ينبغي على المسلم أن يوقن بأن الله سبحانه وتعالى جعل مع العسر اليسر، ومع الحزن الفرح، ومع الهم والكدر الفرج، وأنه كلما اشتد الهم والضيق قرب الفرج.

قال تعالى: " حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ " [يوسف: 110]، وقال تعالى: " فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا " [الشرح: 5-6]، أكد سبحانه وتعالى على أن اليسر لا يفصله عن العسر شيء فهما متلازمان لا يفترقان، واعادة الآية حتى يوقن أولئك الذين غلبت عليهم الهموم والأحزان من فرج الله تعالى، وقال تعالى: " وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا " [الطلاق: 4].

يقول الشاعر:

كم فرج بعد يأس قد أتى = وكم سرور قد أتى بعد الأسى

من يحسن الظن بذي العرش جنى = حلو الجنى الرائق من شوك السفا

فمن أيقن من ابتلاء الله وأتبعه بإيقانه بالفرج هانت عليه بلواه، فماذا بعد العسر إلا اليسر.

 

النظر إلى المبتلين:

من أساليب مواجهة الابتلاءات، هو النظر والتعزي في أهل البلاء، فمن نظر في بلوى من هو أشد منه تصبر وعلم أن بلاءه أهون من بلاء غيره فهان عليه بلاءه، وسكنت نفسه.

وهذا الأسلوب شاع وكثر في القرآن الكريم، خاصة فيما نزل قبل الهجرة، فكان جله قصص من قصص الأولين نزلت تسلية وتقوية للرسول صلى الله عليه وسلم تعينه على الصبر والمجاهدة، قال تعالى: " وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ " [إبراهيم: 45].

وعندما حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهمه ما قاله أهل الكتاب وما طلبوه من أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، فوجه الله تعالى ما حدث مع " موسى " عليه السلام وهو أكبر مما حدث معه، ليسكن قلبه وتهدأ روحه، قال تعالى: " سْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآَتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا " [النساء: 153].

 

الخوف:

الخوف عبارة عن انفعال داخلي نتجه توقع مكروه في المستقبل، والخوف من الله إما أن يكون لمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته، والخوف من عقابه، فإنه سبحانه وتعالى قادراً على إهلاك الخلق جميعاً، وإذا أهلكهم لا يسأل عن ذلك، قال تعالى: " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " [الأنبياء: 23]، فهو سبحانه وتعالى غنى عنهم، قال تعالى: " وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ " [الذاريات: 56]، وإما أن يكون خوف الله بسبب كثرة الذنوب والخطايا، وأخوف الخلق من الله تعالى أعلمهم به، قال تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ " [فاطر: 28].

وتبدوا ثمرة الخوف من الله تبارك وتعالى في هذا المجال، فإن من خاف أحداً جمع كل همه وخاطره في العمل لإرضائه وتجنب عقابه، ولم يشغله غيره، فمن كان خوفه من الله، شغله خوفه عن التفكر في ملذات الدنيا وفوات حظوظها، والعمل للآخرة، فلا تشغله التوافه، ولا تضره الهموم والأحزان، كما أنه يسعد بالابتلاء ويتخذه وسيلة لإرضاء مولاه جل وعلا، فلا توقفه المصائب، تزعجه الملمات، ولا يؤثر فيه ضيق العيش وأذى الخلق، لأنه مشغول عن كل ذلك بما هو أهم منهم، فتكتسب نفسه قوة وعزيمة لا يقف أمامه شيء من أمور الدنيا.

ولذلك حث الله تبارك وتعالى عليه ورغب فيه في مواطن كثيرة تخرج عن الحصر، فقد جمع الله تعالى للخائفين صفات وفضائل، مثل الهدى والرحمة، قال تعالى: " وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ " [الأعراف: 154]، والعلم كما في قوله تعالى: " وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ " [فاطر: 28]، والرضا قال تعالى: " جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ " [البينة: 8].

كما جعل سبحانه وتعالى الأفضلية عنده لمن زاد خوفه منه وتقواه، قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " [الحجرات: 13]، ووصى به، قال تعالى: " وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا " [النساء: 131]، وجعله شرط الإيمان، قال تعالى: " إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " [أل عمران: 175]، وأنظر جزاء الخوف، قال تعالى: " وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ " [الرحمن: 46].

وما حمل الأنبياء والرسل والصالحين على تحمل ما لقوه في سبيل دعوتهم إلا خوفهم من ربهم جل وعلا.

 

الرجاء:

الرجاء هو حالة من الارتياح تحدث للفرد من جراء أخذه بأسباب الحصول شيء وعدم التقصير في سبل الحصول عليه، لذلك فهو يأمل فيه وينتظر وقوعه.

فالعبد إذا بث بذر الإيمان، وثقاه ماء الطاعات، وطهر القلب من شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة، كان انتظاره لذلك رجاء محموداً باعثاً على المواظبة على الطاعات والقيام بمقتضى الإيمان إلى الموت، وإن قطع بذر الإيمان عن تعهده بماء الطاعات أو ترك القلب مشحوناً برذائل الأخلاق، وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة، كان ذلك حمقاً وغروراً..... وحال الرجاء يورث طريق المجاهدة بالأعمال، والمواظبة على الطاعات كيفما تقلبت الأحوال، ومن آثاره التلذذ بدوام الإقبال على الله عز وجل، والتنعم بمناجاته، والتلطف في التملق له .

وقد حث الله تعالى في آيات متعددة منها قوله تعالى: " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " [الزمر: 53]، وقوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ " [فاطر: 29].

فالرجاء يبعث في النفس الطمأنينة والراحة، فالنفس المؤمنة تأمل مغفرة الله ورضوانه لذلك فهي تعمل لما ترجوه، حتى تحدث لها الراحة التي يبغيها، ومن ثم فالنفس التي يشغلها السعي لرضى ربها، لاتقف عند غيره، ولا يضرها ما تلقيه الدنيا عليها من مصائب وابتلاءات.

لذلك فالخوف والرجاء يكملان بعضهما البعض، فالخوف بدون الرجاء ربما يفضى إلى اليأس والقنوط فيتحول فوائده على النفس إلى العكس، وكذلك فالرجاء بدون الخوف، ربما يفضى إلى ألأمن من مكر الله، وعم ألأخذ بالأسباب فيجنح مع ذلك للدنيا من ملذات وشهوات فيضيع أثره وفائدته.

فيجب على المربين الحذر في أثناء محاولات إكساب أولادهم الخوف والرجاء فالإسراف في إكسابهم والمبالغة فيهم تأتى بنتائج عكسية على نفسية الأولاد، كما ينبغي ألا يقوم بهذا الدور إلا عالم خبير بنفوس أولاده حتى يكون على درايه بأين ومتى وكيف يلقهم ذلك، كما ينبغي ألا يبدأ في إكسابهم وتلقيهم الخوف والرجاء إلا في سن متقدمة، مع استخدام الوسائل المناسبة.

 

التوكل على الله وتفويض ألأمر إليه والاحتساب:

قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب ومعنى ذلك أنه عملي قلبي ليس بقول اللسان ولا عمل الجوارح.

قال تعالى: " الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ " [أل عمران: 173]، وقال تعالى: " وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا " [الفرقان: 58]، وقال تعالى: " وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " [إبراهيم: 12]، وقال تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ " [الأنفال: 2].

وعن ابن عباس – رضى الله عنهما – قال: " حسبنا الله ونعم الوكيل " قالها " إبراهيم " عليه السلام حين ألقى في النار، وقالها " محمد " حين قالوا له: " إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل " .

يقول ابن القيم: " ممن علم أن الله على كل شيء قدير، وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير، وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه وأنه أعلم بمصلحة العبد وأقدر على جلبها وتحصيلها منه وأنصح للعبد لنفسه وأرحم به منه بنفسه، وأبر به منه بنفسه، وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدى تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة فلا متقدم له بين يدى قضائه وقدره ولا متأخر، فألقى نفسه بين يديه ومسلم ألأمر كله إليه، وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعيف بين يدى ملك عزيز قاهر، له التصرف في عبده بما يشاء، وليس للعبد التصريف فيه بوجه من الوجه، فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات، وحمل كل حوائجه ومصالحة من لا يبالى بحملها ولا يثقله ولا يكترث بها. فتولاها دونه وأراه لطفه وبره ورحمته وإحسانه فيها من غير تعب من العبد ولا نصب، ولا اهتمام منه لأنه قد صرف اهتمامه كله إليه وجعله وحدة همه. فصرف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه، وفرغ قلبه منها، فما أطيب عيشه وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه.

وأما من أبى إلا تدبير نفسه واختياره لها واهتمامه بحظه دون حق ربه فلا وما إخطاره وولاؤه ما تولى فحضره الهم والغم والحزن والنكد والخوف والتعب وكف البال وسوء الحال، فلا قلب يصفو، ولا عمل يزكو، ولا أمل يحصل، ولا راحة يفوز بها، ولا لذة ينتهى بها، بل قد حيل بينه وبين مسرته وفرحه وقرة عينه، فهو يكدح في الدنيا كدح الوحش ولا يظفر منها بأمل ولا يتزود منها لمعاد. ا. هـ.  

 

النظر إلى الجوانب الإيجابية:

قال تعالى: " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ " [البقرة: 116].

وعندما ظن المسلمون في صلح الحديبية من خلال بنود الصلح والتي وافق عليها النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه البنود استسلام فأظهر المسلمون حزنهم وغضبهم، نزل القرآن الكريم بتوجيههم إلى النظر في الجوانب ألإيجابية في الصلح، قال تعالى: " وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا " [الفتح: 20].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فيما رواه أبو هريرة قال: " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلق رضى منها أخر "

فينبغي علينا أن نوجه أنفسنا وأبنائنا إلى أن أي ابتلاء له جوانب إيجابية وسلبية فلماذا ننظر في الجانب السلبى فقط ونعقد أنفسنا ونرهق عقولنا ونضيق علينا دنيانا، فلننظر في الجوانب المشرقة من الابتلاء، حتى تسعد أنفسنا وتهدأ عقولنا وترتاح ضمائرنا، ولنحمد الله على كل حال.

فكم من الرجال قد حولوا المصائب إلى فرص استفادوا منها إيما استفادة، فهذا ابن تيمية كتب الفتاوى عشرين مجلداً وهو مسجون وغيره كثيرون، ومنهم أيضاً من حفظ القرآن وهو مسجون.

فللمصائب والابتلاءات فوائد ظاهرة منها إنها تعود الصبر، وتذكر العبد بربه، وضعفه وقرب نهايته. ألا يكفى هذا.

 

البذل والعطاء:

أمر الله تبارك وتعالى بالإحسان والتسابق إلى فعل الخيرات، قال تعالى: " وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " [المائدة: 48]، وقال تعالى: " وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ" [القصص: 77].

كما نفى الله سبحانه وتعالى الحزن والخوف عن عباده المتقين، قال تعالى: " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ " [البقرة: 262]، وأيضاً أقر سبحانه بأن الصدقة تثبت النفس إذا كانت ابتغاء مرضاة الله، لان النفس إذا رضيت بالتحامل على الإنفاق قل طمعها وإتباعها لشهواتها، وتخطت درجة النفس الأمارة بالسوء، لان المال شقيق الروح، قال تعالى: " وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " [البقرة: 265].

وهذه الحقيقة القرآنية هي من أهم مكتشفات علم النفس الحديث، فهو يسعى إلى إثبات أن سعادة الإنسان وقدرته على إدراك كنه نفسه لن يتأتيا بغير تضحية النفس في سبيل الغير وتعويد المرء نفسه الخضوع لنظم خاصة، فالإنسان بطبعه أناني ينقاد وراء دوافعه المباشرة، وقد أثبتت اختبارات الصفات الشخصية والتجارب الطبية لعلماء النفس أن الاتجاه في هذا الطريق يؤدى إلى انكماش الشخصية، واضطراب العواطف، والعصاب، والتخبط الفكري والشقاء وسوء النظام، أما الاتجاه إلى فعل الخيرات والتضحية لإسعاد الاخرين والتعاون معهم واللجوء إليهم فدليل سعادة الفرد وتوفير حياة هادئة

وعلى المربين والاباء غرس هذا الأسلوب في الطفل منذ نعومة أظفاره، حتى يصير طبعه ودائبه عند الكبر.

 

صبرًا آل ياسر فالعاقبة للمتقين

د. مجدي الهلالي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد
فما من محنة تمر بها الدعوة إلا ويكون لها آثار إيجابية، وأخرى سلبية، والسعيد من استفاد بإيجابياتها وتلافى سلبياتها قدر المستطاع.
وإذا كان البعض يستدعي من ذاكرته وقت المحنة ما حدث لأصحاب الدعوات عبر التاريخ، وما تعرضوا له من ظلم واضطهاد وتنكيل قبل تمكين الله لهم، إلا أن الأفضل للدعاة أن يستدعوا كذلك الوجه الآخر المسبب للمحنة، والذي تمثل في قول الله عز وجل: أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: 165].
فهذا التحليل الذي يسلط الضوء على كل فرد من الأفراد، ويتهمه - على حدة – بأنه قد يكون السبب فيما حدث للدعوة، له منافع عظيمة في شحذ الهمم، واستشعار المسؤولية الفردية، والخروج من حالة الفتور والتراخي، والقضاء على البطالة الدعوية.
وسواء كانت المحنة تذكيرًا أم تطهيرًا، فإن العبودية التي تستلزمها واحدة؛ ألا وهي الاندفاع نحو الله، والتضرع بين يديه، وانخلاع القلب من التعلق بشيء سواه.

إجابة غير متوقعة
أراد مشركو مكة ومن تحالف معهم من قبائل العرب أن يستأصلوا شأفة الإسلام، ويقضوا على الدولة الإسلامية الوليدة بالمدينة المنورة، فخرجوا بجيش ضخم يبلغ قرابة العشرة آلاف مقاتل، وحاصروا المدينة حصارًا شديدًا، واشتد الأمر على المسلمين، وطال الحصار دون أن يحقق جيش الكفر هدفه، فالخندق الذي حفره المسلمون يحمي الجهة الشمالية للمدينة، والجبال تحيط بالجهتين الشرقية والغربية، ويهود بني قريظة – المتحالفون مع المسلمين – في الجهة الجنوبية..
وفي أثناء ذلك الحصار طمع يهود بني قريظة في النصر الشامل على المسلمين، فتحالفوا مع المشركين، وانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبادر إلى التحقق منه، فأرسل سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن رواحة، وخوَّات بن جبير، وقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقٌّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًا فالحنوا إلى لحنًا أعرفه، ولا تفتوا في أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس.
فلما دنوا منهم، وجدوهم على أخبث ما يكون، فقد جاهروهم بالسب والعداوة، ونالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد، ولا عقد، فانصرفوا عنهم.
فلما أقبلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لحنوا له، وقالوا: عضل وقارة، أي أنهم على غدر، كغدر عضل وقارة بأصحاب الرجيع.


يقول صاحب الرحيق المختوم:
وعلى رغم محاولتهم إخفاء الحقيقة تفطن الناس لجلية الأمر، فتجسد أمامهم خطر رهيب.
وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون، فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف، بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما يقول الله تعالى: { وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا  هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا} [الأحزاب: 10، 11].
فماذا كان رد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه هذا الخبر؟!
يقول المباركفوري: أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقنع بثوبه حين أتاه غدر قريظة، فاضطجع ومكث طويلاً حتى اشتد على الناس البلاء، ثم نهض يقول: «الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره».
إجابة مفاجئة للجميع .. كيف يكون التبشير بالنصر في ظل هذا الموقف العصيب؟!
أتدري لماذا كانت هذه الإجابة؟!
لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أنه طالما كانت الأبواب الأرضية مفتوحة أمام الناس، فإنها قد تكون سببًا في إضعاف التوكل على الله والاستنصار المطلق به، فإذا ما أغلقت جميع الأبواب، واستنفدت جميع الأسباب، لم يكن أمام القلوب المؤمنة إلا أن تتجه بكليتها إلى الباب الأعظم.. الباب الذي لا يغلق .. باب القادر المقتدر، فتنطرح أمامه موقنة بأنه وحده الذي سينجيها، ويكفيها، وينصرها، فيحدث – تبعًا لذلك – الزلزال الذي يهدم أي تصور عن إمكانية إحراز النصر من خلال باب آخر .. عند ذلك تنفتح أبواب السماء، ويأتي الفرج من حيث لا يحتسب أحد .. ويكفيك في هذا قوله تعالى:{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا}[يوسف: 110].
فعندما يتم اليأس التام والمطلق من الأسباب في كونها تستطيع بذاتها أن تجلب لنا النفع أو تدفع عنا الضر، عندئذ يأتي الفرج والنصر والمدد.
ويؤكد على هذا المعنى الحافظ ابن رجب فيقول:
«ومن لطائف أسرار اقتران الفرج باشتداد الكرب، أن الكرب إذا اشتد وعظم وتناهى وُجدَ الإياس من كشفه من جهة المخلوق ووقع التعلق بالخالق وحده، ومن انقطع عن التعلق بالخلائق وتعلق بالخالق؛ استجاب الله له».

منحة في طيات المحنة
إذن - أخي الحبيب - لو استطاعت القلوب أن تتجه بكليتها إلى الله في كل وقت، ويئست من الناس، ولم تتعلق بأحد منهم، لكان الفرج متواصلاً في السراء والضراء، ولكن طبيعة النفس، وانخداعها بالمظاهر والقوى الوهمية تجعل البعض يظن أن الخير قد يأتيه من وراء الباطل، وأن بإمكان الباطل أن ينسى عداوته للحق وأهله، أو يفتح معهم صفحة جديدة، ومن ثم يكون هناك تعلق بالله وبالأسباب الأرضية معًا.
أما حين تأتي المحن فإنها تُظهر زيف الباطل، وتنزع عنه قناعه ليظهر وجهه القبيح، وتكشف رغبته في زوال الحق، وأن كل أفعاله التي ينخدع بها البعض لم تكن إلا ستارًا يخفي من ورائه خططه واستراتيجياته لمحو الحق وتشويه صورته.
فيكون هذا الموقف من أهل الباطل بمثابة المفاجأة والصدمة للجميع، ليجد أهل الحق أنفسهم في العراء، بعد أن حطم زلزال الباطل أحلامهم وأمانيهم، فيبحثون حولهم فلا يجدون شيئًا مما كانوا ينتظرون أن يجدوه، فالكل تخلى عنهم، فإذا ما راجعوا أنفسهم وعادوا إلى إيمانهم، وإلى الأساس الذي انطلقت منه دعوتهم، واتجهوا إلى الله، ودخلوا عليه دخول البائس المسكين الذي لن ينجيه أو يطعمه أو يسقيه سواه ...
عند ذلك يأتي الفرج، وتصبح هذه المحن من أعظم المنح، لأنها تُعيد الجميع إلى الله ، وتحطم كل تعلق بغيره، فينطبق حالهم حينئذ مع قوله تعالى: {مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].
إن المحن مع شدتها وقسوتها إلا أنها تحمل في طياتها خيرًا عظيمًا إذا ما أحسن أصحاب الدعوة تحليلها وتفطنوا لمراد الله منها.
لمن قامت الدعوة؟!
لقد قامت الدعوة لنصرة الله وإقامة دينه أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى: 13] وشعارها الخالد (الله غايتنا).
فمن يومها الأول وهي دعوة ربانية تستمد قوتها ووقودها من قوة إيمان أبنائها بالله وتعلقهم به وتجردهم له {وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}[آل عمران: 101].
هذه هي الحقيقة الأساسية التي قامت عليها الدعوة، وكيف لا والله عز وجل هو مالك كل شيء، وقائم على كل شيء، ومهيمن على كل شيء، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء .. أحاط بكل شيء علمًا .. يقدم ويؤخر، يخفض ويرفع، يعز ويذل، يقبض ويبسط، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن..
معنى ذلك أن الذي يفتح القلوب للدعوة هو الله {وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي} [المائدة: 111].
والذي يختار لها الأنصار هو الله {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: 32].
والذي يحميها ويكفيها ويحفظها هو الله {وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} [الفتح: 20].
والذي يبتليها – تطهيرًا أو تذكيرًا – هو الله {وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ} [الدخان: 33].
والذي سيمكنها وينصرها هو الله {إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].
إن مقتضى هذه الحقائق يؤكد على أن جهد أبناء الدعوة ينبغي أن يتجه أولاً وقبل أي شيء، نحو الله سبحانه وتعالى لاستجلاب رضاه ومعيته وكفايته.
... نعم، لا بد من بذل الجهد في دعوة الناس وإيقاظهم، وإقامة المشروع الإسلامي {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78]، ولكن تبقى الحقيقة بأن الأمر كله لله {وَللهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123].
لا تحزن إن الله معنا:
ولك أن تتصور رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مهاجر مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه، وإذ بكل قوى الباطل تتبعهم، حتى يصل المشركون إلى فم الغار، فيخاف أبو بكر خوفًا شديدًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى الدعوة، ويقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله لو أن أحدهم طأطأ بصره رآنا .. إن قُتلتُ فإنما أنا رجل واحد، وإن قتلتَ أنت هلكت الأمة، ليفاجأ بأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتأثر بهذه المخاوف، بل كان هادئ النفس، رابط الجأش، على ثقة مطلقة بالله عز وجل، وبدا ذلك واضحًا من إجابته على ما أثاره أبو بكر من مخاوف: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما ... لا تحزن إن الله معنا .. .
نعم، أخي الحبيب، لا ينبغي علينا أن نحزن إن كان الله معنا {وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا} [النساء: 45].

لا سفينة تحملنا ولا خشبة نتعلق بها
لو أن ريحًا شديدة، وموجة عاتية قد ضربت سفينة من السفن في ظلام الليل، وبدأت على إثرها تلك السفينة في التأرجح على سطح البحر .. ماذا سيفعل ركابها؟!
بلا شك أنهم جميعًا سيستشعرون الخطر المحدق بهم، ويتوجهون إلى الله بالدعاء والاستغاثة ليصرف عنهم هذه الغُمة، لكنهم في قرارة أنفسهم يعلمون أن السفينة قوية ومحصنة، وستقاوم الرياح والأمواج، فإذا ما انكسرت السفينة، وتعلق كل واحد منهم بخشبة في عرض البحر فإنَّ استغاثتهم بالله ستزداد، ومع ذلك يظل وجود الخشبة يجعلهم يأملون أنها قد تحفظ حياتهم لبعض الوقت مما قد يتيح الفرصة لفِرق الإنقاذ أن تصل إليهم، فإذا ما اشتدت الأمواج وأبعدت عن كلٍ منهم خشبته التي يتعلق بها، فماذا تظن أن تكون قوة استغاثتهم بالله؟!
ألا توافقني أنها ستكون أشد وأخلص وأصدق من ذي قبل .. استغاثة حارة من أعماق أعماق قلوبهم؟!
وهذا هو المطلوب من الجميع الآن .. أن نتجه إلى الله ونستغيث به كأشد ما تكون الاستغاثة، فلا سفينة تحملنا، ولا خشبة نتعلق بها..
لقد أغُلقت الأبواب الأرضية في وجوهنا، وانقطعت الأسباب، وأصبحنا في العراء، فماذا نحن فاعلون؟!
ألم يأن لنا أن نولي وجوهنا شطر ربنا، ونتجه إليه بقلوبنا، ونستغيث به استغاثة المشرف على الغرق؟!


اذكرني عند ربك:
لقد أنسى الشيطان نبي الله يوسف – عليه السلام – في لحظة من اللحظات هذه الحقيقة فقال لصاحبه الذي كان يتأهب للخروج من السجن، والالتحاق بخدمة الملك: {اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ} [يوسف: 42].
فكان الرد الإلهي لهذا القول: {فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف: 42].
وكذلك أصحاب الدعوات: إن تعلقت قلوبهم بأحد من الناس فسيكون الرد الإلهي مثلما حدث ليوسف عليه السلام.
ومما يلفت النظر أن سورة يوسف قد نزلت أيام حصار المسلمين في شعب أبي طالب .. نزلت لتؤكد لهم أن الناصر هو الله، وأنه سبحانه يريد منهم تعلقًا تامًا به، وعدم التعلق بالناس، واليأس منهم في أنهم يملكون كشف الضر، وتفريج الكرب، والسورة كذلك نزلت لتؤكد أن الذي مكَّن يوسف -عليه السلام- هو الله عز وجل، وأن الذي حرك الأحداث في اتجاه هذا التمكين هو الله عز وجل {وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [يوسف: 100].
هذه هي أهم الحقائق التي نزلت سورة يوسف لتؤكدها من خلال سياق الأحداث التي حدثت والنتائج التي تحققت، وحتى لا تُنسى هذه الحقائق في خضم أحداث القصة: جاءت نهاية السورة لتقررها بصورة مباشرة، وتقول لنا بأنه كلما تزلزلت تصوراتنا عن إمكانية وقوع الفرج وانكشاف الضر، ومجيء النصر من أحد دون الله، ويئسنا تمامًا من ذلك، واتجهت القلوب بكليتها إلى ربها، كان الفرج والنصر أقرب مما يتخيله الجميع ومن خلال أهون الأسباب {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} [يوسف: 110].


هل نترك الأسباب؟!
وليس معنى هذا هو ترك الأخذ بالأسباب، وعدم بذل الجهد مع الناس، أو الانفصال عنهم، بل المقصد هو عدم التعلق القلبي بهم، أو الاعتقاد بأنهم يملكون كشف الضر عنا، أو أنهم يملكون القدرة على فك الحصار عن الدعوة ولو يسيرًا .. فالأمر كله لله {وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} [الأنعام: 17].
إن إقامة المشروع الإسلامي والتمكين لدين الله في الأرض لن يتم إلا من خلال التعلق التام بالله عز وجل، مع بذل غاية الجهد واستنفاد جميع الأسباب المتاحة، ومد جسور التعاون مع الجميع، وكيف لا ونحن مأمورون بذلك: {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78].
فالأخذ بالأسباب المشروعة جزء من شريعة الله، وجزء كذلك من قدر الله، وحين يتركها أهل الدعوة فهم مقصرون في أداء واجبهم، وفي نفس الوقت عليهم – مع بذلهم لعظيم الجهد واستنفادهم لجميع الأسباب المتاحة أمامهم – أن تكون قلوبهم متعلقة تمام التعلق بالله عز وجل من حيث كونه – سبحانه – هو مالك هذا الكون والمتصرف فيه، وأن الأمر كله بيده وأنه هو وحده القادر على كشف الضر وتفريج الكرب، وأن الأمة كلها لو اجتمعت على أن تضر الدعوة بشيء لم يأذن به الله فلن يتم لها ما أرادت {وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ}[البقرة: 102].

جهد البشر:
ومع التأكيد القرآني الدائم على أن الناصر هو الله، وأن كاشف الضر، وفارج الكرب هو الله، وأن الذي يمكن للعباد هو الله، إلا أنه يؤكد أيضًا على أن الفرج والنصر وكشف الضر يحتاج إلى ستار من الأسباب يتنزل عليه .. تأمل معي قوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ  وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} [التوبة: 14، 15].
إن هذا الدين لن يقام إلا بجهد الفئة المؤمنة، وجهادها المرير، واستنفادها لجميع الأسباب المتاحة أمامها، مع يقينها بأن هذا كله لا يشكل سوى ستارًا يستدعي قدر الله بالنصر والتمكين، ولو تعلقت قلوب الفئة المؤمنة بهذا الستار ولو يسيرًا لتأخر الفرج والنصر حتى يخلص تعلقها بالله وحده.

الفرج قريب فكيف نبلغه؟!
من هنا يتأكد لدينا بأن تفريج الكرب الذي ألم بنا، وفك الحصار عن الدعوة بيد الله وحده، وأن الفرج قريب قريب، فما من عسر ينزل بنا إلا وينزل معه يسران، وما من بلاء إلا والفرج المضاعف يلاحقه كما قال صلى الله عليه وسلم: «وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا».
وتذكر- أخي الحبيب- قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يُنزل المعونة على قدر المؤنة، وينزل الصبر على قدر البلاء».
وكان صلى الله عليه وسلم جالسًا وحياله جحر فقال لأصحابه: «لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» فأنزل الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا  إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[الشرح].
فكل الحادثات وإن تناهت == فموصول بها الفرج القريب


ليبقى السؤال عن كيفية بلوغ هذا الفرج؟
فمع يقيننا بأن اليسر يلاحق العسر، والفرج موصول بالكرب إلا أننا قد لا نستطيع بلوغه إن لم نحسن قراءة حدث الابتلاء ولم نقم بتحليله تحليلاً صحيحًا...
إن بلوغ الفرج يستلزم تضرعًا إلى الله وتَبَؤُّسًا وتمسكنًا بين يديه، واستغاثة دائمة حارّة به.. استغاثة من فقد الخشبة وأشرف على الغرق.
ويستلزم منا الاستيقاظ قبل الفجر كل ليلة لنهرع إلى المحراب نصلي لله، ونتأوه بين يديه ونذرف الدمع، ونظهر له سبحانه عظيم افتقارنا إليه، واحتياجنا المطلق والذاتي له، وأنه لا ناصر لنا سواه، ولا كافي سواه، ولا حافظ سواه، ولا كاشف للضر سواه، وأنه لو تركنا لهلكنا.
ويستلزم كذلك أن نعود إلى القرآن ونمكث معه طويلاً ونقرأه بفهم وتدبر لنتعرف على الله من خلاله، ونزداد يقينًا به، ومن ثم تتحول هذه الحقائق النظرية إلى إيمان راسخ يصدقه العمل.
إن الأحداث التي تمر بالدعوة تتشابه إلى حد كبير بالأحداث التي مرت بأصحاب الدعوات في الماضي والتي أفاض القرآن في ذكرها وكيفية التعامل معها، ومن الخطأ بمكان أن نترك هذا الرصيد الضخم من التجارب والحلول المجربة بهجرنا للقرآن، أو الاقتصار على قراءته بألسنتنا وحناجرنا فقط، بل لابد من إعمال العقل فيما نقرأ- ولو فهمًا إجماليًا للمعنى المراد من الآيات التي نقرؤها-، ولابد أيضًا أن يصاحب هذا الفهم قراءة مرتلة بصوت مسموع حزين ليتحول الفهم إلى إيمان.
القرآن وعودة الروح:
تأمل معي- أخي الحبيب- قول الإمام حسن البنا: ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن.
فالقرآن هو روح هذه الأمة، ويوم أن نهجره ولا نتعرض لمعجزته وقدرتها التأثيرية الفذة، فقد حرمنا أنفسنا من أعظم عامل ينشئ الإيمان واليقين، وحرمناها كذلك من أهم مولِّد للوقود والطاقة الروحية الدافعة للعمل.
اقرأ -إن شئت- ما قاله حسن البنا منذ عشرات السنين حول هذا المعنى:
(عرف سلفنا الصالح رضوان الله عليهم فضل القرآن وتلاوته، فجعلوه مصدر تشريعهم، ودستور أحكامهم، وربيع قلوبهم، وورد عبادتهم، وفتحوا له قلوبهم، وتدبروه بأفئدتهم، وتشربت معانيه السامية أرواحهم، فأثابهم الله في الدنيا سيادة العالم، ولهم في الآخرة عظيم الدرجات، وأهملنا القرآن فوصلنا إلى ما وصلنا إليه من ضعف في الدنيا ورقة في الدين).
* * *
معركتنا تربويـــــة
ومع انشغالنا بإصلاح قلوبنا، وتوطيد العلاقة بربنا، والعودة المحمودة إلى محراب الليل، والتأثر بالقرآن؛ علينا كذلك أن نستفرغ جهدنا في الدعوة إلى الله وبناء الحق، وإقامة الدين في نفوسنا أولاً، ثم في نفوس الناس بعد ذلك، فمعركتنا معركة تربوية.
.. إن مشروع الدعوة يدعو إلى تكوين أمة، وتربية شعب وتحقيق آمال، وهذا كله يتطلب نفسية عظيمة تتمثل في إرادة قوية، وإيمان راسخ، وقلب وجل مشفق، وتضحية مستمرة.
.. إنه مشروع كبير يحتاج إلى رجال كبار، لذلك فإن جهدنا ينبغي أن يتجه إلى إقامة الحق وبناء أنفسنا على قواعد الإيمان، وإعادة بناء منظومة القيم والأخلاق في قلوبنا نحن أولاً، ثم يأتي الأمل في إصلاح المجتمع بعد ثبات الحقائق في داخلنا نحن لنكون قدوة عملية لا نظرية، فيزداد تبعًا لذلك تأثيرنا في نفوس الناس، ومن ثمَّ يقوى سلطان الدين في قلوبهم، ويزداد استعدادهم للتضحية من أجله.
ويكفيك في تأكيد هذا المعنى ما قاله الإمام حسن البنا:
إن غاية الإخوان تنحصر في تكوين جيل جديد من المؤمنين بتعاليم الإسلام الصحيح، يعمل على صبغ الأمة بالصبغة الإسلامية الكاملة في كل مظاهر حياتها، وأن وسيلتهم تنحصر في تغيير العرف العام، وتربية أنصار الدعوة على هذه التعاليم حتى يكونوا قدوة لغيرهم في التمسك بها، والحرص عليها، والنزول على حكمها.
ومن أقواله كذلك:
إن العمل مع أنفسنا هو أول واجباتنا فجاهدوا أنفسكم، واحملوها على تعاليم الإسلام وأحكامه، ولا تتهاونوا معها في ذلك بأي وجه من الوجوه.
* * *
هيا بنا نعُجُّ إلى الله ونستغيث به
ومع كل ما سبق ذكره من وسائل عملية نحتاج إلى تطبيقها الآن أكثر من أي وقت مضى، يبقى أهم واجب للوقت والظرف الذي نحياه هو الاستغاثة الصادقة الحارة بالله عز وجل... استغاثة تنقطع معها القلوب، بأن يفرج الله الكرب ويكشف الغمة.
فبعد أن وقع الزلزال، وانكشف الغبار، وتأكد لدينا أنه ليس لنا سوى الله، وأنه وحده القادر على كشف ما أصابنا من ضُرٍ وبلوى، وأن ما حدث قد يكون عُتبى منه سبحانه، يعتب بها علينا بسبب ما أحدثناه من تقصير في القيام بالواجب الذي شرفنا به وابتعثنا من أجله، وتفريط وتهاون في لزوم الاستقامة على أمره.
بعد أن وضحت الرؤية بأنه سبحانه هو الذي ابتلانا، فإنه ينتظر منا توبة صادقة تبدأ بمحاسبة كل منا نفسه، ومراجعة أموره كلها بدءًا من علاقته به سبحانه، ومرورًا بعلاقته بإخوانه وبدعوته، وكلما كانت هذه المحاسبة جادة منطلقة من استشعار المرء بأنه قد يكون السبب فيما حدث للدعوة كلما ازداد الشعور بالندم، ومن ثمَّ تكون التوبة صادقة، عملية، ظاهرة الآثار في شتى المجالات.
ومع هذه المحاسبة، وهذه التوبة تأتي العبودية العظيمة الملازمة لحدث الابتلاء، ألا وهي التضرع إلى الله والاستغاثة الشديدة به {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام].
فالمطلوب هو تضرع واستغاثة تُظهر وتؤكد عدم تعلق قلوبنا بشيء سوى الله، وأنه لا ملجأ لنا ولا منجى مما نحن فيه إلا هو سبحانه وتعالى، وأن نلح في ذلك، ونلح، ونتضرع، ونستغيث، ونعجُّ( ) إلى الله، ولا نترك هذا كله حتى يأتي الفرج، وما هو ببعيد كما وعد سبحانه {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَاءَ الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللهِ} [النمل].


من تجارب السابقين في الاستغاثة بالله:
وإليك- أخي- قصة من قصص السابقين تؤكد هذا المعنى، وكيف أن أصحاب هذه القصة بعد أن أحيط بهم، وبلغ بهم البلاء والكرب ما بلغ لجأوا إلى الباب الأعظم، وتعلقت قلوبهم تعلقًا تامًا بالله، وانخلعت من كل أسباب الأرض، عند ذلك جاءهم الفرج من حيث لا يحتسبون.
ذكر ابن بشكوال في كتابه (المستغيثين بالله): أن المسلمين في جزيرة إقريطش (تكريت) قد قاموا بغزو لبعض ديار الروم، وأصابوا منهم إصابات عظيمة، فبلغ ذلك الخبر ملك الروم، فاستشاط غضبًا، وتوعد المسلمين بحرب عظيمة، وهزيمة ساحقة وإن أدى ذلك إلى إنفاقه كل دنانير مملكته، وذهب إلى راهب من أبناء الملوك يحبه الروم لزهده، فأنزله من صومعته، وأقنعه بضرورة قيادته للجيش المتوجه لجزيرة إقريطش، وبالفعل خرج هذا الراهب بجيش ضخم واتجه إلى الجزيرة، وفي طريقهم إليها وجدوا المراكب التي تحمل الطعام للمسلمين فاستولوا عليها، وما إن بلغ الخبر أهل الجزيرة حتى أغلقوا الأبواب وتحصنوا داخل مدينتهم، ثم ضرب جيش الروم حصارًا محكمًا على المدينة، وطال الحصار، ونفد الطعام حتى اضطر الناس إلى أكل ما مات من البهائم، ووصل بهم الجهد والجوع والكرب مبلغه، وبدأوا في التفكير الجاد بالاستسلام، وفتح أبواب المدينة للروم، عند ذلك نهض فيهم أحد الشيوخ وبين لهم أن المسبب لهذا كله هو الله، وأنهم قد حرموا التوفيق الإلهي يوم أن استولى الروم على طعامهم، وأن ما عليهم إلا أن يقبلوا ما يشير به عليهم.


فوافق القوم وأعطوه سمعهم.
فقال لهم: توبوا إلى الله عز وجل من قبيح تقصيركم في حق شكر نعمه، والزموا ما يكون رباطًا لها وقائدًا لها إلى حُسن المزيد فيها، وأخلصوا له إخلاص من لا يجد فرجه إلا عنده، وافصلوا صبيانكم من رجالكم، ورجالكم من نسائكم.
فلما ميزهم هذا التمييز صاح بهم: عُجُّوا بنا إلى الله عز وجل.
فعجوا عجّة واحدة، وبكى الشيخ واشتد بكاء الناس وصراخهم، ثم قال: عجوا أخرى ، ولا تشغلوا قلوبكم بغير الله، فعجوا عجة أعظم من الأولى، واشتد بكاؤهم ونحيبهم، وعلا صوتهم.
ثم عج الثالثة، وعج الناس معه.. ثم قال لهم: انظروا من شرفات الحصن، فإني أرجو أن يكون الله قد فرج عنا.
يقول راوي القصة- الحسن بن محمد-: والله لقد أشرفت مع جماعة فرأينا الروم قد قوضوا، وركبوا مراكبهم، وانطلقوا في البحر، وفتحنا الحصن فوجدنا قومًا من بقاياهم، فسألناهم عن خبرهم فقالوا: كان الراهب المحبوب عميد الجيش بأفضل سلامته اليوم، حتى سمع ضجتكم بالمدينة، فوضع يديه على قلبه وقال: قلبي، قلبي، ثم مات، فانصرف من كان معه من الجيش إلى بلاد الروم، قال الحسن: ووجدنا في الأبنية من محلتهم من القمح والشعير ما وسع أهل المدينة، وكفى الله جماعتهم بأس الروم من غير قتال والحمد لله.
فهيا بنا يا أخي نتوب إلى الله، ونستصرخه ونستغيث به.. قال صلى الله عليه وسلم: «من انقطع إلى الله عز وجل كفاه الله كل مؤنة، ورزقه من حيث لا يحتسب، ومن انقطع إلى الدنيا وكله الله إليها».

من الرابـــــح؟!
وأخيرًا؛ أخي الحبيب:
إننا إن فعلنا هذا كله وجاء الفرج فتلك عاجل بشرى المؤمن، وإن لم يأت: فمن الرابح في هذه المعركة ومن الخاسر؟!
أما نحن فقد أعطانا الله الجواب قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ [التوبة].
وأما غيرنا وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه: 124].
فلا تشك يا أخي بأننا -بإذن الله- الرابحون في كل حال..
وفي النهاية:
أتركك- أخي الحبيب- مع هذا الموقف النبوي الذي يعلمنا درسًا عظيمًا في اليقين بموعود الله عز وجل، فقد دخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده متكئًا على حصير وقد أثر في جنبه، ورفع رأسه في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجد فيه شيئًا ذا قيمة، فقال: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسًا وقال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا».
فقال عمر: استغفر لي يا رسول الله.
والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
وصلِّ اللهم على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين.

* * *

المقاطع الصوتية والمرئية:

القصد من الابتلاء  - على الطنطاوي

 

من فوائد الابتلاء في حياة الدعاة - د. راغب السرجاني

 

فقه الابتلاء - د. محمد راتب النابلسي

 

أدب الابتلاء - د. عمر عبدالكافي