مقدمة في السنن

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

1- فإن هذا العالم بكل ما فيه ومن فيه من نبات وجماد وحيوان وإنسان وأجرام سماوية، وما يصدر عن هذه الموجودات وما يتعلق بها ويحل فيها، وما يقع من حوادث كونية كنزول المطر وهبوب الريح وثوران بركان وتعاقب الليل والنهار، وما يحصل للإنسان من أطوار خلقه وتكوينه في بطن أمه، وما يحدث له وللأمة من شقاء وسعادة ورفعة وسقوط وعلو وانحطاط وقوة وضعف وبقاء وفناء ونحو ذلك، كل ذلك الذي ذكرنا وجوده وحدوثه في العالم لا يقع صدفة ولا خبط عشواء وإنما يقع ويحدث وفق قانون عام دقيق ثابت صارم لا يخرج عن أحكامه شيء.

ولهذا القانون العام الذي أشرت إليه وجهان: (الوجه الأول) هو الذي تخضع له جميع الكائنات الحية في وجودها المادي وجميع الحوادث المادية، ويخضع له كيان الإنسان المادي وما يطرأ عليه مثل نموه وحركة أعضائه ومرضه وهرمه ولوازم بقائه حياً ونحو ذلك.

ووجود هذا الوجه من القانون العام من أكبر الأدلة على وجود الله تعالى الخالق العظيم لأنه لا يمكن للمادة وهي جامدة صمّاء لا تعقل أن تضع هذا القانون الهائل الدقيق لهذه الموجودات، وإنما المعقول والمقبول أن يكون واضع هذا القانون هو خالق هذه الموجودات. وهو الله جلّ جلاله.

وقد دلّ القرآن الكريم على هذا الوجه من هذا القانون العام في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 38-40]، وفي خلق الإنسان وخضوعه لهذا الوجه من القانون قوله تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 12-14]، من الواضح البيّن أن خلق الإنسان والأطوار التي يمر بها وهو في بطن أمه يخضع في ذلك كلّه إلى قانون عام ثابت.

2- من سمات هذا القانون الثبات والاستمرار:

ومن سمات هذا القانون العام في وجهه الأول، ثباته واستمراره بدليل اطّراد أحكامه وسريانها على الحوادث والظواهر التي يحكمها هذا القانون، فالأرض تحيا بالمطر ويخرج به منها النبات، قال تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} [يس: 33]. وكذلك جريان الشمس والقمر، وجريان الفلك في البحر وفقاً لهذا القانون العام، قال تعالى: {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} [يس: 41]، ومما يدل على ثبات هذا القانون بوجهه الأول الذي نتكلم عليه أن الله تعالى يلفت الأنظار إلى هذه الظواهر الكونية ويجعلها من الآيات الدالة على خالقيته وربوبيته لقوم يعقلون ويتفكرون، ولولا اطراد حدوثها مما يدل على خضوعها لقانون ثابت لما صح لفت الأنظار إليها واعتبارها من آيات الله تعالى. فمن هذه الآيات قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164].

3- آلات المعرفة بهذا القانون:

وآلات المعرفة بهذا القانون العام هي ما أشارت إليه الآية الكريمة: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78]، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: (وَجَعَلَ لَكُمُ) أي ما ركّب فيكم هذه الأشياء إلا آلات لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه واجتلاب العلم والعمل به.

وفي تفسير القرطبي: (وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ) أي التي تعلمون بها وتدركون.

وسبيل المعرفة بالقانون بالآلات التي ركبها الله في الإنسان (السمع والبصر والأفئدة) يكون بالمشاهدة والنظر والتأمل واستخلاص النتائج في ضوء ذلك للتعرف على القواعد التي تحكم موجودات هذا العالم وحوادثه المادية.

جاء في تفسير الآلوسي بصدد الآية الكريمة: {وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل :78]، قال الآلوسي رحمه الله تعالى: (والمعنى: جعل لكم هذه الأشياء آلات تحصلون بها العلم والمعرفة بأن تحسوا بمشاعركم جزئيات الأشياء وتدركوها بأفئدتكم، أي بعقولكم وتنتبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرير الإحساس فيحصل لكم علوم بديهية تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلوم الكسبية).

ومعرفة هذا القانون في وجهه الأول مباحة للجميع ويمكن الحصول عليها من قبل المسلم والكافر، وأكثرهما جدية ونشاطاً ونظراً وبحثاً وسعياً أكثرهما وقوفاً عليه وإحاطة بجوانبه وجزئياته. فهذا العلم مشاع للجميع ولا يختص المسلمون بشيء منه باعتبارهم مسلمين، اللهم إلا في القصد من تعلمه وفي أوجه الانتفاع منه، لأن قصد المسلم وأوجه انتفاعه بالأشياء وبما يعلم، كل ذلك محكوم بحكم الشريعة الإسلامية فما تبيحه أو توجبه فهو المباح أو الواجب وما تنهى عنه فهو المكروه أو الحرام.

4- الوجه الثاني من القانون العام:

أما الوجه الثاني من القانون العام فهو الذي يتعلق بخضوع البشر له باعتبارهم أفراداً وأمماً وجماعات. وأعني بخضوعهم له خضوع تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش، والسعادة والشقاء والعز والذل والرقي والتأخر والقوة والضعف ونحو ذلك من الأمور الاجتماعية في الدنيا وما يصيبهم في الآخرة من عذاب أو نعيم وفقاً لأحكام هذا القانون بوجهه الثاني.

5- هل يوجد هذا القانون في الشريعة الإسلامية:

ونتساءل هنا هل يوجد هذا القانون بوجهه الثاني في الشريعة الإسلامية ويخضع له البشر في أفعالهم وسلوكهم وما يترتب عليها من نتائج في ضوء قواعد هذا القانون وأحكامه؟ والجواب: إن الشريعة الإسلامية بكتابها العزيز القرآن، وبالسنة النبوية الكريمة تبين بوضوح وجلاء وجود (سنة عامة) لله تخضع لحكمها تصرفات البشر وأفعالهم وسلوكهم ومواقفهم من شرع الله وما قد يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة، فهل تعني (سنة الله) ما نعنيه بالقانون العام الذي نتكلم عليه؟ والجواب يعرف بعد أن أبين تعريف سنة الله في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء وعلماء التفسير.

6- تعريف سنة الله:

السنة في اللغة تعني السيرة، حسنة كانت أو قبيحة، كما جاء في لسان العرب لابن منظور.

وفي النهاية لابن الأثير: والأصل في هذا اللفظ: السنّة الطريقة والسيرة. وفي حديث المجوس (سنوا بهم سنة أهل الكتاب) أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم.

وقال الفيروز آبادي في معنى السنة: والأصل فيها الطريقة والسيرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سنّ سنة حسنة) أي طرق طريقة حسنة، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحرّاها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والسنّة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول، ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار).

وقال الإمام الرازي في تفسيره: (والسنة: الطريقة المستقيمة والمثال المتبع)، وقال رشيد رضا صاحب تفسير المنار: (السنن جمع سنة، وهي الطريقة المعبدة أو السيرة المتبعة أو المثال المتبع).

7- التعريف المختار لسنة الله:

يلاحظ أن هذه الكلمة يدور معناها على معنى (الطريقة المتبعة) فيكون معنى (سنة الله) هي الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر بناء على سلوكهم وأفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة.

8- سنة الله هي القانون العام:

وحيث أن سنة الله تعالى المتعلقة بأفعال البشر وسلوكهم هي طريقته المتبعة في معاملته للبشر، كما قلنا، وما يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة، فهذا يعني أن معنى (السنة) هو معنى (القانون العام) من حيث خضوع أفعال البشر وسلوكهم إلى أحكام هذه (السنة) التي يمكن تسميتها بالقانون العام.

9- سنة الله تتسم بالثبات والاطراد والعموم:

وما دامت (سنة الله) هي القانون العام الذي يحكم أفعال البشر وسلوكهم فإنها تتسم بالثبات والاطراد والعموم، وهذا هو شأن القاعدة القانونية. فهي ثابتة لا تتغير، قال تعالى: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 62].

وقال تعالى: {فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].

وهي مطردة لا تتخلف، ويدل على اطرادها أن الله تعالى قصّ علينا قصص الأمم السابقة وما حلّ بها لنتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم، ولولا اطرادها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها.

فمن هذه الآيات قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} بعد أن قصّ الله تعالى علينا ما حلّ ببني النضير لسوء أعمالهم، قال الآلوسي في هذه الآية: "أي فاتعظوا بما جرى عليهم -أي على اليهود من بني النضير- من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي، واعتبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله تعالى الصائرة سبباً لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أوطانهم كارهين إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عزّ وجلّ بل توكلوا عليه" وكذلك قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ * هَـذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 137-138].

وهي، أي سنة الله، تتصف بالعموم أي أنها عامة يسري حكمها على الجميع دون محاباة ولا تمييز، قال تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءةٌ فِي الزُّبُرِ} [سورة القمر: 43]، {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ} (سورة القمر: 51) أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم (تفسير القرطبي).

وقال تعالى: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} [النساء: 123]، والمعنى أن كل من يعمل سوءاً يلق جزاءه؛ لأن الجزاء بحسب سنّة الله تعالى أثر طبيعي للعمل لا يتخلف عنه (تفسير المنار). فسنّة الله تعالى ثابتة ومطردة وعامة غير مقتصرة على فرد دون فرد ولا على قوم دون قوم. ولولا ثباتها واطرادها وعمومها لما كان معنى في ذكر قصص وأخبار الأمم السابقة وطلب الاعتبار بما حل هم، ولكن لما كان ما جرى لهم وعليهم يجري على غيرهم إذا فعلوا فعلهم، حسن ذكر قصصهم وطلب الاعتبار والاتعاظ بها.

10- السبيل لمعرفة سنّة الله:

والسبيل لمعرفة (سنة الله) أي الوجه الثاني للقانون العام هو الرجوع إلى كتاب الله العظيم وسنّة نبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم فما فيهما هو القول الفصل، وما بيّناه أي القرآن والسنّة النبوية من أنه هو (سنة الله) أي قانونه العام الذي تجري بموجبه أحداث ووقائع البشر، فهذا البيان هو الحق المبين والقول الصدق: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً} [النساء: 122] وهو الإخبار الحق الصادق عن هذا القانون العام {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً} [النساء: 87].

11- الإخبار عن (سنّة الله) بصيغ متنوعة:

وقد يخبرنا الله تعالى عن (سنته) أي عن القانون العام الذي وضعه الله لحكم سلوك البشر وأفعالهم وما يصيبهم، قد يخبرنا عن ذلك بغير لفظ (السنّة) كأن يعبر عن (سنّته) بتقرير نتيجة معينة بناء على وصف معين أو حالة معينة أو بناء على سبب أو شرط معينين، فيكون هذا الإخبار بهذه الصيغ إخباراً عن سنة ثابتة لله تعالى كما في قوله تعالى: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} [الكهف:95] وقوله تعالى: {إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتّى يغيّروا ما بأنفسهم} [الرعد:11].

12- أهمية دراسة سنن الله:

وسنن الله تعالى التي بيّنها الله في القرآن الكريم أو بيّنها الرسول صلى الله عليه وسلم جديرة بالدراسة والفهم، بل إن دراستها وفهمها من الأمور المهمة جداً والواجبة ديانة، لأن معرفتها معرفة لبعض الدين قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89] قال الآلوسي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: (والمراد من (كُلِّ شَيْءٍ) ما يتعلق بأمور الدين أي بياناً بليغاً لكل شيء يتعلق بذلك، ومن جملته أحوال الأمم مع أنبيائهم).

ومن الواضح  أن أحوال الأمم مع أنبيائهم التي اعتبرها الآلوسي رحمه الله بحق أنها من جملة الدين، هذه الأحوال تعني ما جرى لهم مع أنبيائهم وما حلّ فيهم بسبب سلوكهم معهم وموقفهم منهم وفقاً لسنّة الله، وما طلبه الله منا من الاتعاظ والاعتبار بهم. فيتحصل من ذلك أن معرفة سنن الله جزء من معرفة الدين أو معرفة لجزء من الدين، وأن هذه المعرفة ضرورية. ومن الواجبات الدينية لأنها تبصرنا بكيفية السلوك الصحيح في الحياة حتى لا نقع في الخطأ والعثار والغرور والأماني الكاذبة، وبذلك ننجو ممّا حذّرنا الله منه، ونظفر بما وعد الله به عباده المؤمنين المتقين.

  

سنّة الإمهال والاستدراج

1- معنى الاستدراج في اللغة:

جاء في لسان العرب: استدرجه أي أدناه منه على التدريج فتدرج هو.

وفي مفردات الراغب: سنستدرجهم معناه نأخذهم درجة فدرجة وذلك إدناؤهم من الشيء شيئاً فشيئاً كالمراقي والمنازِل في ارتفاعها ونزولها.

وفي المعجم الوسيط: استدرج الله العبد: أمهله ولم يباغته.

وفي بصائر ذوي التمييز: استدرج الله المرء: جرّه قليلاً قليلاً إلى العذاب.

2- معنى الاستدراج عند المفسرين:

* جاء في تفسير الزمخشري: استدرجه إلى كذا، إذا استنزله إليه درجة فدرجة حتى يورطه فيه.

* وفي تفسير القرطبي: (الاستدراج هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة).

* وفي تفسير الآلوسي: الاستدراج استفعال من الدرجة بمعنى النقل درجة بعد درجة من سفل إلى علو فيكون استصعاداً أو بالعكس فيكون استنزالاً.

3- استدراج الكفرة والعصاة:

قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [القلم: 44-45]، فمن سنة الله تعالى في عباده الاستدراج. ومعنى الآية أن الله يستدرج الكفرة والعصاة بأن يرزقهم الصحة والنعمة فيجعلون رزق الله ذريعة إلى ازدياد الكفر والمعاصي. وهم لا يعلمون أي وهم لا يشعرون أن هذا استدراج لهم، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة لهم مع أنه في نفس الأمر إهانة لهم واستدراج.

ومن تفسير القرطبي {سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} معناه سنأخذهم على غفلة وهم لا يعرفون؛ فعذبوا يوم بدر.

وقال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر.

وقال أبو روق: أي كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وأنسيناهم الاستغفار.

وقال ابن عباس: سنمكر بهم. وقيل: هو أن نأخذهم قليلا ولا نباغتهم.

وفي حديث (أن رجلا من بني إسرائيل قال يا رب كم أعصيك وأنت لا تعاقبني -قال- فأوحى الله إلى نبي زمانهم أن قل له كم من عقوبة لي عليك وأنت لا تشعر. إن جمود عينيك وقساوة قلبك استدراج مني وعقوبة لو عقلت).

(وَأُمْلِي لَهُمْ) أي وأمهلهم فلا أعاجلهم بالعقوبة ليزدادوا إثماً وهم يزعمون أن ذلك لإرادة الخير والإكرام لهم.

(إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) سمى الله تعالى إحسانه وتمكينه للكفرة والعصاة كيداً لما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد حيث كان سبباً للسقوط في الهلكة، ووصف كيده بأنه متين لقوة أثر إحسانه في التسبب للهلاك وأن هذا الهلاك لا يدفعه شيء. وقد قيل كم مستدرج بالإحسان إليه وكم مفتون بالثناء عليه وكم مغرور بالستر عليه.

4- استدراج المكذبين:

ومن سنته تعالى في الاستدراج استدراج المكذبين بآياته تعالى، قال عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 182-183]. والمعنى أن الذين كذبوا بآيات الله ولم تنفعهم هداية الهادين كأهل مكة وغيرهم (سَنَسْتَدْرِجُهُم) أي سنقربهم إلى الهلاك شيئاً فشيئاً (مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) ما يراد بهم وذلك بإدرار النعم عليهم مع انغماسهم في الغي والتكذيب، فكلما جدد الله لهم نعمة ازدادوا بطراً وأشراً وجددوا معصية فيتدرجون في المعاصي بسبب ترادف النعم عليهم ظانين أن ذلك من الله إكرام لهم وتقريب لهم منه، وإنما هذه النعم خذلان منه وتبعيد واستدراج.

(وَأُمْلِي لَهُمْ) أي أمهلهم ليزدادوا إثماً (إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) سمّاه الله تعالى كيداً لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وإنعام وفي الحقيقة خذلان، ثم يأخذهم الله تعالى دفعة واحدة على حين غرّة وهم أغفل ما يكونون.

وفي تفسير المنار: الكيد كالمكر، وهو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره بحيث ينخدع المكيد له بمظهره فلا يفطن له حتى ينتهي إلى ما يسؤوه من مخبره وغايته. ومعنى الآية: أمهل هؤلاء المكذبين المستدرجين وأمدّ لهم في أسباب المعيشة والقدرة على الحرب كيداً أو مكراً بهم لا حباً بهم ونصراً لهم، وفي حديث البخاري: (إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) [أخرجه البخاري].

5- استدراج الأمم:

قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 42-45]. وقوله تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} أي فلما أعرضوا عما ذكّروا به وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم (فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ)، أي فتحنا عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون. قال ابن كثير: وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم ولهذا قال تعالى: {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ} من الأموال والأولاد والأرزاق {أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً} أي على غفلة {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} أي آيسون من كل خير.

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ تَعَالى يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِدْرَاجٌ) [أخرجه الإمام أحمد في المسند، والطبراني في المعجم الكبير]، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ}.

ما أظلم من قرأ هذا ولم تدمع عيناه وما أقسى قلبه، قال المناوي في "فيض القدير بشرح الجامع الصغير": (من الدنيا) أي من زهرتها وزينتها.

قال إمام الحرمين: إذا سمعت بحال الكفار وخلودهم في النار فلا تأمن على نفسك فإن الأمر على خطر، فلا تدري ماذا يكون وما سبق لك في الغيب، ولا تغتر بصفاء الأوقات فإن تحتها غوامض الآفات.

وقال علي كرم الله وجهه: كم من مستدرج بالإحسان وكم من مفتون بحسن القول فيه. وكم من مغرور بالستر عليه.

وفي تفسير الآلوسي في قوله تعالى : {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ} المراد أنهم انهمكوا في معاصيهم ولم يتعظوا بما نالهم من البأساء والضراء فلما لم يتعظوا {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} من النعم الكثيرة كالرخاء وسعة الرزق مكراً بهم واستدراجاً لهم {حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ} فرح بطرٍ {بِمَا أُوتُواْ} من النعم ولم يقوموا بحق المنعم {أَخَذْنَاهُم} عاقبناهم وأنزلنا بهم العذاب {بَغْتَةً} أي فجأة {فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} أي آيسون من النجاة والرحمة {فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي استؤصلوا ولم يبق منهم أحد (وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) على ما جرى عليهم من النكال والهلاك فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة يحق أن يحمد عليها.

6- سنّة الله العامة في المستدرجين:

ومن آيات الاستدراج التي ذكرناها في الفقرات السابقة يتبين لنا أن سنة الله في المستدرجين إمهالهم بعد أن لم يتعظوا بما امتحنهم الله به من صفوف البأساء والضرّاء أو بما امتحنهم به من النعم أو بعد أن كذبوا بآيات الله التي من شأنها أن تحمل المتأمل فيها على الإيمان، وإن سنة الله تعالى في هؤلاء مدة إمهالهم أن يوسع عليهم الرزق والخيرات ويزيد عليهم الرخاء الذي هم فيه ويعطيهم ما يتمنون من النعم على وجه الاستدراج لهم وزيادة إثمهم لما يقابلون هذه النعم بالمعاصي.

7- ما يجب الاتعاظ به من سنّة الله في المستدرجين:

إن نعم الله تقابل بالشكر، وهذا هو منهج المؤمنين ومسلكهم في الحياة، فكل نعمة يعطاها المؤمن يقابلها بطاعة جديدة وشكر جديد، فإذا غفل عن هذا ونسي شكر النعمة بشكر المنعم فهو مقصر وغافل، فإذا قابل النعمة بالمعصية فهو مستدرج. والفاصل بين المقصر والمستدرج خيط دقيق جداً، فإن المقصر في شكر النعمة غفلة منه وجهلاً قد ينزلق إلى منحدر الاستدراج، ولذلك كان العارفون يخشون على أنفسهم (الاستدراج) وأن يكونوا مستدرجين إذا توالت عليهم النعم مع احتمال تقصيرهم في شكرها فيكون ذلك علامة استدراجهم، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حملت إليه كنوز كسرى: "اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً، فإني أسمعك تقول: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} "[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى].

وقال الحسن البصري رحمه الله: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم مفتون بالثناء عليه، وكم مغرور بالستر عليه.

8- الخوف من الاستدراج:

وعلى هذا فينبغي للفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة بمجموعها أن لا يغتروا بنعم الله عليهم وأن يخافوا على أنفسهم من أن يكون تواتر النعم عليهم استدراجاً لهم وليس إكراماً وإنعاماً لهم. والذي يرجح أن هذه النعم إكرام لهم من الله تعالى مسارعتهم إلى شكرها بشكر المنعم عليها بالقيام بحق نعم الله ووضعها في مواضعها والزيادة في طاعة الله والإتيان بما يحبه من الجهاد في سبيله.