الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فهذه قصة نبي الله موسى عليه السلام استلت واختصرت من كتاب الكامل لابن الأثير رحمه الله فإلى تفاصيل القصة نقف عند دروسها وعبرها يحدونا التدبر والعمل.

نسبه:

هو موسى بن عمران بن يصهر من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وأم موسى يوخابد. واسم امرأته صفورا بنت شعيب النبي.

نشأته:

توارث الفراعنة ملك مصر ونشر الله بني إسرائيل، ولم يزل بنو إسرائيل تحت يد الفراعنة وهم على بقايا من دينهم مما كان يوسف، ويعقوب، وإسحاق، وإبراهيم عليهم السلام حتى كان فرعون موسى، وكان أعتاهم على الله وأعظمهم قولا وأطولهم عمرا، وكان سيئ الملكة على بني إسرائيل يعذبهم ويجعلهم خولا ويسومهم سوء العذاب، فلقد نشأ موسى عليه السلام في أيام  فرعون مصر الظالم وامرأته آسية بنت مزاحم رحمها الله ورضي عنها وأرضاها، فلما أراد الله أن يستنقذهم بلغ موسى الأشد وأعطي الرسالة.

وكان شأن فرعون قبل ولادة موسى أنه رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر، فدعا السحرة، والكهنة، فسألهم عن رؤياه، فقالوا: يخرج من هذا البلد، يعنون بيت المقدس، الذي جاء بنو إسرائيل منه، رجل يكون على وجهه هلاك مصر، فأمر أن لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح ويترك الجواري.

وقيل: إنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون إليه فقالوا: اعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه يسلبك ملكك ويغلبك على سلطانك، ويبدل دينك. فأمر بقتل كل مولود في بني إسرائيل.

وقيل: بل تذاكر فرعون وجلساؤه معا ما وعد الله عز وجل إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، فقال بعضهم: إن بني إسرائيل لينتظرون ذلك، وقد كانوا يظنونه يوسف بن يعقوب، فلما هلك قالوا: ليس هكذا وعد الله إبراهيم. فقال فرعون: كيف ترون؟ فأجمعوا على أن يبعث رجالا يقتلون كل مولود في بني إسرائيل، وقال للقبط: انظروا مماليككم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم واجعلوا بني إسرائيل يلون ذلك، فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، فذلك حين يقول الله عز وجل: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم}، فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح وكان يأمر بتعذيب الحبالى حتى يضعن، فكان يشق القصب ويوقف المرأة عليه فيقطع أقدامهن، وكانت المرأة تضع فتتقي بولدها القصب، وقذف الله الموت في مشيخة بني إسرائيل، فدخل رءوس القبط على فرعون وكلموه، وقالوا: إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت فيوشك أن يقع العمل على غلماننا، تذبح الصغار وتفني الكبار، فلو أنك كتبت تبقي من أولادهم، فأمرهم أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فلما كان في تلك السنة التي تركوا فيها ولد هارون، وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها، وهي السنة المقبلة. فلما أرادت أمه وضعه حزنت من شأنه، فأوحى الله إليها، أي ألهمها: أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليمّ –وهو النيل- ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين.

فلما وضعته أرضعته ثم دعت نجارا فجعل له تابوتا، وجعل مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه وألقته في اليمّ، فلما توارى عنها أتاها إبليس، فقالت في نفسها: ما الذي صنعت بنفسي! لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب إلي من أن ألقيه بيدي إلى حيتان البحر ودوابه. فلما ألقته قالت لأخته واسمها مريم، قصيه، يعني: قصي أثره فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون أنها أخته، فأقبل الموج بالتابوت يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين أشجار عند دور فرعون، فخرج جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأدخلنه إلى آسية، وظنن أن فيه مالا، فلما فتح ونظرت إليه آسية وقعت عليها رحمته وأحبته، فلما أخبرت به فرعون، وأتته به قالت: قرة عين لي ولك لا تقتلوه. فقال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت لهداه الله كما هداها) [أخرجه النسائي في السنن الكبرى].

وأراد أن يذبحه فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها وقال: إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا، فذلك قوله عز وجل: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا}. وأرادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، فذلك قوله: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} فقالت أخته مريم: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها، وقالوا: ما يدريك ما نصحهم له؟ هل يعرفونه؟ حتى شكوا في ذلك. فقالت: نصحهم له، وشفقتهم عليه، ورغبتهم في قضاء حاجة الملك، ورجاء منفعته. فانطلقت إلى أمه فأخبرتها الخبر، فجاءت أمه، فلما أعطته ثديها أخذه منها، فكادت تقول: هذا ابني، فعصمها الله.

وإنما سمي موسى لأنه وجد في ماء وشجر، والماء بالقبطية مو، والشجر سا. فذلك قوله تعالى: {فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن}.

وكان غيبته عنها ثلاثة أيام، وأخذته معها إلى بيتها، واتخذه فرعون ولدا فدعي ابن فرعون، فلما تحرك الغلام حملته أمه إلى آسية، فأخذته ترقصه وتلعب به وناولته فرعون، فلما أخذه إليه أخذ الغلام بلحيته فنتفها، قال فرعون: علي بالذباحين يذبحونه، هو هذا! قالت آسية: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا، إنما هو صبي لا يعقل وإنما فعل هذا من جهل، ولقد علمت أنه ليس في مصر امرأة أكثر حليا مني، أنا أضع له حليا من ياقوت وجمرا فإن أخذ الياقوتة فهو يعقل فاذبحه وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي، فأخرجت له ياقوتها ووضعت له طشتا من جمر فجاء جبريل فوضع يده على جمرة فأخذها فطرحها موسى في فمه، فأحرقت لسانه، فهو الذي يقول الله تعالى: {واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}. فدرأت عن موسى القتل.

قصته مع القبطي والاسرائيلي:

وكبر موسى، وكان يركب مركب فرعون ويلبس ما يلبس، وإنما يدعى موسى بن  فرعون، وامتنع به بنو إسرائيل ولم يبق قبطي يظلم إسرائيليا خوفا منه.

ثم إن فرعون ركب مركبا وليس عنده موسى فلما جاء موسى قيل له: فرعون قد ركب، فركب موسى في أثره فأدركه المقيل بأرض يقال لها منف -وهذه منف (بفتح الميم وسكون النون)- مصر القديمة التي هي مصر يوسف الصديق، وهي الآن قرية كبيرة، فدخل نصف النهار، وقد أغلقت أسواقها، على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته يقول هذا إسرائيلي قيل إنه السامري وهذا من عدوه يقول من القبط فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه، فغضب موسى لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم، وكان قد حماهم من القبط، وكان الناس لا يعلمون أنه منهم بل كانوا يظنون أن ذلك بسبب الرضاع. فلما اشتد غضبه وكزه فقضى عليه، قال: إن هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم، أوحى الله تعالى إلى موسى: وعزتي لو أن النفس التي قتلت أقرت لي ساعة واحدة أني خالق رازق لأذقتك العذاب. قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين. فأصبح في المدينة خائفا يترقب أن يؤخذ، فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه -يقول يستعينه- قال له موسى إنك لغوي مبين. ثم أقبل لينصره، فلما نظر إلى موسى وقد أقبل نحوه ليبطش بالرجل الذي يقاتل الإسرائيلي خاف أن يقتله من أجل أنه أغلظ له في الكلام قال: أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين. فترك القبطي، فذهب فأفشى عليه أن موسى هو الذي قتل الرجل، فطلبه فرعون، وقال: خذوه فإنه صاحبنا. فجاء رجل فأخبره، وقال له: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج.

موسى عليه السلام يتوجه إلى مدين:

فلما أخبره خرج من بينهم خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين. وأخذ في ثنيات الطريق، فجاءه ملك على فرس فهداه نحو مدين. وقال موسى وهو متوجه إليها: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل. فانطلق به الملك حتى انتهى به إلى مدين، فكان قد سار وليس معه طعام، وكان يأكل ورق الشجر، ولم يكن له قوة على المشي، فما بلغ مدين حتى سقط خف قدمه. ولما ورد ماء -قصد الماء- مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان، أي تحبسان غنمهما، وهما ابنتا شعيب النبي، فلما رآهما موسى سألهما: ما خطبكما؟ قالتا: لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير. فرحمهما موسى فأتى البئر فاقتلع صخرة عليها كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها فسقى لهما غنمهما، فرجعتا سريعا، وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض. وقصد موسى شجرة هناك ليستظل بها فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير.

فلما رجعت الجاريتان إلى أبيهما سريعا سألهما فأخبرتاه، فأعاد إحداهما إلى موسى تستدعيه، فأتته، وقالت له: إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فقام معها، فمشت بين يديه، وقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق.

فلما أتاه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين. قالت إحداهما، وهي التي أحضرته: ياأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين. قال لها أبوها: القوة قد رأيتها فما يدريك بأمانته؟ فذكرت له ما أمرها به من المشي خلفه. فقال له أبوها: إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني -نفسك- ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك. فقال له موسى: ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليّ والله على ما نقول وكيل. فأقام عنده يومه، فلما أمسى أحضر شعيب العشاء، فامتنع موسى من الأكل، فقال: ولم ذلك؟ قال: إنا من أهل بيت لا نأخذ على اليسير من عمل الآخرة الدنيا بأسرها. فقال شعيب: ليس لذلك أطعمتك إنما هذه عادتي وعادة آبائي، فأكل، وازدادت رغبة شعيب في موسى فزوجه ابنته التي أحضرته.

مبدأ الوحي لموسى عليه السلام:

وأقام موسى عند شعيب يرعى له غنمه عشر سنين، وسار بأهله في زمن شتاء وبرد، فلما كانت الليلة التي أراد الله عز وجل لموسى كرامته، وابتداءه فيها بنبوته، وكلامه أخطأ فيها الطريق حتى لا يدري أين يتوجه، وكانت امرأته حاملا، فأخذها الطلق في ليلة شاتية ذات مطر، ورعد، وبرق، فأخرج زنده ليقدح نارا لأهله ليصطلوا ويبيتوا حتى يصبح ويعلم وجه طريقه، فأصلد زنده فقدح حتى أعيا، فرفعت له نار، فلما رآها ظن أنها نار، وكانت من نور الله، فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر، فإن لم أجد خبرا، آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون، فحين قصدها رآها نورا ممتدا من السماء إلى شجرة عظيمة، فتحير موسى وخاف حين رأى نارا عظيمة بغير دخان وهي تلتهب في شجرة خضراء لا تزداد النار إلا عظما، ولا تزداد الشجرة إلا خضرة، فلما دنا منها استأخرت عنه، ففزع ورجع، فنودي منها، فلما سمع الصوت استأنس فعاد، فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن بورك من في النار ومن حولها يا موسى إني أنا الله رب العالمين، فلما سمع النداء ورأى تلك الهيبة علم أنه ربه تعالى، فخفق قلبه وكل لسانه، وضعفت قوته، وصار حيا كميت إلا أن الروح يتردد فيه، فأرسل الله إليه ملكا يشد قلبه، فلما ثاب إليه عقله نودي: فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى، وإنما أمر بخلع نعليه لأنهما كانتا من جلد حمار ميت، وقيل: لينال قدمه الأرض المباركة، ثم قال له تسكينا لقلبه: وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي، يقول: أضرب الشجر فيسقط ورقه للغنم، ولي فيها مآرب أخرى أحمل عليها المزود والسقاء.

قال له ربه: ألقها يا موسى. فألقاها موسى، فإذا هي حية تسعى عظيمة الجثة في خفة حركة الجان، فلما رآها موسى ولى مدبرا ولم يعقب، فنودي: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون، أقبل (ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى) عصا، وإنما أمره الله بإلقاء العصا حتى إذا ألقاها عند فرعون لا يخاف منها، فلما أقبل قال: خذها ولا تخف وأدخل يدك في فيها. وكان على موسى جبة صوف، فلف يده بكمه وهو لها هائب، فنودي ألق كمك عن يدك، فألقاه، وأدخل يده بين لحييها، فلما أدخل يده عادت عصا كما كانت لا ينكر منها شيئا.

ثم قال له: وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء، يعني برصا، فأدخلها وأخرجها بيضاء من غير سوء مثل الثلج لها نور، ثم ردها فعادت كما كانت. فقيل له: فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين، قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني، أي يبين لهم عني ما أكلمهم به، فإنه يفهم عني ما لا يفهمون. قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون.

موسى يدعو فرعون إلى توحيد الخالق عز وجل:

فأقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا، فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم ولا يعرفونه، فجاء هارون فسألها عنه، فأخبرته أنه ضيف، فدعاه فأكل معه، وسأله هارون: من أنت؟ قال: أنا موسى. فاعتنقا.

وقال موسى: يا هارون، إن الله تعالى قد أرسلنا إلى فرعون فانطلق معي إليه. قال: سمعا وطاعة، فلما جاء إلى بيت هارون وأظهر أنهما ينطلقان إلى فرعون سمعت ذلك ابنة هارون فصاحت أمهما فقالت: أنشدكما الله أن لا تذهبا إلى فرعون فيقتلكما جميعا! فأبيا فانطلقا إليه ليلا، فضربا بابه، فقال فرعون لبوابه: من هذا الذي يضرب بابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب فكلمهما، فقال له موسى: إنا رسولا رب العالمين، فأخبر فرعون، فأدخلا إليه.

فعرفه فرعون، فقال له: ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما -يعني النبوة- وجعلني من المرسلين. فقال له فرعون: إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين قد فتح فاه فوضع اللحي الأسفل في الأرض والأعلى على القصر وتوجه نحو فرعون ليأخذه، فخافه فرعون ووثب فزعا فأحدث في ثيابه، ثم بقي بضعة وعشرين يوما يجيء بطنه حتى كاد يهلك، وناشده فرعون بربه تعالى أن يرد الثعبان، فأخذه موسى فعاد عصا. ثم أدخل يده في جيبه وأخرجها بيضاء كالثلج لها نور يتلألأ، ثم ردها فعادت إلى ما كانت عليه من لونها، ثم أخرجها الثانية لها نور ساطع في السماء تكل منه الأبصار قد أضاءت ما حولها يدخل نورها البيوت ويرى من الكوى ومن وراء الحجب، فلم يستطع فرعون النظر إليها، ثم ردها موسى في جيبه وأخرجها فإذا هي على لونها.

وأوحى الله تعالى إلى موسى وهارون أن قولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، فقال له موسى: هل لك في أن أعطيك شبابك فلا تهرم، وملكك فلا ينزع، وأرد إليك لذة المناكح، والمشارب، والركوب، فإذا مت دخلت الجنة وتؤمن بي؟ فقال: لا حتى يأتي هامان، فلما حضر هامان عرض عليه قول موسى، فعجزه، وقال له: تصير تعبد بعد أن كنت تعبد! ثم قال له: أنا أرد عليك شبابك، فعمل له الوسمة فخضبه بها، فهو أول من خضب بالسواد، فلما رآه موسى هاله ذلك، فأوحى الله إليه: لا يهولنك ما ترى فلن يلبث إلا قليلا. فلما سمع فرعون ذلك خرج إلى قومه فقال: إن هذا لساحر عليم. وأراد قتله. فقال مؤمن آل فرعون، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات، وقال الملأ من قوم فرعون: أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم.

موسى عليه السلام مع السحرة:

فعل فرعون ما أشار به عليه الملأ وجمع السحرة، فكانوا سبعين ساحرا، فوعدهم فرعون واتعدوا يوم عيد كان لفرعون، فصفهم فرعون وجمع الناس، وجاء موسى ومعه أخوه هارون وبيده عصاه حتى أتى الجمع وفرعون في مجلسه مع أشراف قومه، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب. فقال السحرة بعضهم لبعض: ما هذا بقول ساحر! ثم قالوا: لنأتينك بسحر لم تر مثله، وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون. فقال له السحرة: يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين. قال: بل ألقوا. فألقوا حبالهم وعصيهم فإذا هي في رأي العين حيات أمثال الجبال قد ملأت الوادي يركب بعضها بعضا، فأوجس موسى خوفا، فأوحى الله إليه: أن ألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا، فألقى عصاه من يده فصارت ثعبانا عظيما فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، وهي كالحيات في أعين الناس، فجعلت تلقفها وتبتلعها حتى لم تبق منها شيئا، ثم أخذ موسى عصاه فإذا هي في يده كما كانت.

وكان رئيس السحرة أعمى، فقال له أصحابه: إن عصا موسى صارت ثعبانا عظيما وتلقف حبالنا وعصينا. فقال لهم: ولم يبق لها أثر ولا عادت إلى حالها الأول؟ فقالوا: لا. فقال: هذا ليس بسحر. فخر ساجدا وتبعه السحرة أجمعون، وقالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون قال فرعون آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل. فقطعهم وقتلهم وهم يقولون: ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين، فكانوا أول النهار كفارا وآخر النهار شهداء.

قصص لبعض المؤمنين:

* كان مؤمن آل فرعون يكتم إيمانه، قيل: كان من بني إسرائيل، وقيل كان من القبط، فلما رأى غلبة موسى السحرة أظهر إيمانه، وكان له امرأة مؤمنة تكتم إيمانها أيضا، وكانت ماشطة ابنة فرعون، فبينما هي تمشطها إذ وقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله. فقالت ابنة فرعون: أبي؟ قالت: لا بل ربي وربك ورب أبيك. فأخبرت أباها بذلك، فدعا بها وبولدها، وقال لها: من ربك؟ قالت: ربي وربك الله. فأمر بتنور نحاس فأحمي ليعذبها وأولادها. فقالت: لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها. قال: ذلك لك، فأمر بأولادها فألقوا في التنور واحدا واحدا، وكان آخر أولادها صبيا صغيرا، فقال: اصبري يا أماه، فإنك على الحق، فألقيت في التنور مع ولدها [أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم 2822].

* وكانت آسية امرأة فرعون من بني إسرائيل، وقيل: كانت من غيرهم، وكانت مؤمنة تكتم إيمانها، فلما قتلت الماشطة رأت آسية الملائكة تعرج بروحها، كشف الله عن بصيرتها، وكانت تنظر إليها وهي تعذب، فلما رأت الملائكة قوي إيمانها وازدادت يقينا وتصديقا لموسى، فبينما هي كذلك إذ دخل عليها فرعون فأخبرها خبر الماشطة. قالت له آسية: الويل لك! ما أجرأك على الله، فقال لها: لعلك اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة؟ فقالت: ما بي جنون، ولكني آمنت بالله تعالى ربي وربك ورب العالمين.

فدعا فرعون أمها، وقال لها: إن ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة فأقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى. فخلت بها أمها، وأرادتها على موافقة فرعون، فأبت وقالت: أما أن أكفر بالله فلا والله! فأمر فرعون حتى مدت بين يديه أربعة أوتاد وعذبت حتى ماتت، فلما عاينت الموت قالت: رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين. فكشف الله عن بصيرتها فرأت الملائكة وما أعد لها من الكرامة، فضحكت فقال فرعون: انظروا إلى الجنون الذي بها! تضحك وهي في العذاب! ثم ماتت.

فرعون يبني صرحا عظيما:

لما رأى فرعون قومه قد دخلهم الرعب من موسى خاف أن يؤمنوا به ويتركوا عبادته فاحتال لنفسه، وقال لوزيره: يا هامان ابن لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا. فأمر هامان بعمل الآجر، وهو أول من عمله، وجمع الصناع وعمله في سبع سنين، وارتفع البنيان ارتفاعا لم يبلغه بنيان آخر، فشق ذلك على موسى واستعظمه، فأوحى الله إليه: أن دعه وما يريد فإني مستدرجه ومبطل ما عمله ساعة واحدة. فلما تم بناؤه أمر الله جبرائيل فخربه وأهلك كل من عمل فيه من صانع ومستعمل. فلما رأى فرعون ذلك من صنع الله أمر أصحابه بالشدة على بني إسرائيل، وعلى موسى، ففعلوا ذلك، وصاروا يكلفون بني إسرائيل من العمل ما لا يطيقونه، وكان الرجال والنساء في شدة، وكانوا قبل ذلك يطعمون بني إسرائيل إذا استعملوهم، فصاروا لا يطعمونهم شيئا، فيعودون بأسوأ حال يريدون يكسبون ما يقوتهم، فشكوا ذلك إلى موسى، فقال لهم: استعينوا بالله واصبروا، إن العاقبة للمتقين، عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون.

آيات متواليات على فرعون وقومه:

لما أبى فرعون وقومه إلا الثبات على الكفر، تابع الله عليه الآيات، فأرسل عليهم الطوفان، وهو المطر المتتابع، فغرق كل شيء لهم. فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشف عنا هذا ونحن نؤمن بك ونرسل معك بني إسرائيل فكشف الله عنهم ونبتت زروعهم، فقالوا: ما يسرنا أنا لم نمطر. فبعث الله عليهم الجراد فأكل زروعهم، فسألوا موسى أن يكشف ما بهم ويؤمنوا به، فدعا الله فكشفه، فلم يؤمنوا وقالوا: قد بقي من زروعنا بقية. فأرسل الله عليهم الدبا، وهو القمل، فأهلك الزروع والنبات أجمع، وكان يهلك أطعمتهم، ولم يقدروا أن يحترزوا منه، فسألوا موسى أن يكشف عنهم، ففعل، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، وكانت تسقط في قدورهم وأطعمتهم وملأت البيوت عليهم، فسألوا موسى أن يكشف عنهم ليؤمنوا به ففعل، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فصارت مياه الفرعونيين دما، وكان الفرعوني والإسرائيلي يستقيان من ماء واحد، فيأخذ الإسرائيلي ماء ويأخذ الفرعوني دما، وكان الإسرائيلي يأخذ الماء من فمه فيمجه في فم الفرعوني فيصير دما، فبقي ذلك سبعة أيام، فسألوا موسى أن يكشف عنهم ليؤمنوا، ففعل فلم يؤمنوا فلما يئس من إيمانهم ومن إيمان فرعون دعا موسى وأمن هارون فقال: {ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم}. فاستجاب الله لهما، فمسخ الله أموالهم، ما عدا خيلهم وجواهرهم وزينتهم حجارة، والنخل، والأطعمة، والدقيق، وغير ذلك، فكانت إحدى الآيات التي جاء بها موسى.

موسى عليه السلام يخرج ببني إسرائيل وقصة هلاك فرعون:

فلما طال الأمر على موسى أوحى الله إليه يأمره بالمسير ببني إسرائيل وأن يحمل معه تابوت يوسف بن يعقوب ويدفنه بالأرض المقدسة، فسأل موسى عنه فلم يعرفه إلا امرأة عجوز فأرته مكانه في النيل، فاستخرجه موسى، وهو في صندوق مرمر، فأخذه معه فسار، وأمر بني إسرائيل أن يستعيروا من حلي القبط ما أمكنهم، ففعلوا ذلك وأخذوا شيئا كثيرا.

وخرج موسى ببني إسرائيل ليلا والقبط لا يعلمون، وكان موسى على ساقة بني إسرائيل، وهارون على مقدمتهم، فتبعهم فرعون، وعلى مقدمته هامان، فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون، يا موسى! أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا، أما الأول فكانوا يذبحون أبناءنا ويستحيون نساءنا، وأما الآن فيدركنا فرعون فيقتلنا. قال موسى: كلا إن معي ربي سيهدين.

وبلغ بنو إسرائيل إلى البحر وبقي بين أيديهم وفرعون من ورائهم، فأيقنوا بالهلاك، فتقدم موسى فضرب البحر بعصاه فانفلق، فكان كل فرق كالطود العظيم، وصار فيه اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق، فقال كل سبط: قد هلك أصحابنا. فأمر الله الماء فصار كالشباك، فكان كل سبط يرى من عن يمينه وعن شماله حتى خرجوا، ودنا فرعون وأصحابه من البحر فرأى الماء على هيئته والطرق فيه لأصحابه: ألا ترون البحر قد فرق مني وانفتح لي حتى أدرك أعدائي؟ فلما وقف فرعون على أفواه الطرق لم تقتحمه خيله، فنزل جبرائيل على فرس أنثى وديق، فشمت الحصن ريحها فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم فأغرقهم، وبنو إسرائيل ينظرون إليهم.

وانفرد جبرائيل بفرعون يأخذ من حمأة البحر فيجعلها في فيه، وقال حين أدركه الغرق: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وغرق، فبعث الله إليه ميكائيل يعيره، فقال له: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين. وقال جبرائيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو رأيتني وأنا أدس من حمأة البحر في فم فرعون مخافة أن يقول كلمة يرحمه الله بها.

فلما نجا بنو إسرائيل قالوا: إن فرعون لم يغرق. فدعا موسى فأخرج الله فرعون غريقا، فأخذه بنو إسرائيل يتمثلون به، ثم ساروا فأتوا على قوم يعبدون الأصنام فقالوا: يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. فتركوا ذلك.

موسى عليه السلام يخرج لملاقاة ربه، وبنو إسرائيل يعبدون العجل من دون الله:

كان موسى قد وعده الله وهو بمصر أنه إذا خرج مع بني إسرائيل منها وأهلك الله عدوهم أن يأتيهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون، فلما أهلك الله فرعون وأنجى بني إسرائيل قالوا: يا موسى ائتنا بالكتاب الذي وعدتنا. فسأل موسى ربه ذلك، فأمره أن يصوم ثلاثين يوما ويتطهر ويطهر ثيابه ويأتي إلى الجبل -جبل طور سينا- ليكلمه ويعطيه الكتاب، فصام ثلاثين يوما أولها أول ذي القعدة، وسار إلى الجبل واستخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، فلما قصد الجبل أنكر ريح فمه فتسوك بعود فأوحى الله إليه: أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك؟ وأمره أن يصوم عشرة أيام أخرى، فصامها، وهي عشر ذي الحجة، فتم ميقات ربه أربعين ليلة.

ففي تلك الليالي العشر افتتن بنو إسرائيل لأن الثلاثين انقضت ولم يرجع إليهم موسى، وكان السامري من أهل باجرمى، وقيل: من بني إسرائيل.

فقال هارون: يا بني إسرائيل إن الغنائم لا تحل لكم، والحلي الذي استعرتموه من القبط غنيمة، فاحفروا حفرة وألقوه فيها حتى يرجع موسى فيرى فيه رأيه، ففعلوا ذلك، وجاء السامري بقبضة من التراب الذي أخذه من أثر حافر فرس جبرائيل، فألقاه فيه فصار الحلي عجلا جسدا له خوار، وقيل: إن الحلي ألقي في النار فذاب فألقى السامري ذلك التراب فصار الحلي عجلا جسدا له خوار، وقيل: كان يخور، ويمشي، وقيل: ما خار إلا مرة واحدة ولم يعد، وقيل: إن السامري صاغ العجل من ذلك الحلي في ثلاثة أيام، ثم قذف فيه التراب، فقام له خوار، فلما رأوه قال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى وتركه ههنا وذهب يطلبه، فعكفوا عليه يعبدونه، فقال لهم هارون: ياقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري، فأطاعه بعضهم وعصاه بعضهم، فأقام بمن معه ولم يقاتلهم. ولما ناجى الله تعالى موسى قال له: وما أعجلك عن قومك ياموسى قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري. فقال موسى: يا ربي هذا السامري قد أمرهم أن يتخذوا العجل.

موسى عليه السلام يطلب أن يرى ربه:

ثم إن موسى لما كلمه الله تعالى أحب أن ينظر إليه قال: رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين. وأعطاه الألواح فيها الحلال والحرام والمواعظ.

عودة موسى إلى قومه وشأنه مع السامري:

عاد موسى ولا يقدر أحد أن ينظر إليه، وكان يجعل عليه حريرة نحو أربعين يوما، ثم يكشفها لما تغشاه من النور، فلما وصل إلى قومه ورأى عبادتهم العجل ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه ولحيته يجره إليه، قال ياابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي. فترك هارون وأقبل على السامري، وقال: فما خطبك ياسامري قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس. ثم أخذ العجل وبرده بالمبارد وأحرقه، وأمر السامري فبال عليه، وذراه في البحر.

بنو إسرائيل والتوبة:

لما ألقى موسى عليه السلام الألواح ذهب ستة أسباعها وبقي سبع، وطلب بنو إسرائيل التوبة  فأبى الله أن يقبل توبتهم وقال لهم موسى: ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم، فاقتتل الذين عبدوه والذين لم يعبدوه، فكان من قتل من الفريقين شهيدا، فقتل منهم سبعون ألفا، وقام موسى، وهارون يدعوان الله، فعفا عنهم وأمرهم بالكف عن القتال وتاب عليهم، وأراد موسى قتل السامري فأمره الله بتركه وقال: إنه سخي، فلعنه موسى.

ثم إن موسى اختار من قومه سبعين رجلا من أخيارهم، وقال لهم: انطلقوا معي إلى الله فتوبوا مما صنعتم، وصوموا، وتطهروا. وخرج بهم إلى طور سينا للميقات الذي وقته الله له. فقالوا: اطلب أن نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله ودخل فيه موسى، وقال للقوم: ادنوا، فدنوا حتى دخلوا في الغمام، فوقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه، فلما فرغ انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فماتوا جميعا. فقام موسى يناشد الله تعالى ويدعوه ويقول: يارب، اخترت أخيار بني إسرائيل وأعود إليهم وليسوا معي فلا يصدقونني. ولم يزل يتضرع حتى رد الله إليهم أرواحهم فعاشوا رجلا رجلا ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون. فقالوا: يا موسى أنت تدعو الله فلا تسأله شيئا إلا أعطاكه، فادعه يجعلنا أنبياء. فدعا الله فجعلهم أنبياء.

وقيل: أمر السبعين كان قبل أن يتوب الله على بني إسرائيل، فلما مضوا للميقات واعتذروا قبل توبتهم وأمرهم أن يقتل بعضهم بعضا، والله أعلم.

ولما رجع موسى إلى بني إسرائيل ومعه التوراة أبوا أن يقبلوها ويعملوا بما فيها للأثقال والشدة التي جاء بها، وأمر الله جبرائيل فقطع جبلا من فلسطين على قدر عسكرهم، ورفعه فوق رءوسهم مقدار قامة الرجل مثل الظلة، وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم البحر من خلفهم، فقال لهم موسى: خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به، وإلا رضختم بهذا الجبل وغرقتم في هذا البحر وأحرقتم بهذه النار. فلما رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا ذلك وسجدوا على شق وجوههم وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنة في اليهود يسجدون على جانب وجوههم وقالوا: سمعنا وأطعنا.

ولما رجع موسى من المناجاة بقي أربعين يوما لا يراه أحد إلا مات، وقيل: ما رآه إلا عمي، فجعل على وجهه ورأسه برنسا لئلا يرى وجهه.

قصة بقرة بني إسرائيل:

إن رجلا من بني إسرائيل قتل ابن عم له ولم يكن له وارث غيره ليرث ماله وحمله وألقاه بموضع آخر، ثم أصبح يطلب دمه عند موسى من بعض بني إسرائيل، فجحدوا فسأل موسى ربه، فأمرهم أن يذبحوا بقرة، فقالوا: أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين المستهزئين. فقالوا له: ما هي؟ ولو ذبحوا بقرة ما لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم، وإنما كان تشديدهم لأن رجلا منهم كان برا بأمه وكان له بقرة على النعت المذكور فنفعه بره بأمه، فلم يجدوا على هذه الصفة المذكورة إلا بقرته، فباعها منهم بملء جلدها ذهبا، فلما سألوا موسى عنها قال إنها بقرة لا فارض ولا بكر يقول: لا كبيرة ولا صغيرة نصف بين السنين. قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين، قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا، قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها -يعني لا عيب فيها، وقيل لا بياض فيها- قالوا الآن جئت بالحق. وطلبوها فلم يجدوا إلا بقرة ذلك الرجل البار بأمه، فاشتروها، فغال بها حتى أخذ ملء جلدها ذهبا، فذبحوها وضربوا القتيل بلسانها، وقيل: بغيره، فحيي وقام وقال: قتلني فلان. ثم مات.

* الدروس والعبر من قصة موسى عليه السلام:

لقد أطال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام ما لم يطل في قصص غيره من الأنيباء؛ لما في قصته من دروس وعبر عظيمة، يستفيد منها العلماء الربانيون، والدعاة المربون، والأئمة المصلحون، والناس أجمعون، فقد تضمنت قصة موسى عليه السلام في القرآن الكريم في أحداثها المختلفة ووقائعها المتعددة جملة من الدروس والعبر والعظات، هذه الآيات لا يستفيد منها إلا المؤمنون العاقلون العالمون، كما قال الله عز وجل: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت:43]، أي: الذين عندهم علم وعقل، وقال الله تعالى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [القصص:3]، أما القوم الذين لا يؤمنون فيظنون أنها قصة كسائر القصص التي يسمعونها!، ولعلنا نقف على بعض هذه الدروس والعبر والعظات فيما يلي:

أولاً: قصة موسى عليه السلام -وكذلك قصص غيره من الأنبياء- تدعو كل مسلم في كل زمان ومكان إلى المداومة على ذكر الله تعالى في كل موطن بقوة لا ضعف معها، وبعزيمة لا فتور فيها.

ثانياً: أن الله سبحانه إذا أراد أمراً هيَّأ أسبابه، ويسر له وسائله، وأن رعايته إذا أحاطت بعبد من عباده صانته من كل أعدائه، مهما بلغ مكر هؤلاء الأعداء وبطشهم. فرعاية الله لموسى جعلته يعيش بين قوى الشر والطغيان آمناً مطمئناً، إن قصص الأنبياء تبدأ في بادئ الأمر بسيطة، لكن الله عز وجل لا بد أن يظهر أولياءه، ويزيل الطواغيت على يد أناس كانوا مغمورين في المجتمع، فيوسف عليه الصلاة والسلام ينهي الحكم في مصر، ويتولى هو حكم مصر، وقد خرج من البئر، أما موسى عليه الصلاة والسلام فيلقى رضيعاً في تابوت في نهر النيل، ثم بعد ذلك يسقط أكبر طغيان على وجه الأرض مرت عليه مدة طويلة من الزمن.

إذاً: هذه حكمة الله عز وجل، لا نستبعد النصر من الله عز وجل، ولو ضعفت البوادر والإرهاصات، فإن الله عز وجل غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إن قصة موسى تبدأ من قول الله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص:5]، وتنتهي بقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف:137]، هذه هي النهاية.

فعلينا أخذ العظة والعبرة من قصة موسى مع فرعون؛ لأن الحديث عن الأمم السابقة إنما هو من أجل أن تأخذ هذه الأمة درساً مدى الحياة؛ حتى لا تيأس من روح الله من ناحية، وحتى تأخذ بأسباب القوة والتقدم من ناحية أخرى، والله عز وجل يقول في الحديث القدسي: (من تقرب إليّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، ومن تقرب إليّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)، هذا هو حكم الله عز وجل في هذه البرية، ولذلك فإن القصة عجيبة، تبدأ من طفل يُلقى في النهر، يقول الله عز وجل: {فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} [القصص:7]، مع أن القاعدة: أنه إذا خفتِ عليه أدخليه داخل الغرفة وأغلقي عليه الباب، وأسدلي الأستار حتى لا يُعرف.. لكن هنا تحدٍ (أَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ)، مع أن هذا اليمّ -الذي هو نهر النيل- ينتهي بقصر فرعون، يعني: لو انقطع هذا الحبل كما حدث لانتهى في قصر فرعون، ولكن هذا كله من باب التحدي، قال تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} [القصص:8]. وليعلم أن قضاء الله عز وجل وقدره نافذ مهما اتخذت الاحتياطات ضد هذا القضاء والقدر.

ثالثاً: أن الأخيار من الناس هم الذين في شتى مراحل حياتهم يقفون إلى جانب المظلوم بالتأييد والعون، ويقفون في وجه الظالم حتى ينتهي عن ظلمه، وينهضون لمساعدة كل محتاج، وهم الذين يقفون إلى جانب الحق والعدل ومكارم الأخلاق في كل المواطن، وأمام جميع الأحداث. فلقد أعطى الله موسى عليه الصلاة والسلام قوة في جسده، ومع هذه القوة أعطاه قوة أيضاً في شخصيته، فكان يبحث دائماً عن إحقاق الحق وإبطال الباطل، فحينما يرى مظلوماً يسعى قدر استطاعته إلى أن يرفع الظلم عن المظلوم، وهكذا الداعية القوي يسعى لإقامة الحق وإحقاقه، ومجانبة الباطل وإبطاله وعدم نصرته بأي طريق من طرق النصرة.

رابعاً: أن الحق لن يَعْدَم له أنصاراً، حتى ولو كثر عدد المبطلين -المثال هنا مؤمن آل فرعون- وأن سنة الله أن لا يهدي إلى الحق والصواب من كان مسرفاً في أموره، متجاوزاً الحدود التي شرعها الله، ومن كان كذاباً في إخباره عن الله سبحانه.

خامساً: أن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ضحى الإنسان في سبيله بكل شيء، وأثر الإيمان عندما تخالط بشاشته القلوب الواعية يصنع المعجزات؛ فقد قال سحرة آل فرعون لفرعون عندما تبين لهم الحق الذي جاء به موسى: {لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض} (طه:72). قال الزمخشري: "سبحان الله ما أعجب أمرهم! قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين!".

سادساً: أن العقلاء الأخيار من الناس قد يختلفون في موقفهم من الأحداث التي تواجههم، وقد يتصرف كل واحد منهم التصرف الذي يراه متناسباً مع هذه الأحداث حسب اجتهاده، ولكن هذا الغير سرعان ما يعود إلى رأي صاحبه متى اقتنع به. المثال هنا موقف هارون عليه السلام من عبدة العجل، ومعاتبة موسى له.

سابعاً: أن سنة الله اقتضت في هذه الحياة أن يجعل نصره وثوابه في النهاية للأخيار من عباده، وأن يجعل خذلانه وعقابه للأشرار. وأن النصر يحتاج إلى تأييد من الله تعالى لعباده، وإلى توكل عليه وحده، وإلى عزيمة صادقة ومباشرة للأسباب التي توصل إليه. والمثال هنا نجاة موسى ومن معه، وإغراق فرعون ومن تبعه.

ثامناً: أن على الدعاة إلى الله أن يعتمدوا في دعوتهم أسلوب اللين والملاطفة، وأن يتجنبوا أسلوب الشدة والغلظة؛ فإن الله سبحانه أمر موسى -وهو من صفوة الله في خلقه- ألا يخاطب فرعون -وهو سيد العتاة والطغاة- إلا بالملاطفة واللين.

تاسعاً: منطق الطغاة في كل العهود أنهم يلجؤون إلى قوتهم المادية؛ ليحموا عروشهم وشهواتهم وسلطانهم، ففي سبيل هذه الأمور كل شيء عندهم مباح ومستباح. وشأنهم في كل عصر ومصر أنهم عندما يرون الحق قد أخذ يحاصرهم، ويكشف عن ضلالهم وكذبهم، يرمون أهله -زوراً وبهتاناً- بكل نقيصة ووضيعة {إن هؤلاء لشرذمة قليلون} (الشعراء:54).

عاشراً: أن الطغاة والظلمة في كل زمان ومكان يضربون الحق بكل سلاح من أسلحتهم الباطلة، ثم يزعمون بعد ذلك أمام العامة والبسطاء المغلوبين على أمرهم، أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل الحرص على مصالحهم!.

حادي عشر: أن الطغاة والجبابرة حين يدفعهم الحق، ويطاردهم الدليل الساطع، تأخذهم العزة بالإثم، فيأبون الرجوع إلى الحق. وأن الطغيان في كل عصر ومصر لا يعجبه منطق الحق والعدل، ولكن يعجبه التكبر في الأرض بغير الحق، وإيثار الغي على الرشد.

ثاني عشر: أن من عادة الطغاة أن يستخفوا بأتباعهم، ومن عادة الأتباع أن يطيعوا سادتهم وكبراءهم، ويتابعوهم على باطلهم وما يزينون لهم من الأعمال {قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد} (غافر:29)، {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين} (الزخرف:54).

ثالث عشر: أن الباطل قد يسحر عيون الناس ببريقه لفترة من الوقت، وقد يسترهب قلوبهم لساعة من الزمان، حتى ليخيل إلى الكثيرين الغافلين أنه غالب وجارف، ولكن ما إن يواجهه الحق الهادئ الثابت المستقر بقوته التي لا تُغَالب، حتى يزهق ويزول، وينطفئ كشعلة الهشيم، وإذا بأتباع هذا الباطل يصيبهم الذل والصَّغار، والضعف والهوان، وهم يرون صروحهم تتهاوى، وآمالهم تتداعى، أمام نور الحق المبين.

رابع عشر: أن منطق حاشية السوء على مر العصور أنهم يرون الدعوة إلى الله إفساداً في الأرض؛ لأنها ستأتي على بنيانهم من القواعد؛ ولأنها هي الدعوة التي ستحرر الناس من ظلمهم وجبروتهم، وتفتح العيون على النور الذي يخشاه الظالمون، ويتحاشاه الطاغون.

خامس عشر: أن كثيراً من الناس غافلون عن آيات الله الدالة على وحدانيته، وسادرون عن سنته المقتضية إهلاك كل ظالم جبار، وكل متكبر مختال.

سادس عشر: أن موقف الدعاة إلى الحق في كل العهود أنهم لا يلقون بالا لتهديد الظالمين، ولا يقيمون وزناً لوعيد المعاندين، بل يمضون في الطريق غير هيَّابين ولا وجلين، مستعينين بالله رب العالمين، ومسلِّمين قيادهم لأمره وقدره ومشيئته {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (يوسف:21).

سابع عشر: أن الدعاة إلى الحق يحتاجون في مقاومتهم لأهل الباطل إلى إيمان عميق، واعتماد على الله وثيق، وثبات يُزيل المخاوف، ويطمئن القلوب إلى حسن العاقبة.

ثامن عشر: أن مما يعين المؤمنين على النصر والفلاح أن يعتزلوا أهل الكفر والفسوق والعصيان إذا لم تنفع معهم النصيحة، وأن يستعينوا على بلوغ غايتهم بالصبر والصلاة، وأن يقيموا حياتهم فيما بينهم على المحبة الصادقة، وعلى الأخوة الخالصة، وأن يجعلوا توكلهم عليه وحده سبحانه، فإنه {نعم المولى ونعم النصير} (الأنفال:40).

تاسع عشر: أن من علامات الإيمان الصادق أن يكون الإنسان غيوراً على دين الله، ومن مظاهر هذه الغيرة أن يتمنى زوال النعمة من أيدي المصرِّين على الكفر بأنعم الله؛ لأن وجود النعم بين أيديهم سبب في إيذاء المؤمنين، وإدخال القلق والحيرة على نفوس بعضهم.

العشرون: أن الاعتصام بحبل الله المتين يجعل المستمسك به لا يبالي بوعيد الظالمين، ولا يخشى تهديد المتوعدين، ولا يتراجع أمام التهديد والوعيد عن تبليغ رسالة ربه.

الحادي والعشرون: أن باب التوبة والمغفرة مفتوح لمن رجع عن غيِّه، وعمل عملاً صالحاً يُرضي ربه، وواظب على طاعة خالقه، وداوم على نهج الاستقامة والرشاد.

الثاني والعشرون: إن  العلو والاستكبار الذي يصيب  الأفراد والأمم داء دوي، ومرض عضال، ونفسيات خبيثة مريضة، فهنا فرعون قال الله عنه: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا} [القصص:4]، فكان طغيانه سبب نهايته، وبنو إسرائيل أيضاً استكبروا في الأرض فكان ذلك سبب نهايتهم، فقد أعطى الله عز وجل موسى آيات كونية إضافة إلى التوراة والصحف، تسع آيات كل واحدة تكفي لإيمان البشر عامة إلى يوم القيامة، ومع ذلك هذه الآيات التسع ما نفعت بني إسرائيل، حتى أراد الله عز وجل لهم الطرد والإبعاد في هذه الحياة؛ ، وكذلك آل فرعون الذين جاءهم موسى عليه الصلاة والسلام بتسع آيات ما نفعتهم هذه الآيات، فكانت نهايتهم الغرق والدمار. ولذلك بنو إسرائيل بناءً على هذه الآيات التسع التي جاءت من أجل أن تكون دافعاً لهم إلى الإيمان ما زادتهم إلا عتواً ونفوراً، ولذلك بعد أن انحرفوا عن دين موسى عليه الصلاة والسلام أصبحوا أذل الأمم وأبعدها، أما هم فيظنون أن بينهم وبين الله عز وجل نسباً فيقولون: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة:18]، وليس بين أحد وبين الله عز وجل نسب، فالله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:3-4]، لكنه التمسك بهذا الدين، فمن تمسك بهذا الدين فإن الله عز وجل يعطيه من الكرامات التي لم يعطها أحداً من العالمين، لكن حينما ينحرف فإنه ليس هناك بينه وبين الله عز وجل عهد ولا نسب، فليعلم الناس أجمعون في أي مكان من الأرض وفي أي عصر أنها سنة الله عز وجل في هذه الحياة، فإذا انحرف الناس عن سنة الله عز وجل في هذه الحياة فإن الله تعالى يقول عن النار: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة:24]، أما الطرد والإبعاد من رحمة الله عز وجل في هذه الدنيا؛ فإنه مصير كل من ينحرف عن هذا الدين.

الثالث والعشرون: الإمامة لا تُنال إلا بالصبر واليقين، قال تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص:5]، أمة مستضعفة تتحول إلى أئمة، لكن متى تكون هذه الإمامة؟ بشرطين: الصبر واليقين، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة:24]، الأمم غير الموقنة.. غير المتأكدة من صحة المسار.. غير المقتنعة بالمنهج الذي تسير عليه لا تستطيع أن تصل إلى القيادة والريادة في هذه الحياة، الأمم التي لا تصبر نفسها، ولا تريد أن تتحمل المشاق في طريق هذه الحياة؛ لا تستطيع أيضاً ولا يمكن أن تحصل على قيادة هذه الحياة، أما هنا فالله تعالى يقول: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً} [القصص:5]، يتحول من مستضعف في الأرض إلى إمام، وحينما يكون إماماً عليه أن يعي الدرس الذي يكلف به، لا يعتبر الإمامة والسلطة منطلقاً لاستذلال الأمم، وإنما يعتبرها كما أخبر الله عز وجل عنها: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ} [الحج:41]، في أنفسهم وفي غيرهم، {وَآتَوُا الزَّكَاةَ} [الحج:41]، في أنفسهم وفي غيرهم. {وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ} [الحج:41]، هذه هي مقومات الإمامة، وهذه هي نتائج الإمامة في هذه الأرض، وهنا يقول: {وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ} [القصص:5]، الوارثون لمن؟ الوارثون للسلطان الذي سوف ينتهي عما قريب على يد هذا الطفل، الذي ولد وتربى في بيت فرعون، كما أخبر تعالى: {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} [الأعراف:137-138]، فجعل الله لهم خلاصاً ومنهجاً بعد أن أوقع الطاغية وجنوده شر موقع.

فحفظ الله ورعايته لأوليائه تتدخل مهما كان الأمر ومهما كانت قوى الشر والكيد والطغيان والمكر متعالية متغطرسة فرحة بقوتها وعدتها وعتادها، فهذا دين الله ودين الله باق، وهذا أمر الله وأمر الله غالب.

الرابع والعشرون: اتصاف موسى بصفة القوة والأمانة، وهما صفتا العامل الناجح الإيجابي المنتج المؤثر، فعلى الدعاة والمصلحين أن يتخلقوا بهاتين الصفتين إن أرادوا تغييرا في واقعهم، وصلاحا ونجاحا في حالهم ومآلهم، وبناء حضاريا عمرانيا يُحتذى به ودورا رياديا تقدميا يجعلهم في أوائل  ومقدمات الأمم بدلا من ذيولها وأواخرها.

* الدروس والعبر من قصة موسى وبقرة بني إسرائيل:

أولاً: تدل هذه القصة على ما جُبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة، وسوء أدب مع مرشديهم، وإلحاف في الأسئلة بلا موجب، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم به الرسل، ومماطلة في الانصياع للتكاليف، وانحراف في الطريق المستقيم.

ثانياً: دلالتها على صدق النبي محمدٍ صلى الله عليه وسلم؛ فقد أخبر بهذه القصة الواقعية، التي لم يشهد أحداثها بما أوحاه الله إليه، وهذا الإخبار من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، كما أنها تدل على صدق نبوة موسى عليه السلام، وأنه رسول ربِّ العالمين.

ثالثاً: دلالتها على أن التنطع في الدين، والإلحاف في المسألة يؤديان إلى التشديد في الأحكام؛ لأن بني إسرائيل لو أنهم عَمَدوا من أول الأمر لفعل ما أُمروا به لقُضي الأمر، ولكنهم شددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم.

رابعاً: دلالتها على قدرة الله تعالى؛ فإن إحياء الميت عن طريق ضربه بقطعة من جسم بقرة مذبوحة دليل على قدرة الله تعالى على الإحياء والإماتة، وما هذا الضرب إلا وسيلة كشف للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته تعالى، التي لا يدرون كيف تعمل، فهم يرون آثارها الخارقة، ولكنهم لا يعرفون كنهها وحقيقتها.