معنى الاسمين:

الرحمن الرحيم كما يقول الإمام الغزالي: "اسمان مشتقان من الرحمة". وقد عدَّ بعض العلماء اسم الرحمن: اسم الله الأعظم لقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [سورة الاسراء: 110].

والحقيقة أن الرحمة التي نراها في الكون ما هي إلا تجسيد لاسم الرحمن.

ورد اسم (الرحمن) في القرآن الكريم (57) مرة، وورد اسم (الرحيم) (114) مرة.  و(الرحمن) أشدّ مبالغة من (الرحيم).

الفرق بين اسمي الرحمن والرحيم:

قال بعض العلماء: الرحمن في ذاته، اسم من أسماء ذاته والرحيم في أفعاله، وذكر ابن القيم في بدائع الفوائد [14/1] ذلك حين جعل الرحمن دال على صفة ذاتية، والرحيم دال على صفة فعلية، فــ(الرحمن) دالٌ على الصفةِ القائمة به سبحانه، و(الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} [النساء:29] ولم يجيء قط "رحمن بهم"، وبعضهم قال الرحمن في الدنيا والآخرة، والرحيم في الدنيا، وبعضهم قال: الرحمن رحمة عامة بجميع المخلوقات والرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين كقوله تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}[الأحزاب:43].

و"المفهوم من الرحمن نوعا من الرحمة هي أبعد من مقدورات العباد: بالإيجاد أولا، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيا، وبالإسعاد في الآخرة ثالثا، والإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعا".

فاسم (الرحمن) يتضمن معنى الإنعام بما لا يتصور صدور جنسه من العباد، و(الرحيم) يتضمن معنى الإنعام بما يتصور صدور جنسه من العباد. ولذا (لا يُطلق الرحمن إلا على الله تعالى من حيث أن معناه لا يصح إلا له)، بخلاف الرحيم الذي هو (وصف يدل على الفعل الذي تقع المشاركة فيه، ولذلك وصف نفسه بأنه أرحم الراحمين).

المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين اسمي الله {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}:

اجتمع اسمي الله {الرَّحِيمِ} و {الرَّحْمنِ} في القرآن الكريم (6) مرّات.

فما المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين الاسمين؟

الجمع بين {الرَّحْمنِ} و {الرَّحِيمِ} دال على كمال رحمته سبحانه تعالى وشمولها من جهة، وخصوصها من جهة أخرى، كما قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 156] أو للجمع بين الصفة وأثرها زيادة في التأكيد.

تأملات حول رحمة الخالق سبحانه وتعالى:

* الرحمة تستدعي مرحوماً كما أن العلم يقتضي المعلوم، والرحمة تقتضي المرحوم ولا مرحوم إلا وهو محتاج، الإله لا يكون مرحوماً، هو راحم، أما المخلوق فهو مرحوم لأنه ضعيف، ولأنه عاجز، ولأنه فقير، لأن قيامه ليس بذاته بل قيامه بغيره، إذاً هو مرحوم، والعبد مرحوم لأنه عبد، والرب راحم لأنه رب، وأيُّ إنسان خرج عن دائرة العبودية ينسى أنه في حاجة ماسة إلى رحمة الله عز وجل، ما دمت عبداً فأنت مُفتقر إلى الله عز وجل، ما دمت عبداً فلا بد من أنك بحاجة إلى الرحمة، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم.

* هناك رحمةٌ عامة، وهناك رحمةٌ خاصة، الرحمة العامة ما أصابت المُستحق وغير المُستحق، يعني أحياناً تهطل أمطار غزيرة، هذه الأمطار تُفيد الناس جميعاً، فهذه الرحمة العامة، لكن الرحمة الخاصّة لا ينالُها إلاّ المُستحق.

ولنضرب مثلاً يُقرِّب المعنى، أب له خمسة أولاد، كل هؤلاء الأولاد يأكلون الطعام على المائدة، وكلهم يلبسون ثياباً، وكلهم ينامون على أَسرّة وثيرة وفي غُرف دافئة، الأب يُعطي كل أولاده بالتساوي فرحمته عامة، لكن أحد هؤلاء الأولاد على قُرب شديد من الأب فهو يبر أباه براً شديداً وإخلاصه لأبيه ملموس، وذو وفاء متميز، فالأب أحياناً يَخُصّ هذا الابن بأشياء خاصّة، ولله المثل الأعلى، فأن يتجلّى اللهُ على قلبك، وأن يملأ قلبكَ نوراً، وأن يُقرِبَكَ إليه، هذه رحمة خاصّة، هذه لا ينالُها إلا المُستحق، فلله في خلقه رحمة عامة ورحمة خاصة، الرحمة العامة ينالها كل الناس قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 126].

يعني أن تستمتع بالحياة، وأن تأكل ألذَّ الطعام، وأن تسكن في بيتٍ مريح، وأن تكون لك زوجة تروق لك، وأن يكون لك دخلٌ وفير، وأن تشعر أنكَ متفوق على الناس، فإيّاك أن تظن هذه رحمة، لأنَّ الله يُعطي الدنيا لمن يُحب ولمن لا يُحب، هذه رحمة عامة ينالُها كلُّ الناس، الإيثار أن يَخُصَكَ الله برحمةٍ خاصّة: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 22].

الرحمة الخاصّة أن يتجلّى الله على قلبك، فتمر عليك ساعة لا تعدلها الدنيا وما فيها.

اسأل نفسك هذا السؤال، عطاؤك من الله من أي نوع، قد يكون العطاء من نوع عطاء قارون {إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة أولي القوة} [القصص:76] وقد يكون عطاؤك من نوع عطاء فرعون، ولكن البطولة أن يكون عطاؤك من نوع عطاء سيدنا موسى، وسيدنا يوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [يوسف: 6].

هناك اجتباء، وهناك تقريب، وهناك مقعد صدق عند مليك مقتدر، وهناك نور يقذفه الله في قلبك، فترى به الخير خيراً والشر شراً، هناك شعور أن الله يحبك، هناك مشاعر لو وزعت على أهل بلد لأسعدتهم، هذه الرحمة الخاصة، يعني قد يعطيك المال ويجعل قلبك ممتلئاً بالقلق، قد يعطيك الصحة وتكون أشقى الناس، قد يبوئك أعلى مكانة في المجتمع ولا تكون عند الله مقبولاً، حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا معاذ بن جبل كما أخرج ابن أبي شيبة وعبدالله بن أحمد في زوائد المسند عن أبي مسلم رضي الله عنه قال: لقيت معاذ بن جبل رضي الله عنه بحمص فقلت: والله إني لأحبك لله. قال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير رقم 640]، يعني إذا كانت لك مع الله مودة، سَهَرُ الليالي، غَضُّ البصر، إنفاق الأموال، حضور مجالس العلم، في هذه الأجواء الباردة والطرقات الصعبة، حينما تسعى بشدة على رجليك إلى مجلس علم، حينما تتفقد اليتامى والفقراء والمساكين في ظلمات الليل، حينما تشمر وتنهض للعمل الصالح، حينما تقدم شيئاً ثميناً لأخيك المؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام: (والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من اعتكاف في مسجدي هذا-مسجد المدينة- شهراً) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير، رقم 861].

هذه الجهود المتتابِعة، المتراكمة، الكثيرة المديدة، هذه الجهود تتوج بما يسميه العارفون بالله بتجليات، إذ يتجلى الله بها على قلبك فتشعر بالسعادة، لو جلست مع أناس مقطوعين عن الله عز وجل لرأيتهم مقهورين، لرأيتهم ضائعين، لرأيتهم شاردين، لرأيتهم حائرين، رأيت أمرهم فُرُطاً، رأيتهم متشككين، رأيتهم متشائمين، رأيتهم متمزقين، ترى الدنيا عندهم عريضة لكن الله حرمهم من سعادة القُرب.

وما أكثر ما ذكرت هذه الواقعة وكررتها: هذا الذي وقع في منزلق طفيف فوقع في الحجاب عن الله عز وجل، فصار ينتظر مصيبة بحسب ما يعلم، فلما تأخرت المصيبة ناجى ربه فقال: يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني، فوقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي!!!.

* (الرحمن الرحيم) ما أعظم هذين الاسمين اللذين نرى آثارهما في كل ما حولنا، هل تأملت في رحمة الله حولك، كم هي آثار رحمته عظيمة، إلا أن رحمته في الآخرة أوسع من رحمته في الدنيا بكثير، أخرج مسلم (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام، فبها يتعاطفون بها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخّر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) [أخرجه البخاري ومسلم] فالمحروم الحقيقي من حرم التسعة والتسعون جزءاً، وما أعظم جرمه الذي حرمه رحمة الله في الآخرة.

* (إن رحمتي سبقت غضبي) حديث قدسي أخرجه البخاري، قال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة، ولا يلحقه من الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك. الفتح [292/6].

* الرحمن الرحيم سبحانه، أرحم بعباده من الأم بولدها، فتعرض لرحمته التي وسعت كل شيء، وفي البخاري قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسقي، إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال رسول الله: (أترون هذه طارحة ولدها في النار؟) قلنا: لا، قال: ( لله أرحم بعباده من هذه بولدها) [أخرجه البخاري ومسلم] وفي رواية الإمام أحمد في المسند والحاكم: (ولا الله بطارح حبيبه في النار) جعلك الله من أحبابه.

* تأمل عظم رحمة الله التي أخبر بها جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال لي جبريل لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيّ فرعون مخافة أن تدركه الرحمة) [أخرج الإمام أحمد برقم 2203 ، والحاكم في مستدركه رقم 7635].

* تأمل آثار رحمة الله، محمد رحمة {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء:107] ومن أسمائه (نبي الرحمة)، والقرآن رحمة {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين} [الإسراء:82] والعلم رحمة {آتيناه رحمة من عندنا} [الكهف:65] والمطر رحمة {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ماقنطوا وينشر رحمته} [الشورى:28] وعطفك على ولدك رحمة، وبرك لوالديك رحمة، والجنة رحمة، كما في الحديث القدسي (أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي) [أخرجه البخاري ومسلم]. فتأمل في آثار رحمة الله من حولك، سبحانه ما أرحمه.

* أوسع المخلوقات عرش الرحمن، وأوسع الصفات رحمته، فاستوى على عرشه الذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء، تأمل {الرحمن على العرش استوى} [طه:5].

* لا يليق بمن يؤمن بالرحمن الرحيم أن يقنط من رحمته، مهما تعاظم ذنبه وكبرت معصيته، فما بينه وبين رحمة ربه التي وسعت كل شيء أحد، تأمل {قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} [الزمر:53] وفي الحديث الصحيح: (ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل نازع الله رداءه فإن رداءه الكبر وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله، والقنوط من رحمته) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، وابن حبان في صحيحه].

* لا يرحم الله من لا يرحم الناس، وأعظم أنواع الرحمة رحمة العصاة الواقعين في أسر الشيطان، فإذا رأيت أحدهم فادع له بالهداية، فلعل هذه الدعوات توافق بابا مفتوحا في السماء فيستجيب الله الدعاء ويصلح حال ذلك العبد، وقد مر أبو الدرداء رضي الله عنه على رجل قد أصاب ذنبا، فكانوا يسبونه، فقال : أرأيتم لو وجدتموه في قليب ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم واحمدوا الله الذي عافاكم، قالوا: أفلا تبغضه؟ قال: إنما أبغض عمله فإذا تركه فهو أخي، فأخذ الرجل يبكي وأعلن توبته.

* أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن تفرقت ديارهم وأبدانهم، وأهل معصيته أهل فرقه وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم، تأمل: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} وفي الحديث الحسن (الجماعة رحمة والفرقة عذاب) [أخرجه عبدالله بن أحمد في زوائد المسند، برقم 19370]، وفي الترمذي (يد الله مع الجماعة).

* تأمل ما قاله مؤمن آل ياسين لقومه المشركين: {إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون}، فاختار هذا الرجل الصالح اسم (الرحمن) من بين أسماء الله تعالى إشارة إلى أن الضر إذا أتى فإنما هو من (الرحمن)، ويصير الأمر الذي ظاهره الضر في حقيقته رحمة، وخيرا للمؤمن لأن الرحمن لا يصدر عنه إلا الرحمة واللطف والبر {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا}.

* رحمة الله تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك، ألا ترى الأم تحرم صغيرها بعض ما تشتهيه نفسه لعلمها أن هلاكه فيه، وفي الحديث الذي أخرجه الحاكم، وصححه الألباني: (إن الله عز وجل ليحمي عبده المؤمن الدنيا وهو يحبه، كما تحمون مريضكم الطعام والشراب) [أخرجه أحمد في مسنده برقم 23671].

* احذر أسباب اللعن وموجباته، لأن اللعن معناه الطرد والإبعاد من رحمة الله -أعاذك الله منها- فإذا مر بك في القرآن أو صحيح السنة (لعن الله) ابتعد واستعذ، ومن الأمثلة {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم* أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}.

* الصلاة والرحمة: الصلاة أعظم رحمة من الله لعباده المؤمنين، صلة بين العبد وربه، سلوة له وأنس بخالقه، فمن ذا الذي يأذن لرعيته أن يلجوا عليه في اليوم مرات عديدة، قال أبو بكر المزني: من مثلك يا ابن آدم! خُلِّيَ بينك وبين المحراب، كلما شئت دخلت على الله عز وجل، وليس بينك وبينه ترجمان. ثم إنه أذن لعبده أن يرفع له حوائجه في أي وقت شاء، بأي أمنية شاء، بأي لغة شاء، فأي رحمة أعظم من هذه الرحمة!!.

* "من أعطى اسم الرحمن حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلأ وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب وأدرك أولو الألباب منه أمراً وراء ذلك" ابن القيم.

طرق تحصيل رحمة الله:

من أراد رحمة الله فليأت بأسبابها، وطرق تحصيلها، ومنها:

1- الإيمان بالله والتقوى: قال تعالى {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً} (النساء:175)، وقال تعالى في شأن التقوى {واتقوا الله لعلكم ترحمون}.

2- الإحسان والدعاء: قال تعالى {وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين}.

3- الاستماع للقرآن: قال تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}.

4- طاعة الله ورسوله: قال تعالى {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون}.

5- الأماكن التي تغشاها رحمة الله، وتحفها ملائكته، وينزل على أصحابها سكينته، مجالس الذكر، فمن أراد رحمة الله لن تخطئه في مجلس ذكر، وفي صحيح مسلم: (وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) [أخرجه مسلم].

6- زيارة المريض: ما أجمل أن يقودك التأمل في اسم (الرحمن الرحيم) إلى رحمة مريض أقعده المرض ومن ثم زيارته، لأن من عاد مريضا غمرته الرحمة، وفي الحديث الصحيح: (إذا عاد الرجل أخاه المسلم مشى في خرافة الجنة -أي: ثمرها- حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح) [أخرجه ابن ماجه والإمام أحمد في مسنده].

7- رحمة الخلق: الرحمة كمال في الطبيعة تجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى، وبقدر ما يرحم العبد خلق الله يرحمه الرحمن الرحيم، وفي الحديث الحسن: (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) [أخرجه أبو داود والترمذي].

8- يوم عرفة: هو يوم رحمة، فيه أكمل ربكم دينه، وأتم نعمته، وما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النار من يوم عرفة،  وفي الموطأ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رُئيَ الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى فيه من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رؤي يوم بدر) [أخرجه الإمام مالك في الموطأ] فاسأل الله لك الرحمة، ولا تنس إخوانك من دعائك.

9- رحمة البهائم: رحمة الله تدرك العبد ليس برحمته للآدميين فحسب، بل إن رحمته للبهائم سبب من أسباب رحمة الله له، وفي الحديث الصحيح: "قال رجل: يا رسول الله! إني لأذبح الشاة فأرحمها، قال: (والشاة إن رحمتها رحمك الله) [أخرجه البزار في مسنده، والبخاري في الأدب المفرد] قالها مرتين، وفي الحديث الآخر: (من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والبخاري في الأدب المفرد].

10- الحلق في المناسك: هنيئا لمن وفقه الله للحج أو العمرة، فقد دعا له  رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحمة، وفي الحديث المتفق عليه: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله المحلقين), قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: (رحم الله المحلقين) قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: (رحم الله المحلقين) قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: (والمقصرين) [أخرجه البخاري ومسلم].

11- الصبر على البلاء: قال تعالى {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون* أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة}.

12- الكلام بخير أو السكوت: وفي الحديث الصحيح: (رحم الله عبدا تكلم فغنم، أو سكت فسلم) [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان].

13- الصلاة قبل العصر أربعا: وفي الحديث الحسن: (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا) [أخرجه أبوداود والترمذي].

14- الاستغفار: قال على لسان صالح {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل:46].

15- التوبة: قال تعالى {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (الأنعام: 54)

16- الجهاد والهجرة في سبيل الله: قال {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218].

17-الإحسان: قال تعالى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف).

18- الإنفاق في سبيل الله: قال تعالى {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة:99 ).

19- الإصلاح بين المسلمين (إصلاح ذات البين): قال تعالى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10).

20- الائتلاف والجماعة: قال تعالى {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ ربك} (هود: 118-119)، وثبت في السنة أن الجماعة رحمة، فعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ «مَنْ لَمْ يَشْكُرِ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرِ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ وَتَرْكُهَا كُفْرٌ وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ» [أخرجه الإمام أحمد في المسنده برقم 18472].

21- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر: قال تعالى {والْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:71)

* بعض الآثار السلوكية لهذين الاسمين على العبد:

1- إثباتهما اسمين لله عز وجل، فهما من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، وهي (الرحمة) صفة كمال لائقة بذاته كسائر صفاته العُلى، لا يجوز لنا أن ننفيها أو نعطلها لأن ذلك من الإلحاد في أسمائه.

2- إثبات ما دلاّ عليه من الصفات سواء تضمناً، (فالرحمن) دال على صفة الرحمة، وكذلك (الرحيم) دال على صفة الرحمة، الرحمن دال على الرحمة الذاتية الواسعة، والرحيم دال على الرحمة الفعلية الواصلة. أو ما دل عليه من باب اللزوم فهذان الاسمان دالاّن على القدرة والعلم والحياة والرزق والملك والرأفة والجود والكرم والخلق وغير ذلك من الصفات.

3- دعاء الله عز وجل بهذين الاسمين سواء دعاء مسألة أو دعاء عبادة.

4- التعبد لله بمقتضى هذين الاسمين: [التعبد لله المقصود به: ما يُحدثه الإيمان بهذا الاسم من عبادة قلبية]. والعبادة قد تكون أعمالاً ظاهرة بدنية، وقد تكون أعمالاً قلبية كالخوف والرجاء والمحبة والرغبة والرهبة ونحو ذلك. فالمقصود هنا هو ما يحدثه الإيمان بهذا الاسم من عبادة قلبية، فمن يؤمن بأن الله هو الرحمن الرحيم ماذا يُحدِث هذا الإيمان له من عبادة قلبية؟ يلجأ إلى الله عز وجل وينطرح بين يديه ويعلم أن الله أرحم به من نفسه التي بين جنبيه.

فالمؤمن برحمة الله يتعرض لرحمة الله جل وعلا ويسأل الله الرحمة، ويعلم أنه إن لم يرحمه الله عز وجل لن يرحمه الخلق، وأن الله جل وعلا يقول {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}.

5- معرفة سعة رحمة الله عز وجل {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} وقال النبي صلى الله عليه وسلّم في الحديث المتفق عليه: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عند العرش إنّ رحمتي تغلب غضبي) وفي رواية: (إن رحمتي سبقت غضبي) [أخرجه البخاري].

6- أن يتّصف الإنسان بالرحمة، فصفة الرحمة كما هي من أعظم صفات الباري تبارك وتعالى فإنها أيضا من أعظم صفات المؤمن، فينبغي على المؤمن ن يكون رحيما بعباد الله، شفوقا عليهم، محبا لهم، يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.

والرحمة من الأخلاق العظيمة التي حثّ الله عباده على التخلق بها ومدح بها أشرف أنبيائه ورسله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ من حولك} ومدح النبي صلى الله عليه وسلّم أبا بكر بذلك فقال: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر) [أخرجه الترمذي وابن ماجه] وقال صلى الله عليه وسلّم: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) [أخرجه البخاري] وفي رواية: (لا يرحم الله من عباده إلاّ الرحماء)، وقال أيضا: (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) [أخرجه البخاري ومسلم]، وعن عائشة رضي الله عنها كما في الصحيحين قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبّلون صبيانكم؟ يسألون النبي صلى الله عليه وسلّم، فقال: نعم، فقالوا: لكنا والله لا نقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوَ أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة)، وفي رواية: (أوَ أملك إن كان الله نزع من قلبك الرحمة) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده].

فالرحمة خُلق عظيم شريف، والشقي هو الذي نزعت من قلبه الرحمة.

7- العزم عند سؤال الرحمة وعدم تعليق ذلك بالمشيئة: قال النبي صلى الله عليه وسلّم: (لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت وليعزم المسألة فإن الله لا مستكره له). وفي رواية: (وليعزم مسألته إن الله يفعل ما يشاء لا مُكره له) [أخرجه البخاري ومسلم، ومالك في الموطأ] يعني: إذا دعوتم الله فاعزموا بالدعاء، أي يعزم الإنسان ولا يتردد لا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت ولا يقول لصاحبه: غفر الله لك إن شاء الله حفظك الله إن شاء الله، لأن هذا يعتبر من الاستثناء وعدم العزيمة، كأنه يقول: إن شئت فاغفر لي وإلا فأنا مستغن عن ذلك أو كأنه يقول: لا أريد أن أكرهك على المغفرة لي أو على الرحمة، وهذا لا يليق في جانب الله عز وجل، لأن الله لا مكره له يفعل ما يشاء جل وعلا، هو الغني الذي لا تنقصه نفقة. إذا فيعزم الإنسان المسألة ويسأل الله من رحمته ويتعرّض لهذه الرحمة ويقول اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

8- التعبد باسم الله الرحمن يورث إحسان الظن به تعالى، فترى المؤمن تنزل به البلية فيرتقب ما بعدها من اليسر والنعمة التي سيحمدها، لإيمانه بأنها من الرحمن، تأمل فيما سمى به رسول الله الطاعون (رحمة) لينبثق الأمل لكل مبتلى، وفي البخاري: عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون؟ فأخبرها نبي الله صلى الله عليه وسلم: (إنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء، فجعله الله رحمة للمؤمنين، فليس من عبد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرا يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر الشهيد) [أخرجه البخاري].

* لا يزال العبد يلتمس رضا ربه في مأكله ومشربه وحركته وجميع أمره، حتى يكرمه الله بمحبته، وتغشاه رحمته، وفي الحديث الصحيح: (إن العبد ليلتمسُ مرضاةَ اللَّه، ولا يزالُ بذلك، فيقول اللَّهُ عزَّ وجلَّ لجبريل: إن فلانًا عبدي يلتمس أن يرضيني، ألا وإن رحمتي عليه، فيقول جبريل: رحمة اللَّه على فلان، ويقولها حملة العرش، ويقولها من حولهم حتى يقولها أهل السماواتِ السبعِ، ثم تَهبِطُ له إلى الأرض" [أخرجه الإمام أحمد في المسند]، فالتمس رضا الله في جميع أمرك.

* التخلق بخلق الرحمة:

إن الكلام الذي أوردناه سابقا يفتقر إلى من يحوله إلى سلوكيات نابضة بالحياة، إذ لا قيمة للكلام دون العمل، وما نقصده هو المنهج العملي للتربية على الرحمة في عقدة القلب والضمير، وسلوكا بين الناس نتراحم به فيما بيننا.

فكيف نربي أنفسنا على الرحمة؟

أولاً: القلب محل الرحمة:

1- التخلية:

مقصود ذلك أن القلب لابد من تفريغه أولاً من ضد صفة الرحمة ألا وهو القسوة، فإن القلب القاسي ينفر من الرحمة على اعتبارها خور وضعف، فتجد عينه من الدمع قاحلة، ومشاعر قلبه من الرأفة على خلق الله ماحلة، فلابد من تهذيب القسوة، وذلك باستخدامها في مواضعها المشروعة في الكتاب والسنة، أما الأمور التي تعين على ذلك:

- المعرفة بالله والتعرف على أسمائه وصفاته في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، وبالأخص أسماء القهر والعظمة والجبروت.

- معرفة عاقبة القسوة والقساة في الكتاب والسنة.

- الدعاء بأن يتوب الله على العبد، ويستعيذ بالله من قلبٍ لا يخشع ومن عين لا تدمع.

- تذكر الموت وما بعده من أهوال القيامة وما أعد للقساة.

- زيارة القبور والتفكر في حال أهلها.

- النظر في آيات القرآن الكريم.

- تذكر الآخرة والتفكر في القيامة وأهوالها.

- الإكثار من الذكر والاستغفار.

- مجاهدة النفس ومحاسبتها ومعاتبتها، وذلك بمعرفة حقيقة النفس أولاً، ثم المشارطة ثم المحاسبة ثم المعاتبة.

- زيارة المعوزين كالأيتام والأرامل والمساكين فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ لَهُ: (إِنْ أَرَدْتَ تَلْيِينَ قَلْبِكَ فَأَطْعِمْ الْمِسْكِينَ وَامْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ) [أخرجه الإمام أحمد في المسند].

- زيارة المرضى وبالأخص حالات الحروق والسرطان، لا سيما أقسام الأطفال والحالات الحرجة.

- قراءة قصص ونهايات القساة والظالمين وسماع محاضرات في الموضوع.

فإذا خلى القلب من أدران القسوة، وانقشعت غيومها، فقد آذن لسحائب الرحمة بالمطر، ودموع الخشية بالهطل، وللقلب أن يتدثر بالرأفة، ويستشعر بالغ الحنان، ويتحلى بالرحمة.

2- التحلية:

أن يتخلق بخلق الرحمة، واعلم أن (الرحمة التي يتصف بها العبد نوعان:

النوع الأول: رحمة غريزية، قد جبل الله بعض العباد عليها، وجعل في قلوبهم الرأفة والرحمة والحنان على الخلق، ففعلوا بمقتضى هذه الرحمة جميع ما يقدرون عليه من نفعهم، بحسب استطاعتهم. فهم محمودون مثابون على ما قاموا به، معذورون على ما عجزوا عنه، وربما كتب الله لهم بنياتهم الصادقة ما عجزت عنه قواهم.

والنوع الثاني: رحمة يكتسبها العبد بسلوكه كل طريق ووسيلة، تجعل قلبه على هذا الوصف، فيعلم العبد أن هذا الوصف من أجلِّ مكارم الأخلاق وأكملها، فيجاهد نفسه على الاتصاف به، ويعلم ما رتب الله عليه من الثواب، وما في فواته من حرمان الثواب؛ فيرغب في فضل ربه، ويسعى بالسبب الذي ينال به ذلك. ويعلم أن الجزاء من جنس العمل. ويعلم أن الأخوة الدينية والمحبة الإيمانية، قد عقدها الله وربطها بين المؤمنين، وأمرهم أن يكونوا إخواناً متحابين، وأن ينبذوا كل ما ينافي ذلك: من البغضاء، والعداوات، والتدابر.

فلا يزال العبد يتعرف الأسباب التي يدرك بها هذا الوصف الجليل ويجتهد في التحقق به، حتى يمتلئ قلبه من الرحمة، والحنان على الخلق. وياحبذا هذا الخلق الفاضل، والوصف الجليل الكامل.

وهذه الرحمة التي في القلوب، تظهر آثارها على الجوارح واللسان، في السعي في إيصال البر والخير والمنافع إلى الناس، وإزالة الأضرار والمكاره عنهم.

وعلامة الرحمة الموجودة في قلب العبد: أن يكون محباً لوصول الخير لكافة الخلق عموماً، وللمؤمنين خصوصاً، كارهاً حصول الشر والضرر عليهم. فبقدر هذه المحبة والكراهة تكون رحمته. وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وكذلك رحمة الأطفال الصغار والرقة عليهم، وإدخال السرور عليهم من الرحمة.

ومن الرحمة: رحمة البهائم والحيوانات، ومن ذلك ما هو مشاهد مجرب، أن من أحسن إلى بهائمه بالإطعام والسقي والملاحظة النافعة، أن الله يبارك له فيها. ومن أساء إليها: عوقب في الدنيا قبل الآخرة، فالإنسان ينبغي عليه أن يسترحم فيُرحم.

وهناك أمور للرحمة جلابة منها على سبيل المثال لا الحصر:

1- المعرفة بالله والتعرف على أسمائه وصفاته في الكتاب الكريم والسنة المطهرة، وبالأخص أسماء الدلالة على الرحمة والبر والإحسان واللطف.

2- معرفة فضل الرحمة والرحماء في الكتاب والسنة.

3- الدعاء بأن يرزقك الله قلبا رحيما، ولسانا لينا، ووجها بشوشا هينا.

4- مخالطة ومعرفة الصالحين من الرحماء والطيبين.

5- مطالعة ودراسة أخبار وأحوال الرحماء.

6- علاج القسوة.

فنسأل الله أن يجعل في قلوبنا رحمة توجب لنا سلوك كل باب من أبواب رحمة الله، ونحنو بها على جميع خلق الله، وأن يجعلها موصلة لنا إلى رحمته وكرامته، إنه جواد كريم.