مصادر ومراجع الموضوع الرئيس:

الرحمن الرحيم - د. نوال العيد.

الرحمن الرحيم – موقع د. محمد راتب النابلسي.

سلسلة شرح أسماء الله الحسنى - منتديات الصفوة.

رياض النعيم في ظل اسم الرحمن الرحيم - سلطان علي.

مواقع مختلفة على الشبكة العنكبوتية.

للاستزادة:

عنوان الكتاب
المؤلف
تحميل
 فتح رب السماء في شرح معاني الأسماء (رياض النعيم في ظل اسم الرحمن الرحيم) سلطان علي
تفسير أسماء الله الحسنى الشيخ عبدالرحمن السعدي
مقدمة "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان" الشيخ عبدالرحمن السعدي

 

المقالات:

اسم الله : الرحمن الرحيم

ماجد بن أحمد الصغير 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاس مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ، وأِشهد أن محمداً عبده ورسوله الرحمة المهداة إلى الثقلين الموصوف بكونه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، أرسله الله رحمة للعالمين ، وحجة على العاملين ،ومنارة للسائرين ، فانقسم الناس بدعوته إلى مرحومين مهتدين ، وأشقياء محرومين ، صلى الله وسلم وبارك عليه في الأولين والآخرين ، وعلى أصحابه وأتباع دينه بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد .

فإن من رحمة الله بالناس أنّ تجاوزَه عن خطايا عباده يسبق مؤاخذته لهم ، وأنّ رحمته تغلب غضبه عليهم ؛ ولذا كان الله هو الإله الحق لا إله غيره هو الرحمن الرحيم وهو خير الراحمين {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ } ، { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين } .

وقد حدثنا الله عن نفسه في كتابه ، وعرفنا بأنه ذو الرحمة التامة التي لا تدانيها رحمة، رحمة شاملة لجلائل النعم وأصولها ، رحمة شملت أرزاق الناس ، ومصالحهم ، وعمتهم كلهم ، مؤمنهم وكافرهم ، برهم و فاجرهم .

ولم تقتصر رحمته بهؤلاء على هذا فحسب بل شملت ما تحيا به قلوبهم وتزكو به نفوسهم فبرحمته تزول الكروب وتستر العيوب وتضيء القلوب . فحياتهم قائمة بإذنه ، وأرزاقهم مكنونة في غيبه ، وبقائهم رهن مشيئته وأمره ، ومن ثم فإنه لا حول ولا قوة لهم إلا بقوته وحوله ، فهو الملك وهو الرحمن الذي استوى على عرشه ، ودبر أمر الخلائق في ملكه ، فلا يستغني عنه في الحقيقة مؤمن أو كافر ، قال تعالى :{الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيراً} . ورحمة الله لا تقتصر على المؤمنين فقط ؛ بل تمتد لتشمل ذريتهم من بعدهم ؛ تكريما لهم ، كما قال تعالى في نبأ الخضر والجدار :{وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} فالإيمان بالله والعمل بطاعته وتقواه من أهم أسباب الرحمة الخاصة ، قال تعالى : {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} ، وقال :{وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون} .

 

رحمة الله الشاملة

إن الله سبحانه موصوف بسعة الرحمة التي طوت جميع الوجود ووصلت إلى كل موجود ، فحيثما أشرق شعاع من علمه المحيط ، أشرق معه شعاع من رحمته بحسب ما تقتضيه علمه وحكمته . وقد خص المؤمنين منها ، بالنصيب الأوفر، والحظ الأكمل ، قال تعالى: {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون}، وبهذا يثني عليه الخاصة من ملائكته ،{ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ } .

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : (قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة من السبي تبتغي إذا وجدت صبياً في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟) قلنا: لا والله ، وهى تقدر على أن لا تطرحه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لله أرحم بعباده من هذه بولدها ) .[رواه مسلم]

وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال : (لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد لو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة) [رواه مسلم] .

وقال صلى الله عليه وسلم: «ولما خلق الخلق كتب في كتابه فهو عنده : إن رحمتي سبقت غضبي» [رواه البخاري ومسلم]. فهي كالعهد لكل الخليقة بالرحمة لهم والعفو عنهم ، والتروِّ والإمهال لهم .

ولعلك تقول : ما معنى كونه تعالى رحيماً ، وكونه أرحم الراحمين ، والرحيم لا يرى مبتلى ومضروراً ومعذباً ومريضاً ، وهو يقدر على إماطة ما بهم إلا ويبادر إلى إماطته . والرب سبحانه وتعالى قادر على كفاية كل بلية ، ودفع كل فقر وغمة ، وإماطة كل مرض وإزالة كل ضرر ، والدنيا طافحة بالأمراض والمحن والبلايا ، وهو قادر على إزالتها جميعها ،وتارك عباده ممتحنين بالرزايا والمحن .

فجوابك : أن الطفل الصغير قد ترق له أمه فتمنعه عن الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهراً والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب ، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته وأن الأم له عدو في صورة صديق فإن الألم القليل إذا كان سببا للذة الكثيرة لم يكن شرا بل كان خيرا .

وتحت هذا الغطاء سر منع الشرع عن إفشائه فاقنع بالإيماء ولا تطمع في الإفشاء ولقد نُبهت بالرمز والإيماء إن كنت من أهله فتأمل لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي هذا حكم الأكثرين وأما أنت أيها الأخ المقصود بالشرح فلا أظنك إلا مستبصراً بسر الله عز وجل في القدر مستغنياً عن هذه التحويمات والتنبيهات [ينظر : المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ،لأبي حامد الغزالي 1/64].

 

شواهد رحمـة الله :

إن كل ما يراه الإنسان من الإنعام والإحسان ومن شواهد التدبير والتصريف الإلهي فهو من شواهد رحمة الله عز وجل ، فكل ما هو مشاهد ومغيب من النعم والإحسان والكرم الفضل كل أولئك من آثار رحمتـه ومن ذلك :

نعمة إرسال النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن ؛ولذا قال سبحانه : {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْأِنْسَانَ* علمه البيان} . وهذه النعم أعظم من إنزال المطر وإنبات الزرع وتسخير الكون : الليل والنهار ، والشمس والقمر ،لأن إنزال القرآن رحمة لأن بها يحصل حياة الأرواح والقلوب .

ومن أعظم شواهد رحمة الله تعلم القرآن ولهذا نزلت سورة كاملة بهذا الاسم سورة «الرحمن» ابتدأت بهذا الاسم: {الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علَّمه البيان} فهذه ثلاثة من أعظم النعم فنعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد ، كلها من رحمته سبحانه ، وليس للإنسان فيها يد .

 

ومن شواهد الرحمة :

السكينة التي يجدها المؤمنون في معية ربهم فما دام المؤمن مع الله فإن رحمة الله وعنايته تصحبه ، ولو كان في غار مظلم موحش فالفتية أصحاب الكهف سألوا ربهم أن يصيبهم برحمته {إذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً}، {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً} . فإذا الغار الموحش المظلم يغدو فسيحاً مضيئاً ، وإذا الكهف الكئيب يصبح مع العيش طيباً سعيداً!

إنها رحمات الله سبحانه ونفحاته تهون تلك الوحشة ، وتفسح ذلكم الضيق .

 

 

الرحمن الرحيم

د. محمد راتب النابلسي 

مع الاسم التاسع والعشرين من أسماء الله الحسنى والاسم هو الرحمن الرحيم، وقد عدَّ بعض العلماء هذا الاسم: اسم الله الأعظم لقوله تعالى:

﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً(110)﴾

(سورة الإسراء)

 والحقيقة أن الرحمة التي نراها في الكون ما هي إلا تجسيد لاسم الرحمن ولابد أولاً من بعض التفاصيل وبعض التعريفات المتعلقة بهذين الاسمين ليتضح الفرق بين الاسمين منذ البدء، ولعل أحداً يسأل هذا السؤال: ما الفرق الدقيق بين الرحمن وبين الرحيم ؟ على كُلٍ سيأتي هذا تفصيله في ثنيات عرض الموضوع.
 الرحمن الرحيم كما يقول الإمام الغزالي: " اسمان مشتقان من الرحمة ".

 

 والرحمة تستدعي مرحوماً كما أن العلم يقتضي المعلوم، والرحمة تقتضي المرحوم ولا مرحوم إلا وهو محتاج، الإله لا يكون مرحوماً هو راحم، أما المخلوق فهو مرحوم لأنه ضعيف، ولأنه عاجز، ولأنه فقير لأن قيامه ليس بذاته بل قيامه بغيره، إذاً هو مرحوم، والعبد مرحوم لأنه عبد، والرب راحم لأنه رب، وأيُّ إنسان خرج عن دائرة العبودية ينسىَ أنه في حاجة ماسة إلى رحمة الله عز وجل، وهؤلاء الذين قالوا استغنينا عن رحمة السماء من قبل، جاءتهم سبع سنوات عجاف، مادمت عبداً فأنت مُفتقر إلى الله عز وجل، ما دمت عبداً فلا بد من أنك بحاجة إلى الرحمة، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير.
 الشخص الذي تنقضي بسببه حاجة المُحتاج، من غير قصد أو إرادة وعناية بالمُحتاج، لا يُسمى رحيماً، قد تنقضي حاجتك عن طريق شخص فهذا الشخص ما أراد أن يرحمك، ولا يريد أن يرحمك ولن يريد أن يرحمك، لكنه بشكل أو بآخر جاءت الرحمة عن طريقه من دون أن يدري، وهذه الجهة، ولو أنَّ الرحمة جاءتك عن طريقها، لا تُسمى رحيماً لأن من لوازم الرحيم أنه يريد أن يرحم، لذلك قالوا: " رب ضارّة نافعة ".
 أي أحياناً يوجد شخص يسوق الله لك الخير على يديه وهو لا يريد، بل هو يريد أن يوقع بك الأذى لكن الله سبحانه وتعالى يجعل هذه الإرادة الخبيثة في صالحك، إذاً الشيء الذي تنقضي بسببه حاجة المُحتاج من غير قصد ولا إرادة ولا عناية بالمُحتاج هذا الشيء لا يُسمى رحيماً. من عناصر الرحمة أن فاعلها يُريد الرحمة، هذا ينقلنا إلى موضوع دقيق هو أنك أحياناً لِسبب ما لا تريد أن ترحم، فلست رحيماً، أجل، لست رحيمـاً إلا إذا أردت وفعلت.
 إذاً: والذي يدعي أنه يريد قضاء حاجة المُحتاج ولا يقضيها إن كان قادراً على قضائها لا يسمى رحيماً، لأنه لم يقضِها، ولو أراد إذاً وتمّت الإرادة لوفّى بها، وإن كان عاجزاً فقد يُسمى رحيماً باعتبار هذا الشعور الإنساني لكن هذه الرحمة ناقصة لأنها لم تتوج بالعمل.
 إذاً من خلال هذا التعريف الدقيق أنت لن تكون رحيماً أي لن يرضى الله عنك ولن تكون عِندَ الله مقبولاً، ولن تكون عند الله محظياً، ولن يرفعك الله في درجات القُرب إلاّ إذا أردت وفعلت، أردت أن ترحم الناس وفعلت ما أردت، لذلك قالوا: "المعروف بالتمام ".
 أحياناً تُعَزِّ مصاباً وتتباكى أمامه وتُعبّر عن مشاعرك الإنسانية ولا تُقَدّم شيئاً وهو مصاب، فما قيمة هذه المشاعر ؟ وما قيمة هذه الأحاسيس؟ وما قيمة هذه الدموع ؟ ما قيمة هذه المصافحة الحارة إن لم تقدم له شيئاً ؟ ما الذي يأسر قلبه ؟ إحسانُك.. أعرف أشخاصاً آخرين توفي والدهم وأتي الأقرباء الأغنياء ليعزوهم وليقدموا لهم أحرَّ المشاعر وأشدَّ المشاعر حُزناً وفي النهاية انصرفوا إلى بيوتهم وما قدّموا شيئاً.
 فلذلك هذه المشاعر التي يُحِسُ بها الإنسان إن لم يتبَعْهَا عمل طيّب مع القدرة عليه لا قيمة لها، فقيمتها بما يتبَعْهَا من عمل طيب، هذه المشاعر لا قيمة لها ولا يُؤخذ بها يوم القيامة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ))

(سنن النسائي)

 أي أنَّ هذه العبارات الحارة هذه العبارات الرنانة، العبارات الدافئة إن لم يتبَعْهَا بذل وعطاء وعناية فلا قيمة لها، أحياناً يأتي الابن لزيارة أمه يُقبّل يدها ويُقبّل قدمها وينصرف إلى بيته وإلى أولاده وإلى زوجته ولا يُقدّم لأُمِهِ شيئاً إلا هذه العبارات المعسولة، هذا العمل لا يُعتدُّ به لأنه مبني على موقف ذكي وليس موقفاً فيه تضحية مادية.
 قال العلماء: إنما الرحمة التامة أن تُفيض عطاءك على المُحتاج، أن تريد وأن تفعل حتى تُسمى رحيماً، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( تخلقوا بأخلاق الله ))

 الله سبحانه وتعالى رحيم، يعني إذا أمَّنت حاجات الناس، مثلاً لك أقرباء أسبغت عليهم، أعطيتهم مما أعطاك الله عز وجل، قدّمت لهم بعض الحاجات في أوقاتها المناسبة، في أيام الشِدة كنت معهم، فهذا الذي يرقى بك عند الله عز وجل.
 الآن: هُناك رحمةٌ عامة، وهناك رحمةٌ تامة، الرحمة التامة ما توافرت فيها الإرادة والعمل، الرحمة العامة ما أصابت المُستحق وغير المُستحق، يعني أحياناً تهطل أمطار غزيرة، هذه الأمطار تُفيد الناس جميعاً، فهذه الرحمة العامة، لكن الرحمة الخاصّة لا ينالُها إلاّ المُستحق.
 أضرب لكم مثلاً يُقرِّب المعنى، أب له خمسة أولاد، كل هؤلاء الأولاد يأكلون الطعام على المائدة، وكلهم يلبسون ثياباً، وكلهم ينامون على أَسرّة وثيرة وفي غُرف دافئة، الأب يُعطي كل أولاده بالتساوي فرحمته عامة، لكن أحد هؤلاء الأولاد على قُرب شديد من الأب فهو يبر أباه براً شديداً وإخلاصه لأبيه ملموس، وذو وفاء متميز، فالأب أحياناً يَخُصّ هذا الابن بأشياء خاصّة.
 يعني كما قال الله في الحديث القدسي:

(( عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ))

 مؤمن، وغير مؤمن تأكل وتشرب وتستمتع بالطعام والشراب والماء البارد والدفء والبرودة والمناظر الطبيعية، وتستمتع بالأهل والأولاد، وفي كل بيت أولادٌ صغار، والآباء يستمتعون بأبنائهم الصغار بحركاتهم وسكناتهم ولكن أن يتجلّى اللهُ على قلبك، وأن يملأ قلبكَ نوراً، وأن يُقرِبَكَ إليه، هذه رحمة خاصّة، هذه لا ينالُها إلا المُستحق، فلله في خلقه رحمة عامة ورحمة خاصة، الرحمة العامة ينالها كل الناس قال تعالى:
 

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)﴾

(سورة البقرة)

 يعني أن تستمتع بالحياة، وأن تأكل ألذَّ الطعام، وأن تسكن في بيتٍ مريح، وأن تكون لك زوجة تروق لك، وأن يكون لك دخلٌ وفير وأن تشعر أنكَ متفوق على الناس، فإيّاك أن تظن هذه رحمة، لأنَّ الله يُعطي الدنيا لمن يُحب ولمن لا يُحب، هذه رحمة عامة ينالُها كلُّ الناس:

((عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك))

 تأكل وتشرب وتستمتع بالأهل والأولاد والطعام والشراب والبيت المريح والدفء والمكانة والسُمعة، والتألُّق والنجاح، والتفوق، فليسَ هذا إيثاراً في الحقيقة، الإيثار أن يَخُصَكَ الله برحمةٍ خاصّة:
 

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)﴾

(سورة يوسف)

 الرحمة الخاصّة أن يتجلّى الله على قلبك، فتمر عليك ساعة لا تعدلها الدنيا وما فيها، يقول عليه الصلاة والسلام: لي ساعة مع ربي لا يسعني فيها نبي مرسل ولا ملك مقرب، أبيت عند ربي يطعمني ويسقينِ.
 أيها الأخ الكريم: اسأل نفسك هذا السؤال، عطاؤك من الله من أي نوع، قد يكون العطاء من نوع عطاء قارون، إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم، وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحة لتنوء بالعصبة أولي القوة، وقد يكون عطاؤك من نوع عطاء فرعون، ولكن البطولة أن يكون عطاؤك من نوع عطاء سيدنا موسى، وسيدنا يوسف:
 

﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(6)﴾

(سورة يوسف)

 هناك اجتباء، وهناك تقريب وهناك مقعد صدق عند مليك مقتدر وهناك نور يقذفه الله في قلبك، فترى به الخير خيراً والشر شراً هناك شعور أن الله يحبك، هناك مشاعر لو وزعت على أهل بلد لأسعدتهم، إنّ رجلاً من إخواننا الكرام ذهب لأداء فريضة الحج ولما عاد، قال لي كلمة وأظنه صادقاً فيما يقول: قال لي: والله ليس في الأرض من هو أسعد مني.. مبالغة، إلا أنه قال إلا أن يكون أحدٌ أتقى مني، وهو فقير ولا يملك من الدنيا سوى نقير، ومع ذلك أقسم بالله أنه ليس في الدنيا من هو أسعد منه إلا أن يكون أحدٌ أتقى منه، هذه الرحمة الخاصة، يعني قد يعطيك المال ويجعل قلبك ممتلئاً بالقلق، قد يعطيك الصحة وتكون أشقى الناس قد يبوئك أعلى مكانة في المجتمع ولا تكون عند الله مقبولاً، حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا معاذ بن جبل قال:
 أخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن أبي مسلم رضي الله عنه قال: لقيت معاذ بن جبل رضي الله عنه بحمص فقلت: والله إني لأحبك لله. قال: أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((المتحابون في الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، هذا عطاء أن يحبك سيد الخلق " اِرْمِ سعد فداك أبي وأمي هذا خالي فليُرِني أحد خاله ))

 يعني إذا كانت لك مع الله مودة، سَهَرُ الليالي، غَضُّ البصر إنفاق الأموال، حضور مجالس العلم، في هذه الأجواء الباردة والطرقات الصعبة، حينما تسعى بشدة على رجليك إلى مجلس علم، حينما تتفقد اليتامى والفقراء والمساكين في ظلمات الليل، حينما تشمر وتنهض للعمل الصالح، حينما تقدم شيئاً ثميناً لأخيك المؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( والله لأن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا ))

 هذه الجهود المتتابِعة، المتراكمة، الكثيرة المديدة، هذه الجهود تتوج بما يسميه العارفون بالله بتجليات إذ يتجلى الله بها على قلبك فتشعر بالسعادة، لو جلست مع أناس مقطوعين عن الله عز وجل لرأيتهم مقهورين، لرأيتهم ضائعين، لرأيتهم شاردين، لرأيتهم حائرين، رأيت أمرهم فُرُطاً، رأيتهم متشككين، رأيتهم متشائمين، رأيتهم متمزقين، ترى الدنيا عندهم عريضة لكن الله حرمهم من سعادة القُرب.
 وما أكثر ما ذكرت هذه الواقعة وكررتها: هذا الذي وقع في منزلق طفيف فوقع في الحجاب عن الله عز وجل، فصار ينتظر مصيبة بحسب ما يعلم، فلما تأخرت المصيبة ناجى ربه فقال يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني، فوقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ ألم أحرمك لذة مناجاتي.
 هذه الجهود لها مردودها الطيب، فمثلاً شاب في مُقتبل الحياة من المسجد إلى البيت إلى العمل، بينما بقية الشباب في سهراتهم المنحطة وفي أفلامهم الخسيسة وفي مزاحهم الرخيص، وفي لعبهم للقِمار، وفي إطلاق كلمات السوء في الطرقات للفتيات، أنت من البيت إلى المسجد ومن العمل إلى المسجد، من تلاوة القرآن إلى حديث رسول الله، ومن خدمة زيد إلى خدمة عبيد، هذا الإنسان مع هذه الجهود الكبيرة، عندئذ يجعل الله قلبه مستقراً لأنواره.
 لذلك:

(( أولياء أمتي إذا رُؤوا ذكر الله بهم ))

 بمجرد أن تقع عينك على مؤمن صادق الإيمان يُحس الناظر برعشة في قلبه، كأنه تذكر الله عز وجل، هكذا قال عليه الصلاة والسلام.

(( أولياء أمتي إذا رُؤوا ذُكر الله بهم ))

 هذا الموضوع يُذكِرُنا بمعيّة الله العامة والخاصّة ما دُمنا قد تحدثنا عن رحمة الله العامة، العامة موجودة لجميع الناس، العامة أن تتنفس الهواء وتشرب الماء وتأكل الطعام، وتنام على فراش، والقلب منتظم والرئتان والكليتان، والعضلات والأعصاب والأولاد في البيت والزوجة والعمل، هذه رحمة عامة، هذه يستوي فيها المؤمن وغير المؤمن وقد تجد غير المؤمن متفوقاً كثيراً في هذه الأنواع على المؤمن، ولكن الرحمة الخاصة، حينما يُلقي الله في قلبك نوراً، حينما يُعلِّمُكَ الله، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه، حينما يُلهِمُكَ الله سواء السبيل، حينما يُلِهِمُكَ الله رشدك، حينما يُقيّض الله لك مَن حولك لتكون معهم في معيّة وفي صحبة طيبة، حينما يجعل الله بركة في مواقعه وعند أهل الحُفّاظ لا عند أهل الجحود، هذه رحمة الله عز وجل، هذا يذكرنا بمعيّة الله العامة ومعيّته الخاصة، وذكرت من قبل أن الله مع كل مخلوق كائناً من كان بدليل قوله تعالى:
 

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4)﴾

(سورة الحديد)

 مع المؤمن والكافر والمُلحد والشقي والسعيد والعاصي والطائع والخسيس والقذر والنظيف والطاهر، مع كل هؤلاء، لكن هناك آيات:
 

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123)﴾

(سورة التوبة)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153)﴾

(سورة البقرة آية 153)

﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾

(سورة المائدة)

 البطولة أن تنال معيّته الخاصة، والبطولة أن تنال رحمته الخاصة، الرحمة العامة، أنت كأب لو أن أحد الأولاد لا سمح الله ولا قدّر كان عاقّاً وقاسي الكلمات وحاد النظرات، هو متجهّم دائماً يرد الكلمة بعشر كلمات يأتي وقت الطعام تقول له بلسان المبغض: اجلس كُلْ، كُلْ لكني لا أحبك كُلْ، خُذْ ما تريد، خذ كل هذه الحاجات، لكن الابن البار نظرة حانية من أبيه لا تُقدّر بثمن، نظرة حانية منه، كلمة رضي الله عنك، هذه من قلب ممتن هذه لا يعدلها شيء، فلذلك أيها الإخوة القراء البطولة لا أن تنال رحمته العامة كأن تستنشق هواء وتأكل وتشرب وتنام وتتزوج وتعمل وتكسب المال، هذه قدر مشترك بين جميع الناس، لقول النبي الكريم:

(( إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب ))

 لكنَّ الشيء الذي يجب أن تسعى إليه هو رحمتَه الخاصة، بأن يُعلِمُكَ، وأن يُلقي في قلبك نوراً، وأن يُعلِمُكَ من تأويل الأحاديث، أن يُلهِمُكَ الحِكمة، أن تضع الشيء المناسب بالقدر المناسب في الوقت المناسب في المكان المناسب مع الشخص المناسب، قال تعالى:
 

﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)﴾

(سورة البقرة)

 أن يُعلِمَكَ وأن يُؤتيك الحكمة، وأن يرزُقُكَ طيباً، وأن يستعملك صالحاً، وما أكثر ما أذكّر أخوتي وجلسائي بالفكرة التالية:، إن رأيتُ إنساناً له عمل شريف يخدم به المسلمين أقول له: " إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك ".
 لك مهنة شريفة مشروعة، تخدم بها الناس، تتقاضى أجراً معتدلاً تنصحهم، هذا عمل شريف، وظفك الله في بعض الوظائف الدينية جعلك تعلم الناس التجويد، فهذا جميل، جعلك تعلم الناس الفقه فهذا أجمل جعلك تعلم الناس القرآن، وجعل الخير على يديك، فهذه قاعدة، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك.

 

 انظر عملك، هل أساسه الرحمة بالناس أم الإضرار بهم، أساسه بث الأمن في الناس أم سلب الأمن من الناس أساسه العطاء أم الأخذ، أساسه الطمأنينة أم القلق أساسه أن ترحم أم أن تقسو، فلذلك يعني هناك أشخاص لو عُرِضَ عليهم مبالغ فلكية، على أن يكونوا في أعمال تقوم على إيذاء الناس لا يرضون.. بل يقول: معاذَ الله، الله الغني، الله الكريم، أنا أعيش على آلام الناس أنا أبني مجدي على أنقاضهم، أأبني غناي على فقرهم وأبني طمأنينتي على قلقهم، وأبني حياتي على موتهم، معاذَ الله، الله الغني.
 إذاً: الرحمة الخاصّة مشروطة بالطاعة والمجاهدة وبذل المال ومعاونة الضعيف ورحمة اليتيم، ومعاونة الأرملة، وتفقّد الجيران وحضور مجالس العلم وغض البصر والذِكر والتلاوة، هذه قنوات تصلك من خلالها الرحمة الخاصّة وتشعر أنك إنسان متميّز، لك عند الله مكانة هذه المكانة تتبدى في اللُطف، وفي الحِفظ وفي الرعاية، لذلك قالوا معية الله الخاصة: النصر والتأييد والحفظ والتوفيق، تشعر بها، تلمسها بيديك فحينما يكون شخص أثيراً عند شخص ذي مكانة تراه يشعر بشعور عجيب كأنه فوق الناس جميعاً، فهو قريب من شخص مهم، وإذا التقطتْ له صورة بصحبة تلك الشخصية ازدهى نفْساً وتعاظمَ ويقول مثلاً البارحة كنا معاً على العشاء، فكيف إن كانت لك مع خالق الكون مودة ؟ قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً (96)﴾

(سورة مريم)

 كيف إذا كان اللسان طليقاً في ذكر الله، كيف إذا كان البيان ساطعاً في فهم كلام الله أو في تفسير كلام الله عز وجل، فيا أيها الإخوة القراء الكرام رحمة الله الخاصّة، تحتاج إلى مجاهدة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ))

 جهاد النفس والهوى..
 الآن هناك شيء سنسميه تحفّظاً ؛ الإنسان إذا رَحِمَ إنساناً يقول لك تمزَّق قلبي لمنظره وبؤسه، فقد ترى طفلاً صغيراً واقفاً على قارعة الطريق الساعة الحادية عشرة في البرد الشديد ليبيع الخُبز أو غيره، ألا تشعر برحمة ؟ ألا تُحِسُ بتمزّق ؟ أين أهله ؟ لعلهم محتاجون فالواجب التخفيف عن هؤلاء وهذه رحمة. إن المسلم إنسان يمتلئ قلبه بالرحمة ويدرك أنه من لا يَرحم لا يُرحم.. فإذا شعر رجل أنه سبب في شقاء الآخرين أو أنه يستطيع أن يخفف عن الآخرين آلامهم وبؤسهم ثم لم يفعل هذا الشعور يشقيه إلى الأبد...
 التعليق: الإنسان عندما يقف أمام حالة بائسة يُحِسُ أنه يكاد يتفطُّر قلبُهُ، يُحِسُ أنه يتمزق في أعماقِهِ، يُحِسْ بمشاعر رحمةٍ معينة، يا ترى رب العالمين، هل تعتريه هذه المشاعر، لا !! هو منزّه عن هذا لأنه إله، لكنه يرحم كل خلقه.
 والشيء الثاني: عندما الإنسان يرحم مخلوقاً معذّباً فإنما يرحمه حتى يُريح نفسه مما اعتراه من مشاعر منغصة، فهذا ضعف فيه، لكنَّ الله عز وجل يرحم لمصلحة المخلوق لا لمصلحة الراحم، نقطتان مهمتان يعني مشاعر الرحيم من بني البشر فالله سبحانه وتعالى مُنزّهٌ عن مثل هذه المشاعر، وحينما تندفع لرحمة مخلوق فاندفعك هذا كي تستريح، إذاً هذه الرحمة معلولة، أنت بهذا العطاء تبتغي راحة نفسك، لكنَّ خالق الكون يرحم مخلوقاته ليرحمهم، لا يرحمهم ليتخلّص من شعور محصن اعتراه لا... فالله عز وجل مُنزّه عنه.
 ثم إننا نلج باب موضوع دقيق جداً ؛ الفرق بين الرحمن والرحيم.
 فبعض العلماء قال: الرحمن في ذاته، اسم من أسماء ذاته والرحيم في أفعاله وبعضهم قال الرحمن في الدنيا والآخرة، على كلٍ القضية تحتاج إلى تفصيل وإيراد أمثلة، أُم وأب، وابن يده اسودّت، هذا مرض الموات وعلاجه قطع يد الابن، الأُم ترفُض أشدَّ الرفض أن تُقطَع يده، الأب يُصر أشدَّ الإصرار على قطع يده فأيهما أشدُ رحمة ؟ الأم تبكي وتصرخ، والأب ساكت مُصِرّ على قطع يده، لأن الأب عالم بالعقابيل والأم مُصِرَّة على عدم قطع يده، الحقيقة الأب أشد رحمة لأنه بهذا الضرر المحدود ينفع كامل البدن، فيخلصه من أن يسري الداء ويتفشى في سائر الجسم، أما الأم فرحمتها المؤقتة بابنها تكون قد أودت به وأوردته المهالك فمعنى رحمن:
 

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً (45)﴾

(سورة مريم آية 45)

 وهذا سؤال كبير جداً، يا أخي الله رحيم، وهذه الزلازل وهذه الفيضانات، وهذه المجاعات، وهذه الحروب الأهلية في العالم وهذا القهر وهذا الفقر وهذه الأمراض الخطيرة، يحتار في أمرها المرء ويذهل دونها فهذه كلها التي تؤذي عينك مصدرها من الرحمن، لأنَّ الرحمن يشمُل الدنيا والآخرة، الإنسان إذا مرض فهذا من مصائب الدنيا فقط ؛ فالفقر مُؤلم والمرض مُؤلم، والحرمان مُؤلم، والقهر مُؤلم، والذُلْ مُؤلم، أما إذا كان هذا الحرمان سبباً لعطاء مديد إذا كان هذا الإضرار سبباً لنفع طويل، إذا كان هذا القبض سبباً لبسط كثير، فهذا إذاً ضُرُّ لمنفعة لذلك إذا رأيت شيئاً أمراً مؤذياً فاعلم أن الله سبحانه وتعالى يَضُرّ لِينفع، ويأخُذ لِيُعطي ويبتلي لِيَجزي، ويُذِل لِيُعِز، ويقبض لِيَبسِط لذلك أجمل كلمة قالها بعض العارفين: " الشر المطلق لا وجود له في الكون ".

 

 ما معنى الشر المطلق ؟ الشر الذي يُبتغى لذاته.
 الأب الطبيب العالم الذي قلبه يمتلئ رحمة يصر على قطع يد ابنه، يتلافى الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، هذا المثل يجب أن يكون واضحاً جداً عند الإخوة القراء الأكارم؛ كل أنواع المصائب في الدنيا، كل أنواع الرزايا كل أنواع الابتلاء، هذا كله ضرر أقل تلافياً لضرر أشد هل هناك آية قرآنية تؤكد هذا المعنى، قال تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

(سورة السجدة)

 الله عزَّ وجل رحيم ورحمن، رحيم يمتعك بالصحة، رحيم يمنحك المال، رحيم يوفر المأوى، رحيم يبث فيك الراحة النفسية، لكنه رحمن ينظر إلى آخرتك فيأخذ بيدك للعمل الصالح، وينظر إلى هذه الحياة الأبدية لتسعد بها، التي سوف تحياها، ولمصلحة هذه الحياة الأبدية ربما يُذهب كل مالك.
 ذات مرةٍ قال لي شخص وأَقْسَم: أن له بيتاً تزيد مساحته عن خمسمائة متر، وله حدائق يقوم على أمرها والعناية بها موظفون وما أدخل إلى بيته فاكهة إلا بكميات كبيرة، وعنده طباخ وعنده خدم وعنده حشم وله ثلاث مركبات، وله تجارة واسعة وعنده معمل ألبسة، وبعد حين رأيته في بعض أحياء دمشق الفقيرة، قال أنا أنام على طاولة التفصيل وآكل من هذه العلبة، بلا صحن، كيف سُلب ماله كله.. قصة طويلة فإزاء هذه الواقعة هل نحن أمام رحمن أم رحيم ؟، رحمن، لأنَّ هذا الشيء لمصلحة آخرته، كان لا يصلي، وكان يشرب الخمر، ويعتدي على أعراض الناس باعترافه الشخصي، فأراد الله عز وجل أن يَرُدَّهُ إليه سلبه كل المال. واللهِ الذي لا إله إلا هو، كل قصة تسمعها، تُعد هي بنفسها قرآناً لأنه ماذا قال الله عز وجل:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

 فكأن هذه الحادثة تُجسّد هذه الآية، لذا أيها القارئ الكريم أن البطولة تأتي رَبَّك طوعاً، وأن تأتيه راغباً، وأن تأتيه مختاراً، وأن تأتيه بمبادرة منك، أن تأتيه وأنت صحيح، أن تأتيه وأنت شاب، أن تأتيه وأنت لك مكانة، أن تأتيه وأنت في وظيفتك لا بعد التقاعد، بعد أن ولّت الدنيا وأصبحتَ هرماً، يتنقل من مسجد إلى مسجد لعله يبحث عن مكان مريح، وأنت في كامل عافيتك البدنية والمالية أغدُ إلى بيت الله واسع إلى مرضاة اللهَ.
 رحمن الدنيا والآخرة، من أجل سعادتك في الآخرة قد يصرف عنك الدنيا كلها، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، لكن اُدع الله عز وجل أن يرزقك الدنيا والآخرة، والدعاء القرآني:
 

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾

(سورة البقرة)

 إنّ الله عز وجل يقول:
 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

(سورة النساء)

 إنّ الإمام الغزالي له كلمة رائعة جداً يقول:" لعلك تقول ما معنى كونه تعالى رحيماً وكونه أرحم الراحمين، والرحيم لا يرى مبتلى ولا مضروراً ولا معذباً ولا مريضاً وهو يقدر على إماطة ما بهم إلا ويبادر إلى إماطته، والرب سبحانه وتعالى قادر على كفاية كل بلية، ودفع كل فقر وغمة، وإماطة كل مرض، وإزالة كل ضر والدنيا طافحة بالأمراض والمِحن والبلايا، وهو قادر على إزالتها جميعها ".

 

 لماذا لا يفعل ؟.. هُنا السؤال.. كم مصيبة في الأرض، كم ضائقة، كم من حالات صعبة جداً والله قادر وبيده كل شيء، كُنْ فيكون، قال الجواب: إنَّ الطفل الصغير قد تَرُقُّ له أمه فتمنعه من الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهراً، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته، وأن الأم له عدو في صورة صديق.
 الرحيم مع الجهل عدو في صورة صديق، أحياناً يقول الأب لابنه سأدعه ينبسط، فبعَثُه إلى إنكلترا وأعطاه مائتي ألف، أب ميسور اذهب يا بني وانبسط، هذا عدو.. إذا عاد الابن زانياً أو عاد شارباً للخمر أو عاد وهو يحتقر أمَّته ويرى أن أولئك الذين كان عندهم هم الذين يحيون وحدهم في هذه الدنيا، وانتهى دينه إلى ضياع نهائياً، فهذا الأب عدو في صورة صديق، وكل إنسان يدعوك إلى أن تستمتع بالدنيا ولكن على حساب طاعة الله عز وجل فهذا عدو بصورة صديق.
 لذلك ربنا عز وجل يقسو أحياناً لمصلحة آخرتك، قد يقول قائل: مصيبة، نعم ؛ تصيب الهدف، وأنا أقول دائماً الله عز وجل إذا أراد أن يداوي مخلوقاً يعلم كيف يداويه ومن أي زاوية أرد يداويه، من المكان الصعب، من المكان الحرِج، من حيث هو مطمئن، يُؤتى الحذر من مأمنه، لا ينفع حذر من قدر.
 طبيبُ قلبٍ في أمريكا، عدَّ الجريَ هو الوقاية التامة للقلب وألَّفَ مقالات وأجرى محاضرات وهو يجري في اليوم ساعتين أو أكثر وكأن الجري هو إله يحميه من كل مرض، مات وهو يجري.
 الجري مفيد جداً، وليس هذا غلطاً، لكن حينما ألّهَ الجري وعدَّه هو السبب الكافي والشافي، فالله عز وجل خيّبَ ظنه.
 ترى أحياناً إنساناً باختصاصه يُصاب، ما هو السبب ؟ لأنه متَّكل على اختصاصه متَّكل على علمه، متَّكل على خبرته، فجاءه من مكان طمأنينته، من مكان أمنه.
 هذا الموضوع دقيق الدلالات جداً، الله سبحانه وتعالى خلقك للآخرة، لذلك يمكن أن يضحي لك بدنياك كلها، من أجل آخرتك، لكن أنت إذا كنت مُفلحاً وموفقاً اطلب منه، واضرع إليه أن يجمع لك بين الدنيا والآخرة، يعني إئته طوعاً، ارغب فيما عنده حتى يُطمئِنُكَ في الدنيا والآخرة هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

 إن الآية التالية يجب ألاّ تبرح أذهانكم أيها القراء الكرام اطلاقاً لا بنطوقها ولا بمضمونها:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

 فالله غني لماذا يُفقرك ؟ لماذا يُضيّق عليك إلا حُباً بك ورحمة بك ودفعاً بك إلى باب عبوديته.
 الكلمة اللطيفة كما قال بعضهم: الألم القليل إذا كان سبباً لِلذّةٍ دائمة ليس شراً بل هو خير.
 قالوا: الرحيم هو الذي يريد الخير للمرحوم، وليس في الوجود شر إلا وضمنه خير، شرٌ مطلق لا يوجد في الكون.
 مثلاً فتح البطن واللهِ عمل مزعج، إنسان أدخل المستشفى فأحضر الطبيب مشرطاً وذَبَحَ اللحم، نفر الدم، أخذتَ الملاقط، لقطتَ الأوعية كلها، أتيتَ بالمشدات شددْتها، دخلتَ للزايدة استأصلتها، هذا عمل ظاهره فيه قسوة ودماء، ولكن باطنه رحمة، لأنها إذا أهمل ثم انفجرت مشكلةٌ كبيرةٌ جداً، كالتهاب الزايدة فيبادر ذووه مباشرةً إلى المستشفى، أرحم الناس وأقرب الناس يقول: مباشرةً إلى المستشفى هناك فتح بطن، وقطع، ووصل، وخياطة، وتخدير، طبعاً هذه الرحمة ما دُمتَ تفهم أن كل المصائب التي تأتي هي من نوع فعل الطبيب الرحيم فأنت على حق.
 لذلك ؛ أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو وأنا أرحم بعبدي من الأم بولدها.
 وبعد، فقبل أن أختم البحث، هناك سؤال يلح علينا: إن خَطَرَ لك نوع من الشر لا ترى تحته خيراً، أو خَطَرَ لك أنّ تحصيل ذلك الخير كان ممكناً من دون اتباع أساليب الإيلام ؟ فماذا تفعل.
 إنْ رأيت مصيبة هينة وأمرها بسيط، وإذا بدا لك نوع من الشر لا ترى تحته خيراً أو خطر لك أنه كان من الممكن أن يكون هذا الخير من دون ذلك الشر ؟ ما الجواب.. قال العلماء: فاتَّهم عندئذٍ عقلك القاصر وقل أنا فهمي محدود وعقلي قاصر عن رؤية الغد، مستحيل أيها الإخوة مستحيل أن تكون مصيبةٌ بالأرض بلا سبب، أو بلا خير ضمني، أو بلا هدف نبيبل، أو بلا غاية عُظمى، لكن الشر المطلق لذات الشر فهذا شيء لا يُمكن أن يكون له وجود في الكون كله، فكل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع وإرادة الله عزَّ وجل مُتعلقة بالحِكمة المُطلقة وحِكمته مُتعلقة بالخير المُطلق، والدليل:
 

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

(سورة آل عمران آية 26)

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

 لم يقل والشر، الإعزاز خير، الإذلال خير إيتاء المُلك خير، سلب المُلك خير، أما إذا قلت إِن هذا الشر لا خير تحته أو لا خير وراءه، قالوا فإنّ: هذا مما تقصر العقول عن معرفته.
 

لقد أسمعت لو ناديت حيـــــاً  ولكن لا حياة لمن تنادي
ونار لو نفخت بها أضــــاءت  ولكن أنت تنفخ في رماد
***

 يعني إذا شخص آتاه الله عِلماً وبصيرةً وآتاه قُدرةً على تفسير المصائب تفسيراً يليق بذات الله عز وجل وأسمائه الحسنى، فهو راضٍ بقضائه وقدره، ويرى يد الله تعمل في الخفاء، ويرى يد الله فوق أيدي الناس، فإذا الإنسان ابتعد عن التوحيد يقع في آلام لا تُحتمل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا ))

(سنن الترمذي)

 إنّ الإنسان إذا لم يُوّحد يقع في شقاء لا نهاية له، والتوحيد ألاّ ترى مع الله أحداً، وأن ترى كل شيء ينتهي إلى خير،

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

 وأن تدعو الله عزَّ وجل أن يرحمك في الدنيا والآخرة، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.

 

والحمد لله رب العالمين

 

 

الرحمن الرحيم ..جلّ جلاله وتقدّست أسماؤه

سلسلة شرح أسماء الله الحسنى-منتديات الصفوة 

الرحمة صفة ذاتية لله ـ سبحانه وتعالى ـ،كتبها على نفسه وقال :
{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ}، رحمة شاملة واسعة كما قال ـ جل جلاله ـ:{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} ويدل عليها كثير من أسمائه وصفاته ـ سبحانه وتعالى ـ فهو الرحمن الرحيم وهو الرؤوف اللطيف ـ سبحانه وتعالى ـ.
ومن رحمته أن كتب على نفسه الرحمة، وأن جعل رحمته تغلب غضبه، قال ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: ( لما خلق الله تعالى الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه ، وهو وضع عنده على العرش : إن رحمتي تغلب غضبي ).
......................
ورود الاسمين في القرآن الكريم:ـ
ورد اسم (الرحمن) في القرآن الكريم (57) مرة، وورد اسم (الرحيم) (114) مرة. منها:
{الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (1) سورة الفاتحة
{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (5) سورة طـه
{تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (2) سورة فصلت
{هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (22) سورة الحشر
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} (37) سورة البقرة
{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (49) سورة الحجر
{ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} (6) سورة السجدة
....................
المعنى اللغوي:ـ
الرحمة هي الرقة والتعطف، والاسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة.
....................
معنى الاسمين في حق الله تعالى:
الرحمن والرحيم: اسمان مشتقان من الرحمة كما أسلفنا، فالرحمن ذو الرحمة الشاملة التي وسعت الخلق في أرزاقهم، وأسباب معاشهم ومصالحهم وعمت المؤمن والكافر والصالح والطالح. أما الرحيم فخاص بالمؤمنين كقوله تعالى:{وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}.
وهذان الاسمان يدلان على أنه ـ سبحانه وتعالى ـ راحم، وأن له رحمة ومرحوما. كما يدلان بالتضمن على وصفه ـ سبحانه وتعالى ـ بالحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام واللطف، وكذا وصفه بكل صفة لا يتم الفعل إلا بها.
و( المفهوم من الرحمن نوعا من الرحمة هي أبعد من مقدورات العباد : بالإيجاد أولا، وبالهداية إلى الإيمان وأسباب السعادة ثانيا، وبالإسعاد في الآخرة ثالثا، والإنعام بالنظر إلى وجهه الكريم رابعا) فاسم الرحمن يتضمن معنى الإنعام بما لا يتصور صدور جنسه من العباد، والرحيم يتضمن معنى الإنعام بما يتصور صدور جنسه من العباد. ولذا (لا يطلق الرحمن إلا على الله تعالى من حيث أن معناه لا يصح إلا له)، بخلاف الرحيم الذي هو (وصف يدل على الفعل الذي تقع المشاركة فيه ولذلك وصف نفسه بأنه أرحم الراحمين ).
....................
الفرق بين اسمي الله (الرحمن) و ( الرحيم):
الاسمان كما قلنا مشتقان من الرحمة و(الرحمن) أشدّ مبالغة من (الرحيم)، ولكن ما الفرق بينهما؟ هناك قولان في الفرق بين هذين الاسمين:
الأول: إنّ اسم (الرحمن) :هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة. و(الرحيم) :هو ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة واستدلوا بقوله تعالى: { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ}، وقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} ،فذكر الاستواء باسمه (الرحمن) ليعم جميع خلقه برحمته:
وقال: { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}. فخصّ المؤمنين باسمه (الرحيم).
ولكن يشكل عليه قوله تعالى: { إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
القول الثاني:
هو أنّ (الرحمن) دال على صفة ذاتية و(الرحيم) دال على صفة فعلية.
قال ابن القيّم رحمه الله: " إنّ (الرحمن) دال على الصفة القائمة به سبحانه، و(الرحيم) دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف والثاني للفعل.
فالأول دال على أنّ الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته"
وإذا أردت فهم هذا فتأمّل قوله: { وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} ، {إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ، ولم يجئ قط (رحمن بهم) فعلم أنّ (رحمن) هو الموصوف بالرحمة و(رحيم) هو الراحم برحمته. وهذه نكتة لا تكاد تجدها في كتاب وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم ينجل لك صورتها.
و(الرحمن) من الأسماء التي منع الله من التسمية بها كما قال: {قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى} ، فعادل به الاسم الذي لا يشركه في غيره وهو (الله).
وأمّا (الرحيم) فإنه تعالى وصف به نبيه ـ صلى الله عليه وسلّم ـ حيث قال: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}
فيقال: رجل رحيم. ولا يقال: رحمن.
قال ابن كثير: ((والحاصل أن من أسمائه تعالى ما يسمى به غيره ومنها مالا يسمى به غيره، كاسم الله والرحمن والخالق والرازق ونحو ذلك فلهذا بدأ باسم الله ووصفه بالرحمن لأنه أخص وأعرف من الرحيم، لأن التسمية أولاً تكون بأشرف الأسماء فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص)).

الرحمة الحقيقية
ومما ينبغي أن يعلم: أنّ الرحمة صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقّت عليها. هذه هي الرحمة الحقيقية. فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنّك.
فمن رحمة الأب بولده: أن يكرهه على التأدب بالعلم والعمل، ويشقّ عليه في ذلك بالضرب وغيره ويمنعه شهواته التي تعود بضرره، ومتى أهمل ذلك من ولده كان لقلة رحمته به، وإن ظن أنه يرحمه ويرفهه ويريحه.فهذه رحمة مقرونة بالجهل.
ولهذا كان من تمام رحمة أرحم الراحمين: تسليط أنواع البلاء على العبد، فإنها علم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنعه من كثير من أغراضه شهواته: من رحمته به، ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه، وامتحانه.
وقد جاء في الأثر: إن المبتلى إذا دعي له: اللهم ارحمه، يقول الله سبحانه: كيف أرحمه من سيء به أرحمه؟ وفي أثر آخر: إن الله إذا أحبّ عبده حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها، كما يحم أحدكم مريضه.
فهذا من تمام رحمته به لا من بخله عليه كيف؟ وهو الجواد الماجد، الذي له الجود كله، وجود جميع الخلائق في جنب جوده أقل من ذرة في جبال الدنيا ورمالها.
فمن رحمته سبحانه بعباده: ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي رحمة وحمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به، فهو الغني الحميد، و لا بخلا منه عليهم بما نهاهم عنه، فهو الجواد الكريم.
ومن رحمته: أن نغّص عليهم الدنيا وكدرها لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان، فمنعهم ليعطيهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم.
ومن رحمته بهم: أن حذّرهم نفسه، لئلا يغتروا به، فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به كما قال تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ} .
قال غير واحد من السلف: من رأفته بالعباد: حذرهم من نفسه، لئلا يغتروا به.

اقتران اسم الله (الرحيم ) بغيره من أسماء الله في القرآن الكريم
والمعنى الزائد من الجمع بينهم:

المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين اسمي الله {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ}:
اجتمع اسمي الله { الرَّحِيمِ} و {الرَّحْمنِ} في القرآن الكريم 6 مرّات ..
فما المعنى الزائد المستفاد من اجمع بين الاسمين؟
الجمع بين {الرَّحْمنِ} و {الرَّحِيمِ} دال على كمال رحمته ـ سبحانه تعالى ـ وشمولها من جهة، وخصوصها من جهة أخرى، كما قال تعالى:
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} أو للجمع بين الصفة وأثرها زيادة في التأكيد.
................
المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين اسمي {الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}:
اجتمع اسمي الله {الرَّحِيمُ}و{ الْعَزِيزُ}في القرآن الكريم 13 مرة ..
فما المعنى المستفاد من الجمع بين الاسمين؟
لله ـ عز وجل ـ صفة كمال من اسمه { الْعَزِيزُ}، وصفة كمال أخرى من اسمه {الرَّحِيمُ}.
واجتماع الوصفين يدل على صفة كمال ثالثة، وهي جريان عزّته ـ سبحانه وتعالى ـ على سنن الرحمة التي تستلزم إفاضة الخير والإحسان، وذلك أمر لا يتخّلف، سواء كانت آثار الرحمة ظاهرة، أم خفية.
...............
المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين اسمي الله {الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}:
اجتمع اسمي الله {الرَّحِيمُ} و {الْغَفُورُ} 7 مرّات ..
فما المعنى المستفاد من الجمع بين الاسمين؟
يشير الجمع بين هذين الاسمين من أسماء الله تعالى إلى الكرم الغامر، والفضل العميم، فإن كونه سبحانه {الْغَفُورُ} يقتضي تجاوزه عن الزلات، وإقالته العثرات، فإذا قُرن {الْغَفُورُ} بـ {الرَّحِيمُ} الذي ظهرت آثار رحمته نعمًا وآلاء غمرت الوجود ومن فيه، فه الفضل الذي ليس وراءه فضل، والإحسان الذي ليس بعده إحسان.
...............
المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين اسمي الله {التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}:
اجتمع اسمي الله {الرَّحِيمُ} و {التَّوَّابُ} في القرآن الكريم 6 مرّات ..
فما المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين الاسمين؟
توبة الله على العبد تكون بتوفيقه للتوبة، وقبول توبته حين يتوب، وكلا الأمرين يترتب عليه حسن العاقبة، والنجاة من سوء الحساب، وتلك رحمة خاصة، هي أثر من آثار اسم الله {التَّوَّابُ}.
فإذا قُرن {التَّوَّابُ} بـ {الرَّحِيمُ} دل على رحمتين، أولاهما خاصة والأخرى عامة واسعة، يدخل تحتها كل ضُروب الإحسان والإنعام، فذكر {الرَّحِيمُ} بعد {التَّوَّابُ} من قبيل الترقي في المدح والثناء.
..............
المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين اسمي الله ـ عز وجل ـ {الْبَرُّ الرَّحِيمُ}:
اجتمع اسمي الله {الرَّحِيمُ} و {الْبَرُّ} مرة واحدة ..
فما المعنى الزائد المستفاد من الجمع بين الاسمين؟
بر الله ـ عز وجل ـ بعباده الذي هو عبارة عن توالي منته، وتتابع إحسانه وإنعامه أثر من آثار رحمته الواسعة التي غمرت الوجود وتقلّب فيها كل موجود، وعن طريق تلك المنن الجزيلة، وذلك الإحسان العميم عرف العباد أن ربهم رحيم، فاقتران {الْبَرُّ} بـ {الرَّحِيمُ} لعله من اقتران المسبب بالسبب.
وتقديم {الْبَرُّ} على {الرَّحِيمُ} ابلغ في المدح والثناء بالترقي من الأخص إلى الأعم، ومن المسبب إلى السبب.
..............
وكذلك اقترن اسم الله الرحيم بأسماء أخرى مثل .. الودود وذلك مثل ما جاء في قوله تعالى:
{وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ}
وقترن كذلك باسم الله الرؤوف .. وذلك مثل ما جاء في قوله تعالى:
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}
وفي ذلك دلالة على غاية الكمال في الرحمة، إذ هي رحمة بود وحب وهذا خاص بالمؤمنين، رحمة فيها من صنوف البر والعطاء ما لا يخطر على قلب البشر، رحمة عظيمة واسعة شديدة إذ الرأفة شدة الرحمة.


من آثار رحمة الله في الكون
آثار رحمته مبثوثة في الكون والحياة وفي الخلق والأمر؛ فهو الذي عمت رحمته خلقه في جميع الأقطار؛ خلقهم وأنعم عليهم بالحياة والحواس والنعم العامة المتنوعة في أنفسهم التي لا يحصيها العد .
ومن آثار رحمته ما هيئ لهم من أسباب الاستقرار والمعيشة ؛ فبسط لهم الأرض ودحاها ، وبالجبال أرساها، وأخرج منها ماءها ومرعاها، وإن نضب ماءها وقل خيرها فبرحمته ينـزل المطر قال ـ سبحانه وتعالى ـ: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} فيبصروا من آثار رحمته حياة أرضهم ونبات زرعهم قال عزّ وجل : {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}.
حدثنا عن رحمته بقوله: {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
و من رحمته أرسل إلينا رسوله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ كما أخبرنا بذلك فقال : {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، وبرحمته أنزل علينا كتابه وعلمنا من الجهالة وهدانا من الضلالة وبصرنا من العمى وأرشدنا من الغي. وبواسع رحمته وعظيم فضله عرفنا بأسمائه وصفاته وأفعاله حتى عرفنا به أنه ربنا ومولانا.
وبرحمته أطلع الشمس والقمر وجعل الليل والنهار وبسط الأرض وجعلها مهادًا وفراشًا وقرارًا وكفاتًا للأحياء والأموات.
ومن رحمته سخّر لنا الخيل والإبل والأنعام وذللها منقادة للركوب والحمل والأكل الدر.
وبرحمته وضع الرحمة بين عباده ليتراحموا بها وكذلك بين سائر أنواع الحيوان، فهذا التراحم الذي بينهم بعض آثار الرحمة التي هي صفته ونعمته، واشتق لنفسه منها اسم (الرحمن الرحيم) وأوصل إلى خلقه معاني خطابه برحمته وبصّرهم ومكّن لهم أسباب مصالحهم برحمته.
وأوسع المخلوقات عرشه وأوسع الصفات رحمته، فاستوى على عرشه الذي وسع المخلوقات بصفة رحمته التي وسعت كل شيء.
ولما استوى على عرشه بهذا الاسم الذي اشتقه من صفته وتسمى به دون خلقه، كتب مقتضاه على نفسه يوم استوائه على عرشه حين قضى الخلق كتابًا فهو عنده وضعه على عرشه (إن رحمته سبقت غضبه) وكان هذا الكتاب العظيم الشأن كالعهد منه سبحانه للخليقة كلها بالرحمة لهم والعفو عنهم والصفح عنهم والمغفرة والتجاوز والستر والإمهال والحلم والأناة. فكان قيام العالم العلوي والسفلي بمضمون هذا الكتاب، الذي لولاه لكان للخلق شأن آخر.
وكان عن صفة الرحمة الجنة وسكانها وأعمالهم، فبرحمته خُلِقت وبرحمته عمرت بأهلها وبرحمته وصلوا إليها وبرحمته طاب عيشهم فيها.
وبرحمته احتجب عن خلقه بالنور ولو كُشف ذلك الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
ومن رحمته أنه يعيذ من سخطه برضاه ومن عقوبته بعفوه ومن نفسه بنفسه.
ومن رحمته أن خلق للذكر من الحيوان أنثى من جنسه وألقى بينهما المحبة والرحمة، ليقع بينهما التواصل الذي به دوام التناسل وانتفاع الزوجين، ويمتع كل واحد منهما بصاحبه.
ومن رحمته أحوج الخلق بعضهم إلى بعض لتتم مصالحهم، ولو أغنى بعضهم عن بعض لتعطّلت مصالحهم، وانحل نظامهم، وكان من تمام رحمته بهم أن جعل فيهم الغني والفقير، والعزيز والذليل، والعاجز والقادر، والراعي والمرعي، ثم أفقر الجميع إليه ثمّ عم الجميع برحمته.
ومن رحمته أنه خلق مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فأنزل منها إلى الأرض رحمة واحدة نشرها بين الخليقة ليتراحموا بها، فيها تعطف الوالدة على ولدها والطير والوحش والبهائم وبهذه الرحمة قوام العالم ونظامه.
فأنواع النعم وصنوف الإحسان، وخيرات الدنيا والآخرة كلها من آثار رحمته.
وتأمل قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} كيف جعل الخلق والتعليم ناشئًا عن صفة الرحمة متعلقًا باسم (الرحمن)، وجعل معاني السورة مرتبطة بهذا الاسم وختمها بقوله: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} فالاسم الذي تبارك هو الاسم الذي افتتح به السورة، إذا مجيء البركة كلها منه، وبه وضعت البركة في كل مبارك فكل ما ذكر عليه بورك فيه، وكلّ ما أخلي منه نزعت منه البركة.


آثار الإيمان بهذين الإسمين (الرحمن ـ الرحيم )
1ـ إثباتهما اسمين لله عز وجل.فهما من صفات الله الثابتة بالكتاب والسنة، وهي (الرحمة)صفة كمال لائقة بذاته كسائر صفاته العُلى، لا يجوز لنا أن ننفيها أو نعطلها لأن ذلك من الإلحاد في أسمائه.
2ـ إثبات ما دلاّ عليه من الصفات سواء تضمنًا، (فالرحمن) دال على صفة الرحمة، وكذلك (الرحيم) دال على صفة الرحمة، الرحمن دال على الرحمة الذاتية الواسعة، والرحيم دال على الرحمة الفعلية الواصلة. أو ما دل عليه من باب اللزوم فهذان الاسمان دالاّن على القدرة والعلم والحياة والرزق والملك والرأفة والجود والكرم والخلق وغير ذلك من الصفات.
3ـ دعاء الله ـ عز وجل ـ بهذين الاسمين سواء دعاء مسألة أو دعاء عبادة.
4ـ التعبد لله بمقتضى هذين الاسمين: [ التعبد لله المقصود به: ما يُحدثه الإيمان بهذا الاسم من عبادة قلبية]. والعبادة قد تكون أعمالاً ظاهرة بدنية، وقد تكون أعمالاً قلبية كالخوف والرجاء والمحبة والرغبة والرهبة ونحو ذلك. فالمقصود هنا هو ما يحدثه الإيمان بهذا الاسم من عبادة قلبية، فمن يؤمن بأن الله هو الرحمن الرحيم ماذا يُحدِث هذا الإيمان له من عبادة قلبية ؟ يلجأ إلى الله ـ عز وجل ـ وينطرح بين يديه ويعلم أن الله أرحم به من نفسه التي بين جنبيه.
فالمؤمن برحمة الله يتعرض لرحمة الله جل وعلا ويسأل الله الرحمة، ويعلم أنه إن لم يرحمه الله عز وجل لن يرحمه الخلق، وأن الله جل وعلا يقول { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}.
5ـ معرفة سعة رحمة الله ـ عز وجل ـ { وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا} وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ في الحديث المتفق عليه: (لما خلق الله الخلق كتب في كتابه وهو يكتب على نفسه وهو وضع عند العرش إنّ رحمتي تغلب غضبي) وفي رواية: (إن رحمتي سبقت غضبي).
6ـ أن يتّصف الإنسان بالرحمة فصفة الرحمة كما هي من أعظم صفات الباري ـ تبارك وتعالى ـ فإنها أيضًا من أعظم صفات المؤمن، فينبغي على المؤمن ن يكون رحيمًا بعباد الله، شفوقًا عليهم، محبًا لهم، يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
والرحمة من الأخلاق العظيمة التي حثّ الله عباده على التخلق بها ومدح بها أشرف أنبيائه ورسله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ} ومدح النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ أبا بكر بذلك فقال: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر) وقال ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: ( إنما يرحم الله من عباده الرحماء) وفي رواية: (لا يرحم الله من عباده إلاّ الرحماء)، وقال أيضًا: ( من لا يرحم الناس لا يرحمه الله)، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ كما في الصحيحين قالت: قدم ناس من الأعراب على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالوا: أتقبّلون صبيانكم؟ يسألون النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ، فقال: نعم، فقالوا: لكنا والله لا نقبل فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (أو أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة)، وفي رواية: (أو أملك إن كان الله نزع من قلبك الرحمة).
فالرحمة خُلق عظيم شريف، والشقي هو الذي نزعت من قلبه الرحمة.
7ـ العزم عند سؤال الرحمة وعدم تعليق ذلك بالمشيئة: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: (لا يقولن أحدكم الله اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت وليعزم المسألة فإن الله لا مستكره له). وفي رواية: (وليعزم مسألته إن الله يفعل ما يشاء لا مُكره له) يعني: إذا دعوتم الله فاعزموا بالدعاء، أي يعزم الإنسان ولا يتردد لا يقول: اللهم اغفر لي إن شئت ولا يقول لصاحبه: غفر الله لك إن شاء الله حفظك الله إن شاء الله، لأن هذا يعتبر من الاستثناء وعدم العزيمة، كأنه يقول: إن شئت فاغفر لي وإلا فأنا مستغن عن ذلك أو كأنه يقول: لا أريد أن أكرهك على المغفرة لي أو على الرحمة، وهذا لا يليق في جانب الله عز وجل، لأن الله لا مكره له يفعل ما يشاء جل وعلا، هو الغني الذي لا تنقصه نفقة. إذًا فيعزم الإنسان المسألة ويسأل الله من رحمته ويتعرّض لهذه الرحمة ويقول اللهم رحمتك أرجوا فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين.

مفاتيح رحمة الله ـ جلّ وعلا ـ
والآن حينما تعرفت على اسم الله الرحمن وعلمت عن سعة رحمته .. يحسن بك أن تتعرف على الأعمال والأقوال والأوقات التي تتنزل بها الرحمات، وترتفع بها الدرجات، وتقال بها العثرات، ليفوز برحمة رب البريات في الدنيا والآخرة.
فمن مفاتيح رحمة الله تعالى:
1ـ طاعة الله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: يقول تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}.
2ـ رحمة العباد والشفقة عليهم: والإحسان إليهم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ قال: ( الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، الرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله) أخرجه الترمذي وغيره، يقول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: ( ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر لكم .. ) رواه أحمد وجود إسناده المنذري في الترغيب "148/3 ـ 3336.
3ـ عيادة المرضى وتفقّد أحوالهم وزيارتهم والسؤال عنهم: يقول ـ صلى الله عليه وسلّم ـ : ( من عاد مريضًا لم يزل يخوض في الرحمة حتى يجلس، فإذا جلس غمر فيها ) رواه أحمد 304/3 بإسناد صحيح.
4ـ بقاء الإنسان في المسجد ينتظر الصلاة: كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدّث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) رواه البخاري ومسلم.
5ـ مجالس العلم وحلق القرآن الكريم: كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم (2699) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلّم ـ قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه).
6ـ قيام الليل وإيقاظ الزوج لزوجته أو الزوجة لزوجها: يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: (رحم الله رجلاً قام من الليل يصلي وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء) رواه أحمد 250/2، 436 وغيره بإسناد صحيح.
7ـ التكلم بالخير من أمر بمعروف ونهي عن منكر: والسكوت عن الشر من غيبة ونميمة وكذب وبهتان .. يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( رحم الله امرأ تكلّم فغنم، أو سكت فسلم ) رواه البيهقي في شعب الإيمان 212/9 بإسناد حسن.
8 ـ الحلق والتقصير في النسك: يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: ( اللهم ارحم المحلقين .. قالوا والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا والمقصّرين يا رسول الله؟ قال: والمقصّرين) رواه مسلم 1301.
9ـ الصلاة قبل العصر أربعًا تطوعًا: يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعًا) رواه أحمد 117/2 بإسناد حسن.
10ـ أن يستحل الإنسان من إخوانه من المظالم التي عليه: يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: (رحم الله عبدًا كانت لأخيه عنده مظلمة في نفس أو مال فاته فاستحلّ منه قبل أن يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فتوضع في سيئاته) رواه ابن حبّان.
11ـ تشميت العاطس: يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: (إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل، يهديكم الله ويصلح بالكم) رواه البخاري 6224.
12ـ المسامحة في البيع والشراء: يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلّم ـ: (رحم الله عبدًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى) رواه البخاري 2076.
فاحرص يا رعاك الله أن يكون لك النصيب الأوفر، والحظ الأكبر من هذه المفاتيح، وإن أخطاك سبب فتعرّض لغيره، ولا تعرض عن تلك الأسباب فتشقى.

مراجع هذا الموضوع
1ـ أسماء الله الحسنى ـ للإمام ابن القيم.
2ـ النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى ـ محمّد الحمود النجدي
3ـ ملزمة ( دورة طالبة العلم ) شرح أسماء الله الحسنى للشيخ د. عبد الله الشمسان
4ـ مطابقة أسما الله الحسنى مقتضى المقام في القرآن الكريم ـ د.نجلاء بنت عبد اللطيف كردي
5ـ تحقيق العبودية بمعرفة الأسماء والصفات ـ د.فوز بنت عبد اللطيف كردي
6ـ مطوية بعنوان (مفاتيح رحمة الله) ـ محمد عبد الله الهبدان
7ـ المسك والعنبر في خطب المنبر ـ د. عائض القرني

 

 

إتحاف الخلق بمعرقة الخالق

عبدالله بن جار الله الجار الله  

للتحميل بصيغة word


 

 

 

 

المقاطع المرئية والفلاشات:

تفسير الرحمن الرحيم - الشيخ محمد حسان

 

:::::::::::::::::::::::::

هل تعرف معنى كلمة الرحمن الرحيم - الشيخ محمد حسان

:::::::::::::::::::::::::

أسماء الله الحسنى (الرحمن الرحيم) - الشيخ صالح المغامسي