* معنى عظمة الله:

إن الله قد شرع لنا عبادات متنوعة من أجل أن نعبده ونشكره، وإن من أهم العبادات القلبية التي شرعها الله لنا تعظيمه جل وعلا، فتعظيم الله عبادة يجب تحقيقها والتركيز عليها خصوصا في هذا الزمن الذي ظهرت فيه بعض الأمور المنافية لتعظيم الله والمنافية لتعظيم شعائر دينه عز وجل.
والإيمان بالله تعالى مبني على التعظيم والإجلال له سبحانه وتعالى، حيث جاء في تعريف العبادة أنها تعظيم الله وامتثال أوامره، فتعظيم الله من العبادات التي خلقنا الله لتحقيقها.
والله جل وعلا عظيم قد جاوزت عظمته عز وجلَّ حدود العقول، ومن معاني عظمته تعالى أنه لا يستحق أحد من الخلق أن يعظَّم كما يعظَّم الله، قال الله تعالى: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مريم:90] أي: تكاد السموات يتشققن من عظمة الله عز وجل.
لقد ذم الله تعالى من لم يعظمه حق عظمته ولا عرفه حق معرفته ولا وصفه حق صفته، قال تعالى: {مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارا} [نوح: 13] أي: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته؟!
إن روح العبادة هو الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر فسدت العبادة.

ولقد ذكر الفيروز أبادي في القاموس المحيط في معنى التعظيم قال: العِظم بكسر العين خلاف الصِغر، وعظَّمه تعظيماً وأعظمه أي فخمه وكبره، واستعظمه أي رآه عظيما.

وقال الرازي في مختار الصحاح: عظُم الشيء أي كبُر فهو عظيم.

وقال ابن منظور في لسان العرب: العظيم الذي جاوز قدره وجلَّ عن حدود العقول.

إن الله تعالى لم يخلق الخلق ولم يرسل الرسل ولم ينزل الكتب إلا من أجل تحقيق غاية من أسمى الغايات ألا وهي عبادته سبحانه وتحكيم شرعه، ولا يمكن أن تصل العبادة إلى أعلى كمالها إلا بتعظيم المعبود؛ فقد ذكر المناوي في تعريف العبادة أنها فعل المكلف على خلاف هوى نفسه تعظيماً لربه. وقيل أي العبادة هي تعظيم الله وامتثال أوامره. فمن هذا التعريف تتضح أهمية تعظيم الله، وأنها العبادة التي خلقنا الله لتحقيقها.

ولقد جاءت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة في بيان فضل تعظيم الله؛ فمنها قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5)، قال القرطبي رحمه الله: ثم الآية الرابعة جعلها الله بينه وبين عبده؛ لأنها تضمنت تذلل العبد لربه وطلب الاستعانة منه؛ وذلك يتضمن تعظيم الله تعالى.

ومنها قوله تعالى في معرض ذكر صفات عباده المؤمنين: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِراًّ وَعَلانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد: 22)، قال ابن جرير الطبري رحمه الله: ابتغاء وجه ربهم أي طلب تعظيم الله وتنزيهاً له أن يخالف في أمره أو يأتي أمراً كره إتيانه فيعصيه به.

ومنها قوله تعالى لما ذكر قصة أصحاب الجنة: {قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ} (القلم: 28)، قال الثعالبي: قيل هي عبارة عن تعظيم الله والعمل بطاعته سبحانه.

ومنها حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه حيث قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أعرابي، فقال: يا رسول الله! جُهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونُهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا؛ فإنا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحك أتدري ما تقول؟» وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: «ويحك إنه لا يُستشفع بالله على أحد من خلقه، شأن الله أعظم من ذلك» فالأعرابي لما قال : (فإنا نستشفع بالله عليك) جعل الله في مقام الشافع عند رسوله، وهذا تنقيص من قدره جل وعلا؛ ولهذا سبَّح الرسول صلى الله عليه وسلم ونبَّه الأعرابي إلى هذا الخطأ الفادح لما قال: «ويحك! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك» إلى آخر الحديث. [أخرجه أبو داود في سننه]

ولكي نتصور حقيقة وكنه التعظيم فإن علينا أن نتفكر في هذا المثال: انظر إلى حال رفقاء الملوك والأمراء والرؤساء إلا من رحم الله تجد أحدهم لا يستطيع أن يرد لهذا الملك أو لهذا الرئيس أمراً ولا أن يرتكب نهياً حتى وإن كان هذا الأمر والنهي يضره في بدنه أو ماله أو أهله، وعندما نسأله عن سر هذه الطاعة العمياء نجد أن تعظيمه لهذا الرئيس هو السبب الحقيقي لهذه الطاعة.

إذاً فالتعظيم يولِّد في النفس الخوف من المعظَّم. ولهذا ما فتئ علماء الأمة يجتهدون في تذكير الناس بمسألة تعظيم الله؛ فها هو شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله يصنف كتاب التوحيد، ويقرر فيه مسائل العقيدة ثم يختم كتابه بأبواب عديدة كلها تتعلق بتعظيم الله، مثل: باب فيمن لم يقنع بالحلف بالله، باب التسمي بقاضي القضاة، باب احترام أسماء الله، باب لا يرد من سأل الله، باب قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} (الزمر: 67) وهذا آخر باب ذكره الشيخ في كتابه القيم.

لكن هل نحن معظمون لله أم لا؟ للإجابة عن هذا التساؤل لا بد أن ننظر إلى حالنا عند الإقدام على فعل طاعة من الطاعات: هل نؤديها رغبة ورهبة، خوفاً وطمعاً؟ أم أن الطاعة أصبحت عادة من العادات نعملها كل يوم دون استشعار الهدف من أدائها؟ كذلك ننظر إلى حالنا عند فعل المعصية: هل نحس كأننا تحت جبل يكاد أن يسقط علينا أم كذبابة وقعت على أنف أحدنا فقال بها هكذا؟ كذلك لننظر إلى حالنا أثناء أداء الصلاة والقيام لرب العالمين هل نستشعر عظمة من نقابله فنخشع في صلاتنا أم تشغلنا الأفكار والهواجس؟ وهل إذا قابلنا ملكاً من ملوك الدنيا صنعنا عنده مثل ما نصنع في صلاتنا؟ إذا أجبنا عن هذه التساؤلات بكل تجرد فسنعرف يقيناً هل نحن معظمون لله أم لا؟

* وجوب تعظيم الله وقدره حق قدره سبحانه وتعالى:

ما لكم لا تملؤون القلوب بمحبته، والنفوس بعظمته، والأرواح بهيبته، ما لكم أيها الناس كأنكم سكارى: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً {13} وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} (نوح: 13-14).

وقع يونس في ظلمات ثلاث: ظلمة ليل هائج، وبحر مائج، وحوت ساذج، فمن ينادي؟! ومن يسأل؟! وإلى من يلتجئ؟! وعلى من يشتكي؟! لا أهل ولا قرابة؟ ولا ولد! ولا زوجة! فذكر ملك الملوك، ومجيب المضطر، وكاشف السوء، ومزيل الغم، ومفرج الكرب، وهتف: {لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء: 87). فاستجاب له الله، ونجّاه، واجتباه، فلا إله إلا الله تهب الريح العاصف؛ والموج القاصف على السفينة، فتضطرب ويصيح أهلها وينادون مولاهم، ويستغيثون بإلههم، ويعاهدونه على الإخلاص: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} (العنكبوت: 65).

يُذنب العبد، ويرتكب الخطايا، ويفعل السيئات، ويعاقر الذنوب، ويقترف الفواحش، ثم يأوي إلى كنف ربه ويرجوه، ويستغفره ويدعوه، فيتوب عليه وينجيه، ويرحمه ويتجاوز عنه ويجتبيه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53).

أخذَ بالنواصي، اطّلع على الضمائر، ملك الرقاب، قهر الجبابرة، كسر بجبروته الأكاسرة، قصَّر بعظمته القياصرة، تفرّد بالبقاء، تنزّه عن النقص، وتقدَّس عن الند، وجل عن الشبيه. البعيد في إحاطته قريب، والقوي في عزته ضعيف، والغيب في علمه شهادة، والسر في اطلاعه علانية، ينقض العزائم، وينكث الهمم: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (الأنعام: 102).

وما قدروا الله حق قدره، وقد رفع سبع سماوات طباقاً، وأحكم صنعها حتى صارت شداداً، وأتقنها؛ فلا ترى فيها فروجاً، وزينها بمصابيح من النجوم والكواكب، وهي مرفوعة بلا عمد، والله يمسكها أن تقع على الأرض، يُملي للظالم، ويقبل التائب، ويزيد المحسن، فالظالم إن أخذه لم يفلته، والتائب إن قبله محى حوبته، والمحسن إن أعطاه فبلا حساب، فأخذه عدل، وتجاوزه عفو، وعطاؤه فضل.

ما أصبره على الأذى!! يخلقهم، ويرزقهم؛ ويسبونه، ويشتمونه، يقول سبحانه: (يسبني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، ويشتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك) (أخرجه البخاري): {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً} (الكهف: 5).

خلق خلقه، ثم رزقهم ثم هداهم، ثم اجتباهم واصطفاهم، ثم ذكرهم بأسمائهم في نفسه وفي الملأ الأعلى، قال صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: (إن الله أمرني أن أقرأ عليك)، قال: وسمّاني في الملأ الأعلى باسمي؟، قال: "نعم"، فبكى أبيّ [أخرجه البخاري].

واختار من خلقه قوماً فكتب الإيمان في قلوبهم وأيدهم بروح منه، وأعانهم على الجهاد في سبيله، وحبب إليهم الإيمان وزيّنه في قلوبهم، ثم أحبهم. يقول صلى الله عليه وسلم في خيبر: (لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه) [أخرجه البخاري]، فأعطاها الله عليّاً.

ووفّق قوماً للإسلام وزادهم هدىً وآتاهم تقواهم، وشرح صدورهم للإسلام، وأنار قلوبهم بالإيمان، ورفع رؤوسهم بالدين، ثم منحهم الشهادة في سبيله، ثم اهتز عرشه لموت أحدهم، وهو العبد الصالح المجاهد سعد بن معاذ رضي الله عنه.

صوّر الروح في البدن، وأسرى الحياة في الجسم، وأنطق اللسان بالحجة، وألهم القلب الهدى، ثم قبض هذه النفس بعد أن شوَّقها للقائه، فكلّم صاحبها؛ بلا ترجمان، وقرَّب حاملها. قال صلى الله عليه وسلم لجابر بن عبدالله رضي الله عنه: (إن الله كلم أباك بلا ترجمان فقال: تمنَّ) [أخرجه الحاكم في المستدرك].

فالله سبحانه تعالى خلق الخلق وقدر الأرزاق وأوجد الأكوان والكائنات والعوالم على غير مثال سابق، ودبر الأمور وأجراها، وخلق العباد وأكرمهم وفضلهم على جميع المخلوقات والكائنات، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وآتاهم من كل ما سألوه، ورحمهم وأحبهم وأرشدهم إلى طريق الفلاح والنجاح، وفرج كروبهم وهمومهم وكشف السوء عنهم، وأجاب دعاءهم، وغمرهم بألطافه وأنعامه وأفضاله، فيجب علينا أن نعظم الله حق التعظيم لأننا جميعا عبيده، فهو يستحق التعظيم جل وعلا تباركت أسماؤه وتعالى جده وتقدست صفاته وعم نواله وتعاظمت بركاته.

* أسباب  عدم تعظيم الله سبحانه وتعالى عياذا بالله:

لعل من أعظم أسباب عدم تعظيم الله سبحانه وتعالى ما يلي:

1- الوقوع في المعاصي، وهذه هي المعضلة، وهي السبب في كل بلاء ومحنة وبعد عن الله تعالى. قال ابن القيم رحمه الله: «وكفى بالعاصي عقوبةً أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه، ومن بعض عقوبة هذا أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم ويستخفُّون به كما هان عليه أمره واستخف به»، وقال بشر بن الحارث: لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوا الله.

2- التساهل في أوامر الله؛ فتجد كثيراً من الناس لا يؤدون العبادات على الوجه المطلوب؛ فلو كانوا يعظمون الله حق التعظيم لعظموا أمره كذلك.

3- عدم تدبر القرآن حال قراءته، وعدم الوقوف عند وعده ووعيده، وأصبح همُّ القارئ آخر السورة فحسب دون اعتبار للهدف الذي أُنزل من أجله القرآن. قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} : 29).

4- الغفلة عن ذكر الله فتجد أحدنا في المستشفيات أو في إحدى الدوائر الحكومية جالساً على كرسي الانتظار زمناً طويلاً وهو لا يذكر الله ولا يسبحه ولا يكبره؛ حتى وإن سبح وكبر فهو لا يعي معنى هذا التسبيح وهذا التكبير، وهذه مشكلة لا بد أن نعالجها في نفوسنا.

5- النظر فيما حرم الله تعالى؛ فالنظر الحرام يولد في القلب القسوة والجفاء، وهذا لا يتأتى مع التعظيم؛ لأن التعظيم لا يكون إلا من قلب خاضع خاشع لين مقبل على الله بكليته.

ولهذا فلا عجب أن يكون السلف الصالح رضوان الله عليهم من أشد الناس تعظيماً لله؛ لأنهم أحرص الناس على طاعته وأبعدهم عن معصيته. قال القنوجي: وهم أي السلف الصالح أشد تعظيماً لله وتنزيهاً له عما لا يليق بحاله. وقال ابن منده في كتاب الإيمان: والعباد يتفاضلون في الإيمان على قدر تعظيم الله في القلوب والإجلال له، والمراقبة لله في السر والعلانية.

* وسائل تعظيم الله في القلوب:

قبل أن نذكر بعضا من هذه الوسائل ننبه إلى نقطة مهمة وهي أن المسلم إذا أراد أن يكون ممن يعظم الله حق التعظيم، فلا بد من وجود نية صادقة تدفعه دفعاً للوصول إلى هذه الغاية، وأن يكون حرصه على تعظيم الله نابعاً من استشعاره لأهمية التعظيم، وأن يريد بعمله وجه الله تعالى لا أن يمدحه الناس ويثنوا عليه، فمن وسائل تعظيم الله:

1- تعظيمه سبحانه وتعالى بمعرفة أسمائه وصفاته، فإنه موصوف سبحانه وتعالى بكل اسم بالغ في الحسن وبكل صفة كمال، فله العلم المحيط والقدرة النافذة والكبرياء والعظمة، فعلى قدر معرفة العبد لربه يكون تعظيم الله عز وجل في قلب العبد، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيما وإجلالاً.
2- تعظيمه سبحانه وتعالى بالتأمل في مخلوقاته وآلائه وآياته الكونية. فالتفكر في آياته المشاهدة التي نراها صباحا ومساء، فمنها خلق السماوات والأرض؛ فإن الناظر في السماء ليدهش من بديع صنعها وعظيم خلقها واتساعها وحسنها وكمالها وارتفاعها وقوتها، كل ذلك دليل على تمام عظمته تعالى {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} [النازعات: 27- 28]، {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} [الذاريات: 47]، {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6].
ومن نظر إلى الأرض كيف مهدها الله وسخرها لنا وجعل فيها جبالا رواسي شامخات مختلفة الألوان، وكيف جعل الله تعالى الأرض قرارا للخلق لا تضطرب بهم ولا تزلزل بهم إلا بإذن الله، من تأمل ذلك استشعر عظمة الله جل وعلا، {وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} [الذاريات:20].
ومن آيات عظمته عز وجل ما بث الله تعالى في السموات والأرض من دابة، ففي السماء ملائكته، لا يحصيهم إلا الله تعالى، ما من موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك قائم لله تعالى أو راكع أو ساجد، يطوف منهم كل يوم بالبيت المعمور في السماء السابعة سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
وفي الأرض من أجناس الدواب وأنواعها ما لا يحصى أجناسه، فضلا عن أنواعه وأفراده، هذه الدواب مختلفة الأجناس والأشكال والأحوال فمنها النافع الذي به يعرف الناس عظم نعمة الله عليهم، ومنها الضار الذي يعرف الإنسان به قدر نفسه وضعفه أمام خلق الله، فكيف حاله مع خالقه عز وجل؟!.
ومن آيات عظمته تعالى الليل والنهار، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 71-73].
ومن آيات عظمة الله تعالى الشمس والقمر، حيث يجريان في فلكهما منذ خلقهما الله تعالى حتى يأذن بخراب العالم، يجريان بسير منتظم، لا تغيير فيه ولا انحراف ولا فساد ولا اختلاف، {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس:38-40].
ومن آياته تعالى الدالة على عظمته هذه الكواكب والنجوم العظيمة التي لا يحصيها كثرة ولا يعلمها عظمة إلا الله تعالى، تسير بأمر الله تعالى وتدبيره، زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها، فالكون كله من آيات عظمة الله، هو الذي خلقه، وهو المدبر له وحده، لا يدبر الكون أحد غير الله.

فيا عجبا كيف يعصى الإله == أم كيف يَجحده الجاحد
وفِي كل شيء لـه آيـة == تدل علـى أنه واحـد

إننا إذا علمنا عن عظم بعض مخلوقات الله استصغرنا أنفسنا، وعلمنا حقارتها وضعفها أمام عظم قدرة خالقها جل وعلا، وإن ما غاب عنا من مشاهد قدرة الله عز وجل أعظم وأعظم بكثير مما نشاهده، فمن أعظم المخلوقات كلها العرش، قال رسول الله في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داود: (أُذن لي أن أحدث عن أحد حملة العرش، ما بين شحمة أذنه وعاتقه مسيرة سبعمائة عام تخفق الطير) [أخرجه أبو داود في سننه] أي: يحتاج الطائر المسرع إلى سبعمائة عام كي يقطع هذه المسافة، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة).

يا من يرى مد البعوض جناحها               في ظلمة الليل البهيم الأليَل
ويرى نياط عروقها فِي نَحرها                والمخ في تلك العظام النحَّل
اغفر لعبد تاب من فرطاتـه                ما كان منه في الزّمان الأوّل


3- تعظيمه سبحانه وتعالى بآياته الشرعية.

4- تعظيمه سبحانه وتعالى بمعرفة سننه التي لا تتبدل.

5- تحقيق العبودية الكاملة لله تعالى؛ فالعبد كلما تقرب إلى ربه بأنواع العبادات وأصناف القرُبات عظُم في قلبه أمر الله؛ فتراه مسارعًا لفعل الطاعات مبتعدًا عن المعاصي والسيئات.
6- التدبر الدقيق للقرآن الكريم، والنظر في الآيات التي تتحدث عن خلق الله وبديع صنعه، والآيات التي تتحدث عن عقوبته وشديد بطشه، وآيات الوعد والوعيد، فإن تدبر القرآن يؤثر في القلب ولا شك، ويجعله يستشعر عظمة الخالق والخوف منه، فمن قرأ كتاب الله وتأمل فيه يجد فيه صفات الرب سبحانه، ملك له الملك كله، والأمور كلها بيده، مستوي على عرشه، لا تخفى عليه خافية، عالم بما في نفوس عبيده، مطلع على أسرارهم وعلانيتهم، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ولا تسقط ورقة إلا بعلمه.
7- مما يعيننا على تعظيم الله النظر في حال السابقين؛ فلقد عاش على هذه الأرض أقوام وشعوب أعطاهم الله بسطة في الجسم وقوة في البدن لم يعطها أمة من الأمم، ولكنها كفرت بالله وكذبت بالرسل، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ودمرهم تدميرا.

8- الدعاء، وهو أنفع الأدوية وأقوى الأسباب متى ما حضر القلب وصدقت النية؛ فإن الله لا يخيب من رجاه.
9- التعرف على نعم الله وآلائه وشكرها، فإنك إذا تفكرت في نعم الله عليك أن هداك للإسلام وأعطاك سمعا وبصرا وعقلا ومالا وصحة وعافية وغنى ومسكنا وأولادا وأمنا وأمانا، وأن سلمك من الشرور والمحن فإنك إذا رجعت إلى نفسك وتأملت وتفكرت في تلك النعم فإنك ستعظم الله حق التعظيم وتجله جل وعلا.
الله وحده يستحق منا التعظيم والإجلال، وإن من تعظيمه جل وعلا أن يتَّقى حق تقاته، فيطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر.

فليتك تَحلو والْحياة مريـرة == وليتك ترضى والأنام غضَاب
وليت الذي بينِي وبينك عامر  == وبيني وبين العالَميـن خرَاب
إذا صح منك الود يا غاية المنى  == فكل الذي فوق التراب تراب

* ثمرات تعظيم الله:
1- أن المسلم الذي امتلأَ قلبه بعظمة الله لديه ثقة مطلقة بالله، فتجده هاديَ البالِ ساكنَ النفس مهما ضاقت به السبل.
2- أنّ استشعارَ عظمة الله تملأ القلب رضًا وصبرًا.
3- أنّ معرفتنا بعظمةِ الله تورث القلبَ الشعورَ بمعيّته سبحانه، وتمنحنا الطمأنينة في المحن والبَصيرة في الفتن.
4- أنّ استشعارَ عظمة الله ومعيّته تبعَث في النفس معنى الثبات والعزّة, وتقوّي العزائم حتى في أشدّ حالات الضّعف.

* من قصص المعظمين لله جل جلاله:
لقد قص علينا ربنا جل وعلا في كتابه عن تعظيم الملائكة له جل وعلا فقال تعالى: {وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [سبأ: 23] أي: لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا من بعد إذنه له في الشفاعة.
وإن من عظيم قدرة الله عز وجل أنه إذا تكلم سبحانه بالوحي فسمع أهل السموات كلامه أرعدوا من الهيبة, حتى يلحقهم مثل الغشي, فإذا زال الفزع عن قلوبهم سأل بعضهم بعضا: ماذا قال ربكم؟ قالت الملائكة: قال الحق, وهو العلي بذاته وقهره وعلو قدره الكبير على كل شيء.
وقد أورد البخاري في صحيحه عند تفسير هذه الآية الكريمة أن نبي الله قال: (إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير) [أخرجه البخاري].
وأما حال رسولنا في تعظيمه لربه فحاله لا يوصف، فمن ذلك أنه لما قال له رجل: فإنا نستشفع بالله عليك، فقال النبي: (سبحان الله سبحان الله!) فما زال يسبّح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: (ويحك، أتدري ما الله؟! إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يُستشفع بالله على أحد من خلقه).
ومن أروع الأمثلة التي دوّنها التاريخ عن سلفنا الصالح وتعظيمهم لله عزّ وجلّ ما وقع للإمام مالك رحمه الله تعالى لما سأله أحدهم عن قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فقال: كيف استوى؟ فما كان موقف الإمام مالك إزاء هذا السؤال إلا أن غضب غضبا شديدا لم يغضب مثله قط، وعلاه العرق، وأطرق القوم إلى أن ذهب عن الإمام مالك ما يجد، فقال: "الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالاً"، ثم أُمر به فأُخرج.
فتأمّل رحمك الله ما أصاب الإمام مالك رحمه الله من شدة الغضب وتصبّب العرق إجلالاً وتعظيمًا لله تعالى وإنكارًا لهذا السؤال عن كيفية استواء الربّ تعالى.
ومن الأمثلة في هذا الباب ما جرى للإمام أحمد رحمه الله تعالى لما مر مع ابنه عبدالله على رجل يحدث الناس بغير علم ويذكر حديث النزول فيقول: إذا كان ليلة النصف من شعبان ينزل الله عزّ وجلّ إلى سماء الدنيا بلا زوال ولا انتقال ولا تغير حال، وهذا كذب على الله، يقول عبدالله: فارتعد أبي، واصفرّ لونه، ولزم يدي، وأمسكته حتى سكن، ثم قال: "قف بنا على هذا الكذاب"، فلما حاذاه قال: "يا هذا، رسول الله أغيَر على ربّه عزّ وجلّ منك، قل كما قال رسول الله".

ومن الامثلة كذلك حال المعظمين لله تعالى عند قيامهم للصلاة ؛ فقد قال مجاهد رحمه الله: كان إذا قام أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يشد بصره إلى شيء، أو أن يلتفت أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه من شأن الدنيا إلا ناسياً ما دام في صلاته، وكان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وكان يسجد فأتى المنجنيق فأخذ طائفة من ثوبه وهو في الصلاة لا يرفع رأسه، وكان مسلمة بن بشار يصلي في المسجد فانهدم طائفة منه فقام الناس وهو في الصلاة لم يشعر، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا حضرت الصلاة يتزلزل ويتلون وجهه، فقيل له: ما لك؟ فقال: جاء والله وقت أمانة عرضها الله على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملتها.

وكان سعيد التنوخي إذا صلى لم تنقطع الدموع من خدَّيه على لحيته، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميل يمنة ويسرة، وهذا غيض من فيض من أخبار وأحوال أولئك المعظمين لله، اللهم كما رزقتهم تعظيمك فارزقنا إياه يا سميع الدعاء.

إن عدم تعظيم الله في القلوب سيُسأل عنه كل فرد منا؛ فلا بد من المحاسبة والمراجعة وتقويم النفس والنظر في علاقتنا بربنا جل وعلا.

وأخيرا فإننا نقول: إن الدعاء هو أنفع الأدوية وأقوى الأسباب متى ما حضر القلب وصدقت النية؛ فإن الله لا يخيب من رجاه، قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ}) البقرة: 186).

فاللهم إنا نسألك تعظيمك والخوف منك، وأن تمن علينا بتوبة صادقة تعيننا على طاعتك واجتناب معصيتك.