المراد بالتوحيد:

تعريفه لغة: مصدر وحد، مشتق من الواحد فيقال وحّده وأحّده ومتوحّد أي متفرّد.

تعريفه شرعاً: إفراد الله تعالى بربوبيته وألوهيته دون سواه وأن له الأسماء الحسنى والصفات العلا، والاعتقاد برسالة محمّد صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم الأنبياء واتباعه فيما جاء به عن الله تعالى.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الألوهية لله وحده بأن يشهدوا أن لا له إلا الله، ولا يعبدوا إلا إياه، ولا يتوكلوا إلا عليه تعالى، ولا يوالوا إلا له، ولا يعادوا إلا فيه، ولا يعملوا إلا لأجله، وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية" أهـ.

وكل عمل لا يرتبط بالتوحيد فلا وزن له، قال تعالى: {مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرمادٍ اشتدَّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ممَّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد} [إبراهيم: 18].

* أنواع التوحيد:

1- توحيد في المعرفة والاثبات.

2- توحيد العبادة (توحيد الطلب والقصد).

* أنواع التوحيد / التوحيد في القرآن الكريم:

إن التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وهو توحيد الربوبية المتمثل بالإقرار بالخالق وانفراده بالخلق والتدبير والإحياء والإماتة وجلب الخير ودفع الشر. وهذا النوع لا يكاد ينازع فيه أحد من الخلق حتى أن المشركين كانوا يقرون به مع شركهم ولا ينكرونه كما ذكر الله تعالى عنهم في قوله: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ} (يونس: 31).

وأمثالها من الآيات كثير وفيها البيان الواضح بأن المشركين كانوا يقرون بهذا النوع من التوحيد، وإنما كانوا يجحدون النوع الثاني منه وهو توحيد العبادة المتمثل في إفراد الله سبحانه وتعالى في الطلب والقصد في كل ما يصدر من العبد من أنواع العبادة، كما تدل عليه وتعبر عنه كلمة "لا إله إلا الله" إن هذه الكلمة تثبت العبادة بجميع أنواعها لله وحده وتنفيها عما سواه ولهذا لما طلب النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين أن يقولوها امتنعوا وقالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (ص: 5).

لعلمهم أن من قالها فقد اعترف ببطلان عبادة كل ما سوى الله وأثبت العبادة لله وحده، فإن الإله معناه المعبود، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، فمن نطق بهذه الكلمة وهو مع هذا يدعو غير الله فقد تناقض مع نفسه، والعلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية هي التلازم بمعنى أن الإقرار بتوحيد الربوبية يوجب الإقرار بتوحيد الإلهية والقيام به ظاهراً وباطناً ولهذا كان الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين يطالبون أممهم بذلك ويحتجون عليهم بما يعترفون به من توحيد الربوبية كما قال تعالى: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} (الأنعام: 102).

{وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ} (الزمر: 38).

فالإقرار بتوحيد الربوبية مركوز في الفطر لا يكاد ينازع فيه أحد من المشركين ولم يُعرف عن أحد من طوائف العالم إنكار هذا النوع إلا الدهرية الذين يجحدون الخالق ويزعمون أن العالم يسير بنفسه من غير مدبر له كما قال الله عنهم: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ...} (الجاثية: 24)، فرد الله عليهم بقوله: {...وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ}.

فهم لم يبنوا إنكارهم هذا على برهان دَلّهم عليه بل على مجرد ظن، والظن لا يغني عن الحق شيئاً كما لم يستطيعوا الإجابة عن قوله تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ {35} أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ} (الطور: 35-36)، ولا عن قوله تعالى: {هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ} (لقمان: 11)، {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ} (الأحقاف: 4).

ومن تظاهر بجحد هذا النوع من التوحيد كفرعون فهو مقر به في الباطن كما قال تعالى عنه: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (الإسراء: 102)، وقال عنه وعن قومه: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} (النمل: 14).

وقال تعالى عن الأمم الأولى: {وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} (العنكبوت: 38).

وهذا النوع من التوحيد كما لم يذهب إلى جحده طائفة معروفة من نبي آدم كذلك في الغالب لم يقع فيه شرك فالكل مقرون بأن الله هو المنفرد بالخلق والتدبير ولم يثبت عن أحد من طوائف العالم إثبات خالقين متساويين في الصفات والأفعال فالثانوية من المجوس الذين يجعلون للعالم خالقين خالقاً للخير وهو النور، وخالقاً للشر وهو الظلمة لا يسوون الظلمة بالنور، فالنور عندهم هو الأصل والظلمة حادثة وهم متفقون على أن النور خير من الظلمة وكذلك النصارى القائلون بالتثليث لم يثبتوا للعالم ثلاثة أرباب منفصل بعضهم عن بعض بل هم متفقون على أن خالق العالم واحد، ويقولون إن الأب هو الإله الأكبر، والحاصل أن إثبات توحيد الربوبية محل وفاق والشرك فيه قليل، ولكن الإقرار به وحده لا يكفي العبد في حصول الإسلام. بل لابد مع ذلك أن يأتي بلازمه وهو توحيد الإلهية، فإن الأمم الكفرية كانت تقر بتوحيد الربوبية خصوصاً مشركي العرب الذين بُعث فيهم خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا بهذا مسلمين لما لم يأتوا بتوحيد الإلهية، والمستقرئ لآيات القرآن الكريم يجد أنها تطالب بتوحيد الإلهية وتستدل عليه بتوحيد الربوبية فهي تطالب المشركين بما جحدوه وتستدل عليه بما أثبتوه. فهي تأمر بتوحيد العبادة وتخبر عن إقرارهم بتوحيد الربوبية فتذكر توحيد العبادة في سياق الطلب، وتوحيد الربوبية في سياق الخبر.

وأول أمر جاء في المصحف هو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {21} الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 21-22).

وكثيراً ما نجد في القرآن الكريم الدعوة إلى توحيد العبادة والأمر به والجواب عن الشبه الموجهة إليه، وكل سورة في القرآن بل كل آية في القرآن فهي داعية إلى هذا التوحيد، لأن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله وهذا هو توحيد الربوبية، وإما دعاء إلى عبادته وحده لا شريك له وترك ما يعبد من دونه، وهذا هو توحيد الإلهية، وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وطاعته في الدنيا والآخرة وهذا جزاء توحيده وإما خبر عن أهل الشرك وعن جزائهم في الدنيا والآخرة، وهذا جزاء من خرج عن حكم التوحيد، وإما أحكام وتشريع، وهذا من حقوق التوحيد فإن التشريع حق الله وحده.

وهذا التوحيد بجميع أنواعه وحقوقه تضمنته كلمة واحدة هي: "لا إله إلا الله" فإنها تتضمن نفياً وإثباتاً. نفي الإلهية الحقة عن كل ما سوى الله وإثباتها لله وحده. كما تتضمن ولاء وبراء، ولاء لله وبراء مما سواه. ودين التوحيد قائم على هذين الأساسيين كما قال تعالى عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال لقومه: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ {26} إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} (الزخرف: 26-27).

وهذا منهاج كل رسول يبعثه الله قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} (النحل: 36).

وقال تعالى: {فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا} (البقرة: 256).

فمن قال: "لا إله إلا الله" فقد أعلن البراءة من عبادة كل ما سوى الله والتزم القيام بعبادة الله وذلك عهد يقطعه الإنسان على نفسه: {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} (الفتح: 10).

فلا إله إلا الله إعلان لتوحيد العبادة لأن الإله معناه المعبود فمعناها لا معبود بحق إلا الله. فمن قال هذه الكلمة عارفاً لمعناها عاملاً بمقتضاها من نفي الشرك وإثباته الوحدانية لله مع اعتقاد ذلك والعمل به فهو المسلم حقاً. ومن قالها وعمل بمقتضاها ظاهراً من غير اعتقاد في القلب فهو المنافق. ومن قالها بلسانه وعمل بخلافها من الشرك المنافي لمدلولها فهو الكافر ولو قالها مراراً وتكراراً  كحال عبّاد القبور اليوم الذين ينطقون بهذه الكلمة ولا يفقهون معناها ولا يكون لها أثر في تعديل سلوكهم وتصحيح أعمالهم فتراه يقول: لا إله إلا الله، ثم يقول: المدد يا عبدالقادر، يا بدوي، يا فلان يا فلان، يستنجد بالأموات ويستغيث بهم في الملمات. إن المشركين الأولين عرفوا من معنى هذه الكلمة ما لم يعرفه هؤلاء حيث أدركوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال لهم: "قولوا لا إله إلا الله" فقد طلب منهم ترك عبادة الأصنام وعبادة الله وحده ولهذا قالوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً} (ص: 5).

وقال قوم هود: {أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} (الأعراف: 70).

وقال قوم صالح له: {أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} (هود: 62).

وقال قوم نوح له من قبل: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلَا سُوَاعاً وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} (نوح: 23).

هذا ما فهمه الكفار من معنى لا إله إلا الله: أنه تَرْك لعبادة الأصنام وإقبال على عبادة الله وحده فلهذا أبو عن النطق بها، لأنه لا يجتمع مع عبادة اللات والعزى ومناة. وعبّاد القبور اليوم لا يدركون هذا التناقض فهم ينطقون بها مع بقائهم على عبادة الأموات. وبعضهم يفسر الإله بأنه القادر على الاختراع والخلق والإيجاد فيكون معنى "لا إله إلا الله" عنده: لا قادر على الاختراع إلا الله، وهذا من أفحش الخطأ فإن من فسرها بذلك لم يزد على ما أقر به الكفار فإنهم كانوا يقرون بأنه لا يقدر على الاختراع والخلق والرزق والإحياء والإماتة إلا الله كما ذكر الله تعالى ذلك عنهم ولم يصيروا به مسلمين. نعم هذا المعنى الذي يذكرونه داخل في معنى لا إله إلا الله لكن ليس هو المقصود من هذه الكلمة.

* التوحيد في السنة:

1- أخرج الإمام أحمد عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُعذب ناسٌ من أهل التوحيد في النار حتى يكونوا حُمماً، ثم تدركهم الرحمة فيخرجون ويطرحون على أبواب الجنة) [أخرجه الترمذي في سننه برقم (2597) وقال: حسن صحيح، والإمام أحمد في مسنده برقم (15235)]، قال: (فيرش عليهم أهل الجنة الماء فينبتون كما ينبت القثاء في حمالة السيل ثم يدخلون الجنة).

2- وجاء في صحيح مسلم وغيره في كتاب الحج عن جابر رضي الله عنه: (...فأهلَّ بالتوحيد...).

3- أخرج أبو داود وغيره، وصححه الحاكم والذهبي وحسنه النووي والعسقلاني؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض النسوة: (عليكن بالتسبيح والتهليل والتقديس، ولا تغفلن فتنسين التوحيد (وفي رواية: الرحمة) واعقدن بالأنامل؛ فإنهن مسؤولات ومستنطقات) [اخرجه الحاكم في مستدركه برقم (2007)].

* أقسام التوحيد:

ينقسم التوحيد إلى عدة أقسام، وهي حسب ما ذكره أهل العلم ثلاثة:

الأول: توحيد الربوبية:

وهو "إفراد الله سبحانه وتعالى في أمور ثلاثة، في الخلق والملك والتدبير".

دليل ذلك قوله تعالى: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} [الأعراف: من الآية 54].

الثاني: توحيد الألوهية:

وهو إفراد الله عز وجل بالعبادة، بألا تكون عبداً لغير الله، لا تعبد ملكاً ولا نبياً ولا ولياً ولا شيخاً ولا أماً ولا أباً، لا تعبد إلا الله وحده، فتفرد الله عز وجل وحده بالتأله والتعبد، ولهذا يسمى: توحيد الألوهية، ويسمى: توحيد العبادة، فباعتبار إضافته إلى الله هو توحيد ألوهية، وباعتبار إضافته إلى العابد هو توحيد عبادة.

والعبادة مبنية على أمرين عظيمين، هما المحبة والتعظيم، الناتج عنهما: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَبا} (الأنبياء: من الآية90) ، فبالمحبة تكون الرغبة، وبالتعظيم تكون الرهبة والخوف.

ولهذا كانت العبادة أوامر ونواهي: أوامر مبنية على الرغبة وطلب الوصول إلى الآمر، ونواهي مبنية على التعظيم والرهبة من هذا العظيم.

فإذا أحببت الله عز وجل، رغبت فيما عنده ورغبت في الوصول إليه، وطلبت الطريق الموصل إليه، وقمت بطاعته على الوجه الأكمل، وإذا عظمته خفت منه، كلما هممت بمعصية، استشعرت عظمة الخالق عز وجل، فنفرت، {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء} (يوسف: من الآية24)، فهذه من نعمة الله عليك، إذا هممت بمعصية، وجدت الله أمامك، فهبت وخفت وتباعدت عن المعصية، لأنك تعبد الله رغبة ورهبة.

الثالث: توحيد الأسماء والصفات:

وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما سمى الله به نفسه، ووصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك بإثبات ما أثبته من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.

فلا بد من الإيمان بما سمى الله به نفسه ووصف به نفسه على وجه الحقيقة لا المجاز، ولكن من غير تكييف، ولا تمثيل.

* التعرف على الله من خلال بعض الآيات الكونية:

فعل الله في الكون:

تعال معي لنقوم بجولة مع الآيات القرآنية؛ نرتاد هذا الكون ليرينا كيف تعمل قدرة الله في مختلف أرجاء الكون: في الحبّة تلقى في التربة فتنفلق، وتضرب بجذورها في التربة، فيخرج من الحبّة الجامدة حياة تتمثل في سوق، وأوراق، وأزهار تفوح بالشذى، وثمار يتغذى بها الإنسان والحيوان. وفي الإصباح وهو ينبلج.. وفي سكون الليل.. ومسير الشمس والقمر.. {إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ {95} فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (الأنعام: 95-96).

وانظر إلى مشهد السحاب كيف يصنعه الله، والبرد كيف يكوّنه ويصرفه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} (النور: 43).

ويحدثنا الله عن فعله في الظلِّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً {45} ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً} (الفرقان: 45-46).

وانظر إلى تصريفه شؤون الحياة والأحياء والليل والنهار: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {26} تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} (آل عمران: 26-27).

لا يكتفي القرآن بأن يرينا قدرة الله وهي تعمل في الكون، وعلمه يحيط بالمخلوقات، وتصريفه للشؤون المختلفة.. ولكنَّه مع ذلك يعرفنا بالغاية التي خلق الكون من أجلها.

خلق الله هذه الأرض من أجل الإنسان: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} (البقرة: 29)، خلقها لنا على نحو يتوافق مع طبيعتنا وتكويننا ويحقق لنا الصلاح، وهذا ما سماه القرآن بالتسخير.

وهو لا يخبرنا بذلك مجرد إخبار، وإنّما يوقفنا على هذا التسخير الذي جعله الله في الكون،  {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} (لقمان: 20)، فالنجوم خلقت لنهتدي بها في ظلمات البر والبحر: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأنعام: 97).

والأرض والسماء، وإنزال الماء من السماء، والسفن السابحة في البحر، والأنهار الجارية في جنبات الأرض، والشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار.. كلّ ذلك مخلوق لنا ولخيرنا ولصلاحنا: {اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ {32} وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ {33} وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ} (إبراهيم: 32-34).

نعم الله في الكون:

عرّفنا القرآن بأنّ الله خلق هذا الكون وسخّره لنا، فجعله متوافقاً مع جبلتنا، وقدّره تقديراً تصلح به حياة الإنسان، والقرآن يتخذ من هذا الحديث والبيان سبيلاً ليشكر الإنسان ربّه، إذ الإنسان مفطور على حب من أحسن إليه: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: 60).

ولذلك فقد أفاض القرآن في ذكر النعم التي حباها الله عباده في ذوات أنفسهم: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} (الملك: 23)، وفي الكون من حولهم: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ {10} وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ {11} وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ {12} لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ} (الزخرف: 10-13).

وخلق لنا الشمس والقمر على نحو يحقق النفع والصلاح: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (يونس: 5).

والأنعام من الجمال والأبقار والأغنام، وكذلك الخيل والبغال والحمير خلقها لنا على نحو يفيدنا ويتناسب مع طبائعنا وتكويننا: {وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ {5} وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ {6} وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ {7} وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل: 5-8).

والبحر مخلوق لنا أيضاً، وفي خلقه على ما هو عليه ما يحقق لنا الشيء الكثير: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل: 14).

والنحل خلقه الله ليقوم بذلك العمل الرائع، لينتج لنا ذلك الشراب المختلف الألوان، ليتغذى به البشر، ويكون لهم شفاء: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ {68} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (النحل: 68-69).

التعرف على الله من خلال آياته الكونية سبيل حث عليه القرآن:

حث القرآن عباد الله على النظر في آيات الله الكونية: الأرض والسماء، وما فيهما وما بينهما، وجعل النظر والتأمل في ذلك من الذكرى التي تنفع المؤمنين.

وقد أعجبني تسمية بعض المعاصرين لهذا المنهج (بقانون السير والنظر) لكثرة حث الآيات القرآنية على ذلك، وقد يكون السير والنظر حسيّان، فيسير المرء بقدميه، وينتقل من بلد لآخر، كما قد يكون النظر بالبصر، وقد يكونان بالفكر والعقل.

وقد جاء الأمر في القرآن أمراً عاماً: {قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} (يونس: 101). وقد يأتي أمراً خاصاً: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ} (الطارق: 5)،  {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ} (عبس: 24).

الله وحده المستحق للعبادة:

الهداية التي يجلبها النظر والتفكر في الآيات الكونية توجه إلى عبادة الله وحده، فالله وحده هو الخالق المدبر المقيم للسماوات والأرض الرازق المحيي المميت..؛ لذلك فهو المستحق للعبادة دون سواه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {21} الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 21-22).

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} (فاطر: 3).

وبهذا الطريق أثبت القرآن بطلان الآلهة المدعاة وعدم استحقاقها شيئاً من العبادة: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ {10} هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (لقمان: 10-11).

ولذلك فإنّه يذكّر خلقه بالآيات الكونية وتصريفه الأمور وتدبيره الشؤون ثم يعقب على ذلك في كثير من آي القرآن بقوله: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} (الزمر: 6)، أي ذلكم الإله الذي يستحق العبادة دون سواه.

استمع إلى هذه الآيات وتأمل التعقيب عليها: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ {5} خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} (الزمر: 5-6).

* فضائل وثمار التوحيد:

توحيد الله وإفراده بالعبادة من أجلّ النعم وأفضلها على الإطلاق، وفضائله وثمراته لا تعد ولا تحد، ففضائل التوحيد تجمع خيري الدنيا والآخرة، ومن تلك الفضائل ما يلي:

1- أنه أعظم نعمة أنعمها الله تعالى على عباده حيث هداهم إليه، كما جاء في سورة النحل التي تسمى سورة النعم، فالله عزّ وجلّ قدّم نعمة التوحيد على كل نعمة فقال في أول سورة النحل: {ينزّل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنَّه لا إله إلاَّ أنا فاتَّقُون} [النحل: 2].

2- أنه الغاية من خلق الجن والإنس، قال تعالى: {وما خلقتُ الجنَّ والإنس إلاَّ ليعبدون} [الذاريات: 56].

3- أنه الغاية من إنزال الكتب ومنها القرآن، قال تعالى فيه: {الر كتابٌ أحكمت آياته ثُمَّ فصلت من لَّدن حكيمٍ خبير* ألا تعبدوا إلا الله إنِّني لكم منه نذيرٌ وبشير} [هود:1، 2].

4- ومن فضائله أنه السبب الأعظم لتفريج كربات الدنيا والآخرة، ودفع عقوبتهما كما في قصة يونس عليه السلام.

5- ومن أجل فوائده أنه يمنع الخلود في النار، إن كان في القلب منه أدنى مثقال حبة من خردل.

6- أنه إذا كمل في القلب يمنع دخول النار بالكلية كما في حديث عتبان في الصحيحين ( .. فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله).

7- أنه يحصل لصاحبه الهدى الكامل، والأمن التام في الدنيا والآخرة {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون} [الأنعام: 82].

8- أنه السبب الأعظم لنيل رضا الله تبارك وتعالى وثوابه.

9- أنه أسعد الناس بشفاعة رسول الله محمّد صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه.

10- ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها وفي ترتيب الثواب عليها- على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت.

11- ومن فضائله أنه يسهل على العبد فعل الخيرات، وترك المنكرات، ويسليه عند المصيبات، فالمخلص لله تبارك وتعالى في إيمانه وتوحيده تخف عليه الطاعات، لما يرجوه من ثواب ربه سبحانه ورضوانه، ويهون عليه ترك ما تهواه النفس من المعاصي، لما يخشى من سخطه وأليم عقابه.

12- ومنها أن التوحيد إذا كمل في القلب حبب الله تعالى لصاحبه الإيمان وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، وجعله من الراشدين.

13- ومنها أن يخفف على العبد المكاره ويهون عليه الألم، فبحسب تكميل العبد للتوحيد والإيمان، يتلقى المكاره والآلام بقلب منشرح وبنفس مطمئنة ورضا بأقدار الله تعالى المؤلمة.

14- ومن أعظم فضائله أنه يحرر العبد من رقّ المخلوقين، ومن التعلق بهم، وخوفهم ورجائهم، والعمل لأجلهم، وهذا هو العزّ الحقيقي، والشرف العالي، فيكون بذلك متعبداً لله تعالى فلا يرجو سواه ولا يخشى غيره، ولا ينيب إلا إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وبذلك يتم فلاحه ويتحقق نجاحه.

15- ومن فضائله التي لا يلحقه فيها شيء أن التوحيد إذا تم وكمل في القلب وتحقق تحققاً كاملاً بالإخلاص التام فإنه يصير القليل من عمله كثيراً، وتضاعف أعماله وأقواله بغير حصر ولا حساب.

16- ومن فضائله أن الله تعالى تكفل لأهله بالفتح والنصر في الدنيا، والعز والشرف، وحصول الهداية، والتيسير لليسرى، وإصلاح الأحوال، والتسديد في الأقوال والأفعال.

17- ومنها أن الله تبارك وتعالى يدفع عن الموحدين شرور الدنيا والآخرة، ويمنّ عليهم بالحياة الطيبة، والطمأنينة إليه وبذكره، وشواهد ذلك من الكتاب والسنة كثيرة، فمن حقق التوحيد حصلت له هذه الفضائل كلها وأكثر منها والعكس بالعكس.

* أسباب ترسيخ التوحيد بالقلب:

التوحيد شجرة تنمو في قلب المؤمن فيسبق فرعها ويزداد نموها ويزدان جمالها كلما سبقت بالطاعة المقربة إلى الله عزّ وجلّ، فتزاد بذلك محبة العبد لربه، ويزداد خوفه منه ورجاؤه له ويقوى توكله عليه. ومن تلك الأسباب التي تنمي التوحيد في القلب ما يلي:

1- فعل الطاعات رغبة فيما عند الله تبارك وتعالى.

2- ترك المعاصي خوفاً من عقاب الله.

3- التفكر في ملكوت السموات والأرض.

4- معرفة أسماء الله تعالى وصفاته ومقتضياتها وآثارها وما تدل عليه من الجلال والكمال.

5- التزود بالعلم النافع والعمل به.

6- قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه وما أريد به.

7- التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض.

8- دوام ذكر الله تبارك وتعالى على كل حال باللسان والقلب.

9- إيثار ما يحبه الله تعالى عند تزاحم المحاب.

10- التأمل في نعم الله سبحانه الظاهرة والباطنة، ومشاهدة بره وإحسانه وإنعامه على عباده.

11- انكسار القلب بين يدي الله تعالى وافتقاره إليه.

12- الخلوة بالله وقت النزول الإلهي حين يبقى ثلث الليل الآخر، وتلاوة القرآن في هذا الوقت وختم ذلك بالاستغفار والتوبة.

13- مجالسة أهل الخير والصلاح والإخلاص والمحبين لله عزّ وجلّ والاستفادة من كلامهم وسَمْتهم.

14- الابتعاد عن كل سبب يحول بين القلب  وبين الله تعالى من الشواغل.

15- ترك فضول الكلام والطعام والخلطة والنظر.

16- أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، وأن يجاهد نفسه على ذلك.

17- سلامة القلب من الغلِّ للمؤمنين، وسلامته من الحقد والحسد والكبر والغرور والعجب.

18- الرضا بتدبير الله عز وجلّ.

19- الشكر عند النعم والصبر عند النقم.

20- الرجوع إلى الله تعالى عند ارتكاب الذنوب.

21- كثرة الأعمال الصالحة من بر وحسن خلق وصلة أرحام ونحوها.

22- الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في كل صغيرة وكبيرة.

23- الجهاد في سبيل الله سبحانه.

24- إطابة المطعم.

25- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

اللهم أحينا على التوحيد سعداء وأمتنا على التوحيد شهداء.

وصلى الله على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.