أهداف الدرس:

- أن يتعرف على بعض أوصاف الجنة ونعيمها.

-  أن يتعرف على الأعمال الموجبة لدخول الجنة.

-  أن يعرف أفضل نعيم يؤتاه أهل الجنة.

- أن يشتاق للجنة ويتزود بالعمل الصالح لدخولها.

 

عناصر الدرس:

- مقدمة.

-أوصاف الجنة.

- خلود الجنة وخلود أهلها وجزاؤهم.

- أهل الجنة يرثون نصيب أهل النار من الجنة.

- أبواب الجنة.

-غرف الجنة.

- خيام الجنة.

- قصور الجنة.

- أهل الجنة يعرفون منازلهم.

- نماذج من بيوت الصحابة في الجنة.

- درجات الجنة وتفاضل منازل أهلها.

- أدنى أهل الجنة منزلة.

- أعلى منزلة في الجنة.

- أول زمرة تدخل الجنة.

- آخر أهل الجنة دخولا.

- أبأس أهل الأرض وغمسة في الجنة.

-أنهار الجنة وعيونها وترابها وأشجارها وظلالها وفواكهها .

- أهل الجنة:

الفقراء والضعفاء.

 نساء الجنة( حسنهن- أخلاقهن- غناؤهن).

 الجهنميون.

- مقدار من يدخل الجنة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

- صفات أهل الجنة:

-هيئة أهل الجنة وأخلاقهم  وحياتهم فيها.

- كل من يدخل الجنة على هيئة آدم عليه السلام.

- أهل الجنة يتسوقون فيها.

- حوض النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة.

-أفضل النعيم الذي يؤتاه أهل الجنة.

- رضوان الله على أهل الجنة.

- أعمال تدخل الجنة.

- أعمال تمنع من دخول الجنة .

 

مقدمة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد...

فإن الجنة دار خُلدٍ وبقاء، لا بأس فيها ولا شقاء، ولا أحزان ولا بكاء .. لا تنقضي لذَّاتها ولا تنتهي مسرَّاتها .. كلُّ ما فيها يذهل العقل ويُسحر الفكر ويُسكر الرُشد ويصرع اللُّب.

هي نورٌ يتلألأ، وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ ونهرٌ مطرد، وفاكهةٌ نضيجة، وزوجةٌ حسناءُ جميلة، وحُللٌ كثيرةٌ في مقام أبدًا في حبرةٍ ونضرةٍ في دُور عاليةٍ سليمةٍ بهيةٍ تتراءى لأهلها كما يتراءى الكوكب الدُرِّيُّ الغائر في الأفق.

والله سبحانه وتعالى لم يخلقنا عبثاً، ولم يتركنا سدى، وإنما خلق كلاً منا لإحدى الدارين، وليستقر في أحد المستقرين، إما في جنة عرضها السماوات والأرض، وإما في نار أعدت للكافرين.

إن التفكير في المستقبل دائماً يشغل بني آدم في فترة وجوده المحدودة في هذه الحياة الدنيا، لكن المؤمن كيس فطن ، ومن كياسة المؤمن وفطانته أنه دائماً ينظر إلى المستقبل الحقيقي والنهاية الأبدية في جنة الرضوان، فهذا هو هدف المؤمن وهذا هو مستقبله، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان باليوم الآخر أحد أركان الإيمان الستة حينما سأله جبريل عليه السلام: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى). فأحد أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر،. فيدخل في الإيمان باليوم الآخر الإيمان بالقيامة الصغرى في حق كل إنسان وهي الموت، فمن مات قامت قيامته ، وينتهي يوم القيامة الكبرى بانتقال الناس إلى أحد الدارين، فأما الذين سبقت لهم من الله سبحانه وتعالى الحسنى فأولئك يبعدون عن النار فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]، وأما الآخرون فيساقون إلى الجحيم والعياذ بالله تعالى، وإلى معرفة تفاصيل الحياة في الجنة كما أخبر بها الله جل وعز ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

 

أوصاف الجنة

الجنة هي دار نعيم كامل لا يشوبه نقص، ولا يعكر صفوه كدر، يقول سبحانه وتعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] ويقول صلى الله عليه وسلم: (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)[1] ويقول سبحانه وتعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] هذا هو الفوز العظيم والفوز المبين. ويقول عز وجل: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73]، ويقول عليه الصلاة والسلام: (يخلص المؤمنون من النار -بعدما يمرون على الصراط- فيحبسون على قنطرة بين الجنة وبين النار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فو الذي نفس محمد بيده! لأحدهم أهدى لمنزله في الجنة منه لمنزله كان في الدنيا)[2] . يعني إذا دخل أهل الجنة الجنة يسرع كل منهم إلى مكانه في الجنة ويعرفه أعظم مما كان يعرف بلده بعد أن يرجع من السفر في  هذه الحياة الدنيا، وهذا يدخل في قوله تعالى: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ [الأعراف:43]، ويدخل في قوله: وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ [محمد:6] على أحد التفسيرين لقوله: ((عَرَّفَهَا))، قيل: هي هذه الهداية، وقيل: هي من العرف، وهو الرائحة الطيبة. ويقول صلى الله عليه وسلم: (أستفتح باب الجنة فيقال لي: من؟ فأقول: محمد، فيقال: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) [3] صلى الله عليه وآله وسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام: (أنا أول من يقرع باب الجنة) [4]،  وعن أبي هريرة رضي الله عنه قلت: يا رسول الله، ممَّ خُلِق الخَلق؟

قال: «من الماء».

قلت: ما بناء الجنة؟

قال: «لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ملاطها [5] المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من دخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تُبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم»[6]

 ويقول صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة)[7] يعني: نحن آخر الأمم ونحن أول الأمم دخولاً الجنة. وقال عليه الصلاة والسلام لـأبي بكررضي الله عنه: (يا أبا بكر ! إنك أول من يدخل الجنة من أمتي)[8] أي: بعد الأنبياء. ويقول صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها ولا يمتخطون ولا يتغوطون، آنيتهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم الألوة[9]، ورشحهم المسك -أي: عرقهم-، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن)[10]

وهنا ملاحظة ربما لو إن  الإنسان تصور أنه يرى النخاع الذي داخل العظام من وراء البشرة ربما استقبح هذا الأمر، فيريد الرسول عليه الصلاة والسلام أن يوجه نظرنا إلى أن هذا يكون من غاية الحسن فقال: (يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) يعني: من الجمال البارع الذي عليه الحور العين. ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشياً)[11] ، ويقول صلى الله عليه وسلم: (إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء إلى الجنة بأربعين خريفاً)[12]، حتى الأغنياء الذين سيدخلون الجنة لا يدخلون مع الفقراء؛ لأنهم يحبسون حتى يحاسبوا، فالمدة الزمنية بين دخول الفقراء والأغنياء الجنة أربعون خريفاً، فما أعظم السلامة التي لا يعدلها شيء. ويقول صلى الله عليه وسلم: (أول ثلاثة يدخلون الجنة: شهيد، وعتيق متعفف، وعبد أحسن عبادة ربه ونصح مواليه)[13] ويقول عليه الصلاة والسلام: (يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين)[14] وقال النبي عليه الصلاة والسلام: (يخرج من النار من كان يقول: لا إله إلا الله، فتعرفهم الملائكة)[15]، كيف تعرف الملائكة الذين كانوا يقولون: لا إله إلا الله ؟ تعرفهم الملائكة بأثر السجود؛ لأنه لا يتصور أن يقول المرء: لا إله إلا الله ويكون تاركاً للصلاة، وفي الأثر: (لا خير في دين لا ركوع فيه)[16]،  فالحاصل أن الملائكة تبحث في داخل النار عن أثر السجود في الوجه، وليس أثر السجود هو هذه العلامة فقط  التي قد تظهر بين عيني من هو أقسى قلباً من فرعون كما قال بعض السلف؛ لكن المقصود سمت الخشوع والتواضع الذي يكون في وجوه أهل الصلاة وأهل التوحيد. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يخرج من النار من يقول: لا إله إلا الله فتعرفهم الملائكة بأثر السجود، تأتيهم الملائكة وقد امتحشوا -تفحموا من النار- ، ثم يصب عليهم ماء الحياة؛ فينبتون كما تنبت الحبة حميل السيل، ويدخلون الجنة)[17]

خلود الجنة وخلود أهلها وجزاؤهم:   

     من صفات الجنة أيضاً أنها خالدة وأهلها خالدون، لا يرحلون عنها أبداً ولا يملون منها؛ لأن طبيعة الدنيا أن الإنسان لو سكن أعظم قصر على وجه الأرض فلابد أن يصيبه الملل.

أما الجنة فأهلها خالدون فيها لا يبغون عنها حولاً، فلا يملون أبداً كما يصيبهم الملل في هذه الحياة الدنيا، يقول عليه الصلاة والسلام: (من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه) ، فالجنة نور يتلألأ، وريحانه تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة في مقام أبدي في حبرة ونضرة، في دور عالية كريمة بهية، يقول الله سبحانه وتعالى:  وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا  [الإنسان:20]

ويقول عز وجل في الحديث القدسي: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ) وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال:  شهدت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسا وصف فيه الجنة حتى انتهى ، ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم في آخر حديثه :

فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . ثم اقترأ هذه الآية [ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون ، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ](متفق عليه)،  فمن حبس نفسه في الدنيا عن الشهوات وعن المعاصي عوضه الله سبحانه وتعالى في الجنة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)  ، الكافر مطلق يرتع في الشهوات والأهواء مثل البهائم ولا يبالي بيوم القيامة، أما  المؤمن فيعيش في هذه الدنيا مثل السجين؛ فهو قبل أن يشرب –مثلا- يبحث عن المشروب أحلال هو أم حرام، لذلك يعوضه الله والجزاء من جنس العمل.

فمن شرب الخمر في الدنيا حرم منها في الآخرة، والحرير والذهب لا يلبسهما الرجل في الدنيا فيعوضه الله سبحانه وتعالى في الجنة، فيلبس المؤمن في الجنة الحلل والحرير والذهب والفضة وما هو أعظم من ذلك.

 إن الذين يعبدون الله سبحانه وتعالى ويخفون عبادتهم في الليل كما يقول سبحانه وتعالى عنهم:  تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ  [السجدة:16]، كأن بينهم وبين الفراش خصام ، فتتجافى الجنوب  وتتباعد، ويقوم الواحد منهم ويهجر الفراش ابتغاء مرضات الله، ما ثوابهم؟  نقول: الجزاء من جنس العمل، كما أخفوا عبادتهم في جوف الليل أخفى الله لهم الثواب فقال:  فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  [السجدة:17]

ومن الأحاديث الدالة على خلود أهل الجنة:

ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

(يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح  ، فينادي مناد : يا أهل الجنة ، فيشرئبون  وينظرون ، فيقول : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم ، هذا الموت ، وكلهم قد رآه ، ثم ينادي : يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون .فيقول : وهل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم ، هذا الموت ، وكلهم قد رآه ، فيذبح ثم يقول : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت .

ثم قرأ : {وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة - وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا - وهم لا يؤمنون}) متفق عليه.

وما رواه ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

(إذا صار أهل الجنة إلى الجنة ، وأهل النار إلى النار ، جيء بالموت حتى يجعل بين الجنة والنار ، ثم يذبح ، ثم ينادي مناد : يا أهل الجنة لا موت ، ويا أهل النار لا موت ، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم) متفق عليه .

أهل الجنة يرثون نصيب أهل النار من الجنة:

 لكل إنسان منا مقعد في الجنة ومقعد في النار، فبعدما يدخل المرء في القبر ويسأل ويمتحن يفتح له باب إلى النار ويقال له: هذا مقعدك من النار لو مت على غير الإسلام، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويقال: هذا مقعدك من الجنة، ويأتيه من روح الجنة وطيبها ونعيمها إلى يوم القيامة[18]

والكافر –كذلك- كان له مقعد في الجنة، لكنه لم يؤمن فأخذ مقعده في النار[19]، ومقعده في الجنة يرثه المؤمنون، وهذا تصديق قوله سبحانه وتعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ [المؤمنون:10] * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [المؤمنون:11]

فيأخذون مقاعدهم ويرثون مقاعد الكافرين الذين ماتوا على غير التوحيد.

أبواب الجنة

تعال أخي نطرق أبواب الجنة لنسيح بفكرنا في ملكوت الله فيها وما أودع فيها من بديع الأسرار لعباده الأخيار، قال تعالى: }حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا{ [الزمر: 73]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد ألاَّ إله إلا الله وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، إلاَّ فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء»[20]

وكيف لا يكون لها أبوابٌ كثيرةٌ وهي التي عرضها السماء والأرض، قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الحديد: 21]

فهي جنةٌ عاليةٌ غاليةٌ عظيمة، ذات أبوابٍ واسعةٍ عظيمةٍ تليق بسعتها وتدلُّ على علوِّ منزلتها وقدرها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة، يُزاحَم عليها كازدحام الإبل ورَدتْ لخمسٍ ظما»[21] ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم

(والذي نفسي بيده ، إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ، كما بين مكة وحمير - أو كما بين مكة وبصرى)متفق عليه ، والمصراع : جانب الباب.

بصرى : مدينة في الشام .

ولقد جعل الله لكلِّ باب أهلاً: فهناك بابٌ للتوابين، وبابٌ للمتصدِّقين، وبابٌ للمجاهدين، وبابٌ للكاظمين الغيظ، وبابٌ للصائمين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق زوجين[22] في سبيل الله نودي في الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمَن كان من أهل الصلاة دُعِي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعِي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعِي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعِي من باب الريان».

فقال أبو بكر: يا رسول الله، ما على أحدٍ يُدعى من هذه الأبواب من ضرورة[23]، فهل يُدعى أحدٌ من هذه الأبواب؟

قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم»[24] .

واعلم أنَّ مفتاح الجنة إنما هو توحيد الله جلَّ وعلا وتحقيق «لا إله إلا الله»، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه دخل الجنة»[25]

فتوحيد الله مفتاح الجنة، وأسنان ذلك المفتاح هي الأعمال الصالحة كأداء الفرائض والقيام بالواجبات والنوافل وسائر القُربات.

والجنة لها ثمانية أبواب كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (في الجنة ثمانية أبواب، منها باب اسمه الريان لا يدخل منه إلا الصائمون)[26]،وفي الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : إن في الجنة بابا يقال له الريان ، يدخل منه الصائمون يوم القيامة ، لا يدخل منه أحد غيرهم ، يقال : أين الصائمون ؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم ، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد، متفق عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: (إن ما بين المصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وإنه لكظيظ)[27]، يعني من شدة الزحام عليه.

غرف الجنة:

وأمَّا غرف الجنة فلا تسَلْ عن قوَّة بنائها وإحكام أركانها وبهاء منظرها وتلألؤ مظهرها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغائر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم».. قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: «بلى، والذي نفسي بيده، رجالٌ آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»[28] .

إنها كالكواكب في علوِّها وتلألؤها وانسيابها في الفضاء .. نعم، إنها عالية شامخة، أعدَّها الله للمؤمنين لَمَّا استعلَوا عن الكفر والفجور والفسق، لَمَّا خضعوا لله في الدنيا بفعل الأوامر وترك النواهي، رفع الله قدرهم وأسكنهم في تلك الغرف المتعالية .. واقرأ إن شئت أخي الكريم قول الله جلَّ وعلا: }لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ{ [الزمر: 20]

وقال تعالى: }فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ{ [سبأ: 37]

خيام الجنة:

إن الجنة مساكن تتلألأ، فكما أن غرفها كالكواكب الغائرة فكذلك خيامها لآلئ مجوَّفة .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوَّفة عرضها في السماء ستون ميلاً، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضًا»[29] .

إنها لؤلؤة واحدة على شكل خيمة طولها ستون ميلاً.

 

 

قصور الجنة:

أمَّا قصور الجنة فهي من ذهبٍ ولؤلؤٍ وزبرجدٍ وفضة، فلا يعلم حُسنها وبهاءها إلاَّ الذي خلقها وبناها سبحانه وتعالى, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلتُ الجنة، فإذا أنا بقصرٍ من ذهب، فقلت: لِمن هذا القصر؟قالوا: لشاب من قريش، فظننت أني أنا هو. فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب»[30]

أهل الجنة يعرفون منازلهم

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال

 إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار ، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نقوا وهذبوا ، أذن لهم بدخول الجنة ، فو الذي نفس محمد بيده ، لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله كان في الدنيا[31]

 

 

نماذج من بيوت الصحابة في الجنة:

بيت خديجة رضي الله عنها في الجنة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال

 أتى جبريل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله هذه خديجة أتتك بإناء فيه طعام أو إناء فيه شراب فأقرئها من ربها السلام وبشرها ببيت من قصب[32]، لا صخب[33] فيه و لا نصب) متفق عليه.

بيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الجنة

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 

)دخلت الجنة فإذا أنا بقصر من ذهب، فقلت: لمن هذا ؟فقالوا لرجل من قريش فما منعني أن أدخله يا ابن الخطاب إلا ما أعلم من غيرتك قال: وعليك أغار يا رسول الله )متفق عليه

درجات الجنة وتفاضل منازل أهلها:

لقد خلق الله الجنة وأورثها عباده الصالحين وجعلهم فيها متفاضلين متفاوتين، ولذلك كانت الجنة درجات يفضل بعضها بعضًا، وكل ذلك فضلاً من ربك وعدلاً؛ ليشمر ويثابر من اشتاقت نفسه إلى الجنة وعلت هِمَّته لأعلى درجاتها، في ذلك النعيم المقيم قال تعالى: }وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا{ [طه: 75]

فالإيمان والعمل الصالح هما طريق الفردوس، فكلما كان إيمانك عاليًا ثابتًا كانت منزلتك رفيعة في تلك الدرجات، وإنما يتفاوت المؤمنون المتقون في ذلك بحسب إيمانهم وتقواهم قال سبحانه وتعالى: }مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا{ [الإسراء: 18-21]

فهنا بيَّن الله سبحانه وتعالى  أنَّ أهل الآخرة يتفاضلون فيها أكثر مما يتفاضل الناس في الدنيا، وأنَّ درجات الآخرة أكبر من درجات الدنيا [34] .

إن تفاضل الجنان يشمل أيضا التفاضل بين خيراتها من أبنية وعيون وأشجار وفواكه ونساء .فلقد قال تعالى: }فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{ [الرحمن: 36]، وبعد وصفهما قال سبحانه: }وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ{ [الرحمن: 62] أي دون الجنتين الأوليين في الخير والمقام والمنزلة.

فأما عن الفاكهة فقال في الأوليين: }فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ{ [الرحمن: 52]

فذكر أنَّ في كلِّ صنف من الفواكه شكلين، أما في الجنتين الأخريين فذكر مطلق الفاكهة من غير ذكر الزوجين فقال: }فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ{ [الرحمن: 68]

وأما عن الأثاث فقال في الأولتين: }مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ{ [الرحمن: 54] وقال في الأخريين: }مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ{ [الرحمن: 76]

ولا شك أنَّ الفرش أفضل من الزخرف، وأنَّ الاستبرق أفضل من العبقري.

وهكذا الأمر في نسائهما وخضرتهما كما هو ظاهر الآيات، وما هذا التفاضل إلاَّ تسلية من الله لعباده الصالحين الذي تحملوا مشاق السفر في رحلة الدنيا، وصبَّروا على ما أصابهم من ضرٍّ في سبيل الله وحده، وعاشوا بين أهليهم غرباء لِما كانوا عليه من التمسك بالكتاب والسنة وخصوصا في هذه الأزمان المتأخرة.

ومما يدلُّ على تفاضل أهل الجنة حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه الآتي.

أدنى أهل الجنة منزلة:

عن  المغيرة بن شعبة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «سأل موسى ربه: ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعدما أدخل أهل الجنة الجنة. فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب؟ وكيف؟ وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربِّ، فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربِّ، فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذَّت عينك، فيقول رضيت ربِّ، قال أي موسى: ربِّ، فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت، غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عينٌ ولم تسمع أذنٌ ولم يخطر على قلب بشر».

 قال: «ومصداقه في كتاب الله عز وجل: }فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ{»[35] .

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ما يؤيد هذا المعنى فقد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال

 إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم ، كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم . قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال : بلى والذي نفسي بيده ، رجال آمنوا بالله وصدّقوا المرسلين)[36] متفق عليه.

 ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حُفَّت الجنة بالمكاره، وحُفَّت النار بالشهوات» [37]  , فالجنة سلعة الله الغالية تطلب العمل الصالح  والجهد والاستعلاء على حظوظ النفس وشهواتها ومطامعها.

أعلى منزلة في الجنة:  

أما أعلى منزلة في الجنة فإنها «الوسيلة»، وهي بإذن الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليَّ؛ فإن مَن صلَّى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله تعالى لي "الوسيلة"؛ فإنَّ من سأل الله لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة»[38] .

وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الشهداء في سبيل الله ممن ينالون تلك الدرجات العلى، قال صلى الله عليه وسلم : «أفضل الشهداء الذين يقاتلون في الصف الأول فلا يلفتون وجوههم حتى يُقتلوا، وأولئك يتلبطون في الغرف العلى من الجنة، يضحك إليهم ربك، فإذا ضحك ربك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه»[39]، ومن الذين ينزلون الدرجات العلا الساعي على الأرملة والمسكين وكافل اليتيم، بل دعاء الأبناء لآبائهم بعد الموت يرفع  درجات آبائهم ،  فإن المؤمن يرفع في درجته في الآخرة بدعاء ابنه له، وقد جاء في الحديث: (إذا مات ابن آدم انقطع عنه  عمله إلا من ثلاث: وذكر منها أو ولد صالح يدعو له )[40]

فتحصل أن الجنة درجات كما أن النار دركات، يقول سبحانه وتعالى: فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلى [طه:75]

ويقول عز وجل: وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21]، ويقول عليه الصلاة والسلام: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤن الضعيف وفي كل خير)[41]، لكن القوي درجاته عند الله أعلى.

ويقول سبحانه وتعالى: أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً [الحديد:10] ، يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11]، ويقول سبحانه وتعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ [الرحمن:46]، ومع ذلك قال: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ [الرحمن:62] كل هذه الآيات والأحاديث السابقة تدل على تفاوت أهل الجنة في الدرجات.

أول زمرة تدخل الجنة

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

) أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر ، لا يبصقون فيها ، ولا يمتخطون ، ولا يتغوطون ، آنيتهم فيها الذهب ، أمشاطهم من الذهب والفضة . ومجامرهم الألوة ، ورشحهم المسك[42]،  ولكل واحد منهم زوجتان ، يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض ، قلوبهم قلب واحد ، يسبحون الله بكرة وعشيا متفق عليه، وزاد مسلم(وما في الجنة أعزب).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :

) إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دريّ في السماء إضاءة ، لا يبولون ولا يتغوطون ، ولا يتفلون ولا يمتخطون ، أمشاطهم الذهب ، ورشحهم المسك ، ومجامرهم الألوة الأنجوج ، عود الطيب وأزواجهم الحور العين ، على خلق رجل واحد ، على صورة أبيهم آدم ، ستون ذراعا في السماء [43]متفق عليه.

آخر أهل الجنة دخولا ً

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم 

(...ويبقى رجل منهم مقبل بوجهه على النار ، فيقول : يا رب ، قد قشبني ريحها،وأحرقني ذكاؤها[44]،فاصرف وجهي عن النار،فلا يزال يدعوالله

فيقول : لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره

فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره . فيصرف وجهه عن النار ، ثم يقول بعد ذلك : يا رب قربني إلى باب الجنة

فيقول : أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ، ويلك ابن آدم ما أغدرك ، فلا يزال يدعو . فيقول : لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره .

فيقول : لا وعزتك لا أسألك غيره . فيعطي الله من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره ، فيقربه إلى باب الجنة ، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت ، ثم يقول : رب أدخلني الجنة .

ثم يقول : أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره ، ويلك يا ابن آدم ماأغدرك، 

فيقول : يا رب لا تجعلني أشقى خلقك ، فلا يزال يدعو حتى يضحك ، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها .فإذا دخل فيها قيل له : تمن من كذا ، فيتمنى ، ثم يقال له : تمن من كذا ، فيتمنى ، حتى تنقطع به الأماني ، 

فيقول له : هذا لك ومثله معه .

قال أبو هريرة رضي الله عنه: وذلك الرجل آخر أهل الجنة دخولا( متفق عليه

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال

( آخر من يدخل الجنة رجل ، فهو يمشي مرة ، ويكبو مرة ، وتسفعه النار مرة ، فإذا ما جاوزها التفت إليها ، فقال : تبارك الذي نجاني منك ، لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين ، فترفع له شجرة ، فيقول : أي رب ، ادنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها ، وأشرب من مائها ، فيقول الله عز وجل : يا ابن آدم ، لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها ، 

فيقول : لا يا رب ، ويعاهده أن لا يسأله غيرها ، وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليه ، فيدنيه منها ، فيستظل بظلها ، ويشرب من مائها ، ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى ، فيقول : أي رب ، ادنني من هذه لأشرب من مائها ، وأستظل بظلها ، لا أسألك غيرها ، 

فيقول : يا ابن آدم ، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها ، فيقول : لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها ، فيعاهده أن لا يسأله غيرها ، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه ، فيدنيه منها فيستظل بظلها ، ويشرب من مائها ، ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين ، فيقول : أي رب ، ادنني من هذه لأستظل بظلها ، وأشرب من مائها ، لا أسألك غيرها .

فيقول : يا ابن آدم ، ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها ، قال : بلى يا رب ، هذه لا أسألك غيرها ، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليها ، فيدنيه منها ، فإذا أدناه منها فيسمع أصوات أهل الجنة .

فيقول : أي رب ، أدخلنيها ، 

فيقول : يا ابن آدم ما يصريني منك ؟ أيرضيك

أن أعطيك الدنيا ومثلها معها ؟ قال : يا رب ، أتستهزئ مني وأنت رب العالمين ؟ .

فضحك ابن مسعود ، فقال : ألا تسألوني مم أضحك فقالوا : مم تضحك ، قال : هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

فقالوا : مم تضحك يا رسول الله ، قال : من ضحك رب العالمين حين قال : أتستهزئ مني وأنت رب العالمين ؟ فيقول : إني لا أستهزئ منك ، ولكني على ما أشاء قادر)[45] .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم

( إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها ، وآخر أهل الجنة دخولا ، رجل يخرج من النار كبوا ، فيقول الله : اذهب فادخل الجنة ، فيأتيها ، فيخيل إليه أنها ملأى ، فيرجع فيقول : يا رب وجدتها ملأى ، 

فيقول : اذهب فادخل الجنة ، 

فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى .

فيرجع فيقول : يا رب وجدتها ملأى ، 

فيقول : اذهب فادخل الجنة ، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها - أو : إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا

فيقول : تسخر مني - أو : تضحك مني - وأنت الملك .

فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ، 

وكان يقول : ذاك أدنى أهل الجنة منزلة(متفق عليه .

 

 

أبأس أهل الأرض وغمسة في الجنة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة ،ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط ؟ هل مر بك نعيم قط ؟ فيقول: لا، والله يا رب ، ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ صبغة في الجنة فيقال له يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط ؟ هل مر بك شدة قط ؟ فيقول لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط.[46]

 

أنهار الجنة  وعيونها وترابها وأشجارها وظلالها وفواكهها

تربة الجنة:

عن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال صلى الله عليه وآله وسلم : ثم أدخلت الجنة ، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ ، وإذا ترابها المسك،   متفق عليه

والجنابذ : جمع جنبذة , وهو ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة ، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن صياد: «ما تربة الجنة؟». قال: درمكة بيضاء مسك ،يا أبا القاسم. قال: «صدقت»[47] .وفي حديث آخر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تربة الجنة فقال: «درمكة بيضاء مسك خالص»[48] وقد تقدَّم في الحديث أنَّ تربتها الزعفران[49]، فتراب الجنة هو المسك والزعفران والدرمكة البيضاء (الدقيق الحواري المنقى، الخالص البياض)..

عيون الجنة:

قال تعالى: }إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ{ [الحجر: 45]

وقال سبحانه: }إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا{ [الإنسان: 5، 6]

قال بعض السلف: معهم قضبان من حديد، حيثما مالوا مالت معهم[50]

في تلك الجنات، تتفجَّر عيونها كلَّ حين، تارةً تُمزج بالكافور فتكون باردة طيبة الرائحة، وأخرى بالزنجبيل فتكون حارة طيبة الرائحة .. قال تعالى: }وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا{.

وقال سبحانه }إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ{ [الحجر: 45، 46]

وفي الجنة عينان:

الأولى- عين الكافور.. قال تعالى: }إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا{ [الإنسان: 5، 6]

وهذه العين يشرب منها المقربون الماء الخالص، وأما الأبرار فيشربونه ممزوجًا.

الثانية- عين التسنيم .. قال تعالى: }إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ{ [المطففين: 22-28]

 

أنهار الجنة:

أما أنهارها فكثيرة، ومنها نهر الكوثر، ومن بين القصور الذهبية، والخيام البهية تجري أنهار عذبة لذَّة، أعدَّها الله للمؤمنين، ونوَّع أجناسها وشرابها، فمنها الماء ومنها العسل ومنها الخمر ومنها اللبن .. قال تعالى: }مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى{ [محمد: 15]

فماء الدنيا يأسن من طول مكثه، لكنَّ مياه أنهار الجنة لا تأسن .. ولبن الدنيا تُصيبه الحموضة إذا طال مُكثه، لكنَّ لبن الآخرة لا يتغيَّر طمعه، خَمر الدنيا كريهة المذاق كريهة الرائحة، أما خمر الجنة ففيها من اللذَّة ما يبعث على الشرب، وعسل الدنيا تُصيبه الأخلاط فلا يصفو، أما عسل الجنة فصافٍ لامع طريٍّ .. فأين هي الدنيا من الآخرة؟!

وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في إسرائه صلى الله عليه وسلم: «رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان، فقلت: يا جبريل، ما هذه الأنهار؟ قال: أما النهران الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات»[51] .

و هذه الأنهار ما أودع الله فيها من خيرات لم تجرِ العادة بمثلها في الدنيا، وهي تجري في الجنة من غير أُخدود، تحت القصور والمنازل والغرف وتحت الأشجار، قال تعالى: }جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ{ [البقرة: 25]

وقال سبحانه }تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ{ [التوبة: 100]

وقال سبحانه }تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ{ [الكهف: 31]

أما الكوثر فهو نهر من أنهار الجنة أعطاه الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: }إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ{ [الكوثر: 1] .

وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بينما أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدرر المجوف[52] ، قلت ما هذا يا جبريل قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طيبه أو طينه مسك أذفر»[53] .

و هذه الأنهار تنساب متفجِّرة من الأعلى، ثم تنحدر في نزول، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ في الجنة مائة درجة أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفجَّر أنهار الجنة»[54]

وأخبر صلى الله عليه وسلم كذلك أنَّ هذه الأنهار تنشق من أربعة بحور، قال صلى الله عليه وسلم:

«إنَّ في الجنة بحر العسل وبحر الخمر وبحر اللبن وبحر الماء، ثم تنشقُّ الأنهار بعد»[55] .

أشجار الجنة وفواكهها:

ومن نعيم الجنة الخالد كثرة الأشجار ووفرة طيب الثمار وغرائب الأطيار، فأشجارها لا يقدر قدرها إلاَّ الذي خلقها، من كثرة أغصانها وطول عمودها وانسياب أركانها وأعوادها، ولقد أودع الله فيها من جمال الشكل وحُسن المنظر وبهاء اللون وورونق المظهر وامتداد الظل وطيب الثمار ما لا يخطر على بال ولا رأته عين ولا سمعته أذن.

وهي أشجار كثيرة عديدة متنوعة؛ فمنها أشجار الرمان ومنها أشجار العنب ومنها أشجار السدر ومنها أشجار الطلح.

ولا تظن  أن هذه الفاكهة هي نفسها التي نراها في الدنيا، بل أنَّ فواكه الآخرة لا تُشبه فواكه الدنيا سوى في الاسم فقط كما صحَّ ذلك عن ابن عباس رضي الله عنه[56]

أمَّا شكلها ولونها ومذاقها فلا يعلم قدره ومقداره إلاَّ الذي خلقها وأبدعها.

قال تعالى: }إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا{ [النبأ: 31، 32]

وقال سبحانه: }فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ{ [الرحمن: 69]

وقال عز وجل: }وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ * وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ{ [الواقعة: 27-32]

فسدر الجنة مخضود، منزوع الشوك، وطلحها منضود معد للتناول دون كد أو عناء،  ووصف الله فاكهة الجنة بأنها كثيرة، فقال سبحانه وتعالى:

} يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ{ [ص: 5]

وقال سبحانه وتعالى: }وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ{ [الواقعة: 20]

وقال جل وعلا: }إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ * وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ{ [المرسلات: 41، 42]

إنها فواكه كثيرة طيبة لا تنقطع؛ فأشجارها دائمة العطاء وافرة الخضرة ممتدة الظلال في كل حال، قد تشابهت أشكال ثمارها، بيد أنَّ كنهها ومذاقها يختلف، وهذا من لطائف نُضجها وعجائب قدرة الله في إبداعها، قال تعالى: }كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا{ [البقرة: 25]

ومن تلك الأشجار ما إنَّ ظلها ليسير فيه الراكب مائة عام وما يقطعه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام وما يقطعها»[57] ، يمشي في ظلها مائة عام ولا تكفي المائة العام ليقطع مسافتها، فذلك قوله  تعالى: }وَظِلٍّ مَمْدُودٍ{ [الواقعة: 30]

ومن تلك الأشجار «سدرة المنتهى» قال تعالى: }وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى{ [النجم: 13، 14]

وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء: «ثم انطلق بي - أي جبريل - حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، ونبقها قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة، تكاد الورقة تغطي هذه الأمة، فغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أُدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك»[58]

ومن تلك الأشجار ما يخرج منها ثياب أهل الجنة قال صلى الله عليه وسلم: «طوبى شجرة في الجنة، مسيرة مائة عام، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها»[59] .

ومما يزيد أشجار الجنة بهاءً وجمالاً أنَّ سيقانها من الذهب، قال صلى الله عليه وسلم: «ما في الجنة شجرة إلاَّ وساقها من ذهب»[60] .

ومع كثرة أشجار الجنة وثمارها، فإن أهل الجنة يرغبون في الزرع، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يومًا يحدث وعنده رجل من أهل البادية: «إنَّ رجلاً من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع فقال له: أو لست فيما شئت؟ قال: بلى، ولكن أحب أن أزرع، فأسرع وبذر، فبادر الطرف نباته واستواؤه واستحصاده وتكويره أمثال الجبال، فيقول الله: دونك يا ابن آدم؛ فإنه لا يشبعك شيء».

فقال الأعرابي: يا رسول الله، لا تجد هذا إلا قرشيًا أو أنصاريًّا؛ فإنهم أصحاب زرع، فأما نحن فلسنا بأصحاب زرع، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم[61]

أيضاً في الجنة أشجار مثل أشجار العنب وأشجار النخيل والرمان والسدر والطلح، ويقول صلى الله عليه وسلم: (ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب)[62]، ويقول عليه الصلاة والسلام: (لقيت إبراهيم عليه السلام ليلة أسري بي، فقال لي: يا محمد! أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأنها غراس، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)[63] .

أهل الجنة:

أكثر أهل الجنة الفقراء وضعفاء الناس وأقل أهل الجنة النساء:

عن عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال

(اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء ، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء) متفق عليه ،وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن أقل ساكني الجنة النساء[64]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم 

( تحاجت [65]الجنة والنار ، فقالت النار : أوثرت[66] بالمتكبرين والمتجبرين .

وقالت الجنة : ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم .

قال الله تبارك وتعالى للجنة : أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي وقال للنار : إنما أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ، ولكل واحدة منهما ملؤها .

فأما النار : فلا تمتلئ حتى يضع رجله فتقول : قط قط ، فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض ، ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدا .

وأما الجنة : فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقا). متفق عليه.

 

إن أكثر أهل الجنة الضعفاء والفقراء والمساكين: فالجنة ليست ثمناً للعمل الصالح، فالعمل الصالح سبب فقط في دخول الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: (لن يدخل أحداً منكم الجنة عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل)[67]، فالمؤمن يدخل الجنة بفضل الله ورحمته لا بعمله، لكن العمل سبب في دخول الجنة .

نساء الجنة

حُسنهن:

أمَّا نساء الجنة فأعظِم بجمالهن؛ فإنهنَّ محورات العيون ملألآت الخدود، تكسوهنَّ النضرة، ويملؤهنَّ الجمال، أخَّاذات بنظراتهن، ساحرات بحسنهن، قاصرات بطرفهن.

قال تعالى: }وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ{ [الواقعة: 22، 23]

وقال سبحانه: }كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ{ [الرحمن: 58]

وقال تعالى: }كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ{ [الصافات: 49]

قد تمازج بياض عيونهن بالسواد، وبياض أبدانهنَّ بالنعومة، فقد جاء في الحديث «ولكلٍّ واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن»[68] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو اطَّلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت ما بينهما ريحًا (أي المشرق والمغرب)، ولأضاءت ما بينهما، ولنصيفها- أي خمارها وهو ما يغطى به الرأس- على رأسها خيرٌ من الدنيا وما فيها»[69]

 

 

ونساء الجنة كلُّهنَّ أبكار، لم يمسهنَّ أحدٌ من الإنس أو الجن قال تعالى:

}إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا{ [الواقعة: 35، 36]

وعربا: جمع «عروب»، وهنَّ المتحببات إلى أزواجهن.

وقال أبو عبيدة: العروب: الحسنة التبعُّل أي التي تُحسن مواقعتها وملاطفتها لزوجها عند الجماع، وقال المبرد: هي العاشقة لزوجها.

 

أخلاقهن:

أمَّا أخلاقهن فإنها رفيعة عالية، جمعت طلاوة الحياء والحشمة وحلاوة التودد والبسمة وقصر الطرف وحسن الإقبال وجمال الوجه ولطافة الإهلال. قال تعالى: }فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ{ [الرحمن: 70]

فالخيرات جمع «خيرة»، وحسان جمع «حسنة»، فهنَّ خيرات الصفات والأخلاق والشيم، حسان الوجوه.

وقال تعالى: }حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ{ [الرحمن: 72]

فهن محبوسات على أزواجهن لا يرين غيرهم، في الخيام، ولا يردن غيرهم، ولا يتطلَّعن إلى من سواهم، بما وهبهن الله من صدق العشرة وصفاء الحب والمودة والإخلاص لأزواجهن.

وقال تعالى: }وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ{ [الصافات: 48]

والطرف بتسكين الراء هو البصر، أي أنهن يقصرن أبصارهن على أزواجهن إعجابًا وحبًّا فيمدح الله سبحانه وتعالى الحور العين بصفتين:صفة العفة وصفة الجمال؛ لأن هذا أعظم ما يكون، فصفة العفة قوله: مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72] تقصر طرفها وعينيها على زوجها فقط ولا تنظر إلى غيره.

غناؤهن:

نساء الجنة مع زهو جمالهنَّ ورقة أبدانهنَّ ونعومة شكلهنَّ وسحرهنَّ وحسنهنَّ، ومع ما تحلين به من دماثة الأخلاق وحُسن العشرة، قد وُهِبن من الأصوات أحسنها، ومن الأغاني أعذبها وأطربها .. قال تعالى: }وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ{ [الروم: 14، 15]

قال يحيى بن أبي كثير: الحبرة: اللذة والسماع.

 

 

 

 

صفات أهل الجنة:

 

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

( إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون، قالوا

فما بال الطعام؟ قال: جشاء[70] ورشح[71] كرشح المسك يلهمون التسبيح والتحميد كما تلهمون النفس )[72]

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال

( من يدخل الجنة ينعم لا يبأس[73]، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :

( ينادي مناد- أي يوم القيامة في الجنة- : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا ، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا ، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا . فذلك قوله عز وجل [ ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون)[74] .

 

 

هيئة أهل الجنة وأخلاقهم وحياتهم فيها:

قد جعل الله أهل الجنة في أكمل صورة خُلق عليها البشر، وهي صورة آدم عليه السلام وما ذلك إلاَّ لتكمل سعادتهم وغبطتهم في ذلك النعيم الخالد. وكما جمَّل الله صورهم فقد جمل أخلاقهم، فكان أهل الجنة على خُلق رجل واحد .. قال صلى الله عليه وسلم: «أخلاقهم على خُلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعًا في السماء»[75] .

 

كل من يدخل الجنة على صورة آدم[76]:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال

( خلق الله آدم وطوله ستون ذراعا ، ثم قال : اذهب فسلم على أولئك من الملائكة ، فاستمع ما يحيونك ، تحيتك وتحية ذريتك .

فقال السلام عليكم .

فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، فزادوه : ورحمة الله ، فكل من يدخل الجنة على صورة آدم ، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن(متفق عليه .

 

 

فما أعذب تلك الحياة وما ألذ عيشها!

حياة كلُّها مودَّة وصفاء وألفة وإخاء ومحبة وصدق ووفاء .. قال تعالى: }وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ{ [الحج: 24]

وقال سبحانه }لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً{ [الغاشية: 11]

وقال سبحانه: }وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ{ [الحجر: 47]

فلا نكد ولا شقاء ولا بغض ولا حسد ولا تشاجر ولا حروب، وإنما هو مجتمع يسوده الهدوء والسكينة والألفة والرحمة.

وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أهل الجنة كلهم شباب أبناء ثلاث وثلاثين.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يدخل أهل الجنة جُردًا مُردًا، كأنهم مكحَّلون، أبناء ثلاث وثلاثين»[77]

كما أنهم لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا ينامون، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النوم أخو الموت، ولا ينام أهل الجنة»[78]

 

 أهل الجنة يتسوقون في  الجنة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال

( إن في الجنة لسوقا ، يأتونها كل جمعة[79]، فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم ، فيزدادون حسنا وجمالا ، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا ، فيقول لهم أهلوهم : والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا ، فيقولون : وأنتم ، والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا)[80]

حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : حوضي مسيرة شهر ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه[81] كنجوم السماء من شرب منها فلا يظمأ أبدا( متفق عليه  .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :إن حوضي أبعد من أيلة من عدن[82] ، لهو أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل باللبن ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه، قالوا: يا رسول الله، أتعرفنا يومئذ؟ قال: نعم، لكم سيما[83] ليست لأحدمن الأمم، تردون علي غرا[84] محجلين[85] من أثر الوضوء[86]

 

أفضل النعيم الذي يؤتاه أهل الجنة:

هو رؤية الرب سبحانه وتعالى حين يتجلى لهم في الآخرة، فهذا هو الهدف الأعظم والأسمى من دخول الجنة، وذلك حين يكشف الحجاب ويتجلى لهم الرحمن سبحانه وتعالى، فلا يلتفتون حينئذ لأي شيء من نعيم الجنة ما داموا يتمتعون بالنظر إلى وجه الرب سبحانه وتعالى، يقول سبحانه وتعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ [القيامة:22] * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:23]، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :(جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما . وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن)[87]، . وقال صلى الله عليه وسلم « إذا دخل أهل الجنة الجنة - قال - يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار - قال - فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل »[88]

رضوان الله على أهل الجنة:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ؟

فيقولون : لبيك ربنا وسعديك . فيقول : هل رضيتم ؟ .

فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك . فيقول : أنا أعطيكم أفضل من ذلك .

قالوا : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟

يقول : أحل عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم بعده أبدا ) متفق عليه .

وآخر ما يختتم به دعاء المؤمنين في الجنة: الحمد لله رب العالمين، فهذه الأمة أمة الحمد، ونبيها محمد صلى الله عليه وسلم وأحمد، وهو حامل لواء الحمد يوم القيامة، وافتتح كتابه بالحمد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2]، ويختتم دعاء المؤمنين بالحمد: وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]، وأمته صلى الله عليه وآله وسلم الحمادون الذين يحمدون الله على السراء والضراء[89]، فاللهم اجعلنا منهم، آمين آمين آمين

 

أعمال تدخل  الجنة:

أما أعمال أهل الجنة فهي تحقيق التوحيد والصبر على مشقة التكاليف؛ لأن أصل التكاليف الشرعية هي أن تؤمر بشيء فيه مشقة على نفسك، لكن هذه المشقة تدخل في طاقتك، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

أن تستقيم على دين الله سبحانه وتعالى من التوحيد والعبادات هذا هو أعظم طريق يوصلك إلى الجنة، فطريق الجنة شاق  يحتاج إلى مجاهدة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة)[90]

ولقد وردت النصوص الشريفة ببعض الأعمال التي تدخل الجنة فضلا من الله ورحمة، ومن هذه الأعمال :

   1-الشهادتان والإيمان بعيسى عليه السلام والجنة والنار

عن عبادة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال 

)من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)[91]

 2- أركان الإسلام والجهاد في سبيل الله

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من آمن بالله ورسوله ، وأقام الصلاة ، وصام رمضان ، كان حقا على الله أن يدخله الجنة ، هاجر في سبيل الله ، أو جلس في أرضه التي ولد فيها ، قالوا : يا رسول الله ، أفلا ننبئ الناس بذلك ؟ قال : إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة ، وأعلى الجنة ، وفوقه عرش الرحمن ، ومنه تفجر أنهار الجنة)[92]

3- إحسان الوضوء وإسباغه

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال 

( ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة )[93]

4-منع النفس من اتباع الشهوات والإقدام على التكاليف الشرعية ومكاره النفس.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( حفت- أي أحيطت- الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات ( متفق عليه

5- حفظ اللسان والفرج

عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ( من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة)[94]

6-الفقر والتذلل لله سبحانه وتعالى

عن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

( ألا أخبركم بأهل الجنة ؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره[95]متفق عليه.

7- إماطة الأذى عن الطريق

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال

( لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة-أي يتنعم في الجنة-  ، في شجرة قطعها من ظهر الطريق ، كانت تؤذي الناس)[96]

 

أعمال تمنع المسلم من دخول الجنة :

إن هذه الأعمال قد تمنع المسلم من دخول الجنة إلا أن يتغمده الله برحمة منه وفضل وتجاوز، ولكنها على كل حال لا توجب له الخلود في النار، فمن هذه الأعمال:

1- قطع الأرحام

عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (لا يدخل الجنة قاطع )[97] أي قاطع لرحمه، والعياذ بالله سبحانه وتعالى.

2- القتات، والقتات : النمام الذي يستمع كلام الناس وهم لا يعلمون ثم ينقله لغيرهم للإفساد ، وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قتات( متفق عليه.

3-أذية الجار

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال

(لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه [98](، وبوائقه :أي ظلمه وشروره ومصائبه

4-التكبر

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال

(لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر . قال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة ، قال : " إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق ، وغمط الناس) [99]

وختاما نسأل الله الرحمن الرحيم أن يدخلنا الجنة وأن يورثنا الفردوس الأعلى منها، إنه على كل شيء قدير، آمين آمين آمين.

 ----------------------

الهوامش

 

[1] أخرجه البخاري، رقم(3250).

[2] أخرجه البخاري، رقم (6535).

[3] أخرجه مسلم، رقم (507).

[4] أخرجه مسلم، رقم (505).

[5]الملاط: الطين، وهو المادة التي توضع بين اللبنتين.

[6]أخرجه الترمذي (2526) وقال الألباني : صحيح دون قوله مم خلق الخلق، وصححه كذلك في تخريج المشكاة (5630).

[7] أخرجه مسلم، رقم(2017).

[8] أخرجه أبوداود في سننه، رقم(4654).

[9] الألوة هو العود الهندي  الذي يتبخر به.

[10] أخرجه البخاري ، رقم (3073) ، ومسلم، رقم( 2834 ).

[11] أخرجه البخاري ، رقم (3073).

[12] أخرجه مسلم، رقم (7654).

[13] أخرجه الترمذي ، رقم(1642).

[14]  أخرجه البخاري، رقم (6566)

[15] أخرجه البخاري (6573)، ومسلم(469).

[16] أخرجه أحمد في مسنده ، رقم (17942).

[17] أخرجه البخاري (806)، ومسلم(469)،و الحبة : بذور العشب البرية، امتحشوا : احترقت جلودهم حتى ظهرت العظام.

[18] أخرجه البخاري (1338)، ومسلم(7395).

[19]  انظر المستدرك: 1/39.

[20]رواه مسلم (3/118).

[21]السلسلة الصحيحة للألباني (4/273).

[22] زوجين :أي  إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد.

[23] أي هل هناك ضرورة أن يدعى الإنسان من جميع الأبواب.

[24]البخاري (4/111) ومسلم (7/115).

[25]  أخرجه البخاري بنحوه (128)، وسلم (145).

[26]  أخرجه البخاري (1896)، ومسلم(2766).

[27] أخرجه أحمد في المسند(20037).

[28]البخاري (11/416) مسلم (17/168).

[29]البخاري (8/479) ومسلم (2838)، وفي رواية عند مسلم: طولها، وفي رواية عند مسلم أيضا: طولها في السماء أي أن عرضها وطولها متساويان وكل منهما ستون ميلا.

[30]رواه الترمذي(3688)، وقال: حسن صحيح.

[31] أخرجه البخاري(2440)،والقنطرة : جسر يربط بين مكانين، ، يتقاصون : من القصاص، والمعنى أنهم  يتراضون فيما بينهم ويتسامحون عما كان لبعضهم من تبعات على بعض أو هو المعاقبة بالمثل . ( نقوا وهذبوا )أي خلصوا من جميع الآثام ولم يبق على أحدهم أية تبعة، من التنقية وهي تمييز الجيد من الرديء، والتهذيب وهو التخليص . ( أدل ) أكثر دلالة وأعرف.

[32] قصب : اللؤلؤ المجوف كالقصر الواسع.

[33] صخب : صياح وضجيج وأصوات مرتفعة .

[34]انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية (11/188).

[35]مسلم (1/176).

[36] يتراءون : ينظرون ، والغابر : الباقي بعد انتشار ضوء الفجر، وقوله: بلى أي جواب نفي لما قالوا لا يبلغها غيرهم فكأنه قال بلى يبلغها رجال غيرهم.

[37]البخاري ومسلم.

[38]مسلم (1/176).

[39]صحيح الجامع (1/363).

[40]  أخرجه مسلم(4310).

[41]  أخرجه مسلم(6945)

[42] مجامرهم : الإناء الذي توضع فيه النار، الألوة : عود البخور، رشحهم : عرقهم.

[43] الدري : المتلألئ الضوء . الألوة الأنجوج : العود الهندي عود البخور الذي يتبخر به . الحور العين : نساء أهل الجنة وهي المرأة ذات العيون الواسعة والشديدة البياض والسواد .

[44] قشبني : سمَّني وآذاني وأهلكني ،ذكاؤها : شدة وهج النار .

[45] أخرجه مسلم(481)، ومعنى  يكبو : يسقط على وجهه، تسفعه : تضرب وجهه وتسوده وتؤثر فيه أثرا ً،( ما لا صبر له عليه ) أي نعمة لا صبر له عليها أي عنها، يصريني منك : أي شيء يرضيك ويقطع مسألتك مني.

[46]  أخرجه مسلم(2807)، ( فيصبغ في النار صبغة ) أي يغمس غمسة ( بؤسا ) البؤس هو الشدة.

[47]مسلم (18/25).

[48]مسلم (18/25).

[49]  أخرجه الترمذي(2526).

[50]حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح (224).

[51]مسلم: (1/150).

[52] قباب اللؤلؤ المجوف : أي خيام اللؤلؤ المجوف .

[53]البخاري مع الفتح (11/464) ، وأذفر : أي جيد ورائحته قوية.

[54]البخاري (6/11) .

[55]الترمذي وقال حسن صحيح (2571).

[56] انظر تفسير ابن كثير: 7/503

[57]البخاري (11/416) ومسلم (2/2176) .

[58]صحيح الجامع (4/82) والحديث في الصحيحين، و( سدرة المنتهى ) شجرة ينتهي إليها علم الملائكة ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم . ( نبقها ) أي  حملها وثمرها . ( قلال ) جرار معروفة عند المخاطبين ومعلومة القدر عندهم وتقدر القلة بمائة لتر تقريبا . ( هجر ) مدينة في اليمن ..

[59]السلسلة الصحيحة (4/639).

[60]صحيح الجامع (5/250).

[61]البخاري (13/478) ،وقوله: ( فيما شئت ) من المشتهيات والنعيم . ( فبادر الطرف نباته ) أي أسرع نباته وسبق طرفه والطرف امتداد لحظ الإنسان حيث أدرك وقيل حركة العين . ( استواؤه ) قيامه على سوقه قويا شديدا . ( استحصاده ) أسرع يبسه وصار وقت قلعه . ( لا تجده ) أي لا يكون ذلك الرجل الذي اشتهى الزرع،( تكويره ) جمعه في البيدر .

[62] أخرجه الترمذي، رقم(2525)، وقال: حسن غريب.

[63] أخرجه الترمذي، رقم(3462)، وقال: حسن غريب من هذا الوجه....

[64] أخرجه مسلم (7118).

[65]  تحاج : ناظر وناقش وجادل بالحجة والبرهان .

[66]  أوثر : أعطى وأفرد وخص وفضل وقدم وميّز.

[67] أخرجه البخاري(5673) ، ومسلم(7289).

[68]البخاري مع الفتح (6/318).

[69]رواه مسلم وانظر الترغيب (4/532).

[70] جشاء : صوت يخرج من الفم عند امتلاء المعدة.

[71]  رشح : عرق . أي أن فضلات أهل الجنة تخرج عرقا ً له رائحة المسك .

[72] أخرجه مسلم(7331).

[73] يبأس : البأس هو شدة الحال.

[74] أخرجه مسلم(7336).

[75]مسلم (4/2179).

[76]  صورة آدم : أي نفس طول آدم ستون ذراعا.

[77]صحيح الجامع (6/337) .

[78]السلسلة الصحيحة (3/74).

[79] جمعة : أي في مقدار كل جمعة أي أسبوع .

[80] أخرجه مسلم(7324).

[81] كيزانه : أباريقه

[82] أيلة : قرية على البحر الأحمر تقع على طريق حج المصريين إلى مكة، وعدن : مدينة في اليمن.

[83] سيما : علامة.

[84] غرا : وجوههم بيضاء.

[85] محجلين : الذين يسطع النور بين أيديهم وأرجلهم من الوضوء.

[86] أخرجه مسلم (604).

[87] أخرجه مسلم(466).

[88] أخرجه مسلم(467).

[89] انظر المسند للإمام أحمد(19909)، والمستدرك للحاكم(3508).

[90] أخرجه الترمذي(2450)، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث أبى النضر.

[91] أخرجه البخاري(3435).

[92] أخرجه البخاري(7423).

[93] أخرجه مسلم(576).

[94] أخرجه البخاري(6474).

[95]  ضعيف : المغلوب , أو المذل نفسه لله سبحانه . متضعف : يحتقره الناس لضعف حاله في الدنيا ، ,أبره : أي إذا حلف على شيء أوقعه الله لكرامته عليه .

[96] أخرجه مسلم(6837).

[97] أخرجه البخاري(5984) ومسلم(6684).

[98] أخرجه مسلم(181).

[99] أخرجه مسلم(275) ، ومعنى كلمة بطر :أي إنكار الحق ودفعه تكبرا ً وتجبرا ، وغمط : أي الاحتقار والاستصغار.

 

 

وصف رائع جدا للجنة  - الشيخ صالح المغامسي

 

 

أنشودة وصف الجنة : نونية لإبن القيم

 

 

أجمل وأروع كلمات في وصف الجنة من الشيخ عبدلحميد كشك