أهداف الدرس:

1- أن يعرف حقيقة الخوف ودرجاته.

2- أن يتعرف على مكانة الخوف ومنزلته في الكتاب والسنة.

3- أن يطلع على أحوال السلف رضوان الله عليهم مع الخوف منه سبحانه وتعالى.

4- أن يعرف حقيقة الرجاء ومنزلته وثمراته.

5- أن يعرف الفرق بين الخوف والرجاء.

6- أن يدرك طبيعة علاقة الخوف والرجاء في حياة المؤمن .

7- أن يكون قادرا على الموازنة بين الخوف والرجاء.

عناصر الدرس:

- تمهيد.

- حقيقة الخوف.

- درجات الخوف( الخوف القاصر- الخوف المعتدل المحمود- الخوف المفرط).

- مكانة الخوف في الكتاب والسنة.

- أحوال السلف رحمات الله عليهم مع الخوف.

- حقيقة الرجاء.

- الفرق بين الرجاء والتمني.

-  فضل وثمرات الرجاء في الكتاب والسنة.

- أنواع الرجاء.

- علاقة الرجاء بالخوف والتوفيق بينهما.

مقدمة:

في زخم انشغالنا في الدنيا الفانية ننسى حقيقة وجودنا وسر حياتنا، وكأنما خلقنا عبثاً وسُنترك هملاً !

نراوغ ونجادل، نجامل وننافق، نواري ونكذب! همنا البحث عن المادة ،وطموحنا الحصول على السعادة أياً كان سببها.

نأتي الصلاة كعادة يومية لا كنهر نغتسل منه، ومحطة نتزود منها في التقوى، بل ونقرأ القرآن "كرسائل نصية "، لا كنور يرشدنا، وواعظ يزجرنا، وشفاء يداوينا.

قست القلوب، وفسدت الأهواء، وتمردت الأنفس؛ فهانت الخطايا على قلوبنا، وغاب خوف الجليل من قلوبنا فصغرت الذنوب في أعيننا.

غرنا طول الأمل؛ فآمنا بأنه هو الغفور الرحيم، ونسينا أن أخذه أليم شديد ] نبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ _ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم[ (الحجر 50،49) .

وبعضنا من كثرة ذنوبه وشدة تقصيره أصابه اليأس، وأوشك على القنوط من رحمة الله، ونسي بل غفل عن  سعة رحمته سبحانه وجليل عفوه ]قلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ  إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا  إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [(الزمر:53) .

إنه لا رادع لنفوس من طين أن تقع في ظلمات الذنوب وحبائل الخطايا إلا خوفٌ صادق، ووجلٌ حقيقي من رب رقيب وإله مطلع] يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ[ (غافر:19) .

ولا كاسر ولا جابر لقلوب تقطعت من هول معادها إلى بارئها إلا رجاء عظيم بالله ، وتذكر رحمته سبحانه، ومنتهى فضله، وكريم عفوه، وفرحته بتوبة عبده وتطهره من الذنوب ]إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ[ (البقرة:222) .

فما هي حقيقة الخوف ودرجاته..وما هي منزلة الرجاء وأنواعه..وأيهما أولى بالاهتمام في حياة العبد؟

لأجل ذلك ستكون الكلمات القادمة مما كتب علماء السلف والخلف في ذلك.

حقيقـة الخـوف:

الخوفُ كما عرَّفه العلماءُ: توقُّع مكروه عن أَمارةٍ مظنونةٍ أو معلومةٍ.

وقيل: هو اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف(1).

وقيل: هو هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره(2) .

وهو من منازل "إياك نعبد وإياك نستعين "(3)، وسوط الله يسوق به عباده إلى المواظبة على العلم والعمل، لينالوا بهما رتبة القرب من الله تعالى(4).

وهو عبارة عن تألم القلب بسبب توقع مكروه في المستقبل، والباعث على الخوف هو العلم بالسبب المفضي للمكروه(5).

والخشية "أخص من الخوف؛ فإن الخشية للعلماء بالله ] إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء [ (فاطر:28)،  فهي خوف مقرون بمعرفة.

والخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين، وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية؛  ولذا كان r أخوف الناس من الله؛ لأنه أعرف الناس به "إني لأتقاكم لله وأخشاكم له " (6).

والفرق بين الخوف والخشية أن " صاحب الخوف: يلتجئ إلى الهرب والإمساك، وصاحب الخشية يلتجئ إلى الاعتصام بالعلم. ومثلهما مثل من لا علم له بالطب، ومثل الطبيب الحاذق، فالأول يلتجئ إلى الحمية والهرب. والطبيب يلتجئ إلى معرفته بالأدوية والأدواء" (7) .

درجـات الخـوف:

الخوف "أمر محمود، وله قصور، وله إفراط، وله اعتدال، والمحمود هو الاعتدال (8).

فالخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله عز وجل، فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط. وقيل: صدق الخوف هو الورع عن الآثام ظاهراً وباطناً(9).

وأقل درجاته مما يظهر أثره في الأعمال: أن يمتنع عن المحظورات، ويسمى الكفّ عن المحظورات: ورعاً. فإن زادت قوة الكفّ، فكف عما لا يتيقّن تحريمه، يسمى ذلك: تقوى. وقد يحمله على أن يترك ما لا بأس به مخافة الناس، وهو الصدق في التقوى(10).

وأما القاصر منه: فهو الذي يجري مجرى رقة النساء، يخطر بالبال عند سماع آية من القرآن، فيورث البكاء وتفيض الدموع، وكذلك عند مشاهدة سبب هائل، فإذا غاب ذلك السبب عن الحس، رجع القلب إلى الغفلة (11) .

ومثل هذا كثيرٌ مشاهد في زماننا، فتجدنا ذلك الشخص الذي تتحرك عاطفته وتنطلق عينيه بالبكاء عند موعظة سمعها، أو دفن قريب أو حبيب له، أو تأمين على دعاء في رمضان أو مشهد أو مسمع مؤثر، وما إن تنتهي هذه الأسباب حتى يعود لما كان عليه، فهو خوف قاصر لحظي مؤقت، لم يترك الأثر الحقيقي في القلب: من التذلل والفزع الصادق؛ الذي يجلب انكساراً وإرادة للتوبة وحُسن سير إلى الله.

وهذا الخوف القاصر " قليل الجدوى، ضعيف النفع. وهذا  خوف الناس كلهم، إلا العارفين والعلماء. وهو الذي يكف الجوارح عن المعاصي، ويقيدها بالطاعات. ومالم يؤثر بالجوارح، فهو حديث نفس، وحركة خاطر، لا يستحق أن يسمى: خوفا!(12) ".

وأما الخوف المفرط: فهو الذي " يقوى، ويتجاوز حد الاعتدال، حتى يخرج إلى اليأس والقنوط، وهو - أيضاً- مذموم، لأنه يمنع العمل، وقد يخرج أيضاً إلى المرض والضعف، وإلى الوله والدهشة وزوال العقل.

وإنما ذكر r أسباب الرجاء وأكثر منها ليعالج بها صدمة الخوف المفرط المفضي إلى القنوط، أو أحد هذه الأمور. إذ إن "فائدة الخوف: الحذر والورع والتقوى والمجاهدة والفكر والذكر، وسائر الأسباب الموصلة إلى الله تعالى. وكل ذلك يستدعي الحياة مع صحة البدن وسلامة العقل، وكل ما يقدح في هذه الأسباب فهو مذموم"(13).

ويحسنُ في هذا المقام قول ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "والقدر الواجب من الخوف ما حمل على أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد على ذلك بحيث صار باعثاً للنفوس على التشمير في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات، والتبسط في فضول المباحات؛ كان ذلك فضلاً محموداً. فإن تزايد على ذلك بأن أورث مرضاً أو موتاً أو هماً لازماً بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله عز و جل لم يكن محموداً"(14).

فضل الخوف ومنزلته في القرآن والسنة:

فضل الخوف " يُعرف تارة بالتأمل والاعتبار، وتارة بالآيات والأخبار.

أما الاعتبار فسبيله أن الشهوة لا تنقمع بشيء كما تنقمع بنار الخوف، فإن فضيلته بقدر ما يحرق من الشهوات، وبقدر ما يكف عن المعاصي، ويحث على الطاعات، ويختلف ذلك باختلاف درجات الخوف كما سبق، وكيف لا يكون الخوف ذا فضيلة، وبه تحصل العفة والورع والتقوى والمجاهدة، وهي الأعمال الفاضلة المحمودة التي تقرب إلى الله زلفى.

وأما الآيات والأخبار، فما ورد في فضيلة الخوف خارج عن الحصر. وناهيك دلالة على فضيلته أن الله تعالى جمع للخائفين: الهدى، والرحمة، والعلم، والرضوان، وهي مجامع مقامات أهل الجنان" (15).

فالخوف من الله ((من أعظم النعم على الإنسان ﴿ قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (المائدة:23)، قال الطبري: "قيل: إن معنى ذلك: أنعم الله عليهما بالخوف(16).

وهو يمنع الإنسان من الوقوع في الكبائر والإصرار على الصغائر ﴿لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾(المائدة:28)، وقال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة:94)، قال الشوكاني رحمه الله: "ليعلم الله من يخافه بالغيب أي: ليتميز عند الله من يخافه منكم بسبب عقابه الأخروي فإنه غائب عنكم غير حاضر"(17).

والخـوف من صفـات المؤمنين الموحدين ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(النحل:50)،
وقال تعالى: 
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ (الإسراء :57) .

والخائفون هم الذين يتدبرون آياتِ الله ويتعظون بها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ (هود:103)، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (الأنعام :51)، قال ابن القيم: "والله تعالى أخبر أنه إنما تنفع الآيات والنذر لمن صدّق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة، فهؤلاء هم المقصودون بالإنذار والمنتفعون بالآيات دون من عداهم" (18).

وهم الذين يسكنهم الله الأرض من بعد القوم الظالمين، ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِن بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ (إبراهيم:14).

وهم الذين لا يتأخرون عن المسارعة إلى الخيرات، ولا تلهيهم المغريات، بل يسارعون إلى الطاعات، ويؤدون الواجبات ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (النور:37)، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾(الإنسان:7)، وقال تعالى:﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ (الرعد:21).

وسألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها رسول الله r عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (المؤمنون:60)، قالت عائشة: هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟! قال: «لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلّون ويتصدقون وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات» (19).

والخائفون موعودون بالجنان، ونيل رضى الرحمن سبحانه وتعالى، ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (البينة:6)، وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾(الرحمن:46)،وقال r: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة»(20).

وهم من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله « ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله »(21). قال المباركفوري: "الظاهر أنه يقول ذلك بلسانه، إما ليزجرها عن الفاحشة أو ليعتذر إليها. ويحتمل أن يقوله بقلبه. قاله عياض. قال القرطبي: إنما يصدر ذلك عن شدة خوف من الله تعالى ومتين تقوى وحياء" (22).

والخائفون المتضرعون هم الذين يستجيب الله دعاءهم ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (الأعراف:56)، وقال تعالى:﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (السجدة:16)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ (الأعراف:205).

قال الشوكاني: "﴿تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ وفيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفاً وجلاً طامعاً في إجابة الله لدعائه، فإنه إذا كان عند الدعاء جامعاً بين الخوف والرجاء ظفر بمطلوبه"(23).  ))(24)

قيل للحسن البصري: يا أبا سعيد؛ كيف نصنع، نجالس أقواما يخوفوننا، حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: والله إن تخالط أقواماً يخوفونك حتى يدركك أمن؛ خير لك من أن تصحب أقواماً يؤمنونك حتى يدركك الخوف! (25).

أحوال  السلف الصالح مع الخوف:

أحوال سلف الأمة مع الخوف عجيبة نفيسة، متواترة كثيرة لا حصر لها، كيف لا وهم خير القرون وبهجة الزمان وفخر الأمة، وما نورده هو "شذرات من ذهب "مما سجله التاريخ عنهم رضوان الله عليهم، ويكفي بالقلادة ما أحاط بالعنق.

"فهذ الصديق tكان يقول  لطائر: ليتني مثلك يا طائر ولم أخلق بشراً!

وقال أبو ذر t: وددت لو أني شجرة تعضد. وكذلك قال طلحة.

وقال عثمان  :tوددت إني إذا مت لم أبعث!

وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: وددت أني كنت نسياً منسياً!

وروي أن عمر tكان يسقط من الخوف إذا سمع آية من القرآن مغشياً عليه، فكان يعاد أياماً.

وأخذ يوماً تبنة من الأرض فقال: يا ليتني كنت هذه التبنة، يا ليتني لم أك شيئاً مذكوراً، يا ليتني كنت نسياً منسياً، يا ليتني لم تلدني أمي!، وكان في وجهه  tخطان أسودان من الدموع.

وقال رضي الله عنه: من خاف الله لم يشف غيظه، ومن اتقى الله لم يصنع ما يريد، ولولا يوم القيامة لكان غير ما ترون.

وروي عن معاذ بن جبل t قوله: إن المؤمن لا يسكن روعه وَلا يَأْمَنُ اضْطِرَابُه حتى يترك جسر جهنم وراءه.

وقال الحسن البصري رحمه الله: يخرج من النار رجل بعد ألف عام، يا ليتني كنت ذلك الرجل !

وكان علي بن الحسين رحمه الله إذا توضأ اصفرّ لونه، فيقول له أهله: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟

 فيقول: أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم؟

وروي عن الفضيل بن عياض رحمه الله قوله: إني لا أغبط نبياً مرسلاً، ولا ملكاً مقرباً، ولا عبداً صالحاً، أليس هؤلاء يعاينون يوم القيامة؟ إنما أغبط من لم يُخلق" (26).

حقيقة الرجــاء:

الرجاء: هو الطمع في فضل الله ورحمته(27).

وقيل: هو الإخبار عن تهيئ وقوع أمر في المستقبل وقوعاً مؤكداً(28).

وقيل: الرجاء هو النظر إلى سعة رحمة الله"(29).

وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب تبارك وتعالى، والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه(30).

وقيل: هو الثقة بجود الرب تعالى(31).

والفرق بينه وبين " التمني " أن " التمني " يكون مع الكسل. ولا يسلك بصاحبه طريق الجد والاجتهاد. " والرجاء " يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل. فالأول: كحال من يتمنى أن يكون له أرض يبذرها ويأخذ زرعها. والثاني: كحال من يشق أرضه ويفلحها ويبذرها، ويرجو طلوع الزرع  (32).

 

 

فضل الرجاء وثمراته في القرآن والسنة:

(( الرجاء من سمة الأنبياء الداعين إلى الله رب العالمين؛ قال تعالى على لسان خليله إبراهيم r ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ (الشعراء:83).

ومن سمات المؤمنين المجاهدين التي تميزهم عن غيرهم من المجرمين القانطين ﴿وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيما﴾ (النساء:104).

قال ابن كثير رحمه الله: "أي: أنتم وإياهم سواءٌ فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله r، وهو وعد حق وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئاً من ذلك؛ فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة فيه، وفي إقامة كلمة الله وإعلائها"(32).

والراجون ثواب الله هم الذين يؤدون ما أمر الله به وينتهون عما نهى الله عنه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ (فاطر:29).

وقال تعالى:﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾(الكهف:110).

وإذا لم يرجُ العبد ربه وثوابه فإنه أبعد ما يكون عن طاعة الله عز وجل ﴿إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ (يونس:7)؛ وهم المعرضون عن الاستجابة لداعي الإيمان ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ ﴾ (يونس: 15).

والرجاء من سمات أهل العلم العارفين بالله عز وجل ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: 9).

ومن لم يرجُ الله فإن الله توعده بنار الجحيم ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (يونس: 11)، وقال تعالى عن سبب تعذيب الطاغين في نار السعير وخلودهم فيها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَاباً﴾ (النبأ: 27).

والرجاء حادٍ يحدو أصحابه إلى التأسي بالحبيب r، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب: 21).

والظن الحسن بالله عز وجل يرفع درجة العبد عند ربه ومولاه، قال r: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي »(33).

والرجاء يدفع العبد إلى التوبة والرجوع إلى الله، والتوبة من أحب الأعمال إلى الله «والذي نفسي بيده؛ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله؛ فيغفر لهم»(34). )) (35).

ثـمرات الرجــاء:

يقول ابن القيم رحمه الله: "كما أن الرجاء يُبرد حرارة الخوف، فإن له فوائد كثيرة أخرى مشاهدة:

فمنها: إظهار العبودية والفاقة والحاجة إلى ما يرجوه من ربه، ويستشرفه من إحسانه، وأنه لا يستغني عن فضله وإحسانه طرفة عين.

ومنها: أنه سبحانه وتعالى يحب من عباده أن يؤملوه ويرجوه، ويسألوه من فضله؛ لأنه الملك الحق الجواد، أجود من سئل، وأوسع من أعطى.

ومنها: أن الرجاء حادٍ يحدو به في سيره إلى الله، ويطيّب له المسير، ويحثه عليه، ويبعثه على ملازمته.

ومنها: أن الرجاء يطرحه على عتبة المحبة، ويلقيه في دهليزها؛ فإنه كلما اشتد رجاؤه، وحصل له ما يرجوه، ازداد حباً لله تعالى، وشكراً له، ورضى به وعنه.

ومنها: أنه يبعثه على أعلى المقامات، وهو مقام الشكر، الذي هو خلاصة العبودية؛ فإنه إذا حصل له مرجوه كان أدعى لشكره.

ومنها: أنه يوجب له المزيد من معرفة الله وأسمائه ومعانيها، والتعلق بها؛ فإن الراجي متعلق بأسمائه الحسنى متعبد بها وداعٍ.

ومنها: أن العبد إذا تعلق قلبه برجاء ربه فأعطاه ما رجاه؛ كان ذلك ألطف موقعاً، وأحلى عند العبد، وأبلغ من حصول ما لم يرجه" (36) .

أنواعـه وأحـوال الناس فيـه:

والرجاء ثلاثة أنواع: نوعان محمودان، ونوع غرور مذموم.

فالأول: رجاء رجل عمل بطاعة الله، على نور من الله، فهو راج لثوابه.

والثاني: رجل أذنب ذنوباً ثم تاب منها؛ فهو راج لمغفرة الله وعفوه، وإحسانه وجوده، وحلمه وكرمه.

والثالث: رجل متماد في التفريط والخطايا،يرجو رحمة الله بلا عمل. فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب! (37).

والراجي دائماً يكونه  حاله راغباً راهباً، مؤملاً لفضل ربه، حسن الظن به، متعلق الأمل ببره وجوده، عابداً له بأسمائه " المحسن، البر، المعطي، الغفور، الجواد، الوهاب، الرزاق "، والله سبحانه يحب من عبده أن يرجوه؛ ولذلك كان عند رجاء العبد له وحسن ظنه به. (38)

"فاسم الرجاء إنما يصدق على انتظار محبوب تمهدت جميع أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس يدخل تحت اختياره، وهو فضل الله تعالى بصرف القواطع والمفسدات.

فالعبد إذا بث بذر الإيمان، وسقاه بماء الطاعات، وطهر القلب عن شوك الأخلاق الرديئة، وانتظر من فضل الله تعالى تثبيته على ذلك إلى الموت، وحسن الخاتمة المفضية إلى المغفرة- كان انتظاره رجاء حقيقاً محموداً في نفسه، باعثاً له على المواظبة، والقيام بمقتضى أسباب الإيمان في إتمام أسباب المغفرة إلى الموت.

وإن قطع عن بذر الإيمان تعهده بماء الطاعات، أو ترك القلب مشحونا برذائل الأخلاق، وانهمك في طلب لذات الدنيا، ثم انتظر المغفرة؛ فانتظاره حمق وغرور،قال r: "والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله ".(39)

والرجاء محمود؛ لأنه باعث على العمل، واليأس مذموم- وهو ضده-؛ لأنه صارف عن العمل. والخوف ليس بضدّ للرجاء، بل هو رفيق له، وهو باعث على العمل بطريق الرهبة، كما أن الرجاء باعث بطريق الرغبة.

قال يحيى بن معاذ رحمه الله: "من أعظم الاغترار عندي التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط".

ترجـو النجـاةَ ولم تسلك مسالكهـا                               إن السفينـة لا تجري على اليـبسِ

ودواء الرجاء يحتاج إليه أحد رجلين:

إما رجل قد غلب عليه اليأس حتى ترك العبادة.

وإما رجل غلب عليه الخوف؛ فأسرف في المواظبة على العبادة، حتى أضر بنفسه.

وهذان رجلان مائلان عن الاعتدال إلى طرفي الإفراط والتفريط، فيحتاجان إلى علاج يردهما إلى الاعتدال.

وأما العاصي المغرور، المتمني على الله، مع الإعراض عن العبادة، واقتحام المعاصي، فأدوية الرجاء تنقلب سموماً مهلكة في حقه! ولا ينبغي أن يُستعمل في حقه إلا أدوية الخوف، والأسباب المهيجة له.

ولهذا يجب أن يكون واعظ الخلق متلطفاً ناظراً إلى مواقع العلل، معالجاً لكل علة بما يضادها لا بما يزيد فيها، فإن المطلوب هو العدل والقصد في الصفات والأخلاق كلها، وخير الأمور أوساطها، فإذا جاوز الوسط إلى أحد الطرفين عولج بما يرده إلى الوسط، لا بما يزيد في ميله عن الوسط. وهذا الزمان زمان لا ينبغي أن يستعمل فيه مع الخلق أسباب الرجاء، بل المبالغة في التخويف أيضاً تكاد أن لا تردهم إلى جادة الحق وسنن الصواب، فأما ذكر أسباب الرجاء فيهلكهم ويرديهم"(40).

وهنا تأتي الحكمة في الدعوة؛ حيث يتأكد على كل داعية وواعظ الحديث عن الرجاء في مواطن الانكسار والتذلل وإقبال العباد لبارئهم، فمواطن العبادات ومواسم الخيرات، أحوج للرجاء، وبيان سعة رحمة الله بعباده، وفرحته بتوبتهم، وسروره عز وجل بإقبالهم وإنابتهم إليه، كيوم عرفة ويوم النحر وسائر أيام الحج، وفي شهر رمضان بشكل عام والعشر الأواخر منه وليلة القدر بشكل خاص.

وفيما عدا ذلك يَحسُن تعريف العباد بفضيلة الخوف؛ لملازمة داء الغفلة حياتهم، وانصرافهم عن جادة الطريق، وتذكيرهم بأصل وجودهم في الدنيا، ومآلهم بعد الممات: تخويفاً وترهيباً وتذكيراً وتنبيهاً، مع بيان أهمية الرجاء والتحذير من اليأس من رحمة الله والقنوط من عفوه.

التوفيق بين الخوف والرجاء وكيفية التوزان بينهما:

سُئل الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله عن مذهب أهل السنة والجماعة في الرجاء والخوف فقال:

"أهل السنة والجماعة يقولون: يجب الرجاء والخوف، والعبد يسير إلى الله بين الرجاء والخوف كالجناحين للطائر، يخاف الله ويرجوه، يصلي ويصوم ويتصدق، ويحج ويجاهد، وهو مع ذلك يخاف الله ويرجوه.

كما قال تعالى عن الرسل وأتباعهم]إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا[ (الأنبياء: 90)؛ فرغباً يعني رجاء، ورهباً يعني خوفاً }وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ{.

وقال سبحانه:} أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ{ (الإسراء: 57)؛ فالمؤمن يرجو رحمة ربه ويخاف عذابه، ويتقيه دائماً، فلا يقنط ولا يأمن.

قال تعالى:]إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ { (يوسف: 87).

وقال عز وجل} لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ  { (الزمر: 53).

وقال عز وجل:] أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [ (الأعراف: 99).

فالواجب الخوف والرجاء، لا أمن ولا قنوط، يرجو ربه ولا ييأس ولا يقنط، ولكن يخاف لا يأمن أيضاً، يخاف عقوبته، يخاف الذنوب وشرها، هكذا المؤمن، وهذا قول أهل السنة والجماعة قاطبة، يجب على المؤمن أن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء حتى يلقى ربه.

وقال بعض أهل العلم: ينبغي له أن يغلب الرجاء في حال المرض، والخوف في حال الصحة، حتى ينشط في العمل الصالح، وحتى يحذر محارم الله، ولكن المعتمد في هذا أن يسير إلى الله بين الخوف والرجاء، دَائماً دائماً"(41).

قال الفضيل بن عياض رحمه الله: "الخوف أفضل من الرجاء، ما دام الرجل صحيحاً؛ فإذا نزل به الموت، فالرجاء أفضل من الخوف. فإذا كان الرجل في صحته محسناً؛ عظُمَ رجاؤه عند الموت وحسُنَ ظنه. وإذا كان في صحته مسيئاً؛ ساء ظنه عند الموت ولم يَعظُم رجاؤه" (42).

جاء في وصية الصديق رضي الله عنه لخليفته عمر رضي الله عنه: "وإن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وتجاوز عن سيئاتهم، فإذا ذكرتُهم قلت: إني لأخاف ألا ألحق بهم! وإن الله ذكر أهل النار وذكرهم بأسوأ أعمالهم ورد عليهم أحسنها. فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجو ألا أكون مع هؤلاء؛ ليكون العبد راغباً راهباً لا يتمنى على الله ولا يقنط من رحمته"(43).

والخوف والرجاء مطيتا المؤمن(44)، وهما "دواءان، يدواى بهما القلوب، ففضلهما بحسب الداء الموجود، فإن كان الغالب على القلب داء الأمن من مكر الله تعالى والاغترار به، فالخوف أفضل. وإن كان الأغلب هو اليأس والقنوط من رحمة الله، فالرجاء أفضل. وكذلك إن كان الغالب على العبد المعصية فالخوف أفضل.

وعلى الجملة: فما يُراد لغيره، ينبغي أن يستعمل فيه لفظ " الأصلح " لا لفظ " الأفضل "، فنقول: أكثر الخلق الخوف لهم أصلح من الرجاء، وذلك أجل غلبة المعاصي. وأما التقي الذي ترك ظاهر الإثم وباطنه فالأصلح أن يعتدل خوفه ورجاؤه.

ولذلك قال عمر رضي الله عنه: " لو نودي: ليدخل النار كل الناس إلا رجلاً واحداً لرجوت أن أكون أنا ذلك الرجل، ولو نودي: ليدخل الجنة كل الناس إلا رجلاً واحداً لخشيت أن أكون ذلك الرجل" (45).

إن علم الإنسان بعظمة الله تعالى وبذنوبه وتقصيره في حق الله، يوجب له الخوف من الله، من غير أن يصل إلى اليأس من رحمة الله. وعلمه بسعة فضل الله وعفوه وكرمه ورحمته، يوجب له رجاء أن يكون من أهل تلك الرحمة الواسعة، من غير أن يصل إلى الأمن من مكر الله .وبهذا يعتدل سير المسلم إلى الدار الآخرة، فيجمع بين الخوف والرجاء، ويجتنب اليأس من رحمه الله، والأمن من مكره. فبرجاء رحمة الله يعبد المسلم ربه ويطيعه ويعمل الصالحات، وبالخوف منه يترك معصيته (46).

وذهب ابن القيم رحمه الله أن الرجاء والخوف مستلزمان حيث قال: "فكل راج خائف، وكل خائف راج. ولأجل هذا حَسُن وقوع الرجاء في موضوع يحسن فيه وقوع الخوف، قال تعالى]مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [ (نوح: 13)، قال كثير من المفسرين: المعنى: مالكم لا  تخافون لله عظمة؟ قالوا : والرجاء بمعنى الخوف.

والقلب في سيره إلى الله عز وجل بمنزلة الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه. فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران. ومتى قُطع الرأس مات الطائر، ومتى فقد الجناحان فهو عرضة لكل صائد وكاسر! وقيل: أكمل الأحوال: اعتدال الرجاء والخوف وغلبة الحب. فالمحبة هي المركب، والرجاء حادٍ، والخوف سائق، والله الموصل بمنه وكرمه" (47).

"فمحبة من دون خوف، قد يشتط معها الإنسان، وخوفٌ من دون محبة، قد يقع في اليأس والقنوط، الخوف وحده وضع غير صحيح، الرجاء وحده وضع غير صحيح، أما إذا اجتمع الخوف والرجاء ،  فيعبد الله عز وجل رغباً ورهباً، خوفاً وطعماً، يجمع بين محبته وبين الخوف منه، فهذا المراد ، وهو المطلوب ...

والمؤمن أحياناً يرى من رحمته سبحانه وتعالى، ومن تجلياته، إلى درجة أنه يطمع بهذه الرحمة فيقصِّر، تأتي الشدة، يأتي التضييق فينضبط، ينضبط إلى أن ييأس، يأتي التجلي فيرتاح، فربنا عز وجل يقلِّب هذا المؤمن بين الشدة والرخاء، فإذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتَّش، إذا تجلى على قلبك ظننت أنه لن يبقى في النار أحد، وإذا أذاقك من شدته ظننت أنه لن يدخل الجنة أحد، وربنا عز وجل حكيم؛ يقلِّب بين حالتين، والقلب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء" (48) .

فاللهم ارزقنا خوفاً منك لا يأس معه من رحمتك، ورجاء لعفوك وجودك لا أمن معه من مكرك؛
 إنك أنت الرحمن الرحيم والبر الكريم.

الهوامش:

1- تهذيب مدارج السالكين، لعبد المنعم صالح العلي: ص 269.

2- المصدر السابق.

3- المصدر السابق.

4- المهذب من إحياء علوم الدين، لصالح أحمد الشامي: ص311.

5- المصدر السابق: 310.

6- متفق عليه.

7- تهذيب مدارج السالكين، لعبد المنعم صالح العلي: ص 269و270.

8- المهذب من إحياء علوم الدين لصالح أحمد الشامي: ص311.

9- تهذيب مدارج السالكين، لعبد المنعم صالح العلي: ص 270 و271 بتصرف يسير.

10- المهذب من إحياء علوم الدين، لصالح أحمد الشامي: ص311.

11- المصدر السابق.

12- المهذب من إحياء علوم الدين لصالح أحمد الشامي: ص311.

13- المصدر السابق:  ص312.

14- التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، لابن رجب الحنبلي:1/34.

15- المهذب من إحياء علوم الدين لصالح أحمد الشامي: ص 314.

16-  تفسير الطبري: 4/ 517.

17- فتح القدير: 2/ 112.

18-  مدارج السالكين: 1/ 145.

19- رواه الترمذي وصححه الألباني: 3/ 79، برقم: 2537.

20- رواه الترمذي وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: 6222.

21- متفق عليه.

22- تحفة الأحوذي: 7/ 58- 59.

23-  فتح القدير: 2/ 311.

24- من أعمال القلوب " الخوف " لأبي عبدالرحمن مرفق مصلح ياسين – الموقع الرسمي لجامعة الإيمان على شبكة الانترنت.

25- المهذب من إحياء علوم الدين، لصالح أحمد الشامي – ص 315.

26- المصدر السابق: ص323 و 324.

27- لسان العرب: 14/ 309.

28- التحرير والتنوير: 1/ 192.

29- مدارج السالكين: 2/36.

30- تهذيب مدارج السالكين، لعبد المنعم صالح العلي: ص 297.

31- المصدر السابق: ص 298.

32-  تفسير ابن كثير: 1/ 731.

33- متفق عليه.

34- رواه مسلم.

35- من أعمال القلوب " الرجاء " لأبي عبدالرحمن مرفق مصلح ياسين – الموقع الرسمي لجامعة الإيمان على شبكة الانترنت.

36- تهذيب مدارج السالكين، لعبد المنعم صالح العلي: ص 302 و 303.

37- المصدر السابق: 297.

38- المصدر السابق: ص 300.

39- أخرجه الترمذي وابن ماجه.

40- المهذب من إحياء علوم الدين، لصالح أحمد الشامي: ص305 - 307 مختصرا.

41- الموقع الرسمي للشيخ العزيز بن باز، فتوى رقم 11704.

42- حلية الأولياء: 89/8 بتصرف يسير.

43- الرياض النضرة في مناقب العشرة، لأحمد بن محب الدين الطبري: 2/244.

44- روي ذلك عن الحسن البصري، حلية الأولياء: 2/156.

45- المهذب من إحياء علوم الدين، لصالح أحمد الشامي: ص 316.

46- موقع الإسلام سؤال وحواب، فتوى رقم 225899.

47- تهذيب مدارج السالكين، لعبد المنعم صالح العلي: ص 272.

48- باب الجمع بين الرجاء والخوف معاً، للدكتور محمد النابلسي في موقعه الرسمي على شبكة الانترنت.

 

 

 

الخوف والرجاء - الشيخ نبيل العوضي

 

 

بين الخوف والرجاء  - د. عمر عبد الكافي

 

 

شرح رياض الصالحين/ (باب الجمع بين الخوف والرجاء)  - الشيخ محمد بن عثيمين

 

 

الخوف والرجاء - الشيخ أبو إسحاق الحويني

 

 

الخوف والرجاء - الشيخ عبدالرحيم الطحان

 

 

أحاديث الخوف والرجاء - الشيخ محمد حسين يعقوب