أهداف الدرس:

- أن يتعرف على أبرز معاني: اسم الله المهيمن.

- أن يتعرف على أبرز معاني: اسم الله المتكبر.

- أن يستشعر عظمة الاسمين الكريمين: المهيمن، المتكبر.

- أن يكون قادرا على امتثال أبرز وأهم المعاني الإيمانية والسلوكية لاسمي الله: المهيمن، المتكبر.

 

عناصر الدرس:

أولا: اسم الله المهيمن

- أبرز معاني اسم الله : المهيمن.

- لوازم اسم الله : المهيمن.

- الشعور باسم الله المهيمن.

ثانيا: اسم الله المتكبر

- أبرز معاني اسم الله: المتكبر.

- الآثار الإيمانية والسلوكية لاسمي الله: المهيمن، المتكبر.

مقدمة:

إن من أسماء الله الحسنى اسمي الله: المهيمن المتكبر، وهذا الاسمان الكريمان للرب سبحانه وتعالى لهما من الآثار الإيمانية والسلوكية على العبد مالهما، من حسن مراقبة لله في السر والعلن، في الخطرات والأفكار، ومن تعظيم للمولى عز وجل، واللوذ به مما يصغر عند العبد كل أحد إلا الله الخالق سبحانه وتعالى، وفي هذا الموضوع سنعرّج على بعض المعاني الجليلة والآثار العظيمة لهذين الاسمين الشريفين، فإلى هناك.

لقد ورد هذان الاسمان العظيمان (المهيمن والمتكبر)  مرة واحدة في القرآن الكريم في قوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الحشر: 23].

أولا: اسم الله (المهيمن)

المهيمن لغةً: معناه الأمين هكذا قال بعضهم، وهو من آمن غيره من الخوف أي أمَّنه.

وقالوا: مهيمن بمعنى مؤيمن، والهاء بدلاً من الهمزة مثل ما قاله صلى الله عليه وسلم  عندما دخل الأعرابي وبال في المسجد فقال: (أهريقوا عليه)، والمعنى أريقوا، فنقول :إن مهيمن أصلها مؤيمن .

وقيل: معنى مهيمن أي مؤتـَمن، قال الخطابي: وقال بعض أهل اللغة. الهيمنة: القيام على الشيء، والرعاية له.

لاسم الله المهيمن عدد من المعاني، فمن ذلك:

- الأمين.

- الحفيظ الرقيب على أعمال خلقه: يقال: إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده قد هيمن فلان عليه فهو عليه مهيمن.

- الشاهد على خلقه بما يصدر منهم من قول أو فعل.

- العليم الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، أي  أنه المطلع على خفايا الأمور وخبايا الصدور الذي أحاط بكل شيء علما.

يقول الشيخ السعدي: المهيمن المطلع على خفايا الأمور فكونه عالم هو يعلم سرك  وعلانيتك ،  يعلم الصالح لك من الفاسد فلذلك ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾[ البقرة/220] فهو المطلع على خفايا الأمور وخبايا الصدور ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق/9]

- قال ابن الجوزي في زاد المسير: فأما «المهيمن» ففيه أربعة أقوال:

أحدها: أنه الشهيد، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والكسائي، قال الخطّابي: ومنه قوله عزّ وجلّ: {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} ، فالله الشاهد على خلقه بما يكون منهم من قول أو فعل.

والثاني: الأمين، قاله الضّحّاك.

والثالث: المصدِّق فيما أخبر، قاله ابن زيد.

والرابع: أنه الرقيب على الشيء، والحافظ له، قاله الخليل.

* قال الحَلَيمي: "المهيمن لا يُنقص للمطيعين يوم الحساب من طاعاتهم شيئًا فلا يثيبهم عليه؛ لأن الثواب لا يعجزه ولا هو مُستكـَره عليه فيحتاج إلى كتمان بعض الأعمال أو جحدها، وليس ببخيل فيحمله استكثار الثواب إذا كثرت الأعمال على كتمان بعضها، ولا يلحقه نقص بما يثيب فيحبس بعضه؛ لأنه ليس منتفعًا بشيء من مثل ذلك، كما لا يُنقص المطيع من حسناته شيئًا فلا يزيد العصاة على ما اجترحوه من السيئات شيئًا"؛ فمعنى ذلك أن المهيمن هو العالم بجميع المعلومات الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.﴿... إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ....﴾ [يونس/61]، أي أنه يلزم من كونه مهيمنًا أنه عالمٌ بكل شيء سبحانه وتعالى، عليم سبحانه وتعالى يشهد ويرقب، لكن اسم الله المهيمن أعمّ من الحفظ لأن فيه معنى الارتقاب، فتشمل أيضًا معنى اسم الله (البصير)؛ لأنه شاهد عليهم فيلزم من كونه شاهدًا على أفعالهم أنه يُبصرهم ويعلم سرهم وعلانيتهم سبحانه وتعالى.

* قال الحسن البصري: "المهيمن المُصدق: وهو في حق الله تعالى يعني: أن يكون ذلك التصديق بالكلام فيُصدق أنبياءه بإخباره  تعالى عن كونهم صادقين أو يكون بمعنى تصديقه لهم أنه يُظهر المعجزات على أيديهم".

* قال الغزالي: هو اسم لمن كان موصوفًا بمجموع صفات ثلاث:

أولها: العلم بأحوال الشيء.

الثاني: القدرة التامة على تحصيل مصالح ذلك الشيء.

الثالث: المواظبة على تحصيل تلك المصالح -بمعنى هو يعلمه ويَقدُر له الخير الصالح له ويديم عليه ذلك، يديم عليه علمه وقدرته، ولا يستطيع ذلك إلا الله جلّ وعلا.

من لوازم اسم الله المهيمن:

- من لوازم اسم  (المهيمن)  العلم: إنك لن تستطيع أن تسيطر على جهة إلا إذا علمت كل دقائقها، فمادامت بعض الحقائق خافية عنك فأنت لست مهيمناً، ومن لوازم (المهيمن) أنه يعلم كل شيء، يعلم كل حركة و سكنة، يعلم كل خاطرة، فالله (المهيمن): ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وما تخفي الصدور﴾ [سورة غافر: الآية 19]، وهذا عنده سبحانه وتعالى بل وأعظم و أعظم .

- من لوازم اسم (المهيمن) القدرة: أي أن يملك القدرة التامة على تحقيق مصالح العباد علماً و قدرة، فالله (المهيمن) يقدر، ولا نهاية لقدرته؛ لذلك العلم المطلق عند الله، والقدرة المطلقة عند الله، والآية تقول:﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ .[سورة الأنفال: الآية 59]

لا يستطيع الكافر أن يفعل شيئاً ما أراده الله، ولا يستطيع الكافر أن يتفلت من قبضة الله، ولو بدا ذكياً، ولو بدا قوياً، ولو بدا محنكاً، فالمهيمن يقول سبحانه وتعالى:﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ .[سورة البروج: الآية 12]

الشعور باسم الله المهيمن:

إذا قلنا: مهيمن، أي يعلم، ولا نهاية لعلمه، وإذا قلنا: مهيمن، أي يقدر، ولا نهاية لقدرته، ما معنى أن نكون مع المهيمن؟

أنت حينما تكون مع (المهيمن) فأنت في حصن حصين، وأنت مع القوي الكبير، وأنت مع من بيده مقاليد السماوات والأرض، وأنت مع الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد،  إذا كنت مع (المهيمن) فلن يخيب مسعاك، ولن تشعر بالإحباط، و لن تشعر بالإخفاق.

وإذا كان المهيمن خالق السماوات والأرض يدعمك، ويؤيدك، وينصرك، ويحفظك، ويوفقك، فإن المستقبل لمن كان مع (المهيمن)، والشقاء والخزي والعار لمن كان مع عبد من عبيد المهيمن.

 

ثانيا: اسم الله (المتكبر)

المتكبر هو من الكِبر أو الكِبَر نقيض الصغر، وكبر الأمر جعله كبيرًا منه{فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} [يوسف/31] أي عظمنه.. فالتكبير التعظيم.

 والكِبر هو الرفعة في الشرف، والكبرياء: الملك، كقول الله تعالى: {وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ} [ يونس/78] أي العظمة والتجبر، وقد ذكرنا سابقا أن اسم الله المتكبر ورد مرة واحدة في القرآن الكريم، ولكن مما له علاقة باسم الله (المتكبر) اسم الله الكبير، وقد ورد في القرآن الكريم  في ستة مواضع:

1/قول الله تعالى {وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [ الحج/62]

2/وقوله {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [ الرعد/9]

3/ وقوله {إن الله كان علياً كبيراً} [النساء: 34]

4/ وقوله {وإن الله هو العلي الكبير} [لقمان:30]

5/ وقله جل في علاه {وهو العلي الكبير} [سبأ: 23]

6/ وقوله {فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 12]

 

معاني اسم الله المتكبر:

لاسم الله المتكبر عدد من المعاني، منها:

- الذى تكبر عن كل سوء وشر وظلم، فسبحانه وتعالى تكبر عن ظلم العباد، يقول النبي  فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال " يا عبادي ! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا . فلا تظالموا" [رواه مسلم]

- الذي تكبر عن مشابهة صفات الخلق فلا شيء مثله .

-الذي كبر وعظم فكل شيء دونه حقير وصغير، ولا شيء أعظم منه .

-الذي له الكبرياء في السموات والأرض أي السلطان والعظمة، فهو سبحانه وتعالى بليغ الكبرياء والعظمة.

- قال السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره: "المتكبر عن السوء، والنقص، والعيوب لعظمته، وكبريائه".

- قال ابن الجوزي في زاد المسير: فأما «المتكبر» ففيه خمسة أقوال: أحدها: أنه الذي تكبَّر عن كل سوءٍ، قاله قتادة. والثاني: أنه الذي تكبَّر عن ظلم عباده، قاله الزجاج. والثالث: أنه ذو الكبرياء، وهو الملك، قاله ابن الأنباري، والرابع: أنه المتعالي عن صفات الخلق. والخامس: أنه الذي يتكبَّر على عتاة خلقه إذا نازعوه العظمة، فيقصمهم، ذكرهما الخطابي، قال: والتاء في «المتكبر» تاء التفرّد، والتخصّص، لا تاء التعاطي والتكلّف.

من الآثار الإيمانية والسلوكية لاسمي الله (المهيمن المتكبر):

- الله سبحانه هو الشاهد على خلقه بما يصدر عنهم من قول أو فعل، لا يغيب عنه من أفعالهم شيء، وله الكمال في هذا فلا يضل ولا ينسى ولا يغفل، فهذا يورث في العبد مزيد خشية وإنابة وخوف منه عز وجل.

- وجوب مراقبة الله في السر والعلانية في القول والعمل والخواطر، والحياء من اطلاعه وشهوده، فطالما أنه سبحانه وتعالى مهيمن رقيب  إذًا فواجب عليك مراقبته سبحانه وتعالى في السر والعلن ﴿فَإنّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾[ طه/7] فتحتاج أن تراقبه في سائر أحوالك، فإن عين الله تعالى ناظرة تبصر حالك.

- إذا اختلى العبد بحرمات الله فانتهكها ، فجعل الله أهون الناظرين إليه، تذكر علم المهيمن وقدرته ، وعظمة المتكبر وتعاليه، خاف وأناب، ورجع وتاب، وذل وآب، فقبل التواب، وغفر الغفور، وفتح الباب للولوج إلى الرحمات والرضوان من لدنه جل وعز.

- أن تكون خطرات العبد وأفكاره فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، والمجاهدة في دفع الوساوس وعلاج أمراض القلب من حقد وحسد وكراهية وتفكير بالشهوات المحرمات؛ كل ذلك لمعرفة العبد بشهود الله سبحانه وتعالى وعلمه وقدرته.

- قد قلنا أن من معاني اسم الله  المهيمن: العليم  الذي  يعلم الصالح ويعلم الفاسد بالنسبة لك، فعليك بالرضا والتسليم ،  فسلم له أمرك وارض بما قسمه لك. .فدوما الخير بين يديه. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك/14]. 

- مما رُوي عن السلف في دعاء المسألة باسم الله المهيمن، ما جاء في دعاء يحيى بن معاذ الرازي  كان يقول: "جلالك يا مهيمن لا يبيد، وملكك دائم أبدًا جديد، وحكمك نافذ في كل أمر، وليس يكون إلا ما تريد، ذنوبي لا تضرك يا إلهي، وعفوك نافع و به تجود، فنعم الرب مولانا وإنا لنعلم أننا بئس العبيد، وينقص عمرنا في كل يوم ولا زالت خطايانا تزيد، قصدت إلى الملوك بكل باب عليه حاجبٌ فظ شديد، وبابك معدن للجود يا من إليه يقصد العبد الطريد".

- الله أكبر من كل شيء، وأكبر أن يعرف كـُنه كبريائه وعظمته، وأكبر من أن نحيط به علما، وأكبر من أن  نعرف كيفية ذاته جل وعلا.

- التكبر لا يليق إلا به سبحانه وتعالى، فصفة السيد التكبر والترفع أما العبد فصفته التذلل والخضوع والخشوع، فالكبر لا يليق بأحد من المخلوقين، فحظ المؤمن ألا يتكبر في الأرض بل يكون ذليلاً لله سبحانه وتعالى .. ذليلاً على المؤمنين عزيزًا على الكافرين.

 وتوعد الله سبحانه وتعالى المتكبرين بأشد العذاب يوم القيامة فقال:{فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} [الأحقاف/20] وقال الله تعالى: {أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر/60] فاستكبارهم هنا معناه رفضهم الانقياد لله الكبير المتعال، فإذا رفضت الانقياد للمتكبر فقد عرضت نفسك للعقوبة وإلى معاملتك بصفات الجلال، كما قال الله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ}[الصافات/35] أي يرفضون الإذعان لكلمة التوحيد وقال الله: {أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [الجاثية/31] يبين أنهم رفضوا الحق الذي جاءت به الرسل وردوه، وقال سبحانه: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [الشعراء/111] فاحتقروا أتباع الرسل  فكان هذا سببًا لإعراضهم عن الحق الذي جاؤهم به، وهذا التكبر يعمي عن الحق والانصياع له ، ويصد عن الرأي الصحيح والقول الصواب، ومن عرف اسم الله المتكبر وعرف أنه لا يليق إلا به جل وعز، كره الكبر وما يؤدي إليه، ومن عرف آثار الكبر وويلاته وعواقبه الوخيمة اجتنبه وابتعد عن كل ما يقرب إليه،  فالكبر سبب للطبع على القلب، وهذا من أشد العقوبات {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ} [غافر/35] ومن تكبر في الأرض فقد شابه إبليس، فإنه ما أخرجه من النعيم إلا استكباره {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [البقرة/34]  فمن وقع في هذا الداء الوبيل،  فقد شابه إبليس، ونازع الله في صفة من الصفات التي استأثر بها نفسه، ولذلك يكون الوعيد بهذه الشدة.

والمشكلة العظمى والداهية الدهياء أن يتسلل إلى النفس شيء من هذا الداء الخبيث، يقول ابن القيم: "ولو أنه يؤمر بأن يضع فوق عاتقه الجبال لكان أهون وأيسر." أي لو وضع فوق رأسك جبل كان أحسن من أن تتعرض أن يدخل قلبك ذرة كبر، كيف لا! والمتكبرون يحشرون يوم القيامة كالذر يطأهم الناس، قال صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى بُولَس تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال)  [ أخرجه الترمذي، رقم(2492)، وقال: حديث حسن].

(أمثال الذر) أي في الصغر والحقارة، والذر هو النمل الأحمر الصغير واحدها ذرة، (في صور الرجال) أي من جهة وجوههم  أو من حيثية هيئتهم من انتصاب القامة،  (يغشاهم الذل) أي يأتيهم ويغطيهم، (من كل مكان) أي من كل جانب، (يساقون) أي يسحبون ويجرون،(إلى سجن) أي مكان حبس مظلم مضيق منقطع فيه عن غيره،  (يسمى)  أي ذلك السجن (بَوْلَس أو بُولَس)، (تعلوهم) أي تحيط بهم وتغشاهم كالماء يعلو الغريق، (نار الأنيار)  معناه نار النيران ، فجمع النار على أنيار كما جاء في ريح وعيد أرياح وأعياد ، وقيل : إنما جمع نار على أنيار وإضافة النار إليها للمبالغة كأن هذه النار لفرط إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران ما تفعل النار بغيرها  أو لأنها أصل نيران العالم؛ لقوله تعالى {الذي يصلى النار الكبرى} ولقوله صلى الله عليه وسلم:  (ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم)، وقوله  (من عُصارة أهل النار)  هو ما يسيل منهم من الصديد والقيح والدم،  (طينة الخَبال)  الخبال هو في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول .

والمعنى أنهم يكونون في غاية من المذلة والنقيصة يطأهم أهل المحشر بأرجلهم من هوانهم على الله سبحانه وتعالى، والظاهر هو الحمل على الحقيقة ولا مخالفة بين هذا الحديث والأحاديث التي تدل على أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء حتى إنهم يحشرون غرلا ، والتحقيق أن الله يعيدهم عند إخراجهم من قبورهم على أكمل صورهم وجمع أجزائهم المعدومة تحقيقا لوصف الإعادة على وجه الكمال ثم يجعلهم في موقف الجزاء على الصورة المذكورة إهانة وتذليلا لهم ، جزاء وفاقا ، أو يتصاغرون من الهيبة الإلهية عند مجيئهم إلى موضع الحساب وظهور أثر العقوبة السلطانية التي لو وضعت على الجبال لصارت هباء منثورا ،  فاللهم إنا نعوذ بك من كبر في النفس، و بطر للحق، وتعال على الخلق وغمط لهم. 

- اسم الله المتكبر  يورث في نفس العبد الثقة بالله سبحانه وتعالى، ويورثه أيضًا معنى العلو الذي يليق بالله سبحانه وتعالى، فترتقي همته إلى الله، ويدع ما دونه من سفاسف الأرض.

- حين يلوذ الإنسان بالمتكبر الكبير المتعال سبحانه وتعالى، ويكون عنده هذا النوع من الثقة واليقين به سبحانه وتعالى، تجده لا يخضع لأحد، ولا يصيبه الانهزام مهما واجه، ففي يوم أحد لما وقف أبو سفيان وقال : اعلُ هبل .. اعلُ هبل، قال رسول الله   : (ألا تجيبونه؟) قالوا يا رسول الله ما نقول ؟ قال : (قولوا الله أعلى وأجل) [البخاري]. يقولها لهم وهم قد هزموا في تلك الغزوة "غزوة أُحد" !

نريد قلوبا كهذه لا يتسلل إليها الانهزام، نريد عُبَّاد الكبير المتكبر المتعال، نريد عباد الله الأعلى والأجل، الله الأكبر من كل كبير، ألست تسمعها كل يوم تردد في الأذان: الله أكبر الله أكبر. إنه أمرك بترديدها حتى تتملك نفسك هذه المعاني، وتتشربها وتحيا بها ، فلا تعظم شيئًا حقره ولا تحقر شيئًا عظمه.

فاللهم اجعلنا عبيداً للمتكبر المهيمن المتعال، لائذين به، واثقين فيما عنده، متذللين له، خاضعين خاشعين خائفين منه سبحانه وتعالى، راجين عفوه وجوده، نِعم الرب مولانا، ونِعم النصير.

 

 

 

المؤمن الجبار المهيمن ( يا الله ) الشيخ نبيل العوضي

 

 

اسم الله المهيمين - الدكتور محمد راتب النابلسي

 

 

هو الله (المتكبر) - الشيخ صالح المغامسي

 

 

يا الله ( الحكم الحكيم المتكبر ) - الشيخ نبيل العوضي