أهداف الدرس:

1- أن يدرك ويتذكر حقيقة الموت وعبرته.

2- أن يعرف هدي الرسول صلى الله عليه وسلم والصالحين من بعده في ذكر الموت والاستعداد له.

3- أن يعرف فوائد وثمرات ذكر الموت.

4- أن يطلع على الأسباب الباعثة على ذكر الموت.

 

عناصر  الدرس:

- مقدمة.

- حقيقة الموت.

- الموت أعظم المصائب.

- عبرة الموت.

- ذكر الموت والاستعداد له.

- ذكر الصالحين للموت.

- فوائد وثمرات ذكر الموت.

- الأسباب الباعثة على ذكر الموت.

- رحلة الموت.

- وصية وموعظة.

 

 

 هو أخطر حدث في المستقبل؟ :

الحمد لله الذي كتب على عباده الموت والفناء، وتفرد سبحانه بالحياة والبقاء، والصلاة والسلام على من ختمت به الرسل والأنبياء وعلى آله وأتباعه إلى يوم اللقاء.

فإن الموت لا ريب فيه، ويقين لا شك فيه، {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق:19]، فمن يجادل في الموت وسكرته؟! ومن يخاصم في القبر وضمته؟! ومن يقدر على تأخير موته وتأجيل ساعته؟! {فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف:34].

فلماذا تتكبر أيها الإنسان وسوف تأكلك الديدان؟!

ولماذا تطغى وفي التراب ستلقى؟!

ولماذا التسويف والغفلة وأنت تعلم أن الموت يأتي بغتة؟!

{كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185].

{ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} [الرحمن:26،27]

حقيقة الموت:

أخي المسلم:

يخطئ من يظن أن الموت فناء محض وعدم تام، ليس بعده حياة ولا حساب، ولا حشر ولا نشر، ولا جنة ولا نار. إذ لو كان الأمر كذلك لانتفت الحكمة من الخلق والوجود، ولاستوى الناس جميعاً بعد الموت واستراحوا، فيكون المؤمن والكافر سواء، والقاتل والمقتول سواء، والظالم والمظلوم سواء، والطائع والعاصي سواء، والزاني والمصلي سواء، والفاجر والتقي سواء، وهذا مذهب الملاحدة الذين هم شر من البهائم، فلا يقول ذلك إلا من خلع رداء الحياء، ونادى على نفسه بالسفه والجنون.

قال تعالى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن:7].

ولو أنّا إذا مُتنا تُرِكنا

لكانَ الموتُ غايةَ كلُّ حيّ

ولكنَّا إذا مُتنا بُعِثْنا

ونُسْألُ بعدَهُ عنْ كلِّ شيء

فالموت هو انقطاع تعلق الروح بالبدن، ومفارقتها له، والانتقال من دار إلى دار، وبه تطوى صحف الأعمال، وتنقطع التوبة والإمهال، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله عزَّ وجَلَّ يقْبَلُ توْبة العبْدِ مَالَم يُغرْغرِ» [الترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم وابن حبان].

الموت أعظم المصائب:

والموت من أعظم المصائب، وقد سماه الله تعالى مصيبة في قوله سبحانه: {فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة:106]، فإذا كان العبد طائعاً ونزل به الموت ندم أن لا يكون ازداد، وإذا كان العبد مسيئاً تدم على التفريط وتمنى العودة إلى دار الدنيا ليتوب إلى الله تعالى، ويبدأ العمل الصالح من جديد. ولكن هيهات هيهات!!

قال تعالى: { وَإِن يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُم مِّنَ الْمُعْتَبِينَ } [فصلت:24].

وقال سبحانه: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ [99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}  [المؤمنون:100،99].

مضى العمر وفات

يا أسير الغفلات

حصّل الزاد وبادر

مسرعاً قبل الفوات

فإلى كم ذا التعامي

عن أمور واضحات

وإلى كم أنت غارق

في بحار الظلمات

لم يكن قلبك أصلاً

بالزواجر والعظات

بينما الإنسان يسأل

عن أخيه قيل مات

وتراهم حملوه

سرعة للفلوات

أهله يبكوا عليه

حسرة بالعبرات

أين من قد كان يفخر

بالجياد الصافنات

وله مال جزيل

كالجبال الراسيات

سار عنها رغم أنف

للقبور الموحشات

كم بها من طول مكث

من عظام ناخرات

فاغنم العمر وبادر

بالتقى قبل الممات

واطلب الغفران ممن

ترتجى منه الهبات

عبرة الموت:

قال ابن السماك رحمه الله: بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك، إذ رمى بشبكته في البحر، فخرج فيها جمجمة إنسان، فجعل الصياد ينظر إليها ويبكي ويقول:

عزيز فلم تترك لعزك!!

غني فلم تترك لغناك!!

فقير فلم تترك لفقرك!!

جواد فلم تترك لجودك!!

شديد لم تترك لشدتك!!

عالم فلم تترك لعلمك!!

يردد هذا الكلام ويبكي.

ذكر الموت والاستعداد له:

حث النبي على ذكر الموت والإكثار منه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ» يعني: الموت. [الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة].

قال الإمام القرطبي رحمه الله: "قال علماؤنا: قوله عليه السلام: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ» كلام مختصرٌ وجيز، وقد جمع التذكرة وأبلغ في الموعظة، فإنّ من ذكر الموت حقيقة ذِكْرُه نغَّص عليه لذّته الحاضرة، ومنعه من تمنيها في المستقبل، وزهَّده فيما كان منها يؤمل، ولكن النفوس الراكدة، والقلوب الغافلة، تحتاج إلى تطويل الوعّاظ، وتزويق الألفاظ، وإلا ففي قوله عليه الصلاة والسلام: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هاذِمِ اللَّذَّاتِ» مع قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران:185]، ما يكفي السامع له، ويشغل الناظر فيه".

وعن أنس رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِمَجْلِسٍ وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، أَحْسِبُهُ قَالَ: فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ إِلا وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، وَلا فِي سَعَةٍ إِلا ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ» [البزار].

وعن ابن عمر رضي الله عنه: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ, فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا», قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا, وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا, أُولَئِكَ الأكْيَاسُ» [ابن ماجة].

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» [الترمذي].

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أَكْثرُوا ذكر الْمَوْت؛ فَإِنَّهُ يمحِّصُ الذُّنُوب ويزهِّد فِي الدُّنْيَا. فَإِن ذَكَرْتُمُوهُ عِنْدَ الْغِنَى هَدَمه، وَإِن ذَكَرْتُمُوهُ عِنْد الْفَقْرِ أرْضاكُمْ بِعَيْشِكُم» [ابن أبي الدنيا].

وعَن عَطاء الْخُرَاسَانِي قَالَ: مر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِمَجْلِس قد استعلاه الضحك، فَقَالَ: «شُوبُوا مَجْلِسَكُمْ بِمُكَدِّرِ اللَّذَّاتِ»، قَالُوا: وَمَا مكدر اللَّذَّات؟ قَالَ: «الْمَوْت» [ابن أبي الدنيا].

وعن سفيان قال: حدثنا شيخ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى رجلاً فَقَالَ: «أَكثر ذكر الْمَوْت فَإِن ذكره يسليك عَمَّا سواهُ» [ابن أبي الدنيا].

وعن زيد السليمي أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذا آنس من أَصْحَابه غَفلَة نَادَى فيهم بِصَوْت رفيع: «أتتكم الْمنية راتِبَةً لَازِمَةً؛ إِمَّا بشقاوةٍ وَإِمَّا بِسَعَادَة» [ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإيمان].

وعَن الْوَضِين بن عَطاء قَالَ: كَانَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِذا أحس من النَّاس بغفلة من الْمَوْت جَاءَ فَأخذ بِعضَادَتَيْ الْبَاب، ثمَّ هتف ثَلَاثًا: «يَا أَيهَا النَّاس؛ يَا أهلَ الْإِسْلَام؛ أتتكمُ الْمنيةُ راتبةً لَازِمَةً، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا جَاءَ بِهِ، جَاءَ بِالروحِ والراحة، وَالْكَثْرَةِ الْمُبَارَكَةِ لأولياءِ الرَّحْمَنِ منِ أهلِ دَار الخلود، الَّذين كَانَ سَعْيهمْ ورغبتهم فِيهَا. أَلا إِنَّ لكلِ ساعٍ غَايَةٌ، وَغَايَةُ كلِّ ساعٍ الْمَوْتُ، سَابق ومسبوق» [الْبَيْهَقِيّ].

 وعن عمار رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بِالْمَوْتِ واعظاً» [الطَّبَرَانِيّ].

وعَن ابْن سابط قَالَ: ذكر عِنْد النَّبِي صلى الله عليه وسلم رجل فأثني عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «كَيفَ ذكره للْمَوْت؟» فَلم يذكر ذَلِك مِنْهُ، فَقَالَ «مَا هُوَ كَمَا تذكرُونَ» [اِبْنِ أبي شيبَة وَأَحْمد فِي الزّهْد].

وعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُول الله؛ مَا لي لَا أحب الْمَوْت؟ قَالَ: «لَك مَال؟» قَالَ: نعم، قَالَ: «قدمه؛ فَإِن قلب الْمُؤمن مَعَ مَاله، إِن قدَّمه أحبّ أَن يلْحق بِهِ، وَإِن أَخّرهُ أحب أَن يتَأَخَّر مَعَه». [أَبُو نعيم].

وعَن الرّبيع بن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «كفى بِالْمَوْتِ مزهداً فِي الدُّنْيَا ومرغباً فِي الْآخِرَة». [ابْنِ أبي شيبَة وَأحمد فِي الزّهْد وابن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان].

وعَن طَارق الْمحَاربي قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «يا طارق؛ استعد للْمَوْت قبل الْمَوْت». [الطَّبَرَانِيّ].

وعَن أنس رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الزّهْد فِي الدُّنْيَا: ذكر الْمَوْت. وَأفضل الْعِبَادَة: التفكر. فَمن أثقله ذكر الْمَوْت وجد قَبره رَوْضَة من رياض الْجنَّة». [الديلمي في مسنده].

وعَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أحدٌ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ»، قَالُوا: وَمَا ندامته يَا رَسُول الله؟ قَالَ: «إِن كَانَ مُحْسِناً نَدِمَ أَنْ لَا يكونَ ازدادَ، وَإِن كَانَ مُسيئاً نَدم أَنْ لَا يكونَ نَزَعَ». [التِّرْمِذِيّ]. قَالَ فِي الصِّحَاح: نزع عَن الْأُمُور، أَي: انتهى عَنْهَا.

والصالحون على هدي نبيهم:

عَن عَليّ بن أبي طَالب رضي الله عنه قَالَ: الْقَبْر صندوق الْعَمَل، وَبعد الْمَوْت يَأْتِيك الْخَبَر. [اِبْنِ عَسَاكِر في تاريخ دمشق).

وَقَالَ عَليّ كرم الله وَجهه: النَّاس نيامٌ، فَإِذا مَاتُوا انتبهوا. [أبو نعيم في الحلية).

ونظم هَذَا الْمَعْنى الْحَافِظ أَبُو الْفضل الْعِرَاقِيّ فَقَالَ:

وَإِنَّمَا النَّاس نيامٌ مَنْ يَمُتْ

مِنْهُم أَزَالَ الْمَوْتُ عَنهُ وَسَنُه

وعَن أبي الدَّرْدَاء رضي الله عنه قَالَ: موعظة بليغة، وغفلة سريعة، كفى بِالْمَوْتِ واعظاً، وَكفى بالدهر مفرقاً. الْيَوْم فِي الدّور وَغداً فِي الْقُبُور. [سعيد بن مَنْصُور].

وعَنه رضي الله عنه قَالَ: من أَكثر ذكر الْمَوْت قلَّ حسده وَقلَّ فرحه. [ابْنِ أبي شيبَة فِي المُصَنّف وَأحمد فِي الزّهْد].

وعَن صَفِيَّة أَن امرأة شكت إِلَى عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا الْقَسْوَة، فَقَالَت: أكثري ذكر الْمَوْت يَرِقُّ قَلْبُكِ. [ابْنِ أبي الدُّنْيَا].

وَقَالَ السّديّ فِي قَوْله تَعَالَى: {خَلَقَ الْمَوْتَ والحَياةَ ليَبْلُوكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك:2]، قَالَ: أَكْثَرَكُم للْمَوْت ذكراً، وَأحسن لَهُ استعداداً، وَأَشد خوفًا وحذراً، [ابْنِ أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإِيمَان].

وَقَالَ بَعضهم: من أَكثر ذكر الْمَوْت أكْرم بِثَلَاثَة أَشْيَاء: تَعْجِيل التَّوْبَة، وقناعة الْقلب، ونشاط الْعِبَادَة. وَمن نسي الْمَوْت عُوقِبَ بِثَلَاثَة أَشْيَاء: تسويف التَّوْبَة، وَترك الرِّضَا بالكفاف، والتكاسل فِي الْعِبَادَة.

وَقَالَ التَّيْمِيّ: شَيْئَانِ قطعا عني لَذَّة الدُّنْيَا: ذكر الْمَوْت، وَذكر الْوُقُوف بَين يَدي الله تَعَالَى [ابنِ أبي الدُّنْيَا].

وَقَالَ بَعضهم فِي قَوْله تَعَالَى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيْبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} هُوَ الْكَفَن، فَهُوَ وعظ مُتَّصِل بِمَا تقدم من قَوْله {وابْتَغِ فِيمَا آتاكَ اللهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ} أَي: اطلب فِيمَا أَعْطَاك الله من الدُّنْيَا الْجنَّة بصرفها فِيمَا يُوصل إِلَيْهَا، وَلَا تنس أَنَّك تتْرك جَمِيع مَالك إِلَّا نصيبك الَّذِي هُوَ الْكَفَن، كَمَا قيل شعراً:

نصِيبُك مِمَّا تجمعُ الدَّهْرَ كُلَّهُ

رداءان تُلوَى فيهمَا وَحَنُوطُ

وعَن رَجَاء بن حَيْوَة قَالَ: مَا أَكثر عبد ذكر الْمَوْت إِلَّا ترك الْفَرح والحسد. [ابْنِ أبي الدُّنْيَا].

وعَن عون بن عبد الله قَالَ: مَا أحد يُنزِل الْمَوْت حقَّ مَنْزِلَته إِلَّا عبْدٌ عدَّ غَداً لَيْسَ من أَجله، كم من مُسْتَقْبل يَوْمًا لَا يستكمله، وراج غَداً لَا يبلغهُ؛ إِنَّك لَو ترى الْأَجَل ومسيره لأبغضتَ الأمل وغروره. [ابْنِ أبي شيبَة].

وعن أبي حَازِم قَالَ: انظر الَّذِي تحب أَن يكون مَعَك فِي الْآخِرَة فقدِّمه الْيَوْم، وَانْظُر الَّذِي تكره أَن يكون مَعَك ثمَّ فَاتْرُكْهُ الْيَوْم. [ابْنِ أبي شيبَة].

وقَالَ :كلُّ عمل كرهتَ الْمَوْتَ من أَجله فَاتْرُكْهُ، ثمَّ لَا يَضرك مَتى متَّ. [ابْنِ أبي شيبَة].

وعَن عمر بن عبد الْعَزِيز رحمه الله قَالَ: من قرَّب الْمَوْت من قلبه استكثر مَا فِي يَدَيْهِ. [أَبُو نعيم في حلية الأولياء].

وعَن رَجَاء بن نوح قَالَ: كتب عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى بعض أهل بَيته: أما بعد؛ فَإنَّك إِن استشعرت ذكر الْمَوْت فِي ليلك ونهارك بُغِّض إِلَيْك كلُّ فانٍ، وحُبِّب إِلَيْك كل بَاقٍ. [أَبُو نعيم في حلية الأولياء].

وعَن مجمع التَّيْمِيّ قَالَ: ذكر الْمَوْت غنى. (أَبُو نعيم في حلية الأولياء].

وعَن سميط قَالَ: من جعل الْمَوْت نُصبَ عَيْنَيْهِ لم يبالِ بِضيق الدُّنْيَا وَلَا بسعتها. [أَبُو نعيم في حلية الأولياء].

وعَن كَعْب قَالَ: من عرف الْمَوْت هَانَتْ عَلَيْهِ مصائب الدُّنْيَا وغمومها. [أَبُو نعيم في حلية الأولياء].

وعَن الْحسن قَالَ: مَا ألزم عبدٌ قلبه ذكر الْمَوْت إِلَّا صغرت الدُّنْيَا عِنْده، وَهَان عَلَيْهِ جَمِيع مَا فِيهَا. [ابْنِ أبي الدُّنْيَ].

وعَن قَتَادَة قَالَ: كَانَ يُقَال: طُوبَى لمن ذكر سَاعَة الْمَوْت. [ابْنِ أبي الدُّنْيَ].

وعَن مَالك بن دِينَار قَالَ: قَالَ حَكِيم: كفى بِذكر الْمَوْت للقلوب حَيَاة للْعَمَل [ابْنِ أبي الدُّنْيَ].

وعَن أبي حَازِم قَالَ: يَا ابْنِ آدم؛ بعد الْمَوْت يَأْتِيك الْخَبَر. [ابْنِ أبي الدُّنْيَ].

وكان عمر بن عبد العزيز رحمه الله يجمع العلماء فيتذكرون الموت والقيامة والآخرة، فيبكون حتى كأن بين أيديهم جنازةَ!!

وقال الحسن رحمه الله: إن هذا الموت قد أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فالتمسوا عيشاً لا موت فيه.

أذكرُ الموتَ ولا أرهبه

إنّ قلبي لغليظٌ كالحجرْ

أطلبُ الدنيا كأنّي خالدٌ

وورائي الموتُ يقفو بالأثرْ

 

وكفى بالموتِ فاعلمْ واعظاً

لمنِ الموتُ عليه قد قدِرْ

والمنايا حولَهُ ترصُدُهُ

ليسَ يُنجِيْ المرءَ منْهنَّ مَفَرْ

فوائد وثمرات ذكر الموت:

في الإكثار من ذكر الموت فوائد منها:

1- أنه يحث على الاستعداد للموت قبل نزوله.

2-  أن ذكر الموت يقصر الأمل في طول البقاء. وطول الأمل من أعظم أسباب الغفلة.

3-  أنه يزهد في الدنيا ويرضي بالقليل منها، كما ورد عن أنس رضي الله عنه:  أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِمَجْلِسٍ وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَ: «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ، أَحْسِبُهُ قَالَ: فَإِنَّهُ مَا ذَكَرَهُ أَحَدٌ فِي ضِيقٍ مِنَ الْعَيْشِ إِلا وَسَّعَهُ عَلَيْهِ، وَلا فِي سَعَةٍ إِلا ضَيَّقَهُ عَلَيْهِ» [البزار].

4-أنه يرغّب في الآخرة ويدعو إلى الطاعة.

5-  أنه يهوّن على العبد مصائب الدنيا.

6-  أنه يمنع من الأشر والبطر والتوسع في لذات الدنيا.

7-  أنه يحث على التوبة واستدراك ما فات.

8-   أنه يرقّق القلوب، ويدمع الأعين، ويجلب باعث الدين، ويطرد باعث الهوى.

9-   أنه يدعو إلى التواضع وترك الكبر والظلم.

10-   أنه يدعو إلى سلّ السخائم ومسامحة الإخوان وقبول أعذارهم.

أنفاس معدودة:

عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطَطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الوَسَطِ، وَقَالَ: «هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ - أَوْ: قَدْ أَحَاطَ بِهِ - وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الخُطَطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَشَهُ هَذَا» [البخاري].

وقال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن الموت ليس له سن معلوم، ولا زمن معلوم، ولا مرض معلوم، وذلك ليكون المرء على أهبة من ذلك، مستعداً لذلك.

وكان بعض الصالحين ينادي بليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل. فلما توفي فقد صوته أمير المدينة، فسأل عنه فقيل: إنه قد مات فقال:

ما زالَ يَلْهَجُ بِالرَّحِيلِ وَذِكْرِهِ

حَتّى أَناخَ بِبابِهِ الجَمّالُ

فَأَصابَهُ مُتَيَقِّظاً مُتَشَمِّراً

ذا أُهْبَةٍ لَمْ تُلْهِهِ الآمالُ

وكان يزيد الرقاشي رحمه الله يقول لنفسه: ويحك يا يزيد!

من ذا يصلي عنك بعد الموت؟

من ذا يصوم عنك بعد الموت؟

من ذا يترضّى ربك عنك بعد الموت؟

ثم يقول: أيها الناس! ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟

مَن الموت طالبه.. والقبر بيته.. والتراب فراشه.. والدود أنيسه.. وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر.. كي يكون حاله؟ ]، ثم يبكي رحمه الله.

بينا الفتى مَرِح الخُطى فرحٌ بما

يسعى له إذ قيل: قد مَرِضَ الفتى!!

إذ قيلَ: باتَ بليلةٍ ما نامها

إذ قيل أصبح مثخناً ما يرتجى

إذ قيلَ: أصبحَ شاخصاً وموجهاً

ومعللاً، إذ قيلَ: أصبح قد قَضَى!!

موعظة:

فتفكر يا مغرور في الموت وسكرته، وصعوبة كأسه ومرارته، فيا للموت من وعد ما أصدقه، ومن حاكم ما أعدله. كفى بالموت مقرحاً للقلوب، ومبكياً للعيون، ومفرقاً للجماعات، وهاذماً للذات، وقاطعاً للأمنيات.

فيا جامع المال! والمجتهد في البنيان! ليس لك والله من مالك إلا الأكفان، بل هي والله للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين الذي جمعته من المال؟ هل أنقذك من الأهوال؟ كلا.. بل تركته إلى من لا يحمدك، وقدمت بأوزارك على من لا يعذرك.

فيا أخي الحبيب:

أين استعدادك للموت وسكرته؟

أين استعدادك للقبر وضمته؟

أين استعدادك للمنكر والنكير؟

أين استعدادك للقاء العلي القدير؟

وقال سعيد بن جبير رحمه الله: الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة.

ورحم الله الربيع بن خثيم الذي كان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة واحدة لفسد.

وكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه إِذَا قَعَدَ يَقُولُ: إِنَّكُمْ فِي مَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ وَأَعْمَالٍ مَحْفُوظَةٍ، وَالْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً، فَمَنْ زَرَعَ خَيْرًا يُوشِكُ أَنْ يَحْصُدَ رَغْبَةً، وَمَنْ زَرَعَ شَرًّا يُوشِكُ أَنْ يَحْصُدَ نَدَامَةً، وَلِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ، لا يَسْبِقُ بَطِيءٌ حَظَّهُ، وَلا يُدْرِكُ حَرِيصٌ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ، فَمَنْ أُعْطِيَ خَيْرًا فَاللَّهُ أَعْطَاهُ، وَمَنْ وُقِيَ شَرًّا فَاللَّهُ وَقَاهُ.

وكان الإمام الشاطبي صاحب كتابالموافقات] كثيرًا ما يتمثل هذه الأبيات:

أتعرفُ شيئًا في السماءِ يطيرُ

إِذا سارَ هاجَ الناسُ حيثُ يسيرُ

فتلقاهُ مركوبًا وتلقاهُ راكباً

وكلُّ أميرٍ يعتليهِ أسيرُ

يحثُّ على التقوى ويُكرهُ قُربُهُ

وتنفِرُ منهُ النَّفسُ وهوَ نَذيرُ

فَلَمْ يُستزَرْ عَنْ رَغْبَةٍ في زِيارَةٍ

ولَكِنْ عَلى رُغْمِ المزورِ يزورُ

إنه النعش، من امتطى صهوته كان أسيره، إذا رآه الناس قصر أملهم وزاد عملهم، ومع ذلك يكرهه الناس وينفرون من رؤيته، بل ويتناسونه حتى يزورهم رغمًا عنهم.

رحم الله الإِمام الشاطبي، كان كلما لمس غياب ذكر الموت عن القلوب أنشد لغزه وذكر نعشه؛ لأنه تعلَّم وعلم أن ذكر الموت هو الحياة، وأن الاتعاظ برؤية النعش على الأعناق هو السبيل إلى الفوز في السباق إلى الله.

الأسباب الباعثة على ذكر الموت:

1-    زيارة القبور.

2-    زيارة مغاسل الأموات، ورؤية الموتى حين يغسلون.

3-     مشاهدة المحتضَرين وهم يعانون سكرات الموت وتلقينهم الشهادة.

4-  تشييع الجنائز، والصلاة عليها، وحضور دفنها.

5-   تلاوة القرآن، ولا سيما الآيات التي تذكر بالموت وسكراته؛ كقوله تعالى: {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ} [ق:19].

6-   الشيب والمرض، فإنهما من رسل ملك الموت إلى العباد.

7-    الظواهر الكونية التي يحدثها الله تعالى تذكيراً لعباده بالموت والقدوم عليه سبحانه كالزلازل والبراكين والفيضانات والانهيارات الأرضية والعواصف المدمرة.

8-     مطالعة أخبار الماضين من الأمم والجماعات التي أفناهم الموت وأبادهم البلى.

أخرج مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «زوروا الْقُبُور فَإِنَّهَا تذكِّر الْمَوْت».

وعَن ابْنِ مَسْعُودرضي الله عنه  أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «كنتُ نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها؛ فَإِنَّهَا تُزَهِّد فِي الدُّنْيَا وتذكِّر الْآخِرَة». [ابْن ماجة وَالْحَاكِم].

وعَن أبي سعيدرضي الله عنه  أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ «كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها؛ فَإِن فِيهَا عِبْرَة». [الْحَاكِم].

وعَن أنس مَرْفُوعاً: «كنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَة الْقُبُور أَلا فَزُوروها؛ فَإِنَّه يرقُّ الْقلبُ، وَتَدْمَعُ الْعَينُ، وتُذَكِّرُ الْآخِرَة، وَلَا تَقولُوا هُجْراً». [الْحَاكِم].

وعَن بُرَيْدَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول صلى الله عليه وسلم: «كنتُ نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور أَلا فزوروها؛ ولتزِدْكُمْ زِيارتُها خَيراً». [الْحَاكِم].

وعن أبي ذَر رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: «زرِ الْقُبُورَ، تَذْكُرُ بهَا الْآخِرَة، واغْسِلَ الْمَوْتَى؛ فَإِنَّ مُعالَجَةَ جَسَدٍ خاوٍ مَوعِظةٌ بَليغَةٌ. وَصَلِّ على الْجَنَائِز لَعَلَّ ذَلِك يُحْزِنُكَ؛ فَإِنَّ الحَزِينَ فِي ظِلّ اللهِ يتَعَرَّضُ لِكُلِّ خَيرٍ». [الْحَاكِم].

قَالَ الْقُرْطُبِيّ: ورد فِي الْخَبَر: أَن بعض الْأَنْبِيَاء قَالَ لملك الْمَوْت: أما لَك رَسُولٌ تقدّمه بَين يَديك ليَكُون النَّاس على حذر مِنْك؟ قَالَ: نعم؛ لي وَالله رسل كَثِيرَة: من الإعلال والإمراض، والشيب والهرم، وتغير السّمع وَالْبَصَر. فَإِذا لم يتَذَكَّر من نزل بِهِ ذَلِك وَلم يتب؛ ناديته إِذا قَبضته: ألمْ أُقدِّم إِلَيْك رَسُولاً بعد رَسُول، وَنَذِيراً بعد نَذِير؟ فَأَنا الرَّسُول الَّذِي لَيْسَ بعدِي رَسُول، وَأَنا النذير الَّذِي لَيْسَ بعدِي نَذِير.

وأخرج أَبُو نعيم فِي الْحِلْية عَن مُجَاهِد قَالَ: مَا من مرضٍ يمرضه العَبْد إِلَّا رَسُول ملك الْمَوْت عِنْده، حَتَّى إِذا كَانَ آخر مرضٍ يمرضه العَبْد أَتَاهُ ملك الْمَوْت عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: أَتَاك رَسُولٌ بعد رَسُول، ونذير بعد نَذِير، فَلم تعبأ بِهِ، وَقد أَتَاك رَسُولٌ يقطع أثرك من الدُّنْيَا.

وَأخرج البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أعذرَ اللهُ إِلَى امرىء أخَّرَ أَجلَه حَتَّى بلغه سِتِّينَ سنة». وأعذر فِي الْأَمر، أَي: بَالغ فِيهِ فَلم يتْرك لصَاحبه عذراً.

وأكبر الأعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم، ليتم حجته عليهم؛ كما قال سبحانه: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء:15]، وقال سبحانه: {وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر:37]، قيل: هو القرآن، وقيل: الرسل، وقال ابن عباس: هو الشيب.

يا أيها المغرور:

عَلَيْكَ بِمَا يُفِيدُكَ فِي الْمَعَادِ

وَمَا تَنْجُو بِهِ يَوْمَ التَّنَادِ

فَمَا لَكَ لَيْسَ يَنْفَعُ فِيكَ وَعْظٌ

وَلا زَجْرٌ كَأَنَّكَ مِنْ جَمَادِ

سَتَنْدَمُ إِنْ رَحَلْتَ بِغَيْرِ زَادٍ

وَتَشْقَى إِذْ يُنَادِيكَ الْمُنَادِي

فَلا تَفْرَحْ بِمَالٍ تَقْتَنِيهِ

فَإِنَّكَ فِيهِ مَعْكُوسُ الْمُرَادِ

وَتُبْ مِمَّا جَنَيْتَ وَأَنْتَ حَيٌّ

وَكُنْ مُتَنَبِّها مِنْ ذَا الرُّقَادِ

يا كثير السيئات غداً ترى عملك..

ويا هاتك الحرمات إلى متى تديم زللك؟

أما تعلم أن الموت يسعى في تبديد شملك؟

أما تخاف أن تؤخذ على قبيح فعلك؟

واعجباً لك من راحل تركت الزاد في غير رحلك!!

أين فطنتك ويقظتك وتدبير عقلك؟

أما بارزتَ بالقبيح فأين الحزن؟

أما علمتَ أن الحق يعلم السر والعلن؟

ستعرف خبرك يوم ترحل عن الوطن، وستنتبه من رقادك ويزول هذا الوسن.

قال يزيد بن تميم: من لم يردعه الموت والقرآن، ثم تناطحت عنده الجبال لم يرتدع!!.

رحلة الموت:

ربَّ مَذكورٍ لقَومٍ غاب عنهم فنسوه

وإذا أفنى سنيهِ المرءُ أفنتهُ سُنوه

وكأنْ بالمرءَ قد يبكي عليه أقربوه

وكأنّ القوم قد قاموا، فقالوا أدركوه

سائلوه، كلِّموه، حرِّكوه، لقِّنوه

فإذا استيأس منه القوم، قالوا اُتركوه

حرِّفوه ، وجِّهوه، مدِّدوه، غمِّضوه

عجِّلوه لرحيلٍ، عجِّلوا لا تحبسوه!

ارفعوه، غسلوه، كفنوه، حنطوه

فإذا ما لُفَّ في الأكفان قالوا: فاحملوه

أخرجوه، فوق أعوادِ المنايا، شيّعوه

فإذا صلَّوا عليه, قيل: هاتوا واقبِرُوه

فإذا ما استودعوه الأرض: رهناً تركوه

خلَّفوه تحت رَمْسٍ أوقِرُوهُ، أثقلوه

أبعَدوه, أسحقوهُ, أوحدوهُ, أفرَدوه

وَدَّعُوهُ, فارقوه, أسْلَموهُ, خَلَّفوه

وانثنوا عنه, وخَلَّوهُ كأنْ لم يعرفوه

وَكأنَّ القومَ فيما كانَ فيهِ، لم يَلوهُ

ابتنى الناسَ من البنيان ما لم يسكُنوهُ

جمعَ الناسُ من الأموالِ, ما لم يأكُلوهُ

طلبَ الناسُ، من الآمال ما لم يُدْرِكوه

ظَعن الموتى إلى ما قدَّموهُ, وَجَدُوْهَ

طابَ عيشُ القومَ ما كانَ, إذا القومُ رَضوهُ

عِشْ بما شئتَ فمن تَسررهُ دنياهُ تسوه

أيها الإخوة:

إننا نحتاج حاجة عظيمة إلى التمعن والتفكر في هذه المسألة؛ لأنها أساس التقوى، ولب العمل الصالح، وهي دافع مهم من الدوافع على القدوم على الله عز وجل بأعمال صالحة، إذا فكر الإنسان في الميت: يفكر كيف قد سالت العيون، وتفرقت الخدود، مساكين أهل القبور، عن يمينهم التراب، وعن يسارهم التراب، ومن أمامهم التراب، ومن خلفهم التراب، كانوا أهل الدور والقصور فصاروا أهل التراب والقبور، كانوا أهل النعمة فصاروا أهل الوحشة والمحنة، قد سالت العيون، وصدأة الجفون، وتقطعت الأوصال، وبطلت الآمال، وصار الضحك بكاء، والصحة داء، والبقاء فناء، والشهوة حشرات، والتبعات زفرات، فما بيدهم إلا البكاء والحسرات، نفدت الأعمار وبقيت الأوزار، لسان حالهم يقول: حسرتنا أن ندرك وقتاً نصلي فيه ركعتين، الأعمال قد انقطعت، والحسرات قد بقيت، والأموال قد فنيت، والأزواج قد نكحت، والدور قد خربت، قال أحد السلف: كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له مستعداً، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملاً، وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفاً، فعلى ما تفرحون؟ وما عسيتم تنتظرون؟

يا ابن آدم:

لو رأيت قرب أجلك لزهدت في طول أملك، ولرغبت في زيادة عملك، ولقصرت عن حرصك وحيلك، وإنما يلقاك ندمك لو قد زلت بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك، فلا أنت إلى دنياك عائد، ولا في حسناتك زائد، فاعمل ليوم القيامة، يوم الحسرة والندامة، إن المنهمك في الدنيا، المكب على غرورها، والمحب لشهواتها، يغفل قلبه لا محالة عن ذكر الموت، فلا يذكره، وإذا ذكره كره منه ونفره، أولئك الذين قال الله فيهم: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [ الجمعة: 8].

لما سئل أحد السلف: ما أبلغ العظات؟ قال: النظر إلى الأموات، اعلم أن الموت هو الخطب الأفظع، والأمر الأشنع، والكأس الذي طعمها أكره وأبشع؛ لأنه هادم اللذات، وقاطع الراحات، وجالب الكريهات، فإنه أمر يقطع أوصالك، ويفرق أعضاءك، ويهدم أركانك، لهو الأمر الأفظع، والخطب الجسيم، وإن يومه لهو اليوم العظيم.

هل تفكرت يا ابن آدم في يوم مصرعك؟ وانتقالك عن موضعك؟ إذا نقلت من سعة إلى ضيق، وخانك الصحب والرفيق، وهجرك الأخ والصديق، وأخذت من فراشك وغطائك إلى غرر، وغطوك من بعد لين لحافها بتراب ومدر، فيا جامع المال، والمجتهد في البنيان، ليس لك من مالك والله إلا الأكفان، بل للخراب والذهاب، وجسمك للتراب والمآب، فأين المال الذي جمعته؟ هل أنقذك من هذه الأهوال؟.

أيها الناس: ألا تبكون وتنوحون على أنفسكم باقي حياتكم؟!

مَن الموت طالبه، والقبر بيته، والتراب فراشه، والدود أنيسه، وهو مع هذا ينتظر الفزع الأكبر، كيف يكون حاله؟.

مثل نفسك يا مغرور! وقد حلت بك السكرات، ونزل بك الأنين والزفرات، فمن قائل يقول: إن فلاناً قد أوصى، وماله قد أحصى، ومن قائل يقول: إن فلاناً ثقل لسانه فلا يعرف جيرانه، ولا يكلم إخوانه، فكأني أنظر إليك تسمع الخطاب ولا تقدر على رد الجواب، فخيل لنفسك يا ابن آدم! إذا أخذت من فراشك إلى لوح مغسلك فغسلك الناس، وألبست الأكفان، وأوحش منك الأهل والجيران، وبكى عليك الأصحاب والإخوان، أين الذي جمعته من الأموال؟ وأعددته للشدائد والأهوال؟ لقد أصبح كفك منه عند الموت خالية صفراً، وبدلت بعد غناك وعزك ذلاً وفقراً، فكيف أصبحت يا رهين أوزاره؟! ويا من سلب من أهله ودياره! ما كان أخفى عليك سبيل الرشاد، وأقل اهتمامك لحمل الزاد إلى سفرك البعيد، وموقفك الصعب الشديد، تزعم أن الخطب يسير، وأن هذا الأمر أمراً صغير، وتظن أن سينفعك حالك إذا كان ارتحالك، أو ينقذك مالك حين تهلكك أعمالك، أو تغني عنك إذا زلت بك قدمك، فلا والله! ساء ما تتوهم، ولا بد أنت تعلم، لا بالكفاف تقنع، ولا من الحرام تشبع، ولا للعظات تسمع، يعجبك التكاثر فيما لديك.

تزوَّد من التقوى فإنك لا تدري

إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من صحيح مات من غير علة

وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

وكم من صبيّ يرتجى طول عمره

وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع الأساسية:

1. شرح الصدور بشرح حال الموتى والقبور، للإمام السيوطي.

2.  ذكر الموت، الموقع الرسمي للشيخ محمد صالح المنجد.

3.  الكلم الطيب، موقع إلكتروني.



 

 

 

مرض الموت - د. عمر عبد الكافي

 

 

موعظة الموت - الشيخ محمد حسين يعقوب

 

 

محاضرة حقيقة الموت - د. عمر عبد الكافي

 

 

هل أعددنا أنفسنا للموت - الشيخ محمد الددو

 

 

محبة الموت - مشاري الخراز

 

 

موعظة الموت والخاتمة - الشيخ علي الطنطاوي