أهداف الدرس:

1-   أن يتعرف على أبرز معاني اسم الله: النور.

2-  أن يتعرف على بعض قوانين توليد النور المعنوي.

3-  أن يفهم آية النور.

4- أن يعرف أهم أسباب انشراح الصدر.

5-  أن يحفظ بعض أدعية النور.

 

عناصر الدرس:

- من معاني ( الله نور السموات والأرض):

1- النور الحسي وإدراكه.

• جهاز الإبصار.

• العلم والإيمان.

2- النور المعنوي

• قوانين توليد النور المعنوي ( الإيمان والتقوى- الإنفاق- التوبة).

• وقفة مع آية النور.

3- النور الإلهي

• أسباب انشراح الصدر:

التوحيد والهدى- نور الإيمان- العلم- الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى- دوام الذكر- الإحسان إلى الخلق- الشجاعة-إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة- ترك فضول النظر والكلام.

• دعاء النور.

 

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [النور:35]

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد رسول الله، وبعد..

فالكلام في معنى اسم الله النور مما تجف فيه الأقلام، وتكِلُّ الأحلام، حديث لا ينتهي، وعجب لا ينقضي. يتدرج لغوياً فيما بين النور الحقيقي المدرك بحاسة البصر، والنور المعنوي الذي تدركه العقول، والنور الإلهي الذي لا يمكن لعين أن تراه، ولا لعقل أن يبلغ مداه!

النور الحسي:

فالنور بالمعنى الحسي هو الضوء الذي نراه بأعيننا، وتدركه عقولنا، ونهتدي به في طريقنا، وهو أبسط الأنواع الثلاثة. وعلى بساطته فقد حار فيه العلماء ولا زالوا حتى يومنا هذا، يجرون التجارب والأبحاث لمعرفة حقيقته وسبر كنهه! فقديماً حلل الفيزيائيون الضوء بواسطة المنشور الزجاجي إلى ألوان الطيف المرئي السبعة المتدرجة من البنفسجي إلى الأحمر «انظر: شكل 1»، وقاسوا سرعته فقالوا: إنه أسرع شيء في الكون عرفه العلم فسرعته تبلغ 300000 كم / ثانية. وكانت النظريات الأولية عنه تقول: إنه مجرد موجات، ثم قالوا: لا بل هو فوتونات أو جسيمات، ثم قالوا: بل هو موجة ومادة يتنقل بين الحالتين.

والنور له طيف واسع منه ما يرى بعين الإنسان ومنه ما تراه عيون حيوانات بعينها، فالبومة مثلاً ترى الأشعة الحرارية ولذلك تراها تتنقل في ظلام الليل الدامس وسط الغابات تقتنص فرائسها! والناموسة ترى الأشعة الحرارية ولذلك فهي تختار ضحيتها في ظلام الليل وتنقض عليها كما ينقض الصقر على فريسة في وضح النهار!

إذن نحن هنا أمام مبصِرٍ ومبصَرِ. فالمبصِرٍ هو جهاز الإبصار والمكون من العين وما تتصل به من أعصاب ودماغ تتضافر جميعا لإنتاج صورة الضوء التي نعرفها. وهذا الجهاز يختلف من مخلوق لآخر فهو مجهز ليرى نطاقات معينة من الضوء تتناسب مع طريقة حياته. فالمبصِر لا يستطيع رؤية المبصَرِ لولا وجود هذه الأطياف من الأنوار.. وهذا معنى من معاني: "الله نور السموات والأرض".

 

شكل 1: تحليل الضوء المرئي عبر المنشور الزجاجي

جهاز الإبصار:

نعرف شيئاً عن تركيب وطريقة عمل جهاز الإبصار لدى الإنسان، وهو يتكون من العينين وتتصلان بعصبين يوصلانها بالدماغ عند مركز الإبصار «شكل 2».

التركيب الحيوي لهذا الجهاز في غاية الروعة والدقة والتضافر للعمليات، كلها تعمل لالتقاط النور وتكوين صورة عن البيئة المحيطة بالإنسان مما يساعده في قضاء شؤون حياته. هذا الجهاز مكون من ملايين الخلايا المتخصصة في استشعار الضوء ونقله ومعالجته، ثم تحويل كل ذلك إلى صورة متخيلة في الدماغ يُتخذ على أساسها قرارات تتعلق بحياته وغذائه وتنقله واتقاء المخاطر المحيطة.. وهذا معنى من معاني: "الله نور السموات والأرض".

هذا الجهاز برغم الإعجاز الظاهر في تركيبته وعمله عاجز -لحكمة إلهية- عن إدراك كامل الطيف الضوئي، وهو يدرك الطيف المرئي في نطاق مكاني محدود بمسافات معينة، فإذا كان هذا حاله مع النور المرئي فكيف يكون حاله مع النور الإلهي؟! والأعجب من هذا أن ما يراه جهاز الإبصار من ألوان الأشياء هو الضوء المنعكس عنها والذي لا يمثل حقيقة لونها؛ فلونها الفعلي مختلف، فالتفاحة الحمراء-مثلا- نرى الضوء الأحمر الذي انعكس عن سطحها بينما امتصت باقي الطيف المرئي.

شكل 2: الأجزاء الرئيسية للعين

إن مصدر النور الرئيسي للأرض هو الشمس التي تمدنا بالضوء على مدار الساعة. وهناك مصادر ثانوية أخرى مثل: البترول والفحم والحطب ومواد أخرى، ولكن بالنظر المتفحص نرى أن جميع هذه المواد حصلت على طاقتها من الشمس واختزنتها بطريقتها لاستخدامنا المستقبلي، إذن فالشمس هي المصدر الوحيد إذا استثنينا الضوء الناتج عن الطاقة النووية. والشمس إنما هي مخلوق من مخلوقات الله التي سخرها للبشر.. وهذا معنى من معاني: "الله نور السموات والأرض"، فهو ممدّها بالنور القادم من الشمس.

وكذلك الأمر بالنسبة للطاقة النووية، فهي خلق من خلق الله اختزن فيها الطاقة، ومكّن الانسان من اكتشافها واستخراجها لبث النور في أرجاء الأرض.. وهذا معنى من معاني: "الله نور السموات والأرض".

مقطع فيديو عن الشمس:

https://www.youtube.com/watch?v=_b9VsY08Gow

العلم والإيمان (العلم نور):

في مرحلة من مراحل العلم الطبيعي ونتيجة للصراع مع الكنيسة الغربية اتجه العلم للإلحاد وإخضاع أي علم للحواس، وما عدا ذلك فخرافات. وبالنتيجة دخل في ذلك كل علم مصدره إلهي أو روحي أو نفسي، وخضع كل شيء للتجربة في المختبر. شقّ العلم طريقه وحقّق نتائج مبهرة؛ ففجر الذرة في منتصف القرن العشرين، وبعدها بسنوات استطاع العلماء إرسال رواد فضاء إلى القمر، وفي قمة النشوة بهذه الانتصارات ظن المجتمع العلمي أنه قد حقق النصر الكامل والسيطرة على الكون، فخرجت صحيفة تايم الأمريكية في عام 1966م بعدد كان عنوان غلافه : "هل مات الله؟" تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

وتشاء الحكمة الإلهية أن يأتي رد ودحض هذه الفرية بنفس الأداة التي استخدمت فيها وهي العلم، فالعلم كما أراده الله لا يمكن إلا أن يكون نوراً وسبيلاً لإثبات وجوده إن استخدم بطريقة صحيحة ومتجردة عن الأهواء. فبعد تلك المقالة الكافرة وفي نفس السياق قال "العالم الفلكي كارل ساغان: أن ثمة خاصيتين مهمتين لابد من توفرهما في أي كوكب حتى توجد على سطحه حياة: أولاً: وجود نجم من النوع المناسب، وثانياً: وجود كوكب يقع على مسافة مناسبة من ذلك النجم. وإذا علمنا بوجود ما يقرب من أوكتيليون. (واحد وإلى يمينه 27 صفراً من الكواكب في الكون) فمن المفروض أن يكون هناك ما يقرب من سيبتيليون من الكواكب، (أي واحد وإلى يمينه 24 صفراً، التي تصلح الحياة فيها)."

وانطلقت المشاريع الضخمة المدعومة بالمليارات وأفضل علماء العصر، وكانوا بعد كل مرور عدة سنوات يعلنون عن زيادة في عدد الخواص، فمن خاصتين إلى عشرة، ثم عشرين، ثم خمسين، ومع هذه الزيادة في عدد الشروط كان عدد الكواكب التي يحتمل وجود حياة فيها ينخفض حتى وصل لبضعة آلاف! وانخفضت معها الرغبة للبحث عن كوكب به حياة حتى ألغت وكالة الفضاء الأمريكية مشاريعها في هذا الاتجاه، واستمر تزايد العوامل والشروط حتى تجاوزت الـ 200، ومعها انخفض إلى ما دون الصفر عدد الكواكب التي يوجد بها حياة، بمعنى أنه حتى كوكبنا الأرض يجب ألا يكون عليه حياة بحسب ما وصل إليه العلماء من شروط! فمن الذي أوجد الحياة هنا إذن؟!! إنه الله العظيم،

 

وبهذا أثبت العلماء بنفس الأداة التي أرادوها نافية لوجود الله، العلم، أثبتوا وجود الله رغماً عنهم. فالعلم نور، وهذا في حق العلم المادي. أما العلم الإلهي المحض فقد وصفه الله تعالى بأحسن وصف فقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚمَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (الشورى: 52).. وهذا معنى من معاني: "الله نور السموات والأرض".

 

النور المعنوي:

النور يطلق ويراد به الهداية، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  [الشورى:52]، فالعلم نور، وهو مثل مشهور عند العرب.. والقرآن نور بدليل الآية السابقة وغيرها في القرآن الكريم.

والرسول نور؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ﴾ [المائدة: 15].

والدين نور؛ لقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 32].

 

قوانين توليد النور:

أما النور الحسي فقد أودع الله سبحانه وتعالى النور قوانين في ثنايا كونه الواسع، وترك المجال لبني البشر ليكتشفوها.

أما قوانين توليد النور المعنوي فقد اختص الله بها عباده المؤمنين به، وأودع سرَّها في نوره الذي أوحاه لعبده ونوره إلى البشرية، ليبلغهم دينه النور الهادي إلى جنته.

ومن هذه القوانين:

قال تعالى: ﴿ مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ، يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [الحديد:11-12]، لاحظ بداية آية 12﴿ يَسْعَى نُورُهُم ﴾، فكأن الإنفاق في سبيل الله تكون نتيجته توليد نور للمؤمنين المنفقين يهديهم طريقهم في عرصات يوم القيامة.

ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد: 28]، فهذه الآية تشير إلى أن الإيمان والتقوى تكون سبباً ليجعل الله للمؤمن التقي نوراً يمشي به في حياته الدنيا، والتقوى لا تكون إلا بامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.

ويقول جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ  نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التحريم:8)، وهنا تشير الآية أن إلى أن للتوبة أيضاً دور في توليد هذا النور. فكما جاء في الحديث النبوي أن المعاصي تغطي القلب وتحجب عنه النور، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلّم: (الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: فَقَلْبٌ أَجْرَدُ مِثْلُ السِّرَاجِ أَزْهَرُ"، قَالَ: "ذَلِكَ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فَسِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ"، وَقَالَ: "وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلافِهِ)، قَالَ: (وَذَلِكَ قَلْبُ الْكَافِرِ"، قَالَ: "وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ"، قَالَ: "فَذَلِكَ قَلْبُ الْمُنَافِقِ عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ"، قَالَ: "وَقَلْبٌ مُصْفَحٌ)، قَالَ: (وَذَلِكَ قَلْبٌ فِيهِ نِفَاقٌ وَإِيمَانٌ، فَمَثَلُ الإِيمَانِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يَمُدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ، وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ الْقُرْحَةِ يَمُدُّهَا الْقَيْحُ وَالدَّمُ، فَأَيُّ الْمَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى صَاحِبَتِهَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ) [أخرجه أحمد في مسنده(11145)، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد 1 / 63 وقال : رواه أحمد والطبراني في الصغير وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف  ].

 

وقفة مع آية النور:

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.

قال الإمام ابن القيم: قال أبي بن كعب: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾: "يعني نوره في قلب عبده المؤمن", فضرب الله مثله فقال: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن، فقال: مثل نور من آمن به.

قال ابن كثير: كان أبي بن كعب يقرؤها: "مثل نور من آمن به", فهو المؤمن, جعل الله الإيمان والقرآن في صدره، وهو قول ابن عباس...

قـال: وقولـه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: مثل هداه في قلب المؤمن أو مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة... فشبّه قلب المؤمن بالقنديل من الزجاج الشفاف, وما يستمد به من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف.

وقوله عز وجل: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَة﴾, المشكاة هي الكوة في الجدار وهي في المثال: صدر المؤمن. والزجاجة هي: قلب المؤمن الذي يحتوي على النور الذي به يهتدي المؤمن, فيرى الأشياء على حقائقها ويسير على هدى من ربه بسبب هذا النور.

وضرب الله عز وجل لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلاً بالمشكاة وهي الكوة في الحائط، فهي مثل الصدر, وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج، وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه وهي مثل القلب, وشبهها بالزجاجة لأنها جمعت أوصافًا هي في قلب المؤمن, وهي الصفاء والرقة والصلابة, فيرى الحق والهدى بصفائه, وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته؛ ويجاهد أعداء الله تعالى ويشتد في الحق بصلابته, ولا تبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها, بل تساعدها وتعاضدها.

قوله عز وجل: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾.. ثم هذه الزجاجة – أي: هذا القلب الذي يحتوي النور - مثل الكوكب المضيء الذي يشبه الدر لشدة ضيائه وصفائه, ونلاحظ أنه سبحانه دمج الكلام عن الزجاجة ومصباحها - أي القلب ونوره - بأن شبه الجميع بالكوكب الدري؛ فالسراج مضيء, والزجاجة نفسها مضيئة لصفائها ونقائها..

قال ابن القيم: "وهذا هو النور الذي أودعه الله في قلب عبده من معرفته ومحبته والإيمان به وذكره, وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به وجعلهم يمشون به بين الناس، وأصله في قلوبهم, ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم, بل وثيابهم ودورهم, يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق منكرًا, فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور وصار بأيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه".

وقال السعدي: "ووجه هذا المثل الذي ضربه الله، وتطبيقه على حالة المؤمن، ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فطر عليها، بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية، مستعدة للتعاليم الإلهية، والعمل المشروع، فإذا وصل إليه العلم والإيمان، اشتعل ذلك النور في قلبه، بمنزلة اشتعال النار في فتيلة ذلك المصباح، وهو صافي القلب من سوء القصد، وسوء الفهم عن الله، إذا وصل إليه الإيمان، أضاء إضاءة عظيمة، لصفائه من الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدرية، فيجتمع له نور الفطرة، ونور الإيمان، ونور العلم، وصفاء المعرفة، نور على نوره".

قوله عز وجل: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾:

قال ابن القيم: "وفي الزجاجة مصباح وهو النور الذي في الفتيلة وهي حاملته، ولذلك النور مادة... وهو زيت قد عصر من زيتون في أعدل الأماكن, تصيبها الشمس في أول النهار وآخره فزيتها من أصفى الزيت وأبعده عن الكدر حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار, فهذه مادة نور المصباح, وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن هي من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة وأبعدها من الانحراف, بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأخفها... ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه ثم خالط النار فاشتدت بها إضاءته وقويت مادة ضوئه النارية, كان ذلك نورًا على نور... فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة".

فإذن هذا المصباح الذي في الزجاجة أو النور الموجود في قلب المؤمن ﴿يُوقَدُ﴾ من شجرة مباركة أي: كثيرة المنافع عظيمة القدر ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ فهي شجرة ليست من المشرق ولا من المغرب. والزيتونة هنا هي شريعة الله سبحانه وتعالى, فهي لا شرقية ولا غربية بل هي ربانية خالصة, و﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾... نقاء وصفاء, وإنه ليتلألأ حتى إنه ليكاد يضيء من غير نار.

فما أعظم نورانية هذه الشريعة التي تمد نور القلب, وما أعظم نور هذا القلب الذي يستمد نورانيته من شريعة هذا شأنها ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾... لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره, والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة، وكذلك صفاء الزيت ونقاؤه وتلألؤه.

قال ابن كثير: ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾: "نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه, كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه".

قال سيط قطب في الظلال:" وما يكاد نور القرآن ونور الإيمان يجتمعا حتى لكأن النور الهادئ الوضيء يفيض فيغمر الكون كله, ويفيض على المشاعر والجوارح، وينسكب في الحنايا والجوانح، وحتى لكأن الكون كله يسبح في فيض النور الباهر, وحتى تعانقه وتشرفه العيون والبصائر، وتشف القلوب، وترف الأرواح, ويتجرد كل شيء من كثافته وثقله, فإذا هو انطلاق ورفرفة، ولقاء ومعرفة، وامتزاج وألفة، وفرح وحبور, وإذا الكون كله - بنور شريعته سبحانه - طليق من القيود والحدود، تتصل فيه السماوات بالأرض, والأحياء بالجمادات, والبعيد بالقريب, وتلتقي فيه الشعاب والدروب والطوايا والظواهر والحواس والقلوب". 

 

بلاغة اللغة وقصور المعاني والتراكيب:

اللغة العربية تتميز ببلاغتها على مستوى الكلمات والتراكيب اللغوية. وضرب المثال التصويري يعتبر عند علماء البلاغة أرقى وسائل التعبير البلاغي اللغوية. وفي الآية الكريمة: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ...﴾ يضرب المولى جلت قدرته مثلاً لنوره بنور المشكاة وهي الفجوة غير النافذة في الجدار، وذلك أدعى لجمع نور المصباح حتى يصبح أقوى إنارة، والمصباح محاط بزجاجة لتحفظ نوره وتزيده تألقاً من تألقها؛ فهي كالكوكب الدريّ، وهو النجم المتألق في السماء، وهذا الكوكب الدريّ يشتعل من زيت شجرة الزيتون المباركة التي لا هي شرقية ولا غربية؛ مما يزيد النور شدة وتألقاً حتى كأن زيتها يكاد يضيء دون أن تمسّه النار.

كل هذه البلاغة في العبارة التي لا تضاهيها بلاغة في تصوير النور هي في الحقيقة لا توفي هذا النور حقه! فاللغة بكل ما أوتيت من قدرات البلاغة هي في النهاية محدودة بحدود الزمان والمكان الذي خلقت للتعبير عنه، ونور الله سبحانه وتعالى مطلق عن قيود الزمان والمكان!

ففي حدود الزمان تعجز لغتنا البشرية عن التعبير عن النور المطلق، وإنما سيق المثال للتقريب بأبلغ ما يمكن أن تتصوره عقولنا من عبارة. وفي حدود المكان فاللغة محدودة بوصف بعض عناصر ومواصفات المكان من الألوان والأحجام والأشكال، وهي حتى في هذه الحدود قاصرة عن التعبير عن حقيقة الأشياء. فعندما يصف لنا عالم ما في الغابة من مخلوقات وبيئتها التي تعيش فيها، فمهما بلغ وصفه من الدقة فإن ما سنراه إذا زرنا الغابة أضعاف ما فهمناه من وصفه.

هذا في وصف اللغة لعناصر الكون المدركة فكيف بها عندما تصف وتمثل لصفة من صفات الرحمن سبحانه! لا شك أن قصورها سيكون أكبر. إذن فما نعرفه وما نفهمه من أسماء ربنا العليا وصفاته الحسنى إنما هو في حدود بلاغة لغتنا، وهو في الحقيقة أعظم وأجل وأحسن بما لا تتصوره عقولنا. ولعل هذا من الأسباب في تحريم التفكر في ذات الله حيث تقصر عقولنا عن تصور ذاته سبحانه وتعالى.

 

النور الإلهي:

عن أبي موسى الأشعري عبدالله بن قيس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا ينامُ، ولا ينبغيْ لَهُ أنْ يَنامَ. يَخفِضُ القِسْطَ ويرفعُه. يُرفعَ إليه عملُ الليلِ قبلَ عملِ النهارِ، وعملُ النهارِ قبلَ عملِ الليلِ. حِجابُه النورُ -وفي روايةِ أبي بكرٍ: النارُ- لَو كَشَفَهُ لأحرَقَتْ سُبُحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بصرُه من خلقِه) [رواه مسلم].

وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: سألتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم: هل رأيتَ ربَّك؟ قال: (نورٌ أنَّى أَراهُ) [راوه مسلم].

هذا النور الإلهي المذكور في الحديثين الصحيحين أعلاه لا يشبه النور الذي نراه من قريب ولا من بعيد، نور لو تجلى للدنيا لاحترقت لشدته وبهائه.

وفي القرآن الكريم لما طمع موسى عليه السلام أن يرى ربه بعد أن كلمه: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأعراف: 143]. فالبشر بتكوينهم الدنيوي بل الدنيا كلها التي وصل إليها إدراك الإنسان والتي لم يصل لا تحتمل ولا تطيق رؤية الرحمن سبحانه وتعالى.

ولما تجرأ بنو إسرائيل بطلب رؤية الله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا ﴾ [النساء:153]، كان الرد المباشر صاعقة أخذتهم؛ لأن هذا الطلب من الظلم العظيم، فإذا كان الله تعالى لم يأذن لأنبيائه برؤيته في الدنيا فكيف يأذن لغيرهم؟!

وإن كان هذا هو الحال في الحياة الدنيا، فإن الحال في الآخرة يختلف، فالله تعالى يأذن لمن شاء من عباده برؤيته كما جاء في القرآن الكريم وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يثبت ذلك. ففي القرآن الكريم يقول الله تعالي: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾.[القيامة:22-23].

وفي الحديث، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قَالَ: (إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَصَلَاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَافْعَلُوا) [رواه البخاري ومسلم].

وأخرج عبد بن حميد والترمذي والطبري وغيرهم وصححه الحاكم: عن ثُوَيرٍ وهو ابْن أَبي فَاخِتَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ، رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً مَنْ يَنْظُرُ إِلَى جَنَّاتِهِ أَوْ قَالَ: (زَوْجَاتِهِ، وَخَدَمِهِ، وَنَعِيمِهِ، وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً). نسأل الله تعالى أن يكرمنا برؤية وجهه الكريم في جنته، آمين آمين آمين.

وهذا النور الإلهي ذو أثر شامل حين يدخل القلب فيؤدي إلى انشراحه وقوته وفهمه، وفي هذا المعنى قال ابن القيم في كتابه الرائع [زاد المعاد في هدي خير العباد - 2/22 ]:

 

فَصْلٌ فِي أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدُورِ وَحُصُولِهَا عَلَى الْكَمَالِ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

فَأَعْظَمُ أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدْرِ التّوْحِيدُ وَعَلَى حَسَبِ كَمَالِهِ وَقُوّتِهِ وَزِيَادَتِهِ يَكُونُ انْشِرَاحُ صَدْرِ صَاحِبِهِ. قَالَ اللّهُ تَعَالَى: ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبّهِ ﴾ [الزّمَرُ: 22]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيّقًا حَرَجًا كَأَنّمَا يَصّعّدُ فِي السّمَاءِ ﴾ [الْأَنْعَامُ: 125].

فَالْهُدَى وَالتّوْحِيدُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدْرِ، وَالشّرْكُ وَالضّلَالُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصّدْرِ وَانْحِرَاجِهِ.

وَمِنْهَا: النّورُ الّذِي يَقْذِفُهُ اللّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، وَهُوَ نُورُ الْإِيمَانِ: فَإِنّهُ يَشْرَحُ الصّدْرَ، وَيُوَسّعُهُ، وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ. فَإِذَا فُقِدَ هَذَا النّورُ مِنْ قَلْبِ الْعَبْدِ ضَاقَ وَحَرَجَ وَصَارَ فِي أَضْيَقِ سِجْنٍ وَأَصْعَبِهِ.

وَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي "جَامِعِهِ" عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ: (إذَا دَخَلَ النّورُ الْقَلْبَ انْفَسَحَ وَانْشَرَحَ). قَالُوا: وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: (الْإِنَابَةُ إلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالتّجَافِي عَنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ)، فَيُصِيبُ الْعَبْدَ مِنْ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِحَسْبِ نَصِيبِهِ مِنْ هَذَا النّورِ، وَكَذَلِكَ النّورُ الْحِسّيّ وَالظّلْمَةُ الْحِسّيّةُ هَذِهِ تَشْرَحُ الصّدْرَ وَهَذِهِ تُضَيّقُهُ.

وَمِنْهَا: الْعِلْمُ: فَإِنّهُ يَشْرَحُ الصّدْرَ وَيُوَسّعُهُ حَتّى يَكُونَ أَوْسَعَ مِنْ الدّنْيَا. وَالْجَهْلُ يُورِثُهُ الضّيقُ وَالْحَصْرُ وَالْحَبْسُ، فَكُلّمَا اتّسَعَ عِلْمُ الْعَبْدِ انْشَرَحَ صَدْرُهُ وَاتّسَعَ، وَلَيْسَ هَذَا لِكُلّ عِلْمٍ، بَلْ لِلْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنْ الرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، وَهُوَ الْعِلْمُ النّافِعُ، فَأَهْلُهُ أَشْرَحُ النّاسِ صَدْرًا، وَأَوْسَعُهُمْ قُلُوبًا، وَأَحْسَنُهُمْ أَخْلَاقًا، وَأَطْيَبُهُمْ عَيْشًا.

وَمِنْهَا: الْإِنَابَةُ إلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَمَحَبّتُهُ بِكُلّ الْقَلْبِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ، وَالتّنَعّمُ بِعِبَادَتِهِ: فَلَا شَيْءَ أَشْرَحُ لِصَدْرِ الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ. حَتّى إنّهُ لَيَقُولُ أَحْيَانًا: إنْ كُنْتُ فِي الْجَنّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنّي إذًا فِي عَيْشٍ طَيّبٍ. وَلِلْمَحَبّةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصّدْرِ وَطِيبِ النّفْسِ وَنَعِيمُ الْقَلْبِ، لَا يَعْرِفُهُ إلّا مَنْ لَهُ حِسّ بِهِ، وَكُلّمَا كَانَتْ الْمَحَبّةُ أَقْوَى وَأَشَدّ كَانَ الصّدْرُ أَفْسَحَ وَأَشْرَحَ...

وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ ضِيقِ الصّدْرِ الْإِعْرَاضُ عَنْ اللّهِ تَعَالَى، وَتَعَلّقُ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِهِ وَمَحَبّةُ سِوَاهُ، فَإِنّ مَنْ أَحَبّ شَيْئًا غَيْرَ اللّهِ عُذّبَ بِهِ، وَسُجِنَ قَلْبُهُ فِي مَحَبّةِ ذَلِكَ الْغَيْرِ، فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْقَى مِنْهُ، وَلَا أَكْسَف بَالًا، وَلَا أَنْكَدُ عَيْشًا، وَلَا أَتْعَبُ قَلْبًا. فَهُمَا مَحَبّتَانِ: مَحَبّةٌ هِيَ جَنّةُ الدّنْيَا، وَسُرُورُ النّفْسِ، وَلَذّةُ الْقَلْبِ، وَنَعِيمُ الرّوحِ، وَغِذَاؤُهَا وَدَوَاؤُهَا، بَلْ حَيَاتُهَا وَقُرّةُ عَيْنِهَا، وَهِيَ مَحَبّةُ اللّهِ وَحْدَهُ بِكُلّ الْقَلْبِ، وَانْجِذَابُ قُوَى الْمَيْلِ وَالْإِرَادَةُ وَالْمَحَبّةُ كُلّهَا إلَيْهِ .

وَمَحَبّةٌ هِيَ: عَذَابُ الرّوحِ، وَغَمّ النّفْسِ، وَسِجْنُ الْقَلْبِ، وَضِيقُ الصّدْرِ، وَهِيَ سَبَبُ الْأَلَمِ وَالنّكَدِ وَالْعَنَاءِ، وَهِيَ مَحَبّةُ مَا سِوَاهُ سُبْحَانَهُ.

وَمِنْ أَسْبَابِ شَرْحِ الصّدْرِ: دَوَامُ ذِكْرِهِ عَلَى كُلّ حَالٍ وَفِي كُلّ مَوْطِنٍ: فَلِلذّكْرِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي انْشِرَاحِ الصّدْرِ وَنَعِيمِ الْقَلْبِ، وَلِلْغَفْلَةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي ضِيقِهِ وَحَبْسِهِ وَعَذَابِهِ.

وَمِنْهَا: الْإِحْسَانُ إلَى الْخَلْقِ، وَنَفْعُهُمْ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالنّفْعِ بِالْبَدَنِ وَأَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ: فَإِنّ الْكَرِيمَ الْمُحْسِنَ أَشْرَحُ النّاسِ صَدْرًا، وَأَطْيَبُهُمْ نَفْسًا، وَأَنْعَمُهُمْ قَلْبًا، وَالْبَخِيلُ الّذِي لَيْسَ فِيهِ إحْسَانٌ أَضْيَقُ النّاسِ صَدْرًا، وَأَنْكَدُهُمْ عَيْشًا، وَأَعْظَمُهُمْ همّا وَغَمّا. وَقَدْ ضَرَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الصّحِيحِ مَثَلًا لِلْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيُنِ عَلَيْهِمَا جُنّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، كُلّمَا هَمّ الْمُتَصَدّقُ بِصَدَقَةِ اتّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ حَتّى يَجُرّ ثِيَابَهُ وَيُعْفِيَ أَثَرَهُ. وَكُلّمَا هَمّ الْبَخِيلُ بِالصّدَقَةِ لَزِمَتْ كُلّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا وَلَمْ تَتّسِعْ عَلَيْهِ، فَهَذَا مَثَلُ انْشِرَاحِ صَدْرِ الْمُؤْمِنِ الْمُتَصَدّقِ وَانْفِسَاحِ قَلْبِهِ، وَمَثَلُ ضِيقِ صَدْرِ الْبَخِيلِ وَانْحِصَارِ قَلْبِهِ .

وَمِنْهَا: الشّجَاعَةُ: فَإِنّ الشّجَاعَ مُنْشَرِحُ الصّدْرِ، وَاسِعُ الْبِطَان، مُتّسِعُ الْقَلْبِ، وَالْجَبَانُ أَضْيَقُ النّاسِ صَدْرًا، وَأَحْصَرُهُمْ قَلْبًا، لَا فَرْحَةٌ لَهُ وَلَا سُرُورٌ، وَلَا لَذّةٌ لَهُ وَلَا نَعِيمٌ، إلّا مِنْ جِنْسِ مَا لِلْحَيَوَانِ الْبَهِيمِيّ. وَأَمّا سُرُورُ الرّوحِ وَلَذّتُهَا وَنَعِيمُهَا وَابْتِهَاجُهَا، فَمُحَرّمٌ عَلَى كُلّ جَبَانٍ، كَمَا هُوَ مُحَرّمٌ عَلَى كُلّ بَخِيلٍ، وَعَلَى كُلّ مُعْرِضٍ عَنْ اللّهِ سُبْحَانَهُ، غَافِلٍ عَنْ ذِكْرِهِ، جَاهِلٍ بِهِ، وَبِأَسْمَائِهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، وَدِينِهِ، مُتَعَلّقِ الْقَلْبِ بِغَيْرِهِ .

وَإِنّ هَذَا النّعِيمَ وَالسّرُورَ يَصِيرُ فِي الْقَبْرِ رِيَاضًا وَجَنّةً، وَذَلِكَ الضّيقُ وَالْحَصْرُ يَنْقَلِبُ فِي الْقَبْرِ عَذَابًا وَسِجْنًا. فَحَالُ الْعَبْدِ فِي الْقَبْرِ كَحَالِ الْقَلْبِ فِي الصّدْرِ نَعِيمًا وَعَذَابًا وَسِجْنًا وَانْطِلَاقًا، وَلَا عِبْرَةَ بِانْشِرَاحِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضِ وَلَا بِضِيقِ صَدْرِ هَذَا لِعَارِضِ، فَإِنّ الْعَوَارِضَ تَزُولُ بِزَوَالِ أَسْبَابِهَا، وَإِنّمَا الْمُعَوّلُ عَلَى الصّفَةِ الّتِي قَامَتْ بِالْقَلْبِ تُوجِبُ انْشِرَاحَهُ وَحَبْسَهُ، فَهِيَ الْمِيزَانُ، وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ .

وَمِنْهَا بَلْ مِنْ أَعْظَمِهَا: إخْرَاجُ دَغَلِ القْلبِ مِنْ الصّفَاتِ الْمَذْمُومَةِ الّتِي تُوجِبُ ضِيقَهُ وَعَذَابَهُ وَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُصُولِ الْبُرْءِ: فَإِنّ الْإِنْسَانَ إذَا أَتَى الْأَسْبَابَ الّتِي تَشْرَحُ صَدْرَهُ، وَلَمْ يُخْرِجْ تِلْكَ الْأَوْصَافَ الْمَذْمُومَةَ مِنْ قَلْبِهِ، لَمْ يَحْظَ مِنْ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِطَائِلِ، وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَادّتَانِ تَعْتَوِرَانِ عَلَى قَلْبِهِ وَهُوَ لِلْمَادّةِ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا.

وَمِنْهَا: تَرْكُ فُضُولِ النّظَرِ، وَالْكَلَامِ، وَالِاسْتِمَاعِ، وَالْمُخَالَطَة، وَالْأَكْلِ، وَالنّوُمِ: فَإِنّ هَذِهِ الْفُضُولَ تَسْتَحِيلُ آلَامًا وَغُمُومًا وَهُمُومًا فِي الْقَلْبِ، تَحْصُرُهُ وَتَحْبِسُهُ وَتُضَيّقُهُ وَيَتَعَذّبُ بِهَا، بَلْ غَالِبُ عَذَابِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْهَا، فَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ مَا أَضْيَقَ صَدْرَ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلّ آفَةٍ مِنْ هَذِهِ الْآفَاتِ بِسَهْمِ، وَمَا أَنْكَدَ عَيْشَهُ، وَمَا أَسْوَأَ حَالِهِ، وَمَا أَشَدّ حَصْرِ قَلْبِهِ.. وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ مَا أَنْعَمَ عَيْشِ مَنْ ضَرَبَ فِي كُلّ خَصْلَةٍ مِنْ تِلْكَ الْخِصَالِ الْمَحْمُودَةِ بِسَهْمِ، وَكَانَتْ هِمّتُهُ دَائِرَةً عَلَيْهَا، حَائِمَةً حَوْلَهَا، فَلِهَذَا نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الِانْفِطَارُ:13]، وَلِذَلِكَ نَصِيبٌ وَافِرٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ (الِانْفِطَارُ:14)، وَبَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ مُتَفَاوِتَةٌ لَا يُحْصِيهَا إلّا اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.

وَالْمَقْصُودُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ أَكْمَلَ الْخَلْقِ فِي كُلّ صِفَةٍ يَحْصُلُ بِهَا انْشِرَاحُ الصّدْرِ وَاتّسَاعُ الْقَلْبِ وَقُرّةُ الْعَيْنِ وَحَيَاةُ الرّوحِ فَهُوَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ فِي هَذَا الشّرْحِ وَالْحَيَاةِ وَقُرّةِ الْعَيْنِ مَعَ مَا خُصّ بِهِ مِنْ الشّرْحِ الْحِسّيّ وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ مُتَابَعَةً لَهُ أَكْمَلُهُمْ انْشِرَاحًا وَلَذّةً وَقُرّةَ عَيْنٍ وَعَلَى حَسَبِ مُتَابَعَتِهِ يَنَالُ الْعَبْدُ مِنْ انْشِرَاحِ صَدْرِهِ وَقُرّةِ عَيْنِهِ وَلَذّةِ رُوحِهِ مَا يَنَالُ فَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذُرْوَةِ الْكَمَالِ مِنْ شَرْحِ الصّدْرِ وَرَفْعِ الذّكْرِ وَوَضْعِ الْوِزْرِ وَلِأَتْبَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ بِحَسْبِ نَصِيبِهِمْ مِنْ اتّبَاعِهِ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ..." اهـ.

يقول الأستاذ سيد قطب في قوله تعالى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا  كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:122(]: "يجد الإنسان في قلبه النور، فيجد الوضوح في كل شأن، وفي كل أمر، وفي كل حدث.. يجد الوضوح في نفسه ونواياه وخواطره وخطته وحركته. يجد الوضوح فيما يجري حوله سواء من سنة الله النافذة، أو من أعمال الناس ونواياهم وخططهم المستترة والظاهرة.. كأنه يقرأ من كتاب.. يجد الإنسان في قلبه هذا النور، فيجد الوضاءة في خواطره ومشاعره وملامحه. يجد راحة في باله وحاله ومآله. يجد الرفق واليسر في إيراد الأمور وإصدارها، وفي استقبال الأحداث واستدبارها. يجد الطمأنينة والثقة واليقين في كل حال وفي كل حين..".

 

دعاء النور:

كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يتَهَجَّدَ، قَالَ: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ) [صحيح البخاري].

وقَالَ ابن عباس رضي الله عنه: بِتُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَخَرَجَ إِلَى الصَّلاةِ وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا, وفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا, وَاجعل لِي نُورًا) قَالَ: فَأَقَامَ بِلالٌ الصَّلاةَ فَصَلَّى. [رواه البخاري].

وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: (ما أَصابَ عبدًا قطُّ هَمٌّ ولا غمٌّ ولا حَزَنٌ فقال : اللهمَّ إنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ ابْنُ أَمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أسألُكَ بكلِّ اسْمٍ هو لكَ سَمَّيْتَ بهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتُهُ في كتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحدًا من خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عندَكَ، أنْ تَجْعَلَ القرآنَ رَبيعَ قلبي، ونُورَ بَصَرِي، وجِلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي وغمي، إلَّا أَذْهَبَ اللهُ هَمَّهُ وغمَّهُ وأَبْدَلهُ مكَانًا فرجًا، قالوا: يا رسولَ اللهِ أَفلا نَتَعَلَّمُهنَّ؟ قال: بلى؛ يَنبغي لِمَنْ سمعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ) [ قال الهيثمي في مجمع الزوائد(10/196): رواه أحمد وأبو يعلى والبزار .. . والطبراني، ورجال أحمد وأبي يعلى رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان].

وعن محمد بن كعب القرظي قال: لما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف ... " فذكر القصة في رفضهم دعوته.

ثم قال: "وقال لهم -فيما ذُكر لي- إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني ... "، ثم ذكر أنهم أغروا به سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصحيون به حتى اجتمع عليه الناس وألجأوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، ثم قال ابن إسحاق: "فلما اطمأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: -فيما ذُكر لي-  (اللَّهمَّ إليكَ أشكو ضَعفَ قوَّتي، وقلَّةَ حيلَتي، وَهَواني علَى النَّاسِ.. أنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ، أنتَ ربُّ المستضعفينَ، وأنتَ ربِّي.. إلى من تَكِلُني؟ إلى بعيدٍ يتجَهَّمُني أَمْ إلى عدُوٍّ ملَّكتَهُ أمري. إن لم يَكُن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أبالي، غيرَ أنَّ عافيتَكَ هيَ أوسعُ لي.. أعوذُ بنورِ وجهِكَ الَّذي أشرَقت لهُ الظُّلماتُ، وصلُحَ علَيهِ أمرُ الدُّنيا والآخرةِ، أن يحلَّ عليَّ غضبُكَ، أو أن ينزلَ بي سخطُكَ. لَكَ العُتبى حتَّى تَرضى، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بِكَ) [حديث مشهور جداً، أخرجه الطبراني وابن عساكر وابن هشام في السيرة وابن جرير في التاريخ وابن كثير في البداية والنهاية والذهبي في تاريخ الإسلام وآخرون].

اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قُلُوبنا نُورًا، وَفِي أبْصارِنا نُورًا، وَفِي أَسْماعِنا نُورًا، وَعَنْ أَيْمانِنا نُورًا، وَعَنْ يَسَارِنا نُورًا, وفَوْقَنا نُورًا، وَتَحْتَنا نُورًا، وَأَمَامَنا نُورًا، وَخَلْفَنا نُورًا, وَاجعل لنا نُورًا.

 

المراجع:

1)  القرآن الكريم.

2) الطاهر ابن عاشور. التحرير والتنوير. دار سحنون.

3) زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم.

4) الدرر السنية. (2015).

5) الموسوعة الحرة - ويكيبيديا - الشمس. 

6) الموسوعة الحرة - ويكيبيديا - الضوء.

7) عربي 21. (بلا تاريخ). ستريت جورنال: بشكل متزايد ينتصر العلم للإيمان بالله.

 

 

 

الله نور السموات والأرض (ج1) - د. بسّام جرار

 

 

الله نور السموات والأرض (ج2) - د. بسّام جرار

 

 

الله نور السموات والأرض (ج3) - د. بسّام جرار

 

 

اسم الله النور  - د. محمد راتب النابلسي

 

 

نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء - الشيخ عمر عبدالكافي

 

 

الله نور السماوات والأرض - د. صبري الددمرداش