أهداف الدرس:
1- أن يعرف معنى الرضا لغة واصطلاحا.
2- أن يعرف أنواع الرضا.
3- أن يطلع على بعض الآيات والأحاديث في الرضا وما يتعلق به.
4- أن يتعرف على بعض أقوال العلماء في الرضا.
5- أن يدرك شرط الرضا وطريقه وثمرته.
6- أن يطلع على محطات إيمانية في موضوع الرضا.

عناصر الدرس:
- الرضا لغة واصطلاحا.
- أنواع الرضا.
- الرضا في الكتاب والسنة.
- كلمات نورانية في الرضا.
- شرط الرضا.
- محطات إيمانية في طريق الرضا.

قال الإمام ابن القيّم رحمه الله: "الرضا باب الله  الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين، وقرة عيون المشتاقين، ومن ملأ قلبه من الرضا بالقدر، ملأ الله صدره غنىً وأمناً، وفرَّغ قلبه لمحبته والإنابة إليه والتوكل عليه، ومن فاته حظُّه من الرضا ، امتلأ قلبه بضدِ ذلك واشتغل عما فيه سعادته وفلاحه".

إن المصائب التي يُصاب بها الخلق قدر مقدور، وقد أمر تعالى عباده بالصبر، ورتّب على ذلك الثواب الجزيل فقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}، وبعد الصبر تأتي منزلة أعظم وهي منزلة الرضا بالقضاء والقدر، ولقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (أسألك الرضا بعد القضاء) [ أخرجه أحمد في مسنده، وقال الحاكم في المستدرك: صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه].

تعريف الرِضا

الرضا لغة:

الرّضا مصدر رضي يرضى وهو مأخوذ من مادّة (ر ض و) الّتي تدلّ على خلاف السّخط. وفي حديث الدّعاء: اللهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك.

وتثنية الرّضا رضوان ورضيان، والاسم الرّضاء (بالمد) والرّضا (بالقصر) ، قال القحيف العقيليّ:

وقوله عزّ وجلّ: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [البيّنة : 8] معناه أنّ الله تعالى رضي عنهم أفعالهم ورضوا عنه ما جازاهم به.

وقال الرّاغب: رضا العبد عن الله أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرا بأمره ومنتهيا عن نهيه. وأرضاه: أعطاه ما يرضى به. وترضّاه طلب رضاه، قال:

وفي الصّحاح: الرّضوان: الرّضا، وكذلك الرّضوان، بالضّمّ، والمرضاة مثله. والمرضاة والرّضوان مصدران، وقيل في عيشة راضية أي مرضيّة أي ذات رضى. والرّضوان: الرّضا الكثير، ولمّا كان أعظم الرّضا رضا الله- سبحانه- خصّ لفظ الرّضوان في القرآن بما كان من الله- عزّ وجلّ- قال سبحانه : {يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً} [الفتح: 29] ، وقال عزّ من قائل: {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ} [التوبة: 21].

 

الرضا اصطلاحا:

هو سرور القلب بمرّ القضاء. وقيل: الرّضا ارتفاع الجزع في أيّ حكم كان، وقيل: الرّضا هو صحّة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدّاه إلى الرّضا.

وقيل: استقبال الأحكام بالفرح. وقيل: سكون القلب تحت مجاري الأحكام. وقيل: نظر القلب إلى قديم اختيار الله للعبد فإنّه اختار له الأفضل، وهو ترك السّخط .

وقال المناويّ: الرّضا طيب نفسيّ للإنسان بما يصيبه أو يفوته مع عدم التّغيّر، وقول الفقهاء: يشهد على رضاها أي إذنها، جعلوا الإذن رضا لدلالته عليه.

فالرضا مقام قلبي ،إذا تحقق به المؤمن استطاع أن يَتلقَّى نوائب الدهر وأنواع الكوارث بإيمان راسخ ، ونفس مطمئنة، وقلب ساكن بل قد يترقى إلى أرفع من ذلك فيشعر بالسرور والفرحة بمر القضاء، وذلك نتيجة ما تحقق به من المعرفة بالله تعالى، والحبِّ الصادق له سبحانه، وتقدست أسماؤه.

 

فضل الرضا وأهميته:

الرضا أسمى مقاماً وأرفع رتبة من الصبر؛  إذ هو السلام الروحي الذي يصل بالعارف إلى حُبِّ كل شيء في الوجود يرضي الله تعالى، حتى أقدار الحياة ومصائبها، يراها خيراً ورحمة، ويتأملها بعين الرضا فضلاً وبركة .

 والرضا أساس الدين، فلا يسلم العبد حتى يرضى بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً.

والرضا سبب لذوق طعم الإيمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان ، من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا) [صحيح مسلم، رقم34].

 

أنواع الرضا:

أجمع العلماء – رحمهم الله – على استحبابه ، وجاء الثناء على أصحابه، ومدحهم تعالى في كتابه، فقال: {رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [ البينة: 8]،وفي الآية دلالة على أن الرضا مقدور للعباد، وبإمكانهم التوصل إليه واكتسابه وتحصيله والتحلي به، ولعزته على النفوس، وعدم استجابة أكثر النفوس له، وصعوبته عليها؛ لم يوجبه تعالى على خلقه كالصبر رحمةً بهم، وتخفيفاً عنهم، لكن الذي نبههم إليه وأثنى على أهله وجعل لهم ثواباً عظيماً، وهو رضاه عنهم الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها، فمن رضي عن ربه رضي الله عنه ..

فنسأل الكريم العظيم أن يكون لنا من ذلك أوفر الحظ والنصيب

 وقد قال شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمه الله-:

من لزم ما يرضي الله من امتثال أوامره واجتناب نواهيه لا سيّما إذا قام بواجبها ومستحبّها فإنّ الله يرضى عنه، كما أنّ من لزم محبوبات الحقّ أحبّه الله، كما قال في الحديث الصّحيح الّذي في البخاريّ: «من عادى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته ... » [البخاري، 6502]، وذلك أنّ الرّضا نوعان:

أحدهما: الرّضا بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه، ويتناول ما أباحه الله من غير تعدّ محظور.

{وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ} [التوبة:59] . وهذا الرّضا واجب.

ولهذا ذمّ من تركه بقوله: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ..} [التوبة: 58- 59].

والنّوع الثّاني: الرضا بالمصائب: كالفقر والمرض والذّلّ. فهذا رضا مستحبّ في أحد قولي العلماء، وليس بواجب، وقد قيل: إنّه واجب، والصّحيح أنّ الواجب هو الصّبر. كما قال الحسن:

الرّضا غريزة، ولكنّ الصّبر معوّل المؤمن، اهـ، وأمّا الرّضا بالكفر والفسوق والعصيان: فالّذي عليه أئمّة الدين أنّه لا يرضى بذلك، فإنّ الله لا يرضاه كما قال تعالى: {وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7] ، وقال سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ} [البقرة: 205]، وقال تعالى: {فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ} [التوبة: 96].

 

من الآيات الواردة في «الرضا»:

وجوب ابتغاء مرضاة الله- عز وجل- في كل عمل:

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ} [البقرة:207]

{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة : 265]

{لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:114]

من الأحاديث الواردة في (الرضا):

1- عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- قال: دخلنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على أبي سيف القين  ، وكان ظئرا  لإبراهيم عليه السّلام، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إبراهيم فقبّله وشمّه، ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك- وإبراهيم يجود بنفسه- فجعلت عينا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تذرفان، فقال له عبد الرّحمن بن عوف- رضي الله عنه-: وأنت يا رسول الله. فقال: «يا ابن عوف إنّها رحمة» ، ثمّ أتّبعها بأخرى. فقال صلّى الله عليه وسلّم: «إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا، وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» ).رواه البخاري

2- عن عائشة- رضي الله عنها- قالت: فقدت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ليلة في الفراش.

فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد  وهما منصوبتان وهو يقول: «اللهمّ أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك . أنت كما أثنيت على نفسك» رواه مسلم

 

كلمات نورانية في (الرضا)

• قال لقمان لابنه: «أوصيك بخصال تقرّبك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت».

• كتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما-: «أمّا بعد، فإنّ الخير كلّه في الرّضى، فإن استطعت أن ترضى وإلّا فاصبر».

• عن ابن عبّاس- رضي الله عنهما- قال: «لمّا كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان، خرج بإسماعيل وأمّ إسماعيل، ومعهم شنّة  فيها ماء، فجعلت أمّ إسماعيل تشرب من الشّنّة فيدرّ لبنها على صبيّها حتّى قدم مكّة فوضعها تحت دوحة ، ثمّ رجع إبراهيم إلى أهله فاتّبعته أمّ إسماعيل حتّى لمّا بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيت بالله» .

• قَالَ الْوَاسِطِيٌّ: اسْتَعْمِلِ الرِّضَا جُهْدَكَ. وَلَا تَدَعِ الرِّضَا يَسْتَعْمِلُكِ، فَتَكُونَ مَحْجُوبًا بِلَذَّتِهِ وَرُؤْيَتِهِ عَنْ حَقِيقَةِ مَا تُطَالِعُ.

ومعنى اسْتَعْمِلِ الرِّضَا جُهْدَكَ، وَلَا تَدَعِ الرِّضَا يَسْتَعْمِلُكَ أَيْ لَا يَكُونُ عَمَلُكَ لِأَجْلِ حُصُولِ حَلَاوَةِ الرِّضَا، بِحَيْثُ تَكُونُ هِيَ الْبَاعِثَةَ لَكَ عَلَيْهِ، بَلِ اجْعَلْهُ آلَةً لَكَ وَسَبَبًا مُوصِلًا إِلَى قَصْدِكَ وَمَطْلُوبِكَ، فَتَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لَهُ، لَا أَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَكَ.

•  وقال عمر بن عبد العزيز : "ما كنتُ على حال من حالات  الدنيا فيسرنى أني على غيرها"، ومما حُفظ عنه قوله: "أصبحت وما لي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر"، واشتُهرت عنه دعواتٍ كان يُكثر من تردادها: "اللهم رضّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أُحب تعجيل شئ أخّرته، ولا تأخير شئ عجّلته".

• ويقول خلف بن إسماعيل : "سمعتُ رجلاً مبتلى من هؤلاء الزمنى –أي من كان مرضهم مزمناً- يقول: وعزتك لو أمرت الهوام فقسمتني مُضَغاً ما ازددت لك بتوفيقك إلا صبراً، وعنك بمنّك ونعمتك إلا رضاً"، وكان الجُذام قد قطّع يديه ورجليه وعامّة بدنه.

• ويروي محمد بن أبى القاسم أن واعظاً أوذي في الله فقُطعت يداه ورجلاه، فكان يقول: "  إلهي، أصبحت في منزلة الرغائب، أنظرُ إلى العجائب، إلهي، أنت تودّدُ بنعمتك إلى من يؤذيك، فكيف تودُّدك إلى من يؤذى فيك؟".

• وفي قوله تعالى: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن:11] يقول علقمة : "هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله، فيسلّم لها ويرضى".

• ورأى علي بن أبى طالب رضي الله عنه أحد المبتلين فقال له: " يا عدي ، إنه من رضي بقضاء الله جرى عليه فكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه فحبط عمله".

• وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره؛ لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره".

• وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "إن الله تبارك وتعالى  بقسطه وعلمه جعل الرَوح والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط".

• وقال ابن عمر رضي الله عنه: "إن الرجل ليستخير الله فيختار له، فيتسخّط على ربه، ولا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خِير له".

•  وقال  أبو الدرداء رضي الله عنه: "ذروة الإيمان أربع: الصبر للحُكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب عز و جل".

• واجتمع مالك بن دينار و محمد بن واسع فتذاكرا العيش، فقال مالك : "ما شيء أفضل من أن يكون للرجل غلّة –أي أرضٌ أو زراعة - يعيش فيها"، فقال محمد : "طوبى لمن وجد غداءً ولم يجد عشاءً، ووجد عشاءً ولم يجد غداءً، وهو عن الله عز و جل راض".

• وفي تفسير قوله تعالى: {وبشر المخبتين} [الحج:35]، جاء عن سفيان قوله: "المطمئنين الراضين بقضائه، المستسلمين له".

• وقال  أبو عبد الله البراثي قال: "لن يَرِدَ يوم القيامة أرفع درجاتٍ من  الراضين عن الله عز و جل على كل حال"، وقال أيضاً: "من وهب له الرضا فقد بلغ أفضل الدرجات ".

• وقال أحد العبّاد: "إن أنت رضيت بما أُعطيت، خفّ الحساب عليك فيما أوتيت"، وقريباً من هذا قول الحسن : "من رضى من الله بالرزق اليسير، رضى الله منه بالعمل القليل".

• وقال آخر: "إن أعطاك أغناك، وإن منعك أرضاك".

• وأُثر عن الإمام ابن عون قوله: "ارض بقضاء الله على ما كان من عسر ويسر؛ فإن ذلك أقل  لهمّك وأبلغ فيما تطلب من آخرتك، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضا حتى يكون رضاه عند الفقر والبؤس كرضاه عند الغناء والرخاء، كيف تستقضي الله في أمرك ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفاً لهواك؟ ولعل ما هويت من ذلك لو وُفّق لك لكان فيه هلكتك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك؟ وذلك لقلة علمك بالغيب، وكيف تستقضيه إن كنت كذلك ما أنصفت من نفسك ولا أصبت باب الرضا".

• واستنصح بشر بن بشّار ثلاثةً من الصالحين، فقال الأوّل: "ألق نفسك مع القدر  حيث ألقاك؛ فهو أحرى أن تُفرغ قلبك ويقل همّك، وإياك أن تسخط ذلك فيحل بك السخط وأنت عنه في غفلة لا تشعر به"، وقال الثاني: " التمس رضوانه في ترك مناهيه فهو أوصل لك إلى الزلفى لديه"، وقال الثالث: " لا تبتغِ في أمرك تدبيراً غير تدبيره؛ فتهلك فيمن هلك، وتضلّ فيمن ضلّ".

• وعن عامر بن عبد قيس قال: "ما أبالي ما فاتني من الدنيا بعد آيات في كتاب الله" يعني قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين} [هود:6]، وقوله تعالى: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر:2]، وقوله تعالى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير} [الأنعام:17].

• وقال  الحسن : "ارض عن الله يرضى الله عنك، وأعط الله الحق من نفسك، أما سمعت ما قال تبارك وتعالى: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} [البينة: 8]، وجاء عنه قوله: "من رضي بما قسم الله له وسّعه وبارك الله له فيه، ومن لم يرض لم يوسّعه ولم يُبارك له فيه".

• وقال  غيلان بن جرير : "من أُعطي الرضا والتوكل والتفويض فقد كُفي".

• وجاء عن محمد بن اسحاق أن أحد العلماء سئل: بم يبلغ أهل الرضا؟، فقال: "بالمعرفة؛ وإنما الرضا غصنٌ من أغصان المعرفة".

• قيل للحسن بن علي رضي الله عنه: إن أبا ذر رضي الله عنه يقول: الفقر أحب إليَّ من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة " فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله لم يتمن غير ما اختار الله له ".

شرط الرضا

يقول ابن القيم في مدارج السالكين:

"وليس من شرط الرضا ألا يحس بالألم والمكاره، بل ألا يعترض على الحكم ولا يتسخطه. ولهذا أشكل على بعض الناس الرضا بالمكروه، وطعنوا فيه. وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة. وإنما هو الصبر، وإلا فكيف يجتمع الرضا والكراهة؟ وهما ضدان.

والصواب: أنه لا تناقض بينهما، وأن وجود التألم وكراهة النفس له لا ينافي الرضا، كرضا المريض بشرب الدواء الكريه، ورضا الصائم في اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع والظمأ، ورضا المجاهد بما يحصل له في سبيل الله من ألم الجراح، وغيرها" .

 

 

محطات في طريق الرضا:

- المحطة الأولى: وصف طريق الرضا وثمرته.

 طريق الرضا طريق مختصرة، قريبة جدا، موصلة إلى أجل غاية. ولكن فيها مشقة. ومع هذا فليست مشقتها بأصعب من مشقة طريق المجاهدة، ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها، وإنما عقبتها همة عالية، ونفس زكية، وتوطين النفس على كل ما يرد عليها من الله سبحانه وتعالى، ويسهل ذلك على العبد: علم الله جل وعز بضعفه وعجزه، ورحمته به، وشفقته عليه، وبره به، فإذا شهد هذا وهذا، ولم يطرح نفسه بين يديه، ويرضى به وعنه، وتنجذب دواعي حبه ورضاه كلها إليه: فنفسه نفس مطرودة عن الله، بعيدة عنه، ليست مؤهلة لقربه وموالاته، أو نفس ممتحنة مبتلاة بأصناف البلايا والمحن، فطريق الرضا والمحبة: تسير العبد وهو مستلق على فراشه، فيصبح أمام الركب بمراحل ، وثمرة الرضا: الفرح والسرور بالرب تبارك وتعالى، وقد قيل ليحيى بن معاذ : "متى يبلغ العبد إلى مقام الرضا ؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول فيما يعامل به ربه ويقول: "إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت".

فعلى العبد أن يستشعر قوله تعالى: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [ الأنعام: 54]،وليتذكر شفقته تعالى على عبده، وإيصاله الخير له، وتيسير أسباب ذلك، ورحمته بعبده ولطفه به.

قال تعالى في الحديث القدسي: (وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته). [البخاري، رقم6502]

وقال صلى الله عليه وسلم:  (لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدى وأنا ربك ، أخطأ من شدة الفرح) [مسلم،7136]، وغير ذلك من الأحاديث الشريفة المنيفة.

فكل هذه النداءات من رب رحمن رحيم، لطيف غفور ودود، ترسخ في النفس الرضا والفرح بالخالق، وتورث فيها مقامات عالية من العبودية والتأله والخضوع والترقي في مدارج إياك نعبد وإياك نستعين.

 

-المحطة الثانية: الرضا والمصيبة

 إن المصيبة علامة على محبة الله تعالى للعبد ولخيرته، وسبب لتكفير ذنوبه وسبب لرفع منزلته في الجنة ، فكل ذلك دلت عليه الأحاديث النبوية، فمن المعلوم أن الله تعالى إذا أحب عبداً ابتلاه ، وفي الحديث : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم) [الترمذي،2396]، وأما أن المصيبة سبب لتكفير الذنوب فقد وردت بذلك عدة أحاديث منها:

في الصحيحين من حديث عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال:  (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها) [ البخاري(5640)، ومسلم (6730)]   ، وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله : (ما يصيب المؤمن بلاء ولا نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّر الله بها من خطاياه )[ البخاري(5640)، ومسلم (6730)]  

وفيهما أيضاً: (ما من مسلم يصيبه أذىً من مرض فما سواه إلا حُطَّت عنه خطاياه كما يحت ورق الشجر) [ البخاري، 5661]، وروى الترمذي عن رسول الله   أنه قال:  (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة )[ الترمذي، 2399].

كما أن المصيبة سبب لرفعة المنزلة ففي صحيح ابن حبان عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:  (إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فيما يبلغها بعمل فلا يزال الله تعالى يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها)[ ابن حبان،2908].

كما أن المصيبة دليل على خيرة العبد ، فإذا علم تعالى من عبده قدرة على تحمل المصيبة أصابه بها، إما لتكفير ذنوبه أو حتى ترتفع منزلته، وإن لم يكن له قدرة على تحملها لم يصبه رحمة به.

وقد اشتهر هذا المعنى عند الصحابة والسلف رضوان الله عليهم

فعن الحسن قال: كان رجل منهم أو من المسلمين إذا مر به عام لم يُصب في ماله ونفسه، قال: ما لنا تودع الله منا ؟!

وقال بعض العلماء : يُعرف قدر البلاء إذا كُشف الغطاء يوم القيامة، كما في الترمذي من حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يود أهل العافية يوم القيامة حين يُعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم قرضت بالمقاريض في الدنيا).

 واعلم أن المصائب قد تكون عقوبة من الله تعالى لعبد عصاه حتى يرتدع، أو ليخف شره عن الناس.

كما أن الإنسان قد يبتلى بعدم المصائب عقوبة له ،والعياذ بالله ـ ويكون ذلك استدراجا له، ولذا كره السلف عدمها.

وينبغي للمرء أن يستغفر الله إذا وقعت عليه مصيبة ويتفقد حاله أن يكون عصا ربه ويكثر من الاستغفار ويتوب إليه، كما أنه لا ينبغي للمرء أن يدعو الله أن يصيبه بمصيبة تكفر عنه خطاياه قبل يوم القيامة !!

لأن النبي صلى الله عليه وسلم عاد رجلاً صار مثل الفرخ فقال له: (هل كنت تدعو بشيء أو تسأله؟) قال: نعم، كنت أقول: "اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فاجعله لي في الدنيا"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله ! لا تطيقه ولا تستطيعه ، فهلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) [ مسلم، 7011]

وسُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الدعاء أفضل ؟ فقال:  (سل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة)  [ ابن ماجه،3848]، وقال: (تعوذوا بالله من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء) [ البخاري، 6347، ومسلم 7052].

والمصيبة نعمة من الله لا نقمة؛ إذ إنها رحمة من رب العالمين ليُذكر العبد من غفلته، فقد روى أبو داود في سننه عن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال: جلست إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الأسقام فقال: (إن المؤمن إذا أصابه السقم ثم عافاه الله منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظة فيما يستقبل، وإن المنافق إذا مرض ثم أُعفي كان كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلم يدر لم عقلوه ولم أرسلوه) [سنن أبوداود، 3091].

 فقل: الحمد لله، ثم الحمد لله ثم الحمد لله أولا وآخرا؛ إذ أن المصيبة ليست في الدين، فكيف لو انتكس الإنسان عن دينه – والعياذ بالله – ؟

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) [ البخاري، 3208، ومسلم6893]  ،والعياذ بالله.

- ألم يكن دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: (اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك) [سنن الترمذي، 2140]؟

- ألم يكن أكثر يمينه: (لا ومقلب القلوب) [البخاري، 6617]؟

- ألم يقل تعالى في كتابه عن القوم الصالحين أنهم يدعون: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}   [ آل عمران: 8]

ثم الحمد لله إن المصيبة لم تكن أعظم، فمن مات له ولد فالحمد لله لم يمت اثنان، ومن فقد ماله فالحمد لله لم يفقد أهله وذريته.

قال عمر بن الخطاب – رضي الله عنه –: ما ابتليت ببلاء إلا كان لله تعالى علي فيه أربع نعم: إذ لم يكن في ديني، وإذ لم يكن أعظم، وإذ لم أحرم الرضا به، وإذ أرجو الثواب عليه.

وقال رجل لسهل: دخل اللص بيتي وأخذ متاعي، فقال: اشكر الله تعالى؛ لو دخل الشيطان قلبك فأفسد إيمانك ماذا كنت تصنع ؟

وعلى المصاب أن ينظر إلى حال من هو دونه وأشد منه في البلاء: فروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من فوقكم، فإنه أجدر أن تزدروا نعمة الله عليكم) [ مسلم، 7619].

 

المحطة الثالثة: تذكر النعم سبيل للرضا

 إن نِعمُ الله لا تُحصى ولا تُعدّ، قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [النحل:18].

 

ليتذكّر المُصاب نعم الله الكثيرة المتوالية عليه،  و ما فقد بهذه المصيبة إلا إحدى النعم فيستحي أن لا يرضى وعنده كل هذه النعم، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من أصبح منكم آمناً في سربه معافىً في بدنه عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) [الترمذي، 2346]

ورُوي عن بعض السلف أن أحدهم شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة، وأظهر شدة اغتمامه بذلك، فقال: أيسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألف درهم ؟ قال: لا، قال: أيسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف درهم ؟ قال: لا، قال: "أما تستحي أن تشكو مولاك، وله عندك عروض بخمسين ألفاً ؟!".

 فاللهم اجعلنا من أهل الرضا واحشرنا معهم، ورضنا وارض عنا، وارزقنا عملا صالحا زاكيا ترضى به عنا، اللهم آمين.

 

 

 

الرضا - د. محمد راتب النابلسي

 

 

الرضا بالقضاء والقدر - د. عائض القرني