أهداف الدرس:

1. أن يعرف  بعض  معاني اسم الله الغفور.

2. أن يعرف  بعض  معاني اسم الله الرحيم.

3.  أن يتعرف على سبل الحصول على الرحمة في ضوء القرآن الكريم.

4.  أن يدرك سر تقديم اسم الله الغفور على الرحيم في القرآن الكريم.

5.  أن يتعرف على أبرز الآثار الإيمانية والسلوكية  لاسمي الله: الغفور الرحيم.

عناصر الدرس:

- الغفور في القرآن الكريم.

- من معانى اسم الله الغفور.

- الرحيم  في القرآن الكريم.

- من معاني اسم الله الرحيم.

- من فضائل الرحمة.

- سبل الحصول على الرحمة في ضوء القرآن الكريم.

- تقديم الغفور على الرحيم.

- كلمات مضيئة في الغفور الرحيم.

- الآثار الإيمانية والسلوكية لهذين الاسمين.

مقدمة:

فإن من أسماء الله الحسنى اسمي (الغفور الرحيم)، هذان الاسمان اللذان يتعلق بهما قلب المؤمن وروحه، أملاً في مغفرة الله ورحمته الواسعة، ورجاء في ثوابه ، وطلباً لمرضاته، وفي هذا الموضوع سنتحدث عن بعض ما يتعلق بهذين الاسمين الشريفين.. فإلى الموضوع:

الغفور في القرآن الكريم:

ذُكر  اسم الله (الغفور) في القرآن الكريم أكثر من تسعين مرة ،منها:

قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة الحجر:49].

قال تعالى: {يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [سورة آل عمران:129].

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} [سورة الأنعام:165].

قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} [سورة فاطر:28].

من معاني اسم الله الغفور:

- الغفر والغفران في اللغة: الستر، وكل شيء سترته فقد غفرته، والمغفرة من الله –عز وجل- ستره للذنوب، وعفوه عنها بفضله ورحمته جل وعلا.

- قال الزجَّاج: معنى الغفر في حق الله سبحانه: هو الذي يستر ذنوب عباده، ويغطيهم بستره.

- وقال الحليمي: الغافر هو الذي يستر على المذنب، ولا يؤاخذه فيشهره ويفضحه، وأما الغفور فهو الذي يكثر منه الستر على المذنبين من عباده، ويزيد عفوه على مؤاخذته.

قال ابن القيم في نونيته:

وهو الغفور فلو أتى بقربها *** من غير شرك بل من العصيان

لاقاه بالغفران ملء قربها *** سبحانه هو واسع الإحسان

- فالغافر إذن: الذي يستر على المذنب ولا يؤاخذه فيشهره ويفضحه.

ومعنى الستر: أنه لا يكشف أمر العبد لخلقه، ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تشهرُهُ في عيونهم في الدنيا ولا في الآخرة.

-والغافر هو المبالغ في الستر والغفار أشد مبالغة من الغفور، والغفور للمبالغة إذا تكرر الذنب،

فالغفران -إذن - ستر لا يقع معه عقاب.

 

الغافر والغفار والغفور:

- من أسمائه سبحانه وتعالى : (الغافر - الغفار - الغفور)، وقد أخبرنا ربنا تعالى أنه غافر الذنوب، وغفارها، وغفورها، كما قال تعالى: ﴿ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِير ﴾ [غافر: 3]. وقال تعالى فيما حكاه عن نبيه نوح عليه السلام: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴾ [نوح: 10]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيم ﴾ [البقرة: 173].

- قال بعض المفسرين: قد سمى الله نفسه بالغفور في إحدى وتسعين آية، وأما اسمه الغفار فقد جاء في خمس آيات، فعلم أن ورود الغفور في القرآن أكثر بكثير من الغفار، والغفار أبلغ من الغفور، قَالَ تَعَالَى: ﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَ أَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيم ﴾ [الحجر: 49-50]. أما الغفار ففي قَولِهِ تَعَالَى: ﴿ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّار ﴾  [ص: 66]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴾ [نوح: 10].

وأما الغافر فقد ورد مرة واحدة في القرآن، قَالَ تَعَالَى: ﴿ غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ ﴾ [غافر: 3].

- ومن كرم الله تعالى، وعظيم مغفرته قَولُهُ تَعَالَى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53]. قال الشيخ عبد الرحمن ابن سعدي رحمه الله: « فيا لها من بشارة ترتاح لها قلوب المؤمنين المحسنين ظنهم بربهم، الصادقين في رجائه، الخالعين لثياب القنوط، الرافضين لسوء الظن بمن لا يتعاظمه ذنب، ولا يبخل بمغفرته ورحمته على عباده المتوجهين إليه في طلب العفو، الملتجئين به في مغفرة ذنوبهم، وما أحسن ما علل به سبحانه هذا الكلام قائلًا: إنه هو الغفور الرحيم، أي كثير المغفرة والرحمة، عظيمهما بليغهما واسعهما، ومن أبى هذا الفضل العظيم والعطاء الجسيم، وظن أن تقنيط عباد الله وتأييسهم من رحمته أولى بهم مما بشرهم الله به، فقد ركب أعظم الشطط، وغلط أقبح الغلط، فإن التبشير وعدم التقنيط هو الذي جاءت به مواعيد الله في كتابه العزيز والمسلك الذي سلكه رسوله صلى اللهُ عليه وسلم».

الرحيم  في القرآن الكريم:

ورد في القرآن والسنة مطلقا معرفًا ومنونًا ، واسم الله الرحيم اقترن باسمه الرحمن في ستة مواضع من القرآن، وغالبا ما يقترن اسم الله الرحيم بالتواب والغفور والرؤوف والودود والعزيز ، وذلك لأن الرحمة التي دل عليها اسم الله الرحيم رحمة خاصة تلحق المؤمنين ، أما رحمته التي دل عليها اسمه الرحمن شملت الخلائق في الدنيا ، مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم ، لكنه في الآخرة رحيم بالمؤمنين فقط . ومما ورد في الدلالة على ثبوت اسم الله الرحيم:

 قال تعالى : {تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [سورة فصلت:2].

قال تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} [سورة يس:58].

قال تعالى : {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}  [سورة الحجر:49].

من معاني اسم الله الرحيم:

-الرحيم هو ذو الرحمة الواصلة للمؤمنين، قال تعالى : {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما} [ الأحزاب:43]، قال ابن عاشور في التحرير والتنوير: ورحمته بالمؤمنين أعم من صلاته عليهم لأنها تشمل إسداء النفع إليهم وإيصال الخير لهم بالأقوال والأفعال والألطاف، وكان بالمؤمنين رحيمًا في الدنيا والآخرة، لا يعذبهم ما داموا مطيعين مخلصين له.

-الرحمن من الأسماء التي منع الله جل وعز من التسمية به ، كذلك اسم الله والخالق والرزاق، ولكن يقال: رجل رحيم كما في قوله تعالى: {حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} [التوبة:128] والمراد بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

 

من فضائل الرحمة:

- اتصاف الإنسان بالرحمة:

فهي من الأخلاق العظيمة التي حض الله عباده على التخلق بها فقد مدح بها أشرف رسله صلى الله عليه وسلم {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} [الأنبياء:107]، {فبما رحمة من الله لنت لهم} [آل عمران: 159]،وبين صلى الله عليه وسلم أن الرحمة تنال عباد الله الرحماء فقال: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) [البخاري:1284، مسلم:2174]، وقال صلى الله عليه وسلم:  (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل) [مسلم:6172].

- طاعة الله ورسوله سبب للرحمة:

فقد قال تعالى {وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} [آل عمران:132]، فكلما كان الإنسان أقرب إلى الله سبحانه وتعالى كانت رحمة الله أولى به ، وأقرب إلى الله :أي طائعاً لله  والرسول ،عاملاً بما أمراه به ،منتهياً عما نهياه عنه، محسنا في أعماله، قال تعالى: {إن رحمة الله قريب من المحسنين}[الأعراف:56]

- تسمية الله عز وجل بعض النعم رحمة :

فالمطر رحمة، قال تعالى: {وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} [الأعراف:57].

والرزق رحمة، قال تعالى: {و إما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء:28].

والقرآن كلام الله تعالى وكتابه العزيز رحمة، قال جل من قائل سبحانه: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين} [النحل: 89]

والجنة رحمة، قال تعالى: {يدخل من يشاء في رحمته} [الإنسان:31]، وقال تعالى: {وأما الذين ابيضت وجوهم ففي رحمة الله هم فيها خالدون} [آل عمران:107].

- العزم عند سؤال الله الرحمة:

ففي الحديث: (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن الله لا مكره له) [البخاري: ،6339 ، ومسلم:6988]، والعزم :الجزم وعدم التردد من غير ضعف في الطلب.

 

سبل الحصول على الرحمة في ضوء القرآن الكريم:

تكرر قوله تعالى: {لعلكم ترحمون} في القران الكريم ثمان مرات،  بين الله عز وجل من خلال تلك الآيات سبل وطرق تلمس رحمته سبحانه وتعالى، والتعرض لنفحاتها وبركاتها، فمما جاء في كتاب الله العزيز:

1- تنال الرحمة بطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم

قال تعالى : {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران :132]، فطاعة الله والرسول جالبة للرحمة من رب رحيم رحمن.

2- تنال الرحمة باتباع القران الكريم أمرا ونهيا

قال تعالى: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأنعام:155 ]،فهذا القرآن كتاب أنزله الله  على نبيه  محمد صلى الله عليه وسلم، فيه خير إلهي كثير، وبركة ونفع عظيمين، فاتبعوا أوامره وانتهوا عن نواهيه، واتقوا الله أن تخالفوا له أمرًا؛ رجاء أن ترحموا فتنجوا من عذابه, وتظفروا بثوابه.

3- تنال الرحمة بالتقوى وخوف الله عز وجل

قال تعالى: {أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:63]، أي وهل أثار عجبكم أن أنزل الله تعالى إليكم ما يذكركم بما فيه الخير لكم, على لسان رجل منكم، تعرفون نسبه وصدقه، ليخوِّفكم بأس الله تعالى وعقابه، ولتتقوا سخطه بالإيمان به وبتقواه جل وعز, ورجاء أن تظفروا برحمته وجزيل ثوابه، ويحل عليكم الرضا والرضوان.

4- تنال الرحمة بقراءة القران والإنصات له:

قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204]،  والمراد أنه عند قراءة القرآن والاستماع إليه، والإنصات له، تتنزل الرحمات والبركات من فاطر الأرض والسموات.

5- تنال الرحمة بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول

قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النور:56]،أي  وأقيموا الصلاة إقامة تامة، وآتوا الزكاة لمستحقيها، وأطيعوا الرسول صلى الله عليه وسلم؛ رجاء أن يرحمكم الله  سبحانه وتعالى.

6- تنال الرحمة بكثرة الاستغفار

قال تعالى : {قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل :46]،  أي يا قوم –الذين كذبتم ولو تؤمنوا بالله-لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة، أي بالعذاب قبل الرحمة حيث قلتم :إن كان ما أتيتنا به حقا فأتنا بالعذاب فهلا تستغفرون الله من الشرك لعلكم ترحمون فلا تعذبوا، فمن رحمه الله فلا يعذبه.

7- تنال الرحمة بالتقوى

قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [يس:45]، أي وإذا قيل للمشركين: احذروا أمر الآخرة وأهوالها وأحوال الدنيا وعقابها، رجاء رحمة الله لكم أعرضوا, ولم يجيبوا إلى ذلك، فلوا اتقوا الله حق التقوى لرحمهم ولم يعذبهم.

8- تنال الرحمة بالإصلاح وعدم الاقتتال :

قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات:10] أي إنما المؤمنون إخوة في الدين، فأصلحوا بين أخويكم إذا اقتتلا وخافوا الله في جميع أموركم واتقوه؛ رجاء رحمته جل في علاه.

 

تقديم الغفور على الرحيم:

يقول ابن القيم في [بدائع الفوائد ص68] : "وأما تقديم الغفور على الرحيم فهو أولى بالطبع؛ لأن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة تطلب قبل الغنيمة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمرو بن العاص رضي الله عنه: (يا عمرو، إني أريد أن أبعثك وجها فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة)، قال قلت: يا رسول الله، إني لم أسلم رغبة في المال، إنما أسلمت رغبة في الجهاد والكينونة معك، قال: ( يا عمرو.. نعما بالمال الصالح للرجل الصالح)، [ أخرجه أحمد في مسنده: 17835، وإسناده صحيح].

فهذا من الترتيب البديع بدأ بالسلامة قبل الغنيمة وبالغنيمة قبل الكسب، وأما قوله تعالى: {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ:2] فالرحمة هناك متقدمة على المغفرة فإما بالفضل والكمال وإما بالطبع لأنها منتظمة بذكر أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم من الحيوان فالرحمة تشملهم والمغفرة تخصهم والعموم بالطبع قبل الخصوص كقوله: {فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ}الرحمن68 وكقوله:{وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] " .

فحاصل ما ذكره أهل العلم في مناسبة تقديم الرحيم على الغفور في هذا الموضع الوحيد من القران الكريم في سورة سبأ: {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير * يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور} [سبأ:1-2] ، هو أن اسمي (الرحيم الغفور) ذكرا بعد ذكر الخلق وتعداد النعم فناسب تقديم الرحمة بخلاف المواضع الاخرى في القران فإنما جاءت بعد ذكر السيئات والترغيب في التوبة ونحو ذلك فناسب تقديم المغفرة، وذكر مثل ذلك الزركشي في البرهان فقال:
وإنما تأخرت في آية سبأ في قوله هذا الغفور ثم؛ لأنها منتظمة في سلك تعداد أصناف الخلق من المكلفين وغيرهم وهو قوله: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} [سبأ:1] رسول فالرحمة شملتهم جميعا والمغفرة تخص بعضهم.

 

وفي الدعاء عن أبو بكر رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ الله، عَلمني دُعاء أَدعو بِهِ في صَلاتي، قال: قُلْ: (اللهمَّ إني ظَلمتُ نَفسي ظُلْما كثيراً، ولا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إِلا أَنتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَة من عِنْدِكَ، وارحمني إنك أَنتَ الغَفُورُ الرَّحيمُ)[أخرجه البخاري عن ابن عمر ].

 

كلمات مضيئة في اسمي الله: الغفور الرحيم:

- مهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم من ذنوبه التي ارتكبها، قال تعالى: {إن ربك واسع المغفرة} [النجم:32 ].

- تكفل الله سبحانه بالمغفرة لمن تاب وآمن، قال تعالى: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}[ طه:82] ، بل من فضله وجوده أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات، قال تعالى: {فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما}[الفرقان:70].

- اتصاف الله سبحانه وتعالى بأنه غفار فضل منه ورحمة عظيمة للعباد؛ لأنه غني عن العالمين ،لا ينتفع بالمغفرة لهم كما لا يضره كفرهم، وقد ورد في القرآن اقتران الغفور مع العزيز عدة مرات كقوله تعالى :

{إن الله عزيز غفور} ، {ألا هو العزيز الغفار}، فمع عزته وقهره لكل شيء في السماء والأرض إلا إنه غفور رحيم.

- ظهور آثار الرحمة على الخلق بجلاء كظهور أثر صفة الربوبية والملك والقدرة، فإن أفضال الله على خلقه مع الإحسان إليهم، والإنعام عليهم شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء، قال الله تعالى: {رحمتي وسعت كل شيء} [ الأعراف:156].

- رحمة الله تغلب غضبه، فقد قال تعالى: {كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام:54]، وفي الحديث الشريف : (إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي) [ البخاري:7422].

- على العبد أن يعتقد أن شرع الله رحمة، فلا انتقاد ولا تخير ولا تحير فيه، بل انقياد واستسلام.

- إذا أذنب العبد فلا يقنط من هذه الرحمة الواسعة بل يبادر إلى التوبة، وإذا أصابه ضراء علم أنها من الرحمن الرحيم فهو رحمة به في الدنيا والأخرة، ثم إن عليه أن لا يفتر من شكر الله على مظاهر وآثار رحمته ويستغفره لتقصيره في ذلك.

- على العبد أن يكون تعلقه بالله الرحمن الرحيم، وأن لا ملجأ له إلا إليه، فهو يحسن الظن بربه الرحمن، وعليه أن يعتقد أن أكبر رحمة من ربه عليه هي نعمة الإسلام والقرآن ، قال تعالى: {قل بفضل الله و برحمته فبذلك  فليفرحوا} [يونس:58]، وإذا وقع العبد في ضيق فلا يلجأ إلا الاعتصام برحمة الله وثقته به وطلبها منه.

 

من آثار الإيمان بهذه الأسماء العظيمة:

أولًا: وصف الله سبحانه نفسه بأنه غفار، وغفور للذنوب والخطايا صغيرها، وكبيرها، حتى الشرك إذا تاب منه الإنسان، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110].

فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله أعظم منها، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [النجم: 32]. روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، قَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي»[المسند:11255]

وروى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رضي اللهُ عنه قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً»[الترمذي: 3540].

بل إن الله من فضله وكرمه أنه يبدل سيئات العبد إلى حسنات إذا صدق في توبته، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: 70].

ثانيًا: لا يجوز للمسلم أن يتساهل بالمعاصي والذنوب، ويسرف في الخطايا بحجة أن الله غفور رحيم، فالمغفرة إنما تكون للتائبين الأوابين، قَالَ تَعَالَى: ﴿ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 25]. وقَالَ تَعَالَى: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ [طه: 82]،و قال تعالى: {إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم} [ النمل:11]، فاشترط سبحانه تغيير الحال من عمل السيئات إلى عمل الصالحات لكي تحصل المغفرة وتتحقق الرحمة.

ثالثًا: إذا علم المؤمن أن الله غفور رحيم، فإنه يشرع له أن يحرص على فعل مكفرات الذنوب وهي الأقوال والأعمال التي شرعها الله في كتابه، أو على لسان رسوله صلى اللهُ عليه وسلم حتى تكفر عنه الخطايا والسيئات.

رابعًا: أنه يشرع للمؤمن أن يكثر من الاستغفار حتى تحصل له المغفرة التي وعد الله بها المستغفرين، والنبي صلى اللهُ عليه وسلم كان يستغفر الله في جميع الأحوال، ومن تلك الصيغ ما رواه أبو داود في سننه وغيره مِن حَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ رضي اللهُ عنهما قَالَ: «إِنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِئَةَ مَرَّةٍ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»[أبوداود:1518، الترمذي:3434،ابن ماجه:3814].

وروى أبو داود في سننه وغيره مِن حَدِيثِ زَيدٍ مَولَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ»[أبو داود: 1519، الترمذي: 3577].

 وروى أبو داود في سننه وغيره مِن حَدِيثِ مِحْجَنِ بنِ الأَدْرَعِ رضي اللهُ عنه قَالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَدْ قَضَى صَلَاتَهُ وَهُوَ يَتَشَهَّدُ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ يَا اللهُ الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ أَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، قَالَ: فَقَالَ: قَدْ غُفِرَ لَهُ، قَدْ غُفِرَ لَهُ ثَلَاثًا»[أبو داود: 987، النسائي:1301].

فاللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير، اللهم ارحمنا برحمتك واجعلنا من أهل شفاعة نبيك صلى الله عليه وسلم، آمين آمين.

 

 

 

الفرق بين (الرحمن - الرحيم)  - الشيخ نبيل العوضي

 

 

اسمي (الرحمن - الرحيم)  - الشيخ صالح المغامسي

 

 

أسماء الله الحسنى (الغفور)  - د. محمد راتب النابلسي

 

 

اسم الله (الغفور)  - الشيخ صالح المغامسي