عناصر الدرس:
- مقدمة.
- لماذا قيام الليل؟.
- فضل قيام الليل في القرآن الكريم.
- فضل قيام الليل في السنة المطهرة.
- هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهاده في قيام الليل.
- الصالحون وحالهم مع قيام الليل.
- نداء وأمل.


أهداف الدرس:
1- أن يدرك أهمية قيام الليل.
2- أن يتعرف على أبرز الآيات والأحاديث في قيام الليل.
3- أن يتعرف على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهاده في قيام الليل.
4- أن يتعرف على حال الصالحين مع قيام الليل.

 

مقدمة:

إن المؤمن قد يتعرض في حياته المعيشية إلى الكدح والتعب، وفي حياته الدعوية إلى المعاندة والصلف، وفي علاقاته الاجتماعية إلى النشوز والحزن، ولا بد له من زاد روحي يعينه على متابعة المسيرة لتحمل أعباء الحياة في جميع ميادينها، وهذا الزاد الروحي يؤخذ من العبادة عامة ومن قيام الليل وتلاوة القرآن خاصة؛ لذا نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر في مقتبل الدعوة بالتزود بهذا الزاد الروحي حيث أمره ربه بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴾ [المزمل: 1-7]، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه قريباً من عام حتى تورمت أقدامهم، فنزل التخفيف بعد ذلك ناسخاً للمقدار المحدد وللوجوب في حق المؤمنين، وبقي الوجوب في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وجاء الثناء في أكثر من آية على الذين يقومون الليل ابتغاء مرضاة الله سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 15-18].

 

ويقول عز من قائل: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16].

أيها الدعاة الكرام....

إن المضاجع في الليل تدعو الجنوب للرقاد، وللراحة وللذة النوم، ولكن الصالحين هجروا الفرش خوفاً وطمعاً فيأتي فضل الله وكرمه ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين، جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة:17]..

لكن كما قال ابن عباس:"الأمر أجل وأعظم من أن يعرف تفسيره"، ويقول ابن القيم رحمه الله: "تأمل كيف قابل ما أخفوه من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نفس، وكيف قابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حين يقومون إلى صلاة الليل بقرة الأعين بالجنة".. نسأل الله الكريم من فضله..

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحث صحابته رضوان الله عليهم على قيام الليل بلطف، حيث ورد عنه أنه قال: "نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل"، [مسلم، رقم 2479] وكان يطرق على علي وفاطمة رضي الله عنهما ويقول: "ألا تصليان" [البخاري، رقم 1127] .

لقد سطر التاريخ رجال من سلف هذه الأمة ملئوا الأرض سجوداً وركوعاً ودموعاً، فما عرفوا النوم، ولا تلذذوا بالفراش، ولا ركنوا إلى الدنيا وزخرفها، ليلهم قنوت وطاعة وبكاء، ونهارهم قتال ومجالدة لأعداء الدين، ففازوا بمرضاة ربهم، وسارعوا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأصبح الحديث عنهم حلماً وخيالاً، واللحاق بهم عجزاً ومحالاً إلا من رحم الله من هذه الأمة في هذا العصر، وقليل ما هم.

لماذا قيام الليل؟ ولماذا الحديث عن قيام الليل؟

أولاً: لكونه صلاة، والصلاة خير موضوع، كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة خير موضوع، فمن أراد أن يستكثر فليستكثر)[ أخرجه الطبراني في الكبير (262) والأوسط ( 243) وحسنه الألباني]، وإذا أردت أن تزلف إلى الله عز وجل فلا بد أن تدخل عليه من باب الاستقامة، ومكانها المحراب، ولئن توهم الدنيوي جناته في الدينار والدرهم، والقصر المنيف، والزوجة الحسناء، فإن جنة المؤمن في محرابه.

وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:45]،  فأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة، ولكن قد يضعف الصبر على طول الطريق الشائك، وقلة الناصر، وقساوة القلوب، وأن ترى الشر منتفشاً، والخير منزوياً، ولا شعاع في الأفق، ولا معلم في الطريق، فهنا قد يضعف الصبر، فالمرجع والمرد إلى الصلاة والصلة بالخالق، فالله عز وجل أمر بالصبر في الصلاة وعليها؛ لأنها انطلاقة من حدود الأرض إلى كون الله الفسيح.إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة! إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود!وعلى أبواب المشقات العظام دائماً يوجه الله عز وجل المسلمين إلى الصلاة: (أرحنا بها يا بلال)[سنن أبي داوود، 4987] ، فقيام الليل زاد الدعاة إلى الله عز وجل في كل وقت وفي كل حين.

السبب الثاني: إن مدرسة الليل هي مدرسة الإخلاص، وخليج صاف خير من بحر كدر، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة في الدين، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا فليس له عند الله من نصيب) [مسند الإمام أحمد،21258، وقال الحاكم:حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها؛ بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم)[سنن النسائي، 3178] .

ولما اصطف الناس لفتح كابل قال قتيبة بن مسلم : أين محمد بن واسع شيخ القراء؟ قالوا: في أقصى الميمنة رافع إصبعه إلى السماء، قال: أبشروا قد جاءكم النصر، لهذه الإصبع أحب إلي من ألف سيف شهير، وشاب طرير، فلما جاءه قال له: ماذا كنت تصنع؟ قال: كنت آخذ لك بمجامع الطرق. ومحمد بن واسع هذا ربما صلى الليل كله في محمله، ويأمر حاديه أن يصوت بالناس.

محمد بن واسع رحمه الله يقول: والله إني لأعرف رجالاً تبتل مخدة أحدهم من أثر دموعه، وزوجه معه في الفراش لا تشعر.

وهذا عبد الله بن المبارك كان في غزوة من الغزوات فتلثم وغطى وجهه، ودعا داعي الروم: من يبارز؟ فخرج عبد الله بن المبارك في لثامه، فقتل فارس الروم، ثم قتل الثاني والثالث والرابع، فتعجب الناس من بطولته، فأتى إليه رجل ورفع لثامه فإذا هو عبد الله بن المبارك وما كانوا يظنون أنه عبد الله المبارك ، فقال لمن رفع لثامه: وأنت ممن يشنع علينا يا أبا عمرو!وكان محمد بن أعين رفيقاً لـعبد الله بن المبارك في غزواته كلها، وكان كريماً عليه، قال محمد بن أعين : فذهب ليريني أنه ينام، قال: فوضعت رأسي على رمح، وذهبت أريه أني نائم، فلما ظن أني قد نمت قام فصلى إلى قبل طلوع الفجر، ثم أيقظني عند الفجر، فقلت له: إني لم أنم الليلة، فعرفت الغضب في وجهه، وما زال مجافياً لي إلى الممات.

واليوم أصيب  الكثير الكثير من أفراد الأمة بالرياء،  وهذا داء دوي في مقتل ومهلك، نسأل الله السلامة والعافية.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين) [سنن أبي داود، رقم 1400 ]، من المقنطرين أي المالكين مالا كثيرا ، والمراد كثرة الأجر وقيل أي ممن أعطي من الأجر أي أجرا عظيما .

السبب الثالث: علو الهمة وترك الأماني، ومن لا أمنية له من الدعاة تجده على ريٍّ دائماً، وتجده سباقاً إلى الخير دائماً، فإن كان قوياً استسقى لنفسه واستسقى لغيره، وإن كان ضعيفاً وجد وريثاً لموسى يسقي له، ويزاحم عنه الرعاع.

 أيها الدعاة النبلاء...

سيروا مع الهمم العالية، فلا يزال العبد مقيماً على التواني ما دام مقروناً بوعد الأماني.التواني والكسل والعجز من المصائب التي تصاب بها الأمة، وعلى الطرف الآخر يبعث قيام الليل على علو الهمة، وكان هشام الدستوائي إذا أتى إلى فراشه يقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لا علوتك الليلة، فراش الجنة خير منك.

وكان عبد الله بن ثوب سيد من سادات التابعين، وكان له سوط يعلقه في مصلاه، فإذا فتر عن القيام يضرب رجله بالسوط ويقول لها: قومي يا مأوى كل سوء، أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبقونا عليك، والله لأزاحمنهم عليها حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالاً.

وهذا الإمام العظيم مسروق بن عبد الرحمن وهو المعروف بـمسروق بن الأجدع تقول عنه زوجه: ما كان يأتي لصلاته إلا زحفاً كما يزحف البعير، وإن قدميه لمنتفختان من أثر القيام. تقول عنه زوجه: وكنت أجلس خلفه أبكي له رحمة مما يصنع بنفسه، وإن قدميه لمنتفختان من أثر القيام، وسنذكر آثارا ومواقف أخر فيما يأتي بعون الله تبارك وتعالى.

فضل قيام الليل في القرآن

إن قيام الليل باب التزكية الأعظم، والتزكية وضعت للرسالة المحمدية، وقد أقسم الله عز وجل بأحد عشر قسماً متتالية أن فلاح النفوس معلق على التزكية، والذي يتخرج من مدرسة الليل رقيق يزكيه ربه بعونه وتوفيقه، تطيب القلوب وترق من النظر إليه، وأصحاب مدرسة قيام الليل تتجافى جنوبهم عن لذيذ المضاجع، كلهم بين خائف مستجير وطامع، تركوا لذة الكرى في العيون الهواجع، ورعوا أنجم الدجى طالعاً بعد طالع، واستهلت دموعهم بانفضاض المدامع.

ولا أطيب من كلام الله عز وجل، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:9].

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان:64].وقال تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران:17].

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا * إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا * وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل:1-8] أي: انقطع إليه انقطاعاً.

إن الذي يعيش لنفسه يعيش صغيراً، ويموت صغيراً، أما الذي يعيش لدين الله عز وجل فما له وللنوم! وما له وللرقود! وما له ولدفء الفراش!

قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام معه الصحابة اثنا عشر شهراً، وأمسك الله خاتمة المزمل في السماء، فلما علم الله صدقهم نزل التخفيف في نهاية السورة.

وقال الله تبارك وتعالى: سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ [الفتح:29]، قال محمد بن كعب القرظي : كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه من آثار القيام.

قيل للحسن البصري: ما بال القائمين بالليل من أحسن الناس وجوهاً؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:7-8].قال ابن مسعود: إذا فرغت من الفريضة فانصب لصلاة الليل.

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان:26].وقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:38-39]، قال ابن عباس: نيرة من آثار القيام في دار الدنيا.

فضل قيام الليل في السنة المطهرة:

ولقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على قيام الليل، فقال صلى الله عليه وسلم في حديث عبادة بن الصامت : (من تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد الله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي -أربعاً- استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته) [ البخاري، رقم 1154].وقبول الصلاة قدر زائد على صحة الصلاة، فقد قال الداودي : من قبل الله له حسنة واحدة لم يعذبه، ولهذا قال الحسن : وددت أني أعلم أن الله قبل لي سجدة واحدة، فصلاة الليل مقبولة على الدوام، وهذه بشارة  عظيمة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وروى الإمام البخاري عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل) [مسلم، رقم 2479]. قال سالم : فما كان عبد الله ينام من الليل إلا قليلاً، وفي رواية: (إن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر من صلاة الليل) [البخاري، 7031].وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإذا استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده كلها، فأصبح نشيطاً طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان) [ البخاري،424 ومسلم، 1855]، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل نام حتى أصبح، فقال: (ذاك رجل بال الشيطان في أذنه) [ البخاري، 1144ومسلم  1853]، قال الحسن البصري : إنه والله بول ثقيل.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)[مسلم،رقم 2813 ].وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فقال لي: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس) [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان،10058].

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال: ( سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتن؟! ماذا أنزل الليلة من الخزائن؟! من يوقظ صواحب الحجرات؟! يا رب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة) [البخاري، 115] .وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة ليلة، فقال: (ألا تصليان؟) قال علي : قلت: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله إذا شاء أن يبعثنا ابتعثنا، قال علي: فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مولٍ يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:54]، والحديث أخرجه البخاري برقم (1127).يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني : لولا ما علم النبي صلى الله عليه وسلم من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان ليزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ﴾ [طه:132].وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: (أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس لرؤيته فكنت فيمن جاءه، فلما استبنت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب على الله، فكان أول ما سمعته منه: أيها الناس! أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام)[سنن الترمذي،2485]،وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟! قال: لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام) [ صحيح ابن حبان، رقم 509].وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني ربي تبارك وتعالى في أحسن حلة فيما يرى النائم، فقال: يا محمد! أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا، فوضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد هذين الثديين، فعلمت فيم يختصم الملك الأعلى، قلت: نعم، في الكفارات والدرجات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، قال الله عز وجل: صدقت يا محمد! من فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وخرج من خطيئته كيوم ولدته أمه، فقال: يا محمد! إذا صليت فقل: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني وتتوب علي، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون، والدرجات: إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام) (سنن الترمذي، رقم 3233 ).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب القيام إلى الله قيام داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ثم يقوم ثلثه، ثم ينام سدسه) [البخاري،1131، ومسلم، 2796 ]، ولا تحصل هذه الفضيلة إلا بنوم نصف الليل الأول، و(ثم) للترتيب، ثم الصلاة في نصف الليل، ثم النوم في السدس الأخير من الليل، وهذه كانت صلاة داود عليه السلام وصلاة نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد قالت السيدة عائشة : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم إذا سمع الصارخ -أي: الديك-) [البخاري،1132ومسلم،1764] والديك لا يصيح إلا في السدس بعد النصف. ونوم آخر الليل -السدس الأخير- قال العلماء فيه سر، فإن الرجل إذا قام طيلة الليل فإنه يخرج إلى الناس وقد علت وجهه صفرة القيام، أما إذا نام قبيل الفجر قليلاً ذهب النوم بصفرة الوجه، فيكون هذا أبعد عن الرياء. والوقت الذي كان يقوم فيه سيدنا رسول الله وسيدنا داود عليهما السلام هو وقت التنزل الإلهي، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا مضى شطر الليل -أو إذا بقي من الليل ثلثه، أو إذا ذهب ثلث الليل، باختلاف الروايات- ينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا، فيقول: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟ حتى ينبثق الفجر)[ مسلم،1811].

والديك يصيح لقيام الليل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه المناوي والألباني قال: (لا تسبوا الديك؛ فإنه يوقظ للصلاة)[سنن أبي داوود،5103 ].

صاح الديك فلم تنتبه، فأعاد فلم تفق، فقوى ضرب الجناحين فلطم خديه حزناً على مصيبته.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الليل لساعة لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله عز وجل خيراً من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك في كل ليلة)[مسلم، 1806]، فهناك ساعة إجابة في كل ليلة فلتحرص عليها، أيها الداعية المبارك.

.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله تعالى في تلك الساعة فكن)[النسائي، 572، الترمذي، 3579].وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل الساعات جوف الليل الأخير)[مسند أحمد، 19454].وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، ومقربة منكم إلى ربكم، ومنهاة عن الإثم، ومكفرة للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد)[ الترمذي،3549]. وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن فلاناً يصلي الليل فإذا أصبح سرق، قال: إنه سينهاه ما تقول)[ مسند أحمد،9777].وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! إني منعته الطعام والشهوات في النهار؛ فشفعني فيه، ويقول القرآن: رب منعته النوم في الليل؛ فشفعني فيه، فيشفعان). [مسند أحمد، 6626 ]،وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يحبهم الله، ويضحك إليهم، ويستبشر بهم: الذي إذا انكشفت فئة قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإما أن يقتل وإما أن ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟! والذي له امرأة حسنة وفراش لين، فيقوم من الليل، فيقول: يذر شهوته فيذكرني ولو شاء رقد، والذي إذا كان في سفر وكان معه ركب فسهروا ثم هجعوا، فقام في السحر في ضراء وسراء) [رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات].

إذاً: اثنين من هؤلاء الثلاثة في هذا الحديث الذين يضحك الله إليهم من المتهجدين، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله رجلاً أيقظ امرأته لصلاة الليل، فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة أيقظت زوجها لصلاة الليل، فإن أبى نضحت في وجهه الماء، فإن قاما من ليلتهما هذه كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات)[ سنن أبي داود،1308،1309 ].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أولياء الله الذين إذا رءوا ذكر الله تعالى لرؤيتهم)،( مصنف ابن أبي شيبة، 35477،وصححه الألباني)، فكيف بمن عاشرهم؟! كيف بمن تربى على أيديهم؟ فمجرد الرؤية تجعل الرجل يذكر الله، بل والله مجرد سماع كلام بعضهم، فأينا يقرأ كلام ابن القيم ولا يرق قلبه.

وكم من أناس موتى تحيا القلوب بذكرهم! وأناس أحياء تموت القلوب برؤيتهم! إن كانوا وهم موتى يحيي الله بهم الفئات العظيمة من الناس بكلامهم، فكيف برؤية وجوههم ومعاشرتهم؟!

هدي  رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهاده في قيام الليل:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام الليل يقول في دعاء الاستفتاح: (اللهم لك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق)[البخاري، 1120].وكان أيضاً إذا قام من الليل افتتح صلاته بهذا الدعاء: (اللهم رب جبرائيل وميكائل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك؛ إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)[مسلم، 1847]. وجبريل هو ملك الوحي، وهو الروح، وميكائيل: هو ملك القطر، وبه حياة الأرض، وإسرافيل: هو الذي ينفخ في الصور، فيدعو بهذا الدعاء ليعلم أن صلاة الليل حياة للقلب. واعجباً للناس يبكون على من مات جسده، ولا يبكون على من مات قلبه.عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، فتقول: يا رسول الله! أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً)[البخاري،4837، ومسلم 7302].

وعن عبد الله بن عمير قال: (دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلت: حدثينا بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت، فقالت: قام ليلة من الليالي فقال: يا عائشة ! ذريني أتعبد لربي، قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، ثم قام فتطهر فقام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بل حجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بل الأرض، وجاء بلال يؤذنه للصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، لقد نزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:164]،[ ابن حبان في صحيحه، رقم (620) وصححه الألباني] .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نام ثلث الليل قام فقال: (أيها الناس! اذكروا الله، جاءت الراجفة، من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) [ الترمذي، رقم 2450 والحاكم في المستدرك، رقم 7852] يذكر الناس بالموت وبالقيامة لعلهم يقومون لصلاة الليل، وربما قام الليل كله بآية يرددها إلى الصباح: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:118] ( والحديث أخرجه النسائي1010وابن ماجه 1350).

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أكل عند قوم قال: (جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار -يعني: دعاء قوم أبرار- يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأثمة ولا فجار) [البخاري في الأدب المفرد631، وصححه الألباني].وقالت السيدة عائشة لـعبد الله بن أبي قيس : (لا تدع قيام الليل؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً) [سنن أبي داود، 1309].

الصالحون وحالهم مع قيام الليل:

سنأخذ نماذج مختلفة من الصحابة ومن التابعين ومن المجاهدين ومن النساء.

أما من الصحابة فقد كان عثمان بن أبي العاص جاراً لـعمر بن الخطاب ، فلما مات عمر تزوج عثمان بإحدى زوجاته، فقال: والله ما تزوجتها رغبة في نكاح ولا ولد، وإنما تزوجتها لتخبرني عن ليل عمر .أي: أنه تزوج أرملة سيدنا عمر لكي تخبره ماذا كان يفعل سيدنا عمر في الليل!وسيدنا عمر ربما مر بالآية في الليل فيمرض منها حتى يعوده الصحابة شهراً، وحفرت الدموع خطين أسودين في وجهه، فلو أتيت الآن بصنبور ماء وجعلته يقطر على جبينك سنة، فهل سيحفر خط أسود؟ لا؛ لأن الدمع ينزل بحرقة.

من لم يبت والحب حشو فؤاده*** لم يدر كيف تفتت الأكبادِ

وسيدنا عمر بعد توليه الخلافة كان ينعس وهو قاعد، فقيل له: يا أمير المؤمنين! ألا ترقد؟! ألا تنام؟! قال: إن نمت بالنهار ضيعت مصالح الرعية، وإن نمت بالليل ضيعت حظي مع الله. 

روى الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة بإسناد حسنه الشيخ الألباني : (أن رسول الله طلق السيدة حفصة ذات يوم؛ فنثر عمر التراب على وجهه وعلى رأسه، فقال: ما يفعل الله بـعمر وابنة عمر ، فنزل جبريل وقال: يا رسول الله! إن الله يأمرك أن تراجع حفصة ؛ لأنها صوامة قوامة، وإنها زوجتك في الجنة) [ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير،15322، وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح  ].

وسيدنا عثمان بن عفان الذي نزل فيه قول الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:9]. انظر إلى هذه الآية فهي طيبة كشأن من أنزلت فيه، لما قتل الثوار والغوغاء سيدنا عثمان دخلت عليهم نائلة بنت الأحوص بن الفرافصة الكلبية زوجته، وقالت: قتلتموه، وإنه كان يحيي الليل كله بالقرآن كله في ركعة واحدة. (إسناده جيد)، والعلماء بوبوا باب: من أوتر بركعة واحدة ختم فيها القرآن.

و لربما سأل أحدهم قائلا: أين أنت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث).[سنن أبي داود، 1396]، قال العلامة ابن رجب الحنبلي في كتابه (لطائف المعارف) هذا إذا كان فعله على الدوام، أما في الأيام التي يرجى فيها الخير، ويستحب فيها كثرة الدعاء فيجوز الختم في أقل من ثلاث، بل ويستحب، وعليه عمل الشافعي وقول أحمد وإسحاق بن راهويه.

وهذا سيدنا عباد بن بشر في غزوة ذات الرقاع تناوب هو وعمار بن ياسر -رضي الله عنهما-  الحراسة، وكانت النوبة على عباد بن بشر ، فأتى رجل من المشركين فضربه بسهم من الخلف وهو يصلي، فنزع السهم وأقبل على صلاته، فضربه بالسهم الثاني، فنزع السهم وأقبل على صلاته، فلما ضربه بالسهم الثالث استيقظ عمار وولى الرجل هارباً، فعاتب عمار رضي الله عباداً وقال: يرحمك الله! ما الذي منعك من أول سهم أن توقظني؟ قال: إني كنت في سورة فكرهت أن أقطعها[سنن أبي داود،198 ].

ولقد أسلمت هند زوج أبي سفيان صبيحة الفتح، ولما سألها أبو سفيان قال: قد كنت أراك تكرهين الرجل فما الذي دفعك إلى الإسلام؟ قالت: والله ما رأيت الله عبد قبل هذا اليوم في هذا البيت، لقد رأيت صحابة رسول الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم تبتلاً إلى الله عز وجل، فقيام الصحابة بعد فتح مكة أثر في قلبها. وسيدنا علي يقول: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ، وما كان فينا أحد إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث تحت شجرة يصلي ويبكي ويدعو إلى الصباح، وبهذا يتنزل النصر. وهذا أبو ريحانة صحابي جليل قفل عائداً من الغزو فأعدت له زوجه الطعام في الليل، فلما أكل قام في محرابه إلى الصلاة، ثم أراد أن يمضي إلى الجيش فعاتبته زوجه وقالت: يا أبا ريحانة! غزوت فأصبت الغزو، ثم عدت أفما كان لنا فيك نصيب؟ قال: لو خطرت لي على بال لكان لك في نصيب؟ قالت: يرحمك الله! وما الذي شغلك عنا؟ قال: إني نظرت في كتاب الله عز وجل إلى ما أعد الله للمتهجدين من سندسها وإستبرقها، فهذا الذي شغلني عنك.

والمتهجدون بالليل من أحسن الناس وجوهاً؛ لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره، وسيماهم في كلامهم مثلما هي في وجوههم.وكلام السلف قليل كثير البركة، وكلام غيرهم كثير قليل البركة، فقد قالوا لـيوسف بن عبيد : هل رأيت من يعمل بعمل الحسن ؟ قال: يا سبحان الله! والله ما رأيت من يتكلم بكلامه حتى أرى من يعمل بعمله! إن الحسن كان إذا تكلم أدمى القلوب، ووعظ غيره لا يبكي العيون.

وهذا ثابت البناني تلميذ أنس بن مالك رضي الله عنه يقول فيه أنس : إن للخير مفاتيح، وإن ثابتاً مفتاح من مفاتيح الخير. يقول ثابت : لو كان شيء أعز من الصلاة لما قال الله عز وجل: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران:39].وقال: الصلاة خدمة الله في الأرض. وقال: لا يسمى العابد عابداً -ولو كان فيه كل خصلة من خصائل الخير- حتى تكون فيه هاتان الخصلتان: الصوم والصلاة؛ لأنهما تأخذان من لحمه ودمه.وقال رحمه الله: كابدت قيام الليل عشرين سنة، واستمتعت به عشرين سنة.

و لقد كان لسعيد بن جبير رحمه الله ديك يوقظه لصلاة الليل، وذات ليلة لم يصح فلم يقم، فقال: ما باله لم يصح قطع الله صوته؟! فما سمع لهذا الديك صياح بعد ذلك، فقالت له أمه: لا تدع على شيء بعد ذلك.

وكان محمد بن سيرين يبحث في النهار ويقول: من يدلني على رجل بسام بالنهار بكاء بالليل؟قالت جاريته: كان إذا آواه الليل فكأنه قتل أهل القرية جميعاً.وكان الناس إذا رأوا وجه محمد بن سيرين سبحوا وعظموا الله من آثار النور الذي على وجهه.

وهذه جارية خالد الوراق كانت شديدة الاجتهاد في الطاعة والعبادة؛ فأخبرها خالد برفق الله وقبوله ليسير العمل، فقالت: يا خالد ! إني لأؤمل من الله آمالاً لو حملتها الجبال لعجزت عن حملها كما عجزت عن حمل الأمانة، وإني لأعلم أن في كرم الله مستغاثاً لكل مسلم، ولكن قل لي يا خالد : كيف لي بحسرة السباق؟! فقال: وما حسرة السباق؟ قالت: غداة الحشر إذا ركب الأبرار نجائب الأعمال، وطاروا إلى مولاهم، وخلفت مع المسيئين المذنبين، ثم قالت: وعزة سيدي لا يسبق مقصر مجتهداً أبداً ولو حبا المجد حبواً، ثم قالت: يا خالد ! انظر لا يقطعك عن الله قاطع، فإنه ليس بين الدارين دار يدرك فيها الخدام ما فاتهم من الخدمة مع مولاهم، فويل لمن قصر عن خدمة سيده ومعه الآمال، فهلا كانت الأعمال توقظه إذا نام البطالون.

ونام عند الإمام أحمد أحد طلاب العلم فوضع أحمد له ماءً، فلما قام الصباح وجد الماء كما هو، فقال الإمام: بئس طالب العلم لا يكون له ورد بالليل!وسيدنا أبو هريرة قسم الليل أثلاثاً هو وزوجه وخادمه، فإذا قام هذا نام هذا، وكانت له في النهار اثنتا عشرة ألف تسبيحة، ويقول: إنما أسبح بقدر ذنوبي!، وهذا تميم الداري يقول أبناء الصحابة: أدركنا تميماً الداري فما قمنا ولا قعدنا إلا وهو في صلاة.وهذا الإمام أحمد كان يحيي الليل هو وغلامه، والإمام الشافعي قسم الليل أثلاثاً، وأبو حنيفة كان يصلي عامة الليل.ويزيد بن هارون شيخ الإمام أحمد قيل له: ما فعلت العينان الجميلتان يا أبا خالد ؟ قال: ذهب بهما بكاء الأسحار.وهذا شعبة يبس جلده على عظمه من قيام الليل.وهذا سفيان الثوري يقول عنه عبد الرحمن بن مهدي : ما صاحبت رجلاً من الناس أرق من سفيان الثوري ، كنت أرقبه في الليل يقوم فزعاً مرعوباً ويقول: النار.. النار! ويقول: اللهم إنك تعلم أنه لو كان لي عذر في التخلي ما أقمت مع الناس طرفة عين، اللهم إن كلاً في حاجته وإن حاجة سفيان أن تغفر له.

ولقد كانت عمرة زوجة أبي محمد حبيب العجمي توقظه لقيام الليل وتقول له: قم يا سيدي! فهذا الصبح قد أسفر، وهذا الليل قد أدبر، وبين يدينا طريق طويل وزاد قليل، وهذه قوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا.ولما تزوج رياح القيسي ذؤابة وكانت من العابدات، فتناعس هو وأراد أن يختبر قيامها في الليل، فلما مضى نصف الليل الأول قالت: يا رياح! قم فقد مضى ربع الليل الأول، قال: أقوم، ولم يقم، فلما كان ربع الليل الثاني قال: أقوم، ولم يقم، فلما كان ربع الليل الثالث، قال: أقوم، ولم يقم إلى الفجر، فلما كان عند الفجر قام لصلاة الصبح، فجلست في مصلاها باكية وقالت: ليت شعري أكل هذا الليل تنام؟ والله إني لأستحي من الله من صوت غطيطك بالليل، من غرني بك يا رياح! تعني: من الذي أشار علي بالزواج منك وأنت لا تصلي إلا الفجر، فكيف لو رأت زماننا هذا؟!ومعاذة العدوية تلميذة السيدة عائشة لما أهديت إلى صلة بن أشيم فأدخله ابن أخيه بيتاً حاراً، ثم أدخله بيتاً مطيباً، ثم أهديت إليه معاذة ، فلما أهديت إليه قام يصلي وقامت هي تصلي خلفه بالليل حتى الصباح، فلما أصبح عاتبه ابن أخيه وقال: يا عماه! في ليلة عرسك تصلي إلى الفجر؟ فقال: وماذا أفعل يا ابن أخي؟! إنك أدخلتني أمس بيتاً حاراً أذكرتني به النار، ثم أدخلتني بيتاً مطيباً أذكرتني به الجنة، فلم يزل خلدي فيهما حتى أصبحت.

وقال أبو سليمان الداراني: نمت ذات ليلة عن وردي فإذا أنا بامرأة من أهل الجنة تأتيني في المنام، فتقول: يا أبا سليمان ! أتنام والملك يقظان؟ ، بؤساً لعين آثرت لذة النوم على مناجاة الملك العلام، ثم قالت له: أتنام وأنا أربى لك في الخدور منذ آلاف الأعوام؟! ثم أنشدته شعراً حفظ منه:

أتخطب مثلي وعني تنام     ونوم المحبين عنا حرام

لأنا خُلقنا لكل امرئ    كثير الصلاة براه القيام

ولذلك لما تزوج الإمام أحمد بن أبي الحواري -تلميذ الإمام أحمد بن حنبل وهو المسمى بريحانة الشام- رابعة الشامية وليست العدوية، قالت له: تزوجني يا أحمد فأعرف بك الصالحين فأدخل الجنة، قال: لا أتزوجك حتى أستشير أبا سليمان الداراني ، قال: تزوجها يا أحمد ! فتزوجها، فلما تزوجها زوجته عليها من حر مالها ثلاثاً من النسوة، حتى إذا كانت ليلة إحداهن اغتسل عندها وتطيب، فقالت: بارك الله فيك يا أحمد ! اذهب بقوتك إلى زوجتك الأخرى، قال: وكانت إذا طبخت لي قدراً من الطبيخ تقول: كله يا سيدي! فوالله ما نضج إلا بالتسبيح.يقول: والله لقد كان قلبي يرق بالنظر إليها أكثر مما يرق بالنظر إلى أصحابي ومحادثتهم؛ لما أرى عليها من أثر القيام.

ويبوب الإمام محمد بن نصر المروزي تلميذ الإمام البخاري باب: إن الرجل أو المرأة إذا اعتادا القيام نبها لذلك. وكانت تنام في الليل فيقول لها: أتقومين أول الليل ولا تقومين آخره؟ فتقول: أوتحسبني أقوم بخاطري؟! إنما أقوم إذا نوديت، والذي يذكر هذا محمد بن نصر المروزي وهو إمام عظيم وسيد من سادات الحفاظ، تقول: إنما أقوم إذا نوديت.مثل الذي يذاكر لامتحان الثانوية العامة فإنه ينام في الساعة الواحدة، ثم يستيقظ لنفسه في الساعة الثالثة؛ وذلك لأنه مشغول بالامتحان، فما ظنك برجل اعتاد قيام الليل عشرين سنة.

والإمام البخاري يقول عنه خادمه: كنت أنام معه فأعد له في الليلة الواحدة يقوم عشرين مرة، فيضيء المصباح ثم يتوضأ ويصلي ركعتين، فيكتب حديثاً، فلو قلنا: إنه سينام ينام ثمان ساعات مثلنا، ويستيقظ عشرين أو خمس عشرة مرة، فكيف كان ينام هذا الإمام؟! هذا هو البخاري .قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض كل جعظري جواظ، صخاب بالأسواق، جيفة بالليل، حمار بالنهار، عالم بأمر الدنيا، جاهل بأمر الآخرة) (أخرجه ابن حبان 72 وصححه الشيخ الألباني) ،والصَّخَب: بمعنى الصياح. والجَعْظَري: الفظّ الغليظ المتكبر، وقيل: هو الذي ينتفخ بما ليس عنده وفيه قِصَر. والجَوّاظ: الجموع المنوع. وقيل: الكثير اللحم المختال في مشيته.

وهذا نور الدين محمود زنكي وصفه ابن كثير : أنه كان مدمناً على قيام الليل، وكذلك كانت زوجته عصمت الدين بنت الأتابك ، فهي كانت زوجة ملك، يقول عنها: هبت ذات ليلة غاضبة من نومها، فسألها عن سر غضبها، قالت: فاتني وردي البارحة فلم أصل من الليل شيئاً. وهذه المرأة لما مات عنها نور الدين محمود زنكي تزوجها صلاح الدين الأيوبي .ونور الدين محمود زنكي قال عنه العلامة ابن كثير : إن أحد المسلمين دخل بيت المقدس أيام أخذ الفرنجة فقالوا: نور الدين محمود زنكي لا ينصر علينا بكثرة عتاده وجنده، لأنه قتل منهم في موقعة حلب ثلاثين ألف، وكان يعد العدة لفتح بيت المقدس قالوا: نور الدين لا ينصر علينا بكثرة عتاده وجنده، وإنما لأنه يصف قدمه ليلاً بين يدي مولاه، فلا بد أن ربه ناصره علينا. قال ابن كثير: فهذه شهادة الكفار فيه.و صلاح الدين الأيوبي يقول عنه ابن شداد : كان يطوف الأمصار وعيناه تذرفان الدموع يقول: يا للإسلام.. يا لعكا، يا للإسلام.. فإذا آواه الليل يأتي إلى سجادته وتتقاطر دموعه على جبينه وفي مصلاه، وأسمعه يقول في سجوده: إلهي! قد انقطعت الأسباب الأرضية عن نصرة دينك، وليس لي إلا الإخلاف إلى جلالك، يقول: فوالله ما ينبثق الفجر إلا ومعه خبر النصر على الأعداء .

وهذا الحافظ عبد الغني المقدسي رفيق الإمام ابن قدامة في العلم وابن خالته، كان إذا خرج من بيته اصطف الناس لرؤية وجهه، وبات معه رجل شمسي -ممن يعبد الشمس- فلما رأى نحيبه طيلة الليل وتهجده زفر الرجل زفرة خرج الكفر بها من صدره،والذي لا يتخرج من هذه المدرسة تقسو قلوب الناس في النظر إليه،  ومن المعاصرين الشيخ أبي بكر الجزائري ، يقول سيد العفاني عنه: إن القلوب  لترق لرؤية الشيخ الجزائري، ولقد عاشرته شهراً بمصر أقسم بالله ما كان ينام طيلة اليوم والليلة إلا أربع ساعات فقط، وهو شيخ طاعن في السن.

إن الجهاد -يا إخوتاه- وهو ذروة سنام الإسلام  يسقى بدمع التهجد، وما عرف الإسلام رجاله إلا كذلك: في الليل رهبان، وعند قتالهم لعدوهم من أشجع الشجعان والذي لا ينتصر على نفسه لا ينتصر على عدوه، قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ﴾ [التوبة:123]، وأعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك، والذي لا يستطيع أن يصلي ركعتين لله تهجداً بالليل كيف يستطيع أن يقابل عدوه؟!

 نداء وأمل:

يا داعية الإسلام! من جد وجد، وليس من سهر كمن رقد، أين رجال الليل؟ أين ابن أدهم والفضيل ؟ ذهب الأبطال وبقي كل بطال، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قام الليل بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام الليل بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام الليل بألف آية كتب من المقنطرين) [سنن أبي داود، رقم 1400 ]، والمقنطرون: من لهم قنطار من الأجر، والقنطار من الأجر خير من الدنيا وما فيها، إما أن يكون من المقنطرين، وإما أن يكون من الذين يحملون الطين.

أنت القتيل بكل من أحببته       فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي

وأخيراً

أخشى أن أكون كالشمعة تضيء للآخرين وتحرق نفسها، وكالإبرة تكسو غيرها وهي عُريانه، وقد تأملت كلاماً جميلاً في صيد الخاطر لابن الجوزي، يقول فيه: "لقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مئتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مئتي ألف نفس، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسير، ويَحُقُ لمن تلمّح هذا الإنعام أن يرجو التمام، وربما لاحت أسباب الخوف بنظري إلى تقصيري وزللي، يقول: ولقد جلست يوماً فرأيت حولي أكثر من عشرة آلاف وما منهم، ما منهم إلا قد رقّ قلبه أو دمعت عينه، فقلت لنفسي: كيف بك إن نجو وهلكتي؟!

فصحت بلسان وجدي: إلهي وسيدي إن قضيت علي بالعذاب غداً فلا تؤلمهم بعذابي.. صيانة لكلامك لا لأجلي.. لئلا يقولوا: عذّب من دل عليه.. إلهي قد قيل لنبيك محمد صلى الله عليه وسلم، اقتل أُبي المنافق، فقال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) [البخاري،3518 ومسلم 6748]إلهي فاحفظ حسن عقائدهم بكرمك أن تعلمهم بعذاب الدليل عليك.. حاشاك ياربي من تكدير الصافي... إلى أن قال: إلهي فأنت أكرم الأكرمين وأرحم الأرحمين ، فلا تخيب من علق أمله ورجاءه بك، وانتسب إليك ودعا عبادك إلى بابك، وإن كان متطفلاً على كرمك، ولم يكن أهلاً للسمسرة بينك وبين عبادك، ولكنه طمع في سعة جودك وكرمك، فأنت أهل الجود والكرم، ولربما استحيا الكريم من رد من تطفل على سماط كرمه"..

اللهم اكفنا من النوم باليسير، وارزقنا سهراً في طاعتك، وبغض إلينا ساعات أكلنا وشربنا ونومنا، واكفنا من النوم باليسير، وسهرنا على ما نامت عنه أعين الغافلين، وارزقنا حبك وحب من أحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. اللهم بك نستنصر فانصرنا، وعليك نتوكل فلا تكلنا، وإياك نرجو فلا تحرمنا، وببابك نغدو فلا تطردنا، اللهم أنت أصلحت الصالحين، فاجعلنا من الصالحين.اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان، بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! اللهم صل على عبدك ونبيك، اللهم وحد صفوفنا على منهاج نبيك، اللهم لا تشمت بنا أعداءنا، ولا تسئ بنا إخواننا.أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .

 

المراجع:

* رهبان الليل - للشيخ : ( سيد حسين العفاني ) .

* قيام الليل فتحي محمد الزغبي.

* روائع الأسحار إبراهيم الدويش.

 

 

 

 

 

 

فضل صلاة قيام الليل - نبيل العوضي

 

 

جائزة غالية من الله لأهل قيام الليل  - مشاري الخراز

 

 

عشاق الليل

 

 

عندك مشكلة مع قيام الليل ؟! - الشيخ محمد الددو