أهداف الدرس:
1-أن يحذر من ظاهرة هزال الروح ويجتنبها.
2- ان يتعرف على مظاهر ظاهرة الهزال ، ويبتعد عنها.
3- أن يتعرف على علاج ظاهرة الهزال ، ووسائل إشراق روحه.
4- أن يكون قادرا على تطبيق الوسائل المعينة على إشراق الروح.
5- أن يعرف الآثار الوخيمة لظاهرة الهزال على الداعية والمدعو والدعوة.

عناصر الدرس:
-تمهيد.
-مظاهر هزال الروح.
-هزال الروح وأثره على الدعوة.
-علاج ظاهرة هزال الروح.
-خير مهماز ووصية وذكرى.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد...

فمن منا لا يطلب الإشراق والسمو لروحه ونفسه، حتى وهو على تقصير وتفريط في جنب الله سبحانه وتعالى ، ومن منا لا يدرك أهمية تزكية النفس وتخليتها وتحليتها وآثارها الآنية والمستقبلية على الفرد والأمة، ونصرها المؤزر العظيم في شتى مجالات الحياة ومناحيها.

و كثير من آيات القرآن ونصوص السنة المطهرة يؤكدان  على جانب الروح ومعاني العبادة ودوام الاتصال بالله تعالى واستحضار خشيته والإنابة إليه والوثوق بما عنده والاعتماد عليه، وبقدر تحقق هذه المعاني عند المسلم تقوى روحه وتتفتح وتنشط طاقتها على حمل أعباء الدعوة والقيام بتكاليفها وتذوق طعم الإيمان وتزهد في الدنيا وتطمع بما عند الله وتهون عليها الشدائد وتنال الروح غذائها الطبيعي الذي لا حياة لها إلا به.

قال سيد رحمه الله:

فأطلق لروحك إشراقها *** ترى الفجر يرمقنا من بعيد

وإذا فاتت المسلم هذه المعاني هزلت روحه ، وإذا طال بها الهزال مرضت وإذا طال بها المرض ماتت والعياذ بالله، وظاهرة الهزال الروحي الذي مني به الكثير من أفراد الدعاة وطلبة العلم إلا من رحم الله تعالى ، ظاهرة سيئة وداء دوي، ومرض عضال، ولهذه الظاهرة مظاهر و أعراض  ينبغي الحذر منها والمسارعة إلى علاجها قبل استفحال الداء واستعصاء الشفاء.

 

* مظاهر هزال الروح:

 لهذه الظاهرة مظاهر كثيرة ، نذكر أهمها فيما يأتي:

 
1- الشعور بقسوة القلب وخشونته:

 إنه شعور  بقسوة القلب وصلابته وانقلابه إلى حجر صلد لا يرشح منه شيء, ولا يتأثر بشيء, ولا يرق لشيء، قال  تعالى: { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً   وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ  وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ  وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ  وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [ البقرة: 74].

2- انحباس الطبع وضيق الصدر:

حتى كأن على الصدر ثقلاً كبيراً ينوء به ويكاد يلهث تعباً منه, والتأفف والتضجر من لا شيء، والشعور بالقلق والأرق ،  وضيق   وحرج في الصدر  والتنفس  كأنما يصعد في السماء،  إضافة إلى الضيق بالناس  والضجر منهم ، وعدم المبالاة بما يصيبهم من نكبات ومصائب، قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَٰلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}  [الأنعام:125].

3- عدم التأثر  بآيات القرآن:

 إن عدم التأثر عند سماع   آي  القرآن ، ووعيده وتخويفه، وطلبه و نهيه،  ولا التشوف والتشوق  لوعده وتحفيزه   و وصفه للجنة  ومنازل المؤمنين ،  داهية دهياء، ومصيبة عظماء،  نسأل الله السلامة،  فصاحب  الهزال  يسمع القرآن كما يسمع أي كلام آخر, بل و لربما  ضاق به  عياذا  بالله عز وجل  فلا يستطيع أن يتلو القرآن لدقائق معدودة أو حتى يستمع إليه لفترة وجيزة .

  قال تعالى: {كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ ، لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ } [الرعد: 30 ].

 قال صاحب الظلال: (...وما عليك- أي يا محمد صلى الله عليه وسلم-  إلا أن تتلو عليهم الذي أوحينا إليك؛ فلهذا أرسلناك، فإن يكفروا فأعلن لهم أن اعتمادك على اللّه وحده ، وأنك تائب إليه وراجع ، لا تتجه إلى أحد سواه.

وإنما أرسلناك لتتلو عليهم هذا القرآن،  هذا القرآن العجيب ، الذي لو كان من شأن قرآن أن تسير به الجبال أو تقطع به الأرض ، أو يكلم به الموتى ، لكان في هذا القرآن من الخصائص والمؤثرات ، ما تتم معه هذه الخوارق والمعجزات. ولكنه جاء لخطاب المكلفين الأحياء. {ولو أن قرآنا سيرت به الجبال ، أو قطعت به الأرض ، أو كلم به الموتى. بل للّه الأمر جميعا} [الرعد: 31]

ولقد صنع هذا القرآن في النفوس التي تلقته وتكيفت به أكثر من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وإحياء الموتى، لقد صنع في هذه النفوس وبهذه النفوس خوارق أضخم وأبعد آثارا في أقدار الحياة ، بل أبعد أثرا في شكل الأرض ذاته، فكم غير الإسلام والمسلمون من وجه الأرض ، إلى جانب ما غيروا من وجه التاريخ؟! وإن طبيعة هذا القرآن ذاتها. طبيعته في دعوته وفي تعبيره. طبيعته في موضوعه وفي أدائه. طبيعته في حقيقته وفي تأثيره .. إن طبيعة هذا القرآن لتحتوي على قوة خارقة نافذة ، يحسها كل من له ذوق وبصر وإدراك للكلام ، واستعداد لإدراك ما يوجه إليه ويوحي به. والذين تلقوه وتكيفوا به سيروا ما هو أضخم من الجبال ، وهو تاريخ الأمم والأجيال وقطعوا ما هو أصلب من الأرض ، وهو جمود الأفكار وجمود التقاليد. وأحيوا ما هو أخمد من الموتى. وهو الشعوب التي قتل روحها الطغيان والأوهام. والتحول الذي تم في نفوس العرب وحياتهم فنقلهم تلك النقلة الضخمة دون أسباب ظاهرة إلا فعل هذا الكتاب ومنهجه في النفوس والحياة ، أضخم بكثير من تحول الجبال عن رسوخها ، وتحول الأرض عن جمودها ، وتحول الموتى عن الموات!.

فيا صاحب الهزال ما حالك مع القرآن!، ولماذا أعرضت عنه وعن تلاوته، والتدبر في  آياته العظام!!!،  عد إلى كتاب ربك ، واتلوه آناء الليل وأطراف  النهار ، فهو نور حياتك  وعقلك، وسر نجاحك وفلاحك. 



4- صاحب الهزال  لا تؤثرفيه موعظة  ولا رؤية الأموات   ولا الجنائز، يسير بين القبور كما يسير بين الأحجار، يزداد شغفه ونهمه بملذات الدنيا وشهواتها، وتهيج فيه شهوات الجسد ويسرح في هذه الشهوات فكره ويستروح إليها،  في رو حه  هزال و ظلمة تنعكس على وجهه يبصرها أصحاب الفراسات الإيمانية الذين يبصرون بنور الله سبحانه وتعالى.


5-تكاسل عن أعمال الخير وعن العبادات والذكر،  والتفريط بها وعدم الاهتمام بها, فالصلاة يؤديها بروح كسولة، ونفس  مثاقلة،  وبدن  عصي مخلد إلى الأرض والدعة،  يؤديها وكأنها مجرد حركات وقراءات وقيام وقعود ، فهو في  غفلة عن ربه و عن ذكره سبحانه وتعالى، فأين  أين السجدات  التي لرب الأرض والسماوات،  سجدات ملؤها الانكسار والخشوع والدموع،  سجدات ذات روح وحياة، تصله بالله خالق البريات، وفي كتاب الله في أوصاف المنافقين : {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} [النساء:142]،  وهل النفاق إلا هزال شديد في الروح إن لم يكن موتاً لها, بينما صاحب الروح النشيطة يتذوق حلاوة الصلاة ويستريح بها من متاعب الحياة: أرحنا بها يا بلال ..وجعلت قرة عيني في الصلاة...

هذه بعض أعراض هزال الروح وضعفها ثم موتها ، عياذ بالله تعالى من ذلك...

 

 * هزال الروح وأثره على الدعوة:

إن  الروح  حين يصيبها الهزال، وتفقد ماءها ورواءها ومنبع سعادتها وسكينتها وطمأنينتها، فتتأوه وتتألم وتختنق وتستغيث فلا مغيث،لا يكاد يسمع نبضها وآهاتها وسط ضجيج الماديات وصخب الشهوات وغبار الدنيويات..فتنتكس وترتكس وتسقط في الوحل والطين،  وضرب الله لنا مثلا  لعالم نحريير، ورجل أوتي ذكاء ولكنه لم يؤت زكاء،  هزلت روحه  وماتت ، وافتتنت بالدنيا وبهارجها،  وغزاه الشيطان وأتبعه، انسلخ من علمه  ورضي بالتسفل والدون والهزال ، أخلد إلى الأرض وغوى واتبع الهوى وعصى، فأصبح كلبا من كلاب البشر، عياذا بالله من الحور بعد الكون والكور، والضلالة  بعد الهدى،  قال تعالى:

{وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ* سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ} [الأعراف: 175-177].

قال القرطبي رحمه الله تعالى: "واختلف في تعيين الذي أوتي الآيات فقال ابن مسعود وابن عباس: هو بلعام بن باعوراء، ويقال: ناعم، من بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، وكان بحيث إذا نظر رأى العرش وهو المعني بقوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا.. ولم يقل آية، وكان في مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه، ثم صار بحيث أنه كان في أول من صنف كتابا في أن ليس للعالم صانع، والعياذ بالله تعالى...؟

إن الفقيه إذا غوى وأطاعه... قوم غووا معه فضاع وضيَّعا
مِثل السفينة إن هوت في لجة ... تغرقْ ويغرقُ كل من فيها معا..

 

يا أيها الدعاة.....

إن الروح لن تشرق وتضيء وتنير، وغبش الدنيويات وغبارها يعكر مرآة القلب..ولا يمكنها أن ترحل إلى الله وهي مقيدة بسلاسل الشهوات؟...ولن تقبل على الله وتحلق بعيدا عن الوحل والطين وهي لم تتطهر من جنابة الغفلة والشرود؟...ولن تفهم دقائق الأسرار وتمنح الأنوار إلا إذا جددت التوبة من الهفوات والسقطات والزلات؟.

 إن هزال الروح سببه إعراض عن الذكر والفكر، ومآله  ضنك وشدة وعمى، قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [ طه:124].

 

يا أيها الدعاة..

 إن  هناك ظاهرة  خطيرة  عند بعض الدعاة والمربين يلمسها المتأمل في أحوالهم، المخالط لهم، السامع لأحاديثهم، المحدق في وجوههم ،تلك الظاهرة هي: (هزال الروح)، هي ضعف  بعض الدعاة في العبادة وهزال أرواحهم وجفافها وقحطها، وهو أمر خطر ، وخط أحمر ، وله عواقب وخيمة، وويلات جسيمة، ويؤدي إلى :

1-نفور الناس عن الدعوة: ويوضح ذلك ما اكتشفه الزاهد يحيي بن معاذ من أنك (على قدر شغلك بالله: يشتغل في أمرك الخلق) ، وتوفيق الله تعالى لنا في عملنا الدعوي منوط بإقبالنا عليه، وما أزمة صدود الناس عنا إلا من نتائج أزمة قلة اهتمامنا بما أوجبه الله علينا، ومن أقبل بقبلبه على الله تعالى: أقبل بقلوب العباد إليه.

2-الفتور والسلبية:  إن هزال الروح ينتج عنه الفتور والكسل والسلبية وتمريض الأمر الصريح، والتأخر عن اللقاءات الدعوية والندوات  التوجيهية، والدروس التربوية، وحلق القرآن و العلم والأنشطة الدعوية المثمرة ..

3-قلة الإيجابية والمبادرة والمبادأة والفعالية وفقد البركة في العمل ، فمن هزلت روحه  لا ينتظر  منه إلا نكوصا وسلبية ونقدا لاذعا متهجما وتكاسلا، و هكذا بهذا الهزال تنتقل السلبية والغفلة والتكاسل والفتور إلى ميدان الدعوة. فلا  إيجابية ولا فورية ولا كسب لأفراد جدد...وتتحول المحاضن التربوية إلى رتابة قاتلة وأداء ميكانيكي.. وتفقد المؤسسات الاجتماعية: بريقها ورونقها وبركتها وسر حياتها...؟، وهل البركة إلا بالصلاح والإصلاح وإشراق الروح وتوجهها إلى خالقها وعبوديتها له جلا وعلا.

4-الصراع على المكاسب والمناصب وحرق الأخضر واليابس،  فهذا حال الهزالى  المنكبون على الدنيا ومطامعها ، فهم يكثرون عند الطمع ويقلون عند الفزع!!!

5-ضعف الإنتاج في ميدان الدعوة : فهزيل الروح –غالبا- أينما توجهه لا يأت بخير، .فهل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم..؟!!

6-الانكباب على الدنيا ..واللهث وراءها، فهو يتقلب شهره ودهره في ملذاتها ، وقد أخذت بمجامع قلبه ، ولزمه خوف الفقر وحب التكاثر.

قال مالك بن أنس: قال لي أستاذي ربيعة الرأي : يا مالك! من السفلة؟ قلت : من أكل بدينه ، فقال : فمن سفلة السفلة؟ قال : من أصلح دنيا غيره بفساد دينه ".

فهل بعد أضرار الهزال  هذه من أضرار على الداعية ودعوته وإخوته، اللهم سلمنا  وارحمنا وتب علينا ، وخذ بقلوبنا وأرواحنا إليك، وارحم ضعفنا واجبرنا، واهدنا سبل السلام.

 

علاج ظاهرة هزال الروح:

العلاج في إشراق الروح ، وقربها من خالقها جل وعلا، في  تلمس كل ما من شأنه  زيادة  الإيمان والترقي في مدارج العبودية للخالق سبحانه وتعالى، في مجاهدة النفس وأطرها على الصلاح أطرا، وقهرها وإلزامها بعمل الصالحات،  والتقرب إلى رب البريات سبحانه وتعالى.

ومن الوسائل  المعينة  على  إشراق الروح وتدرجها في مقامات العبودية لخالقها العظيم سبحانه وتعالى :  

1- استدامة ذكر الله عز وجل، ذكره باللسان مع مواطئة القلب لذكر اللسان, والتفكر بمخلوقات الله, والاستدلال بها على عظيم قدرته وعموم رحمته ، ودوام الافتقار والحاجة إليه, واستحضار رقابته وهيمنته الكاملة على الإنسان وضرورة الحياء منه, إن هذه المعاني لا يمكن تحصيلها بسهولة ويسر لهزيل الروح فلا بد من الصبر والعزم وعدم التضجر والبدء بتحصيلها شيئاً فشيئاً، وكلما حصَل من هذه المعاني شيئاً قويت روحه, وقل هزالها حتى تزول أعراض المرض ويدخل في دور النقاهة ثم الشفاء ثم عند ذلك سيحسُ بلذة هذه المعاني فيزداد إقباله عليها.

2-استحضار الموت و معاني الآخرة وما يجري فيها من الأهوال، والتفكر في أوصافها ومشاهدها وعرصاتها .

- ليتذكر المسلم أن الموت اقرب إليه من شراك نعله، فلا يغره الشباب ولا تخدعه قوته وعافيته فالموت إذا نزل لا يعرف شبابا ولا تمنعه قوة ولا تصده عافية, ليتذكر الإنسان انه معرض للموت في كل لحظة فيزداد حذره, ويتأهب لمغادرة الدنيا. والموت  ماالموت؟، وما أدراك بأهواله وبسكراته!..
إن استحضار الموت وعدم نسيانه, يجعل  يحس تماما بغربته في هذه الدنيا ويتذوق معنا قول رسولنا    الكريم صلى الله عليه وسلم (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور).

- ليتفكر المسلم أن أول منازل الآخرة القبر, فليحدق فيه وليطبع صورته المظلمة في ذهنه, ويستحضر رقدته فيه وحيدا لا أنيس له إلا عمله, إن كان عمله صالحا, وقديما كان لأحد الصالحين العارفين قبر حفره في بيته يدخل فيه بين الحين والحين كلما أحس بقسوة في قلبه يتمدد فيه, ثم يقرأ قوله تعالى : (قال ربي ارجعون لعلي اعمل صالحا فيما تركت)، ثم يقول ذلك العبد الصالح : يا نفس ها أنت قد رجعت إلى الحياة الدنيا فاعملي صالحا.

3- ترسيخ وتعميق مفهوم الإحساس بالغربة في القلب والعقل، فهذ ا الإحساس يهون على المسلم ما يلقاه في حياته من نكبات وشدائد،  ويجعله يمد نظره إلى  إلى موطنه الأصلي: دار الآخرة وعدم الاطمئنان بالحياة الدنيا, ولا الركون إليها فالغريب لا يرى مقامه في دار الغربة إلا مؤقتا وقلبه يتلفت دائما إلى هناك إلى الدار التي تستعصي على الفناء، إلى تلك الدار التي سينزلها حتما وليس فيها إلا نعيم أو شقاء.. إلا قرب من الله وتلذذ بالنظر إليه أو بعد وحجاب عنه، والعياذ بالله جل وعلا.

4- سلوك سبيل الخوف من الله جل وعز والخشية منه سبحانه وتعالى، مع تذكر الجنة ونعيمها،  فمن ارتجف قلبه ووجل فؤاده واصفر وجهه وملك عليه الخوف كل نفسه, لا بد أن يهرب من الخوف ويلتمس النجاة ولا نجاة إلا بالفرار إلى الله  سبحانه وتعالى ، (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين) ، وإذا تذكر المسلم الجنة ونعيمها مسته نسمات الأمل والرجاء,  وأشرقت روحه  غاية الإشراق، ومع الرجاء   والإشراق   والأمل  بذل الجهد الحق ليصل إلى المأمول والمرغوب رضا الله جل وعز والجنة.

5- المحافظة التامة على ما بينه الشارع من وسائل تطهير الروح وإنعاشها وإمدادها بالقوة والحياة؛ لأن الروح تتسخ فتحتاج إلى غسل، وتفتر فتحتاج إلى نشاط،  وتمرض فتحتاج الشفاء،  وتضعف فتحتاج إلى ما يقويها وليس ذلك إلا بالعبادات والدوام عليها, وعلى رأسها الصلاة وقراءة القرآن ,  فالصلاة  الصلاة ، بفرائضها ونوافلها، بأول أوقاتها،  بأركانها وواجباتها وسننها، بخشوعها وتضرعها ودعائها ، بروحها وإشراقها، هذه العبادة الحبيبة التي تغسل الروح من أكدارها ، وتصل العبد بربه ،  فهي كالنهر  الرقراق والمعين المتدفق أمام بيت  كل واحد منا،  يغتسل منه خمس مرات في اليوم،  فكما أن هذا الغسل لا يبقي من درن الجسد شيئاً فكذلك الصلاة لا تبقي من درن الروح شيئاً، ولاسيما صلاة الفجر جماعة مع  المسلمين في  المسجد ،فان في خروج العبد  من بيته إلى صلاة الفجر في المسجد فوائد عظيمة جدا سيلمسها بيديه كلتيهما ،  إن الصلاة  عموما والفجر خصوصا تزيد من نشاط الداعية ومن اندفاعه في العمل للدعوة،  وستشرق روحه وتسمو إلى الآفاق  ، وسيحس بخفة الروح وإشراقها  وقوتها،  إضافة إلى تذوقه لبعض طعوم الإيمان،  وستشع على قلبه  أنوار متنوعة،  وسيصفو رونق وجهه،  إلى غير ذلك من الفيوضات الربانية التي ستنهمر عليه بإذن الله تعالى، فهلا جربت وداومت!.

وأما قراءة القرآن  فأثرها عظيم  في زيادة الإيمان وإشراق الروح ،  فإن النفس تزكو وتشرق، والإيمان يزداد بصحبة القرآن الكريم، وقد صرّح الله تبارك وتعالى بزيادة الإيمان عند تلاوة كتابه، والاستماع إليها ومذاكرتها في أكثر من آية، قال الله تعالى : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

وقال الله الكريم الرحيم: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124].

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى : "فكل هذه الآيات فيها الدلالة على أنهم إذا سمعوا آيات ربهم تتلى تأثروا تأثراً عظيماً يحصل منه لبعضهم البكاء والسجود ولبعضهم قشعريرة الجلد ولين القلوب والجلود ونحو ذلك" .

 وإن المداوم على قراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار يجد من نفسه ميلاً إلى تمثل معاني هذه الآيات في أقواله وأفعاله، وهذا من أثر القرآن عليه، وبركته، فتجد عليه سمت الصالحين وهديهم ودلّهم متمثل فيه؛ ولهذا كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يقولون: (ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون صخابًا ولا صياحًا)، وقالوا: (لا ينبغي لحامل القرآن أن يخوض مع من يخوض، ولا يجهل مع من يجهل، ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن؛ لأن في جوفه كلام الله تعالى، وينبغي له أن يأخذ نفسه بالتصاون عن طرق الشبهات، ويقل الضحك والكلام في مجالس القرآن وغيرها بما لا فائدة فيه، ويأخذ نفسه بالحلم والوقار، وينبغي له أن يتواضع للفقراء ويتجنب التكبر والإعجاب، ويتجافى عن الدنيا وأبنائها، إن خاف على نفسه الفتنة، ويترك الجدال والمراء ويأخذ نفسه بالرفق والأدب، وينبغي له أن يكون ممّن يؤمن شره، ويرجى خيره، ويُسلم من ضرّه) ، فطهارة القلب ونقاؤه من الشرك والريب والشك، كلّ ذلك من أثر تعلم القرآن الكريم، ومن ثمار قراءة القرآن   تحصيل الحياة الطيبة، فالحياة الطيّبة المصاحبة للطمأنينة وراحة النفس، لا توجد بمعزلٍ عن كتاب الله تعالى، بل توجد في رياضه وتهب نسائمها من حِلَقه،  فالقرآن نور من لدن الله النور، ومن أوتي نورا أشرقت روحه  وصفت وتألقت.

6- قراءة  سير وتراجم  وأخبار العلماء العاملين , والنبهاء الصالحين ,  والدعاة المضحين الباذلين، فهي  تغرس الفضائل في النفوس، وتدفعها إلى تحمل الشدائد والمكاره في سبيل الغايات النبيلة والمقاصد الجليلة , وتبعثها إلى التأسي بذوي التضحيات والعز مات , لتسمو إلى أعلى الدرجات وأشرف المقامات .. وقد قال بعض السلف : "الحكايات جند من جنود الله عز وجل يثبت الله بها قلوب أوليائه", وشاهده من كتاب الله  قوله سبحانه وتعالى { وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } [هود:120].

و قال  الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: الحكايات عن العلماء ومحاسنهم أحب إلى من كثير من الفقه ؛لأنها آداب القوم وأخلاقهم)  وشاهده من كتاب الله قوله تعالى: {أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده} [ الأنعام:90]،  وقوله سبحانه: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف:111].

 

 

خير مهماز:

 

إن خير مهماز لرفع الهمم , وشد العزائم , وسمو المقاصد , وإنارة القلوب , وإخلاص النيات , وتفجير النبوغ والطاقات , ونبل الغايات،  والصبر على اجتياز العقبات  ، وصية الله للأولين والآخرين ، {ولَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء:131].

فتقوى الله والصلاة في أوقاتها وقراءة القرآن الكريم، وقراءة تراجم السلف وسيرهم العطرة، هو الزاد ، كل الزاد.

 

أيها الإخوة الأكارم..

ما أحوجنا في هذه المرحلة بالذات ونحن نتابع الأحداث اليومية المتسارعة  والمتلاحقة للثورات والتحولات والتغيرات والمآسي والصعاب التي تحل بأمة الإسلام، أن نغذي الأرواح بغذاء العبودية حتى لا يصيبها الهزال..ذلك أن ا الأحداث الجسيمة والمدلهمات والخطوب  إن لم تواكبها وتقويها وتسقيها وترويها الروحانيات فإنها تظمأ أو تنكمش أو تغتال أو تنحرف أو تجف ...

يقول أحد الفضلاء النبلاء:

"من ألهى جماعته بيوميات السياسة دون فكرها وتربيتها ولم يلقن أصحابه منطق الاستعلاء فقد أذن لهم أن ينحروا رقابهم..!"

إن متابعتنا للأحداث و معايشتنا لها واهتمامنا بأمور المسلمين: مهم وضروري...لكن إن لم نمزجها بالرقائق والروحانيات والأوراد والنظر في سير السلف الصالحين، ومرافقة الدعاة  المخلصين الباذلين،..فإن القلب يقسو ويمرض.. وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سمته وهديه، لا لاقتباس علمه، وذلك أن ثمرة علمه: هديه وسمته، فافهم هذا ليرق قلبك، وحتى يحدث التوازن المطلوب في حركتك ودعوتك وسيرك إلى الله تعالى..فإنه حتم ولزام أن نمزج حديث السياسة بتجديد الربانية وإحيائها:التي هي صمام الأمان للدعوة ،وسر بقائها ونمائها وثباتها ونجاحها وانتشارها،والتي تمنحنا البركة والحفظ والنصر والتمكين بإذن رب العالمين..

 

وصية وذكرى:

أيها الأحباب، أيها الدعاة ، أيها الفضلاء...

الله الله في الصلاة والقرآن، الله الله في كل ما من شأنه إشراق أرواحكم  وسموها، الله الله في ترك المحارم والشبهات ،  الله الله في ترك ذنوب الخلوات، فقد قال صلى الله عليه وسلم : (اتق المحارم تكن أعبد الناس) [ سنن الترمذي، برقم 2305]

يقول ابن عطاء الله السكندري: " كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته؟. أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته؟. أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله ولم يتطهر من جنابه غفلاته؟. أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته؟..."

 

أفقْ ، لم يبقَ في البستانِ زهرٌ ** ولا ثمرٌ، ولا غصنٌ رَطيبُ
وهذا الرَّوضُ قد أمسى حُطاماً ** تُرى ، هل يُرتَجى المرعى الجَديبُ؟
وهذا العمرُ ولَّى ، ليس فيهِ ** سوى ضعفٍ ، سيتبعه المشيبُ
وتُحسَبُ جاهلاً من غيرِ جهلٍ ** وقد يُستَجهَلُ الرجلُ اللبيبُ
تَجَهَّز للرحيلِ أيا فؤادي ** فإن مُصاحِبَ الدنيا غريبُ
وقلْ: سأموتُ يا ليلى ، اذكريني ** عسى أن تنمحي عني الذنوبُ

 

أيها الإخوة الفضلاء...

إن ما ذكرناه لكم في هذه الورقات ليس كلاما لتزجية الفراغ ولذة الفكر وإنعاش النفوس لحظات ثم لا يكون بعد هذا الشيء.. إنما هو نهج لا بد أن تلتزموه  فهو جزء من منهج الإسلام به تستطيعون بإذن الله حمل الدعوة والجهاد في سبيل الله ،فاعقدوا العزم على التنفيذ ومحاسبة النفوس واصدقوا الله يصدقكم، وحافظوا على فروضكم واقرأوا كتابكم وتذكروا  الموت، وذكروا أنفسكم وأهليكم ومجتمعكم، والله معكم ولن يتركم أعمالكم، فاللهم اجعلنا دعاة إليك مخلصين، وجندا في سبيلك مجاهدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 

 

مراجع الموضوع:

1-هزال الروح   - الأستاذ: حديبي مدني حفظه الله تعالى، مرجع رئيسي.

2- صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل، الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، رحمه الله تعالى.

3- بعض  مواقع الشبكة العنكبوتية المختلفة.

 

 

عنوان الكتاب
نوع الملف
الرابط
دورة هزال الروح عرض PowerPoint
هزال الروح.. الأسباب والعلاج - خليل إبراهيم نده الكبيسي كتاب
 
 

 

 

القرب من الله جل وجلاله - الشيخ صالح المغامسي

 

 

جدد إيمانك.. مقطع يحرك المشاعر

 

 

جدد إيمانك - الشيخ توفيق الصائغ