أهداف الدرس:

1- أن يعرف المفهوم الصحيح لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.

2- أن يتعرف على دواعي محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

3- أن يكون قادرا على التحقق بمظاهر وعلامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

4- أن  يسلك الطريق الصحيح لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم مستعينا بالوسائل المعينة المشروعة على محبته صلى الله عليه وسلم.

5- أن يتعرف على بعض قصص الصحب الكرام رضوان الله عليهم  في محبته صلى الله عليه وسلم.

 

عناصر الدرس:

- مقدمة

- المحبة مفهومها وحكمها 

- حكم المحبة:

- دواعي محبة النبي صلى الله عليه وسلم:

1- حب رسول الله صلى الله عليه وسلم تابع لحب الله.

2- كمال رأفته صلى الله عليه وسلم وعظيم رحمته بأمته.

3- كمال نصحه صلى الله عليه وسلم لأمته وعنايته بتعليمهم.

4- خصائصه صلى الله عليه وسلم وخصاله العظيمة.

 

- مظاهر محبة النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماتها:

أولاً: محبته باتباعه والأخذ بسنته صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: الإكثار من ذكره  صلى الله عليه وسلم والصلاة والسلام عليه.

ثالثاً: تمني رؤيته  صلى الله عليه وسلم والشوق إليه.

رابعاً: محبة الكتاب الذي أنزل عليه وبلَّغه لأمته.

خامساً: محبة آله وأزواجه صلى الله عليه وسلم.

سادساً: محبة أصحابه  صلى الله عليه وسلم والترضي عنهم.

 

- الوسائل المعينة على محبة النبي صلى الله عليه وسلم.

أولاً : تعظيم الصلة بالله ومحبته.

ثانياً: معرفة أحوال النبي  صلى الله عليه وسلم وحسن الصلة بسيرته.

ثالثاً: الإكثار من ذكر سيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم.

رابعاً: إجلال المحبين للسنة والعاملين بها.

خامساً: الذب عن السنة والدفاع عنها.

 

- من مواقف الصحابة المحبين     

1- أبو بكر الصديق رضي الله عنه     

2- علي بن أبي طالب رضي الله عنه   

3- المرأة الأنصارية رضي الله عنها

4- الرجل الأنصاري رضي الله عنه

 

-  ثمار المحبة

- خاتمة

محبة النبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسل[*]

 الحمد لله رحم خلقه بإرسال الأنبياء والمرسلين، وامتن على البشرية ببعثه خاتم النبيين، سيد ولد آدم أجمعين، وصلى الله وسلم على نبينا الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد...

فإن محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم دين وإيمان، وهي محرك للوجدان، ودافع لرضى الرحمن، إنها محبة روحها الإيمان، وقوامها الإجلال، وجوهرها الاتباع. هي للعقل رشد بالتدبر في جوانب العظمة النبوية، وهي للجوارح مرشد في مجالات السلوك الإسلامي، وهي رمز للإيمان الحي، ونموج للتعبد الخاشع، ومَعْلم للجهاد الحق، وسنذكر في هذا الموضوع بعض المباحث المتعلقة بمحبته صلى الله عليه وسلم على النحو الآتي:

 

المحبة مفهومها وحكمها

المحبة عند العرب تُعرَّف بضدها وذلك لوضوحها وجلائها، فالمحبة ضد الكره والبغض، وشخَّص بعضهم هذا المعنى تشخيصاً أوسع فقال: أحببت فلاناً: بمعنى أصبت محبّةَ قلبه أي: شغاف قلبه وسويداءه.

والمقصود أن المشاعر تتسلل في المحبة إلى أعماق القلب فتصيب محبتَّه أي جوهرَه وأصله ومكمنه، وحينئذٍ لا تكون عرضاً ظاهراً ولا صوراً جوفاء بل حقيقةً تنبض بها خفقات القلب، وتظهر في مشاعر النفس، وتبدو في بريق العين وطلاقة الوجه وابتسامة الثغر مع الإكثار من ذكر محامده وحسن الثناء عليه صلى الله عليه وسلم .

وفي هذه المحبة قال ابن القيم: "ولا توصف المحبة ولا تحد بحد أوضح من المحبة ولا أقرب إلى الفهم من لفظها.. فإن المحبة لا تظهر على المحب بلفظه وإنما تظهر عليه بشمائله" [طريق الهجرتين (1/461)]، إذ هي "أمر ينبعثُ في النفس يصعب التعبير عنه"، ووالله  إنه  لكلام دقيق. "فعلم المحبة شيء ووجودها في القلب شيء آخر، وكثير من المحبين الذين امتلأت قلوبهم محبة لو سئل أحدهم عن حدّها وأحكامها وحقيقتها لم يطق أن يعبر عنها، ولا يتهيأ له أن يصفها ويصف أحكامها" [طريق الهجرتين (1/464)].

ونحن نتحدث عن المحبة نؤكد أن تعلقنا وارتباطنا برسول الله صلى الله عليه وسلم ينبغي أن يكون من جوانب شتى:

- جانب العقل بمعرفة سيرته وحفظ سنته ونشر صلى الله عليه وسلم ديثه وهديه، ومعرفة الصحيح وغير الصحيح، والواجب منها والمندوب ونحو ذلك.

- جانب القلب وحقيقته عاطفة مشبوبة ومشاعر جياشة ومحبة متدفقة وميل عاصف تتعلق فيه النفس والقلب برسول الله صلى الله عليه وسلم لما فيه من المعاني الحسية والمعنوية العظيمة.

- جانب الجوارح التي تترجم فيها المحبة إلى الاتباع لسنته وهديه عليه الصلاة والسلام.

وللإيضاح أنبه إلى أنه لا يمكن أن نقول إن المحبة اتباع فحسب، فأين مشاعر القلب؟ ولا يصلح أن نقول إنها الحب والعاطفة الجياشة فقط، فأين صدق الاتباع؟ ولا ينفع هذان وحدهما، فأين العلم الذي يُعتمد عليه من معرفة وفقه سيرته وهديه وأحواله عليه الصلاة والسلام، ومن ثم فلا بد لمحبتنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنطلق من القلب والنفس، وترتبط بالعقل والفكر، وتشمل سائر الجوارح والأحوال والأعمال فتكمل حينئذٍ المحبة لتكون هي المحبة الصادقة الخالصة الباطنية والظاهرية، فتكتمل من كل جوانبها لنؤدي بعض حق رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا.

 

حكم المحبة:

ما عسى أن يكون حكم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الوجوب، فهي واجبةٌ على كل مسلمٍ قطعاً ويقيناً والأدلة على ثبوت وجوبها كثيرة، فمن ذلك:

1- قول الله سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[التوبة:24]، فالله جل وعلا جمع في آيةٍ واحدة كل محبوبات الدنيا، وكل متعلقات القلوب، وكل مطامع النفوس ووضعها في كفةٍ وحب الله وحب رسوله في كفةٍ.

وأما أحاديثه صلى الله عليه وسلم فصريحة جلية واضحة في الدلالة على وجوب هذه المحبة فمن ذلك:

الحديث الصحيح المشهور من حديث أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [صحيح البخاري، حديث رقم (14) صحيح مسلم، حديث رقم (63)].

ولقد ذكر العلماء أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين:

أحدهما: محبة مفروضة: وهي المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته وبعثته، وتلقي ما جاء به بالمحبة والقبول والرضا والتسليم،وأن لا يتلقى شيئاً من المأمورات والمنهيات إلا من مشكاته، ولا يسلك إلا طريقته ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجاً مما قضاه، ويتخلق بأخلاقه في الجود والإيثار والحلم والتواضع وغيرها.

الثانية: محبة مندوبة وهي تقصي أحواله ومتابعة سنته، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة.

[انظر: فتح الباري (1/61)]

وهاكم  حديث جميل رائع بالنسبة لنا في زماننا، وهو حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بـِأَهْلِهِ وَمَالِهِ) [صحيح مسلم حديث رقم (5060) ] في هذا الحديث يخبر عمن يأتي بعده من المؤمنين الذين يشتاقون لرؤيته صلى الله عليه وسلم ويرون ذلك أحب من أهليهم وأموالهم لشدة محبتهم له وشوقهم إليه صلى الله عليه وسلم .

دواعي محبة النبي صلى الله عليه وسلم

 لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

إننا بهذا السؤال نريد أن نهيج القلوب ونحرك المشاعر لهذه المحبة، ترغيباً في حصولها، ودعوة إلى رسوخها،وحرصاً على غرسها في سويداء القلوب والنفوس حتى تتحرك بها المشاعر وتنصبغ بها الحياة، وتكون هي سمت المسلم في سائر أحواله بإذن الله عز وجل، فمعرفة الدواعي والأسباب يسهل طريق اكتساب هذه المحبة، ومن أبرز هذه الدواعي:

1- حب رسول الله صلى الله عليه وسلم تابع لحب الله:

نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه حبيب الله عز وجل، فمن أحبَّ الله أحبَّ كلَّ من أحبه الله، وأحبَّ كلَّ ما أحبه الله، وأعظم محبوب من الخلق لله عز وجل هو رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام عن نفسه: (ولكنَّ صاحبكم خليل الرحمن) [صحيح مسلم حديث رقم (4394)]. والخُلَّة أعلى درجات المحبة، لأنها تتخلل في القلب وفي كل شيءٍ في هذا الإنسان.

2- كمال رأفته صلى الله عليه وسلم وعظيم رحمته بأمته:

نحن نحب الإنسان إذا وجدناه بنا رحيماً، وعلينا شفيقاً، ولنفعنا مبادراً، ولخيرنا مجتهداً، من كان كذلك أحببناه من أعماق قلوبنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أعظم الخلق رحمة ورأفة بنا، وإن كانت بيننا وبينه هذه القرون المتطاولة. فقد وصفه الله جل وعلا بقوله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [التوبة:128].

3- كمال نصحه صلى الله عليه وسلم لأمته وعنايته بتعليمهم:

روى سلمان رضي الله عنه في جوابه لمن قال له قد علمكم نبيكم صلى الله عليه وسلم كل شيء حتى الخراءة، قال سلمان: أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار أو أن نستنجي برجيع أو بعظم [صحيح مسلم حديث رقم (262)].

وفي حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما أنا لكم مثل الوالد أعَلّمكم) [سنن النسائي حديث رقم (40)، وسنن ابن ماجه حديث رقم (309)] أي "كما يعلم الوالد ولده ما يحتاج إليه مطلقاً ولا يبالي بما يستحيا بذكره" [حاشية السندي على سنن النسائي].

4- خصائصه صلى الله عليه وسلم وخصاله العظيمة:

لقد حاز النبي صلى الله عليه وسلم الرتبة العظيمة في خصال الخير وفضائل البر، ومحاسن الأخلاق، ويكفي دليلا على عظمته صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل عنه: {وإنك لعلى خلق عظيم} [القلم:4] فقد اجتمع فيه عليه الصلاة والسلام ما تفرق من وجوه الفضائل والأخلاق والمحاسن في الخلق كلهم فكان هو مجتمع المحاسن عليه الصلاة والسلام. وخلقه العظيم المراد به: خلق القرآن، وهو الطبع الكريم، وقيل: هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم، ولم يُذكر خلق محمود إلا كان للنبي صلى الله عليه وسلم منه الحظ الأوفر، [انظر تفسير القرطبي (5/302)]" وهو عليه الصلاة والسلام فوق كل خلق عظيم متمكن منه مستعل عليه" [أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن (8/369)].

 

مظاهر محبة النبي صلى الله عليه وسلم وعلاماتها

 كل دعوى بغير دليل لا قيمة لها، ولكل حقيقة في الباطن أثر وبرهان وصورة في الظاهر، ومن هنا نذكر مظاهر وعلامات محبة المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تدل على وجودها ورسوخها ومن هذه العلامات:

أولاً: محبته بإتباعه والأخذ بسنته صلى الله عليه وسلم :

يقول الله تعالى مبيناً مقياساً مهماً من المقاييس التي تقاس بها المحبة، {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}[آل عمران:31]، وقد أشار ابن الجوزي إلى أن هذا مذهب المحبين بلا خلاف، فكل محبٍ يكون أدنى شيءٍ من محبوبه أعظم إليه من كل شيءٍ في دنياه، ومن ثم يكون أدنى شيءٍ من الله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم أعظم وأحب إلى كل مؤمن من كل شيءٍ في دنياه.

فمن عصى الله ورسوله وارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله أو قصر في الواجب نقصت محبته لكن أصلها باقٍ لم يزل، فإذا رأيت من يعصي الله ورسوله فلا تقل إنه مبغض لله ورسوله، فإنها تهمة عظيمة وفرية كبيرة لا يجوز أن تطلق جزافاً، فقد أثبت النبي صلى الله عليه وسلم لشارب الخمر رغم معصيته محبة الله ورسوله، فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبدالله وكان يلقب حماراً وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد جَلَده في الشراب فأُتي به يوماً فأمر به فجُلِد. فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا تلعنوه فو الله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله) [صحيح البخاري حديث رقم (6780)]. فأثبت له النبي المحبة مع وقوعه في كبيرة من الكبائر فلا تهجموا على العصاة بنفي المحبة ولكن ارفقوا بهم وعلموهم أن عربون المحبة الاتباع.

ثانياً: الإكثار من ذكره صلى الله عليه وسلم والصلاة والسلام عليه:

من طبيعة الإنسان أنه إذا أحب إنساناً أكثر من ذكره وذكر محاسنه، فإذا ادعينا محبة النبي صلى الله عليه وسلم فعلينا أن نُطيب مجالسنا ونُعطرها في كل وقتٍ وحينٍ بذكره وذكر مآثره صلى الله عليه وسلم والحديث عن سيرته وأحواله وشمائله، فإن ذكره يهيج المحبة ويبعثها، وكثرة الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تقرب منها وتدني إليها، وهي كذلك استجابة لأمر الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [الأحزاب:56].

ووردت في الصلاة والسلام على النبي الكريم أحاديث كثيرة منها ما رواه أُبَيٌّ رضي الله عنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتِي فَقَالَ: (مَا شِئْتَ) قَالَ: قُلْتُ الرُّبُعَ قَالَ: (مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) قُلْتُ: النِّصْفَ قَالَ: (مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ قَالَ: (مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ) قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا قَالَ: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) [سنن الترمذي حديث رقم (2381). وقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ].

قال المنذري: "إني أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك" وقال القاري: أي "بدل دعائي الذي أدعو به لنفسي"، ومن المعلوم أن من آداب الدعاء أن يقدم بالحمد والثناء على الله ثم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : قال الرّبيع: "أي أجعل ربع أوقات دعائي لنفسي مصروفاً للصلاة عليك".

فما زال يزيد حتى قال أبيّ رضي الله عنه: (أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كلها). أي: "أصرف بصلاتي عليك جميع الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي" وحينئذ أخبره الرسول الكريم بالجزاء والفضل الكبير من الله تعالى ليدل على عظم مكانته وفضل الإكثار من الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم : (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ) والمعنى: أُعطيت مرام الدنيا والآخرة [سبل الهدى والرشاد (12/426)].

ثالثاً: تمني رؤيته صلى الله عليه وسلم والشوق إليه:

من الطبيعي أن الإنسان إذا أحب أحداً لوصفه أو لخلاله أحب أن يراه، وإذا غاب عمن يحب فإنه يشتاق إليه ويتمنى لقاءه، فمثلاً الزوج الذي يحب زوجه وأبناءه، كيف يكون حاله؟ تراه إذا سافر وغاب عنهم حنَّ واشتاق إليهم، وتراه يتخيلهم ويتذكر أحوالهم، وتتراءى له صورهم، وترن في أذنيه أصواتهم، فتَتابع زفراته بل ربما تنهمر عبراته شوقاً إليهم، فإذا لقيهم هفا إليهم وتخلى عن وقاره معهم فعانقهم وضاحكهم، وهذه صورة من صور الشوق والمحبة في الدنيا، وأعظم منها درجة الشوق إلى رؤية النبي صلى الله عليه وسلم والأمل في الجلوس معه وسماع حديثه.

رابعاً: محبة الكتاب الذي أنزل عليه وبلَّغه لأمته:

اختص النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزته الخالدة إلى قيام الساعة وهي القرآن الكريم، كلام الله عز وجل وكتابه العظيم، كتاب الله الذي فيه الهدى والنور، والبهجة والسرور، به تحيا القلوب، وتسكن النفوس، وترشد العقول وتستقيم الجوارح. ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة القرآن كالحالِّ المرتحل؛ ما إن يختم القرآن حتى يبدأ ختمة جديدة، وكان خُلُقه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها، وكان يقوم بالقرآن صلى الله عليه وسلم تى تتفطر قدماه، وهو أحسن وأعذب من قرأ القرآن، فمن أحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبَّ القرآن وتعلق به لما ورد من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على قراءة القرآن والمداومة عليها.

خامساً: محبة آله وأزواجه صلى الله عليه وسلم :

حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من دين الإسلام كما دلت عليه آيات القرآن العظيم وأحاديث الرسول الكريم، وأهل السنة يحبونهم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما روى زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: (قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بـِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَلا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بـِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بـِهِ)، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: (وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي)، فَقَالَ لَهُ حصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟، أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟، قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هَؤُلاءِ حرِمَ الصَّدَقَةَ، قَالَ: نَعَمْ) [صحيح مسلم حديث رقم (2408)].

سادساً: محبة أصحابه صلى الله عليه وسلم والترضي عنهم:

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هاجروا وجاهدوا معه، وتعلموا منه، ونقلوا عنه، وكانوا معه في إقامته وسفره، وفي رخائه وشدته؛ فحبهم حب طبعي لأنهم أقرب إليه وأحب من غيرهم. قال أبو زرعه الرازي في كلامه على معتقد أهل السنة والجماعة في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول عندنا حق، والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح أولى بهم وهم زنادقة" [تهذيب الكمال (19/96)].

فمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم أحب أصحابه الكرام، ومن أبغض أحداً من أصحابه فهو متناقض في ادعاء محبته للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أبغض أزواجه أمهات المؤمنين أو واحدةً منهن فقد ناقض ادعاء محبته للنبي عليه الصلاة والسلام، وأعظم على الله وعلى رسوله الفرية.

 

الوسائل المعينة على محبة النبي صلى الله عليه وسلم

 محبة النبي صلى الله عليه وسلم أصل إيماني وواجب شرعي ينبغي للمسلم أن يسعى للتحقق والتمثل به، والعمل على الأخذ بأسبابه، والارتباط بالوسائل المعينة عليه، ومن هذه الوسائل:

أولاً: تعظيم الصلة بالله ومحبته:

كلما ازداد المؤمن صلةً بالله ذكَّره ذلك بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الصلة بالله تعالى وطاعته لا تكون إلا بالمتابعة والموافقة لما جاء به رسول الله، فالمؤمن إذا قرأ القرآن يقرأ كما قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا صلى عمل بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي) [صحيح ابن حبان حديث رقم (1658)] وإذا صام رمضان أو أخرج زكاة ماله أو حج فإنه في كل عمل سيتبع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا سيذكره دوماً بعظمة قدر النبي صلى الله عليه وسلم إذ الطريق الموصل إلى الله تعالى لا بد وأن يكون وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم وتلك علامة المحبة.

ثانياً: معرفة أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وحسن الصلة بسيرته:

إن قراءة السيرة النبوية والاطلاع على أحوال النبي صلى الله عليه وسلم يبرز عظمته، ويرسم صورة حية عن أخلاقه العظيمة مما يغرس بذور محبته في القلوب، اقرؤوا السيرة صباحاً ومساءً، علموها أبناءكم، كما قال بعض السلف: "كانوا يعلموننا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلموننا الآية من القرآن".

أين سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في بيوتنا؟ أين هي عند أبنائنا؟ أين أحواله عليه الصلاة والسلام في سائر تقلبات حياته وصلتها بواقعنا؟!.

إن بعض أجيالنا اليوم يعرفون عن سقطة الناس وسفلتهم ممن لا خلاق لهم أكثر مما يعرفون عن أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

كيف نعظم محبة النبي صلى الله عليه وسلم ونحن لا نذكر سيرته؟!

ينبغي أن تكون الصلة بالسيرة دائمة صلى الله عليه وسلم تى نرى هذه العظمة، ونستشعر تلك الرحمة، ونحس بتلك النعمة التي من الله بها علينا ببعثته ونبوته صلى الله عليه وسلم .

وكتب السيرة المؤلفة قديماً كثيرة، ومن أشهرها "سيرة ابن هشام" وهي مختصر "سيرة ابن إسحاق"، وقد عظمت العناية بها، وانتشرت طبعاتها، وهذبها الأستاذ عبدالسلام هارون في جزء مختصر لطيف. ومن أمتع وأنفع الكتب "زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم، وتميز بذكر الدروس والعبر من الأحداث، كما أضاف التشريع والحُكم المستنبط منها، ومن الكتب التي اختصت بالمغازي كتاب الواقدي "المغازي" وغيرها كثير.

ثالثاً: الإكثار من ذكر سيرة أصحابه صلى الله عليه وسلم :

مهما عظمنا الصحابة وذكرنا شيئاً من سيرتهم وأبرزنا وجوه تميزهم وتقدمهم فإنما ذلك يدلنا – لا محالة – على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى عظمته، إذ كلهم من رسول الله ملتمس، وكلهم من نوره مقتبس، وهو الذي حولهم – بأمر الله – من جاهلية جهلاء ليكونوا قادة عظماء، إنهم تلاميذ مدرسة النبوة: إنهم نماذج لرجال صنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه ورباهم وعلمهم.

رابعاً: إجلال المحبين للسنة والعاملين بها:

الذين خدموا سنة النبي صلى الله عليه وسلم فجمعوها وحرروها وذبوا عنها، وشرحوا معانيها، واستنبطوا أحكامها كل أولئك لهم فضل علينا، وهم الذين يسروا لنا معرفة السنة والاطلاع على السيرة، فذكرهم ومعرفة جهدهم، وإجلالهم ورفع قدرهم يذكرنا ويقربنا من محبة النبي صلى الله عليه وسلم ، فكل عاملٍ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ملتزمٍ بها نحبه لأنه يذكرنا برسول الله صلى الله عليه وسلم .

وللأسف فإننا نرى اليوم البعض يصف من يلتزم السنة في هيئته ولبسه بالتشدد، وهذا اختلال في المفاهيم والموازين في حياتنا. وينبغي لنا كلما رأينا من يتبع السنة أن نحبه ونرى فيه مثالاً يذكرنا بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته وفعله، فيكون ذلك عوناً لنا على محبة النبي صلى الله عليه وسلم .

خامساً: الذب عن السنة والدفاع عنها:

من علامات المحبة الغيرة على المحبوب، والحمية له والذود عنه وعدم الرضى بما يسوؤه، ومن أعظم ذلك الذب عن السنة النبوية بالرد على منكريها أو المستهزئين بها أو الذين يدسون فيها ما  ليس منها.

 

من مواقف الصحابة المحبين:

هذه وقفة لا بد منها مع بعض مواقف المحبين لرسول رب العالمين، وليس هناك أكثر ولا أصدق ولا أعظم محبةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من صحابته فقد سطروا بمواقفهم مع رسولهم وحبيبهم أروع صور المحبة وأصدق مشاعر الإجلال وأعظم آيات الفداء، وكل واحد من هذه المواقف حري بنا أن نعيده ونكرره ونحفظه لنرى كيف كانت محبة القوم رضوان الله عليهم لمحبوبهم العظيم صلى الله عليه وسلم فنتأسى بهم ونستفيد منهم.

1- أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألحَّ أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور، فقال: (يا أبا بكر إنا قليل). فلم يزل أبو بكر رضي الله عنه يلح حتى ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيباً، ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وثار المشركون على أبى بكر رضي الله عنه وعلى المسلمين y فضُربوا في نواحي المسجد ضرباً شديداً، ووطئ أبوبكر وضرب ضرباً شديداً، ودنا منه الفاسق عتبة ابن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبى بكر صلى الله عليه وسلم تى ما يُعرف وجهه من أنفه. وجاء بنو تيم يتعادون فأجلَتْ المشركين عن أبى بكررضي الله عنه، وحملَتْ بنو تيم أبا بكررضي الله عنه في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة. فرجعوا إلى أبى بكررضي الله عنه، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكررضي الله عنه حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئاً أو تسقيه إياه ؟ فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: والله مالي علم بصاحبك. فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه. فخرجت حتى جاءت أم جميل فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ؟ فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالت: نعم.

فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعاً دنفاً، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قوماً نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم. قال: فما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت: هذه أمك تسمع. قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو ؟ قالت: في دار ابن الأرقم. قال: فإن لله علي أن لا أذوق طعاماً ولا أشرب شراباً أو آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجل وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال فأكبَّ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، وأكبَّ عليه المسلمون، ورقَّ له رسول الله صلى الله عليه وسلم رقة شديدة. فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار. قال: فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الله فأسلمت) [السيرة النبوية لابن كثير (1/441)].

2- علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

سئل علي بن أبى طالب رضي الله عنه كيف كان صلى الله عليه وسلم بكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال رضي الله عنه: "كان والله أحبَّ إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ" [الشفا (2/22)].

3- المرأة الأنصارية رضي الله عنها:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان يوم أحد حاصَ أهل المدينة حيصة وقالوا: قُتل محمد. حتى كثرت الصَّوارخ في ناحية المدينة، فخرجت امرأة من الأنصار محرمة فاستُقبـِلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها لا أدري أيهم استقبلت به أولاً[استقبلت بأبيها وابنها وزوجها وأخيها: أي أخبرت بموتهم واستشهادهم]. فلما مرَّت على أحدهم، قالت: من هذا؟ قالوا: أبوك، أخوك، زوجك، ابنك، تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ يقولون: أمامك، حتى دفعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت بناحية ثوبه ثم قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لا أبالي إذ سَلمتَ من عَطب [مجمع الزوائد (6/115)، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه محمد بن شعيب ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات، من عطب: من الأذى].

4- الرجل الأنصاري رضي الله عنه:

روى أن رجلاً من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولولا إني آتيك فأراك لخشيت أني سأموت وبكى الأنصاري، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (ما أبكاك؟) فقال: ذكرت أنك ستموت ونموت فترفع مع النبيين ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يخبره النبي صلى الله عليه وسلم بشيء فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ، {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69]، فقال صلى الله عليه وسلم : (أبشر يا أبا فلان) [السيوطي، الدر المنثور (2/588-589). شعب الإيمان، (1380)].

 ثمار المحبة

 أكتفي هنا بذكر ثمرتين، الأولى في الدنيا والثانية في الآخرة.

أما ثمرة المحبة في الدنيا فهي عون على الطاعة والإكثار من العبادة وخفة ذلك على النفس، وإقبال الروح على مزيدٍ من الطاعات. والوصول إلى محبة الله تعالى، كما في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إن الله قال: من عادي لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته) [صحيح البخاري رقم (6137)].

وأما في الآخرة: فحسب المحبة أن تكون سبباً لنجاة صاحبها من النار، ولحاقه برسول الله صلى الله عليه وسلم ،  كما قال صلى الله عليه وسلم : (أنت مع من أحببت).

والله أسأل أن يعظم محبة رسوله في قلوبنا وأن يجعل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم عندنا من محبة أنفسنا وأهلنا وآبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وبناتنا، وأن يجعل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم طمأنينة قلوبنا وانشراح صدورنا، وأن يجعل محبته عوناً لنا على طاعة الله عز وجل وحسن الصلة به، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*مختصر من كتاب محبة النبي صلى الله عليه وسلم، د. علي بن عمر بن أحمد بادحدح

 

عنوان الكتاب
نوع الملف
الرابط
دورة هزال الروح عرض PowerPoint
هزال الروح.. الأسباب والعلاج - خليل إبراهيم نده الكبيسي كتاب
 
 

 

 

محبة النبي ,فقه العصر, الددو الشنقيطي

 

 

محبة الرسول صلى الله عليه وسلم وواجب نصرته

 

 

كلام وقصص عجيـبة عن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تسمعها من قبل!

 

 

محبة النبي صلى الله عليه وسلم - محمد العريفي

 

 

محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ الشيخ صالح المغامسي

 

 

محبة الرسول صلى الله عليه وسلم - الشيخ محمد راتب النابلسي