أهداف الدرس:

1. أن يتعرف على بعض آيات الصبر في القرآن الكريم.

2. أن يتعرف على بعض أحاديث الصبر في السنة المطهرة.

3. أن يطلع على بعض الكلمات النورانية وأقوال الصالحين المتعلقة بالصبر.

4. أن يعرف أنواع الصبر، وبعض الأمثلة عليها.

5. أن يقرأ بعض القصص عن الصبر والصابرين.

6. أن يكون قادرا على أخذ العظة والعبرة من القصص المذكورة في باب الصبر.

 

عناصر الدرس:

- الصبر في القرآن الكريم.

- الصبر في السنة المطهرة.

- كلمات نورانية عن الصبر.

- أنواع الصبر ، وأمثلة تطبيقية واقعية عليها.

- قصص عن الصابرين.

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...

فإن الداعية الذي ارتضى لنفسه طريق التضحية لن يستمر في هذا الطريق ما لم يتحلَّ بالصبر، وأية فئة اختارت طريق الابتلاء فلن تدوم رابطتها، ولن تتماسك بنيتها ما لم تتواصَ بالحق وتتواصَ بالصبر.

الصبر في كتاب الله  تعالى :

* الصبر وصية الله للمؤمنين وعلامة الحق والفلاح:

المؤمنون جميعًا مخاطبون بقول ربهم -  عز وجل -: {وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر {(العصر:3) وبقوله تعالى  :{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(آل عمران:200).

* الصبر طريق للإمامة في الدين :

قال تعالى: {وجَعَلْناهمْ أئِمَةً يَهْدُونَ بأمْرِنا لما صبروا){السجدة:24)، فجعل الله عزّ وجلّ الصابرين أئمة المتقين وتمّم كلمته الحسنى عليهم في الدين، قال تعالى:{(وتَمَّتْ كلمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى على بني إسْرائيل بِما صَبَرُوا} (الأعراف:137).

* مضاعفة الأجر للصابرين:

قال الله تعالى وهو أصدق القائلين: {أُولئكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمّ مرَّتَيْنِ بِما صبَرُوا} (القصص:54)، وقال عزّ وجلّ: {إِنَّما يُوفَّى الصَّابِرون أجْرَهُمّ بِغيْرِ حِسابٍ} (الزمر:10)، فضاعف أجر الصابرين على كلّ عمل ثم رفع جزاء الصبر فوق كلّ جزاء فجعله بلا نهاية ولا حدّ فدلّ ذلك أنه أفضل المقامات..

* معية الله مع الصابرين :

أخبر الله تعالى أنه مع الصابرين، ومن كان الله تعالى معه غلب، كما أن من كان معه علا، فقال تعالى: {واصْبِرُوا إنَّ الله مع الصَّابِرينَ}  (الأنفال:46)كما قال الله عزّ وجلّ: (وأنْتُمُ الأعلوْنَ والله معكُمْ) (محمد:35).

* الصبر شرط لإمداد الله بجنده ونصرة وتأييده:

قال تعالى: {بلى إنّ تصْبِرُوا وتتَّقوا ويأْتُونكُمْ منْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسةِ آلافِ من الملائكةِ مُسَوِّمينَ} (آل عمران: 125).

* الصبر طريق اليقين وقرينه:

قال الله تعالى :{وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24)

* الصبر يقود المؤمن إلى الشكر :

وقد ربطه الله تعالى بالشكر في أربع سور {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍشَكُورٍ}[1].

جمع الله الصبر مع التوكل :

المؤمن الصابر يحيى ويعيش على التوكل قال تعالى {الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(النحل:42).

* قرن الله الصبر بالصلاة:

الصبر والصلاة عبادتان لا تفترقان، قال تعالى:  {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ}(البقرة:153).

* الصبر يعين على استدامة الذكر :

قال تعالى :{وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ} (الطور:48).

* الصبر أول مقامات الجهاد:

وقد جمع الله الصبر مع الجهاد {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} (النحل:110).

* الصبر والتقوى  جناحا المؤمن:

قال الله تعالى{وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}(آل عمران:186).

* الصابرون الراحمون :

المؤمن الصابر رحيم القلب عطوف على المؤمنين، قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}(البلد:17)

* محبَّة الله للصابرين :

إنهم صبروا على طاعته وتصبروا عن معصيته فنالوا محبة الله عز وجل، قال تعالى: {وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}(آل عمران:146).

* صلوات الله ورحمته على الصابرين

{ ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}(البقرة:155-157)

* ضمان النصر والمدد للصابرين:

قال الله تعالى {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ الله إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ الله الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} (آل عمران: 125-126)

* الصبر سبب في الحفظ من كيد الأعداء:

قال الله تعالى: {إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا}(آل عمران:120) .

* الصبر طريق لاستحقاق دخول الجنة :

 قال الله تعالى: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا}(الفرقان:75) .

* أهل الباطل يصبرون على باطلهم، وأهل الحق أولى.

من سنن الله أن الحياة صراع بين الحق والباطل، ويفوز في هذا الصراع الأطول نفسًا والأكثر احتمالًا:{وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ.}(الفرقان:20).ويتواصى أهل الباطل بالصبر على باطلهم: {وَانطَلَقَ المَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ ...}(ص:6) ..... {إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ...}(الفرقان:42).أفلا يقول أهل الحق للمبطلين: {..وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا ...}(إبراهيم:21).

 

الصبر في مشكاة النبوة :

·    الصبر يغلب الطباع

قال - صلى الله عليه وسلم -: «ومن يستعفِفْ يعفَّه الله، ومن يستغنِ يُغنِه الله، ومن يتصبر يصبِّره الله ..» ، [البخاري: 1469، مسلم: 2471]، فكثير من الناس يتعللون بأن طباعهم تغلبهم، وأنه ليس لديهم القدرة على التحمل والصبر، ولو جاهد أحدهم نفسه لكظم الغيظ، وعف عن الحرام، ووسع صدره، وقنع بما آتاه الله إياه، وتجلد على ما ابتلاه الله به؛ حتى يكتسب هذا الخلق.

قال ابنُ حجر رحمه الله تعالى: (.. يصبره الله: أي فإنه يقويه ويمكنه من نفسه حتى تنقاد له، ويذعن لتحمل الشدة، فعند ذلك يكون الله معه فيظفره بمطلوبه) .

 

·    الصبر المحمود ما كان بغير تسخط ولا جزع، وجزاؤه عظيم:

يقول - صلى الله عليه وسلم -: «ليس من أحد يقع الطاعون؛ فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له، إلا كان له مثل أجر شهيد» [البخاري: 3474] .

يقول ابن حجر: (صابرًا؛ أي: غير منزعج ولا قلق، بل مسلمًا لأمر الله راضيًا بقضائه) .

·    الصبر الجميل :

حين أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالصبر في بداية الدعوة أمر بالصبر الجميل {فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا}(المعارج:5) ،يقول القرطبي: (والصبر الجميل: هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله).

·    جزاء الصابر المجاهد المحتسب:

 إن  الصبر المحتسب فيه الأجر ما كان فيه تمامُ التوكل على الله وكمال اليقين به، هذا اليقين الذي يجعل المجاهد مقبلًا غير مدبر، (قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن قتلتُ في سبيل الله يكفر عني خطاياي؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نعم. إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر ..» [ مسلم: 4988].

·    الصبر عند المصيبة :

إن المتجمل باليقين في ساعة المصيبة؛ بحيث لا يفقد صوابه ولا يهذي بلسانه له جزاؤه عند ربه،. ففي الحديث القدسي: «ابن آدم، إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى لم أرضَ لك ثوابًا دون الجنة[ابن ماجه:1597، إسناد ه صحيح ،ورجاله ثقات].

 قال الخطابي: (المعنى أن الصبر الذي يُحمَد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة، بخلاف ما بعد ذلك فإنه على الأيام يسلو).

·    الصبر أعظم العطاء :

قال - صلى الله عليه وسلم -: «.. وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر»[البخاري: 1469، مسلم: 2471]،  وقد وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبر بقوله: «والصبر ضياء»[مسلم: 556 ] .

يقول النووي رحمه الله تعالى: (والمراد أن الصبر محمود، ولا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًّا على الصواب).

 إن الذين عاشوا حياة الصبر ذاقوا لذتها وقطفوا ثمرتها، وتركت تلك المواقف الصابرة أثرها في حياتهم، قال عمر - رضي الله عنه -: (وجدنا خير عيشنا بالصبر) .

·    ما أجمل حياة الصابرين :

وقد تعجب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الخيرية التي تعم حياة الصابرين ، فقال صلى الله عليه وسلم:"عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له»[ مسلم:7692]. و قد قال تعالى من قبل: {... وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ} (النحل:126).

 

·    الصبر طريق العزة والتمكين:

قد يظن الناس أن الصبر ذلة لصاحبه مع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يؤكد أنه «.. ولا ظلم عبد مظلمة صبر عليها إلا زاده الله - عز وجل - عزًّا» [ الترمذي: 2325  ، وقال: حسن صحيح].

والثابت على الصبر الدائب في العمل يبشره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما بشر به ابن عباس: «واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا» [المسند للإمام أحمد: ، والحديث صحيح2804].

·    كلمات نورانية لأئمة الصابرين

v            قال عمر بن الخطاب: «وجدنا خير عيشنا بالصبر».

v            قال علي رضي الله عنه: «الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد».

v            عن علقمة قال: قال عبد الله: «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله».

v            قال الطبري: (الصبر: منع النفس محابها، وكفها عن هواها) .

v            وقال إبراهيم الخواص: (الصبر: هو الثبات على الكتاب والسنة).

v            ووصفه ابن الجوزي بأنه: (حبس النفس عن فعل ما تحبه، وإلزامها بفعل ما تكره في العاجل، مما لو فعله أو تركه لتأذى به في الآجل) .

v            قال ابن عطاء: (الصبر: الوقوف مع البلاء بحسن الأدب).

v            وقال أبو علي الدقاق: (حقيقة الصبر ألا يعترض على المقدور ..).

v            وقال الجنيد، وقد سئل عن الصبر، فقال: هو تجرع المرارة من غير تعبس.

v            وقال الحسن: الصبر كنز من كنوز الخير، لا يعطيه الله إلا لعبد كريم عنده.

v            وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة، فانتزعها منه، فعاضها مكانها الصبر، إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه منه.

v            وقال بعض العارفين في رقعة، يخرجها كل وقت، فينظر فيها، وفيها مكتوب {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا}[الطور:48] .

v            وقال همام عن قتادة في قول الله تعالى: {وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} (يوسف:84)، قال: كظيم على الحزن، فلم يقل إلا خيراً.

 

 

 

 

·    أنواع الصابرين:

النوع الأول من الصبر: الصبر على المصائب.

المسلم بين نعمتين، إن أصابه خير فشكر كان له أجر، وإن مسه ضر فصبر كان له أجر، فلا يعدل أجر الغني الشاكر، أو يزيد عليه، الا أجر الفقير الصابر.

{ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}(النحل:96).

وهذه الحياة الدنيا، ليست دار نعيم، وليست تخلو من المكدرات، من انحراف الصحة، أو ضياع المال، أو فقد الحبيب، أو غدر الصديق، أو ذهاب الأمن، هذه طبيعتها التي لا تتغير ...

جبلت على كدر وأنت تريدها ... صفوا من الاقذار والأكدار

ومكلف الأيام ضد طباعها ...     متطلب في الماء جذوة نار

قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ... }(البقرة:155).

 بشر الصابرين ؛ لأنهم مع الأيام ينسون المصاب، ويجدون الثواب، وغيرهم يحمل الألم، ولا ينال شيئاً، مصاعب ومصائب لا بد منها، فإما أن تداويها بالصبر فتنال الاجر، وإما أن تثور عليها، فتزيد ثورتك من عذابك، ولا تدفع عنك ما بك.

·    النوع الثاني: الصبر عن المعاصي.

 إن صبر الشاب الذي يرى العورات البادية وخصوصا في عصر الثورة التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي الالكتروني الذي نعيشه في دنيا الناس اليوم، ونفسه تميل إليها، وداعي الشهوة ووسوسة الشيطان يهمزانه ويؤججانه، فيغض بصره عنها خوفا من الله عز وجل ، ويعرف سبيل اللذات المحرمة، فيمنع نفسه عن سلوكها على رغبته فيها، وإن صبر الموظف الذي تعرض عليه الرشوة، تعدل راتبه عن ستة أشهر، فيكف يده عنها، على حاجته إليها، وكذا صبر التلميذ في الامتحان اذ يتمكن من سرقة الجواب من الكتاب، فلا يقدم عليها، وان كان نجاحه منوطا بها، ابتغاء للرضا والثواب وخوفا من الجليل العظيم سبحانه، كل ذلك له حلاوة في القلب ونور في الوجه وسعة في الرزق وتعويض وذخر من رب عليم رحمن  .

فالمعاصي لذيذة للنفس، فان امتنع عنها، مع تمكنه منها، كان مع الصابرين ومنهم.

 

·    النوع الثالث: الصبر على الطاعات.

 كصبر على القيام لصلاة الفجر، وترك لذة المنام ودفء الفراش، في الغداة الباردة. وعلى احتمال الجوع والعطش في شهر الصيام، في الصيف الملتهب. وعلى إكراه النفس المحبة للمال، على إخراج الزكاة، وبذل الصدقة.

بل وصبر على التمسك بالدين في هذا الزمان الفاسد، الذي عاد فيه الدين غريبا كما بدأ غريبا، وصار القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، وصار المتدين فيه معرضا لسخرية الناس، وإيذاء الحكام، ونقص المرتب، والإخراج من الديار، فمن احتمل ذلك لله وحده قاصدا ثوابه، كان من {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (النحل:42) ... أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا (القصص:54)... وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيم (فصلت:35)... }.

·    الصبر من ركائز الدعوة :

الإنسان مكون من جسد، وعقل، وعاطفة، ويرتبط بأي أمر يعايشه، سواء كان أمرا ماديا أو معنويا، فالإنسان يحب المكان الذي تربى فيه، ويحنّ إليه، ويتمنى رؤية أصدقاء الشباب والصبا، وإذا عشق فكرة، تفانى في خدمتها وتنميتها؛ ولذلك كان تغيير الإنسان أمرا شاقا؛ لأن التغيير يبعده عن أمور التصق بها.

فإذا ما كان التغيير إلى دين جديد أو ترك سلوك سلبي مرذول نشأ عليه وترعرع عليه أو ...، كان أشق وأصعب؛ لأنه يغير العواطف، ويربطها بكل ما أحله الدين، ويبعدها عن كل ما نهى الله عنه، ويغير العقول، وينقلها من مجال الوهم, والضلال، وخرافة القيم المادية، إلى هدى الله، وإنسانية الدين، وقيم الخلق والحق، ويغير أعمال الجسد بالتكاليف العملية، التي توجه الجسد في كل حركاته وسكونه ... إنه تغيير يشمل الإنسان كله؛ ولذلك فهو يحتاج إلى محاولات عديدة، ومدة مديدة، وطاقة شديدة.

إن القائم بدعوة الناس إلى الله، وهو يباشر عملية التغيير، عليه أن يكون صبورا على الناس، يتحمل صدهم، ويناقش آراءهم، ويقدم لهم دعوته بكل وسيلة ممكنة، وبمختلف الأساليب لإقناع الناس، وإدخالهم في دين الله تعالى ودعوته وهداه جل وعلا.

إن إبليس وجنوده يَحُولون بين الدعاة وبين الناس؛ ليبقى الناس في ضلالهم وكفرهم، وينصرف الدعاة عن تحقيق غاياتهم.

-وقد رأينا نوحا -عليه السلام- يستمر في دعوته ألف سنة إلا خمسين عاما، ولم يفر من ملاقاة الناس إلا بعدما أمره الله تعالى، وإبراهيم -عليه السلام- هاجر بأمر ربه بعد أن نجاه الله من النار.

·    مجتمع الصابرين

المجتمع المسلم هو الذي يعم فيه التناصح بالصبر والتواصي به، فحين مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بامرأة وهي تبكي عند قبر قال لها: «اتقي الله واصبري» [البخاري: 1252، مسلم: 2179]، وحين أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أن ابنها قُبِض أرسل إليها بقوله: «إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب ...»[البخاري: 1284،مسلم:2174].

ولا يزول الخسران عن المجتمع البشري ما لم يكن من صفاتهم: {... وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}(العصر:3){... وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} [البلد: 17].

 

·    عطاء الله أوسع للصابرين

إن طعم الصبر مرٌّ فلابد أن يتعهد الإنسان نفسه ويتزود بالصبر الجميل، ومما يعين المسلم على التصبر استحضار ما أعد الله للصابرين؛ من تكفير السيئات ورفع الدرجات وتكثير الحسنات؛ ففي قصة المرأة التي كانت تصرع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيَّرها: «إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوت الله أن يعافيك .. فقالت: أصبر ..» [ البخاري: 5652، مسلم: 6736 ].

وجاء ثلاثة نفر إلى عبد الله بن عمرو بن العاص يشكون إليه حاجتهم للنفقة والدابة والمتاع فخيَّرهم: (إن شئتم رجعتم إلينا فأعطيناكم ما يسر الله لكم، وإن شئتم ذكرنا أمركم للسلطان، وإن شئتم صبرتم فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- يقول: «فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا» قالوا: (فإنا نصبر لا نسأل شيئًا) [مسلم: 7654 ].

·    الصبر سبب في إزاحة الذنوب:

حين يعلم الصابر ما يُزِيحه الصبر عن كاهله من الذنب؛ يكون أكثر طمعًا في رحمة الله تعالى، وأكثر رضًا بقدر الله جل وعز، فبعض الناس ليس لهم أعمال صالحة يداومون عليها ترفع درجاتهم، يصلون إلى المراتب العليا بالصبر: «إن الرجل ليكون له المنزلة عند الله فما يبلغها بعمل، فلا يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها»[الحاكم في المستدرك:1274، وقال: صحيح الإسناد]، وهؤلاء يغبطهم أهل نعيم الدنيا على ما هم فيه «ليودُّن أهل العافية يوم القيامة أن جلودهم قُرِضت بالمقاريض مما يرون من ثواب أهل البلاء» [الترمذي: 2402].

·    الصبر في طلب العلم.

لقد ضرب لنا القرآن مثلًا عمليًّا في الصبر على طلب العلم؛ حيث اشترط العبد الصالحُ على موسى عليه السلام الصبرَ من البداية، وظن موسى أنه يستطيع أن يصبر: {قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ  صابرا...}(الكهف:69) وفي كل مرة يُذكِّره العبد الصالح {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا}(الكهف:72) ، حتى فارقه بعد ثلاث مرات من تذكيره إياه، وقد جاء في الحديث: «.. ولو صبر لرأى العجب» [ مسلم: 6315]، فالعلم لا يفتح كنوزه إلا للصابرين المثابرين.

·    الصبر في تربية الأبناء.

إن الصبر ضروري في تربية الأولاد، وخاصة إن كن بنات، وبالصبر على التربية ينفتح للمربي باب من الأجر أو يكتب له ستر من النار كما في الحديث: «مَن كان له ثلاث بنات فصبر عليهن وأطعمهن وسقاهن وكساهن من جِدَتِه كن له حجابًا من النار يوم القيامة»[ابن ماجه: 3669 ]، وقال تعالى: {وَامُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى}(طه: 132) .

 

·    لا يستمر جهاد بلا صبر.

والمجاهد الذي يسعى لاستئناف الحياة الإسلامية وإقامة المجتمع الإسلامي لا بدَّ له من الصبر على طول الطريق، وضعف الإخوة، وعناء المجاهدة، وعنت البلاء، بالإضافة إلى صبره على مدافعة الظلم والظالمين، وعندئذٍ يتذوق معاني الإيمان «أفضل الإيمان الصبر والسماحة» [مسند الإمام أحمد: 19454] ، وكم يهون عليك الصبر حين تتفكر في جرأة العباد على ربهم، ثم في كرم الله معهم: «ما أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى: إنهم يجعلون له ندًّا، ويجعلون له ولدًا، وهو مع ذلك يرزقهم ويعافيهم ويعطيهم»[ مسلم: 7260]، كما يهون علينا الصبر حين نتذكر أن أعداءنا يألَمون كما نألَم، يقول سيد قطب - رحمه الله -:(وإذا كان الباطل يصر ويصبر ويمضي في الطريق، فما أجدر الحق أن يكون أشد إصرارًا)، صدق، والله العظيم.

·    الصبر على طول الطريق وعناء المجاهدة.

والصبر هو زاد الطريق في هذه الدعوة؛ الصبر على شهوات النفس ورغائبها، وأطماعها ومطامحها، وضعفها ونقصها، وعجلتها وملالها من قريب، والصبر على شهوات الناس ونقصهم وضعفهم وجهلهم وسوء تصوُّرهم، وانحراف طباعهم، وأثرتهم، وغرورهم، والتوائهم، واستعجالهم للثمار! والصبر على تنفج الباطل وانتفاخه، ووقاحة الطغيان، وانتفاش الشر، وغلبة الشهوة، وتصعير الغرور والخيلاء! والصبر على قلة الناصر، وضعف المعين، وطول الطريق، ووسواس الشيطان في ساعات الكرب والضيق! والصبر على مرارة الجهاد لهذا كله، وما تثيره في النفس من انفعالات متنوعة من الألم والغيظ، والحنق والضيق، وضعف الثقة أحيانًا في الخير، وقلة الرجاء أحيانًا في الفطرة البشرية؛ والملل والسأم واليأس أحيانًا والقنوط! والصبر بعد ذلك كله على ضبط النفس في ساعة القدرة والانتصار والغلبة، واستقبال الرخاء في تواضع وشكر، وبدون خيلاء وبدون اندفاع إلى الانتقام، وتجاوز القصاص الحق إلى الاعتداء.

أيها الدعاة...كل ما مضى يستوعبه الصبر ويتجاوزه إلى الرضا والعطاء الإلهي الجزيل العميم.

·    الصبر على أخطاء الناس.

إن المؤمن إلف مألوف فلا بد أن يتزود بالصبر على أخطاء الناس؛ ليتمكن من مخالطتهم، ومن إصلاح أحوالهم، وفي ذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم»[ابن ماجه: 4032] ، ومن الثلاثة الذين يحبهم الله «الرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه؛ حتى يفرق بينهما موت أو ظعن ...»[مسند أحمد: 21378]، وقد قال الفاروق  عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لا تظنَّ بكلمة خرجت من فيِّ مسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملا.

·    الصبر على رفقاء الطريق:

إن من أكرم أنواع الصبر أن يصبر المرء على إخوان الطريق ومن عقد معهم عقد الحب في الله، ولبس معهم ثوب الأخوة في ذات الله، وجلس مجالسهم وأكل طعامهم، وكانوا له نورا على الطريق ومنارة هدى فكان حقاً لهم أن يصبر عليهم، يتجاوز عن تقصيرهم، ويلتمس العذر لهم:

* فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - في قول الله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت:34-35)

قال: الرجل يشتمه أخوه، فيقول: إن كنتَ صادقا فغفر الله لي، وإن كنتَ كاذبا فغفر الله لك.

* وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: معاتبة الأخ خير لك من فقده، ومن لك بأخيك كله، أعط أخاك ولِن له، ولا تطع فيه حاسدًا فتكون مثله، غدًا يأتيك الموت فيكفيك فقده، وكيف تبكيه بعد الموت وفي حياته ما قد كنت تركت وصله؟.

* وعن أبي قلابة رحمه الله قال: إذا بلغك عن أخيك شيْء تكرهه، فالتمس له العذْر جُهدَك، فإن لم تجد له عذرًا، فقل في نفسك: لعل لأخي عذرًا لا أعلمه..

* وعن عطاء الخراساني رحمه الله قال: تعاهدوا إخوانكم بعد ثلاث، فإن كانوا مرضى فعودوهم، وإن كانوا مشاغيل فأعينوهم، وإن كانوا نسوا فذكروهم، وكان يقال: امش ميلًا وعد مريضا، وامش ميلين وأصلح بين اثنين، وامش ثلاثًا وزر أخًا في الله.

* وعن يونس بن عبد الأعلى قال: قال لي الشافعي رحمه الله: يا يونس إذا بلغك عن صديق لك ما تكرهه، فإياك أن تبادره بالعداوة وقطع الولاية، فتكون ممن أزال يقينه بشك، يا يونس إذا كان لك صديق فشد يديك به، فإن اتخاذ الصديق صعب ومفارقته سهل.

* وقال بعضهم:

أُغَمِّضُ للصديق عن المساوي ... مخافةَ أن أعيشَ بلا صديقِ

* وقال بعضهم:

ومن لا يُغَمِّضْ عينَه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يَمُتْ وهو عاتبُ

ومَن يَتَتَبَّعْ جاهِدًا كلَّ عثرةٍ        ...يَجِدْها ولا يَسلَمْ له الدهرَ صَاحِبُ

* وقال بعضهم:

إذا ما صديقي رابَني سُوءُ فِعلِهِ ... ولم يَكُ عمّا ساءني بمُفِيقِ

صبرت على أشياء منه تريبني ... مخافة أن أبقى بغير صديق

* وقيل لخالد بن صفوان رحمه الله: أيّ إخوانك أحبُّ إليك؟ قال: الذي يَغفِرُ زَلَلي، ويَقبَلُ عِلَلي، ويَسُدُّ خللي.

* وقال بعضهم:

إذا أنتَ لم تَشرَبْ مرارا على القذى ... ظَمِئْتَ وأيّ الناسِ تَصفُو مَشَاربُهْ

* ويُروى عن رجاء بن حيوة رحمه الله، قال: مَن لَم يُؤاخ إلاَّ من لا عيب فيه قلَّ صديقُه، ومَن لم يَرْضَ مِن صديقه إلاَّ بالإخلاص له دام سُخْطُهُ، ومن عاتب إخوانه على كُلِّ ذنب كثُرَ عدوُّه.

* وقال بعضهم:

وعينُ الرّضا عن كلّ عيبٍ كليلةٌ ... ولكنّ عين السُّخطِ تُبدِي المساوِيَا

 

مواقف إيمانية في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء:

إن مما يعين المرء على الصبر والثبات تذكُّر سير الصالحين والتأسِّي بهم، فحين ذُكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن رجلًا قدح في قسمته صلى الله عليه وسلم ولم يرض بها، قال: «يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» [ البخاري: 3405، مسلم: 2494] ، وقد وجَّهه القرآن إلى هذا المعنى {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}(الأحقاف:35) ، و مما يهون على النفس استقبال البلاء وتلقِّي المحن، حين تعلم أن البلاء والصبر على قدر صلابة الدين وقوته، سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الناس أشد بلاءً؟ فقال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى العبد على حسب دينه؛ فإن كان في دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتُلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» [الترمذي: 2398 ].

وفي حديث آخر: «لقد كان أحدهم يُبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها فيلبسها، ويبتلى بالقمل حتى يقتله. ولأحدهم كان أشد فرحًا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» [البخاري في الأدب المفرد: 510  ]، وسنذكر في هذا الموضوع بعضا من النماذج العالية الرفيعة من صبر الصابرين ، رحمات الله عليهم أجمعين.

 

· موقف أم سليم الأنصارية في الصبر والرضا

عن أنس رضي الله عنه قال: (اشتكى ابن لأبي طلحة فمات وأبوه أبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً -قيل: غسلته وكفنته، وقيل: تزينت له- وجعلت ابنها في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح).

فقال أبو طلحة: (كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح).

قال: (فباتا، فلما أصبح اغتسل -إشارة إلى أنه أصاب منها- فلما أراد أن يخرج أعلمته)، وفي بعض الروايات: أنها قالت له: (لو أن أحداً وضع عندك وديعة ثم أراد أن يستردها، أكان يحزنك ذلك؟ فقال: لا، فأخبرته بعد ذلك).

قال: (فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم أخبره بما كان منها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما، فقال رجل من الأنصار: فولد له ولد فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد حفظوا القرآن) [أخرج بعضه البخاري: 1301] .فرزقت ولداً وسمي عبد الله، وحنكه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا له، وكان من ذرية هذا الولد هؤلاء القراء التسعة.

موقف عروة بن الزبير في الصبر والرضا

وهذا فارس آخر من فرسان الصبر وهو عروة بن الزبير: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: وقعت الأكلة في رجله فقيل له: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: إن شئتم، والأكلة-مرض يصيب الأطراف وينتقل-

فجاء الطبيب فقال: أسقيك شراباً يزول به عقلك..

فقال: امض لشأنك، ما ظننت أن خلقاً يشرب شراباً يزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه! قال: فوضع المنشار على ركبته اليسرى ونحن حوله فما سمعنا له حساً، فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت، وما ترك حزبه من القراءة تلك الليلة.

وقال عامر بن صالح عن هشام بن عروة: إن أباه خرج إلى الوليد بن عبد الملك، حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئاً، فظهرت به قرحة، ثم زاد به الوجع، فلما قدم على الوليد قال: يا أبا عبد الله! اقطعها، قال: دونك، فدعا له الطبيب، وقال له: اشرب المرقد، فلم يفعل، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على قوله: حسي حسي، فقال الوليد: ما رأيت شيخاً أصبر من هذا.

وأصيب عروة رحمه الله في هذا السفر بابنه محمد؛ ركضته بغلة في إصطبل، فلم نسمع منه كلمة في ذلك، فلما كان بوادي القرى قال: {لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا} ، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت منهم واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة، فإن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت.

وقد ورد أنه نظر إلى ساقه التي قطعت فقال: الله يعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط وأنا أعلم.

· موقف سعد بن أبي وقاص في الصبر والرضا

ومن تلك المواقف أيضاً موقف سعد بن أبي وقاص: لما قدم سعد بن أبي وقاص مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة.

قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت إليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم! أنت تدعو للناس، فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك، فتبسم وقال: يا بني! قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.

· موقف رجل أنصاري في الصبر والرضا

عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فغشينا داراً من دور المشركين، فأصبنا امرأة رجل منهم، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعاً وجاء صاحبها -وكان غائباً- فذكر له مصابه، ثم حلف لا يرجع حتى يهريق في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دماً، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق نزل في شعب من الشعاب وقال: من رجلان يكلآننا في ليلتنا هذه من عدونا؟ قال: فقال رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار: نحن نكلؤك يا رسول الله! قال: فخرجا إلى فم الشعب دون العسكر، ثم قال الأنصاري للمهاجري: أتكفيني أول الليل وأكفيك آخره، أو تكفيني آخره وأكفيك أوله؟ قال: فقال له المهاجر: بل اكفني أوله، وأكفيك آخره، فنام المهاجري وقام الأنصاري يصلي، فافتتح سورة من القرآن فبينما هو فيها يقرؤها جاء زوج المرأة، فلما رأى الرجل قائماً عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، قال: فنزعه، ثم وضعه وهو قائم يقرأ في السورة التي هو فيها -يعني: سحب السهم ورماه واستمر في الصلاة ولم يتحرك كراهية أن يقطعها- قال: ثم عاد له زوج المرأة فرماه بسهم آخر، فوضعه فيه، قال: فانتزعه وهو قائم يصلي في السورة التي هو فيها، ولم يتحرك؛ كراهية أن يقطعها، ثم عاد له زوج المرأة المرة الثالثة فرماه بسهم فوضعه فيه، قال: فانتزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم قال لصاحبه: اقعد فقد أتيت، قال: فجلس المهاجري، فلما رآهما صاحب المرأة هرب وعرف أنه قد نذر به.

قال: وإذا الأنصاري يفوح دماً من رميات صاحب المرأة، قال: فقال له أخوه المهاجري: يغفر الله لك، ألا كنت آذنتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة من القرآن قد افتتحتها أصلي بها، فكرهت أن أقطعها، وايم الله! لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها [ بعضه عند أبي داود: 198، وهو في مسند الإمام أحمد: 14745] .

 

موقف عمر بن عبد العزيز في الصبر والرضا

ما أحب أن شيئاً من ذلك كان لم يكن

عن الربيع بن سبرة قال: لما هلك عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز وكان صنو أبيه، يعني: كان شبيهاً بأبيه في الزهد، بل كان بعض الناس يقول: إنه أفضل من أبيه، ثم هلك أخوه سهل بن عبد العزيز ومولاه مزاحم. وسهل بن عبد العزيز هو أخو عمر بن عبد العزيز، هلكوا في أيام متتابعة، فدخل الربيع بن سبرة عليه فقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله! ما رأيت مثل ابنك ابناً، ولا مثل أخيك أخاً، ولا مثل مولاك مولى قط.

قال: فطأطأ عمر رأسه، فقال لي رجل معي على الوسادة: لقد هيجت على أمير المؤمنين.

قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت الآن يا ربيع؟! فأعدت عليه ما قلت أولاً، فقال: والذي قضى عليهم بالموت ما أحب أن شيئاً من ذلك كان لم يكن.

وأعاد الحديث وزاد فيه: ما أحب أن شيئاً من ذلك كان لم يكن؛ لما أرجو من الله تعالى فيهم.

موقف أم عقيل الأعرابية في الصبر والرضا

 اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني

قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي في البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضلوا عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم.

فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسح، فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها فقال: يا أم عقيل! أعظم الله أجرك في عقيل، قالت: ويحك! مات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم، يعني: حقهم وحق الضيافة، ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: يا هؤلاء! هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئاً؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها، قلت: يقول الله عز وجل في كتابه: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:155-157).

قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟! قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلاً، تقول ذلك ثلاثاً، اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني.

· موقف رجل صالح مع ملك ظالم في الصبر والرضا.

ولكني خفت أن يفتتن الناس بي

قال وهب بن منبه رحمه الله: أتي برجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يجبر الناس على أكل لحوم الخنازير، فلما أتي به أعظم الناس مكانه وهالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك: ائتني بجدي تذكيه، يعني: تذبحه مما يحل لك أكله، فأعطنيه؛ فإن دعا بلحم الخنزير أتيتك به فكله، فذبح جدياً فأعطاه إياه، ثم أتي به إلى الملك، فدعي بلحم الخنزير، فأتاه صاحب الشرطة بلحم الجدي الذي كان أعطاه إياه، فأمره الملك بأكله، فأبى، فجعل صاحب الشرطة يغمز له ويأمره أن يأكله، ويريه أنه هو اللحم الذي دفعه إليه، فأبى أن يأكله، فأمر الملك صاحب الشرطة أن يقتله، فلما ذهب به قال: ما منعك أن تأكل وهو اللحم الذي دفعت إلي؟ أظننت أني أتيتك بغيره؟ قال: لا، قد علمت أنه هو، ولكني خفت أن يفتتن الناس بي، فإذا أريد أحدهم على أكل لحم الخنزير قال: قد أكله فلان، فيستنوا بي، فأكون فتنة لهم، فقتل رحمة الله عليه!.

· قصة أبي قلابة في الصبر على البلاء

ما ازددت لربي إلا شكراً

هذا قصة رواها الإمام ابن حبان في كتاب الثقات عن الإمام أبي قلابة الجرمي.

عن عبد الله بن محمد قال: كنت مرابطاً بعريش مصر فمررت على خيمة فإذا أنا برجل ذهبت يداه ورجلاه، وبصره، وثقل سمعه، فسمعته يقول: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل:19]، فقلت: سبحان الله! ما هذا الذي يقوله الرجل، أعلمٌ علمه؟ والله لآتين هذا الرجل، فأتيته فقلت: يا عبد الله! سمعتك تقول كذا وكذا، أي شيء تحمد الله عليه، قال: يا عبد الله! لو أرسل الله الجبال فدمرتني، وأرسل إلي البحر فأغرقني ما ازددت لربي إلا شكراً على هذا اللسان الذاكر، وهذا القلب الشاكر.

ثم قال: إن لي ولداً كان يوضئني، وكان يطعمني ويقوم على أمري وقد افتقدته منذُ ثلاثة أيام فابحث لي عنه، فقلت: والله ما سعى إنسان في حاجة آخر أفضل منك، قال: وذهبت أبحث عن الولد، فما مضيت غير بعيد إلا ووجدت عظامه بين كثبان من الرمل قد افترسه سبع، قال: فركبني الغم، وقلت: ماذا أقول للرجل، وهو في هذا البلاء العظيم؟ قال: فجعلت أفكر ماذا أقول له، فتذكرت أيوب عليه السلام؟ قال: فجئت فسلمت عليه، قال: ألست بصاحبي؟ قلت: بلى.

قال: ما فعل ولدي، قلت يا عبد الله! أتعرف أيوب عليه السلام؟ قال: نعم.

قلت: ما تعرف عنه؟ قال: ابتلاه الله ثمانية عشر عاماً، قلت: فكيف وجده؟ قال: وجده صابراً، وليس هذا فحسب إنما ابتلاه بأهله وابتلاه بماله، فوجده صابراً، فقل ماذا تريد؟ قلت: احتسب ولدك، فإني وجدت عظامه بين كثبان الرمل، قال: فشهق شهقةً وقال: الحمد لله الذي لم يخلق مني ذريةً إلى النار ومات.

قال: فركبني غم، وقلت: ماذا أفعل بالرجل؟ فلا أملك له شيئاً، إن تركته أكلته السباع، فمر قطاع طرق، فوجدوني أبكي بعدما سجيته فقالوا: مالك وما قصتك، ومن هذا الرجل، فكشفوا عنه فإذا هو أبو قلابة الجرمي، فقالوا: بأبي عينٌ طالما غضت عن محارم الله وبأبي جسمٌ طالما عانى في طاعة الله، قال: فسجيته ودفناه، وذهبت إلى رباطي، فلما نمت رأيته في منامي في أحسن حالة، فقلت له: ألست بصاحبي؟ قال: بلى. قلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة، وقيل لي: سلامٌ عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار.

وأبو قلابة الجرمي أحد الأئمة الثقات، من الرواة عن أنس بن مالك، ثقةٌ، حافظ.

· وأخيرا ... نختم بما قال السباعي رحمه الله :

الثبات على الصبر أشد من الصبر نفسه، والرضا بالحرمان أشد من الحرمان نفسه، وما كل صابر ثابت، ولا كل محروم راض، ولا كل نائحة ثكلى، ولا كل عبوس حزين، ولا كل محب متيم.

هكذا علمتني الحياة (ص: 176)

اصبر ففي الصبر خير لو علمت به ... لكنت باركت شكرا صاحب النعم

واعلم بأنك إن لم تصطبر كرما ...     صبرت قهرا على ما خط في القلم

 

 

 

أجمل نظرة (الابتلاء والهموم والغموم) - مشاري الخراز

 

 

الصبر على البلاء - د. محمد المختار الشنقيطي