أهداف الدرس:
1- أن يعرف حقيقة التفكر وأهميته، وما يعين عليه.
2- أن يطلع على أحوال السلف مع عبادة التفكر.
3- أن يجتنب صوارف التفكر.
4- أن يمارس عبادة التفكر ويتعود عليها.


عناصر الدرس:
- حقيقة التفكر وأهميته.
- ثمرات التفكر.
- بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في التفكر.
- بيان أحوال السلف مع التفكر.
- مجالات التفكر.
- صوارف التفكر.
- معينات على التفكر.
- الداعية والتفكر.

 

خلق الله عز وجل الإنسان وكرَّمه وفضَّله على كثير من خلقه، فعلّم آدم الأسماء، وفهّم سليمان لغة الطير، وسخّر له هذا الكون بما فيه اختباراً وامتحاناً {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]

إن الإنسان بما استخلفه الله في الأرض، وبما أنعم عليه الخالق سبحانه،لحريٌّ أن يكون أعرف المخلوقات بخالقها، وأقربها إليه، وأكثرها معرفة بآلائه سبحانه، كيف لا وقد ميزه بالعقل عن سائر المخلوقات، بل ويسَّر له الأسباب للسعي في الأرض، والنهل من خيراتها، والسياحة في عجائبها وخفاياها، واكتشاف أسرار سمائها بنجومها وكواكبها وأقمارها.

والحال أن كثيراً من المسلمين يفهمون عبادات الجوارح، وأعمال اللسان، لكنهم قليلاً ما يفهمون عبادات القلب، ويسهل عليهم استيعاب أعمال اللسان وعباداته، وكذلك الشعائر التعبدية التي تقوم بها الأعضاء، لكنهم يصعب عليهم فهم أعمال القلب، ثم إذا فهموا ذلك فقليل منهم من يعمل به.

وإن من العبادات القلبية التي تعين المؤمن على تبصرته بحقيقة وجوده، وأسرار الكون من حوله، بل ومآل مصيره؛ عبادة التفكر.. هذه العبادة القلبية التي يرتبط فيها عقل الإنسان بقلبه وبما حوله من مشاهد وآيات تذكّره بربه وآلائه، وتدله على تجليات عظمته، وأسرار حكمته، وروائع صنعه سبحانه.

ومع بيان فضل هذه العبادة، وعظيم أثرها في زيادة الإيمان واليقين والتأله؛ إلا أن كثيراً من الناس اليوم غافلٌ عنها، معرضٌ عن العمل بها؛ لشغله بالدنيا، وقلة علمه، وطول أمله، ودخوله في الأماني الكاذبة {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ} [يونس :92].

وفي قادم الكلمات نلقي القليل من الضوء على هذه العبادة، حقيقتها، وثمراتها، وفضلها، ومنزلتها، وأحوال السلف فيها، ونذكر شيئاً من مجالاتها ومشاهدها.

حقيقة التفكر:

التفكر لغة: التأمل.

ورجلٌ فِكِّيرٌ: أي: كثيرُ التَفَكُّر.

والفَكْرُ والفِكْرُ: إِعمال الخاطر في الشيء.

واصطلاحاً: جولان الفكرة.. وهي القوة المُطرِقَة للعلم.

وقيل: هو إحضار ما في القلب من معرفة الأشياء.

وقيل: تصفية القلب بموارد الفوائد.

وقيل: تصرف القلب في معاني الأشياء لدرك المطلوب.

ويرى الغزالي في الإحياء أن الفكر "إحضار معرفتين في القلب ليستثمر منهم معرفة ثالثة.

ومثاله: أن من مال إلى العاجلة، وآثر الحياة الدنيا، وأراد أن يعرف أن الآخرة أولى بالإيثار من العاجلة، فعليه: أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار، ثم يعرف أن الآخرة أبقى. فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة، هي: أن الآخرة أولى بالإيثار".

وبشكل عام؛ فإن التفكر هو "إعمال العقل في أسرار ومعاني الآيات الشرعية والكونية عن طريق التأمل والتدبر، وملاحظة وجه الكمال والجمال، ومشاهدة الدقة وحسن التنظيم والسنن الكونية، والتماس الحكمة والعبرة من وراء ذلك.

ويعرف التفكُّر من وجهة نظر علم النفس التربوي بأنه "حالة ذهنية ووجدانية تتزامن في أثناء تأملات المتفكر في شيء خارجي محسوس أو فكرة داخلية مجردة، يتذوق من خلالها جمال الصنع وبراعة التصوير، ويرى حكمة الخلق والتدبير، فيشاهد آثار وجود الله سبحانه وتعالى، ويستدل على أسمائه وصفاته العليا، وتتدفق مشاعره بمحبة الله سبحانه وتعالى وخشيته؛ ليزداد معرفة وإيماناً يفيض على البدن والجوارح ظاهراً بعمله الصالح وسلوكه الأخلاقي".

 

ثمراته وأهميته:

ثمرة الفكر: العلم لا غير، وإذا حصل العلم في القلب تغير حاله. وإذا تغير حاله تغيرت أعمال الجوارح.

فالعمل تابع للعلم، والعلم تابع للفكر.

فالفكر إذن: هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها. وهذا هو الذي يكشف لك فضيلة التفكر، وأنه خير من الذكر والتذكر؛ لأن الفكر ذكر وزيادة.

فالخير والسعادة في خزانة مفتاحها التفكر؛ فإنه لا بد من تفكر وعلم يكون نتيجته الفكر، وحال يحدث للقلب من ذلك العلم؛ فإن كل من عمل شيئاً من المحبوب أو المكروه لا بد أن يبقى لقلبه حالة وينصبغ بصبغة من علمه، وتلك الحال توجب له إرادة، وتلك الإرادة توجب وقوع العمل.

فها هنا خمسة أمور: الفكر، وثمرته العلم، وثمرتهما الحالة التي تحدث للقلب، وثمرة ذلك الإرادة، وثمرتها العمل، فالفكر إذا هو المبدأ والمفتاح للخيرات كلها.

وهذا يكشف لك عن فضل التفكر وشرفه، وأنه من أفضل أعمال القلب وأنفعها له... فالفكر هو الذي ينقل من موت الفطنة إلى حياة اليقظة، ومن المكاره إلى المحابّ، ومن الرغبة والحرص إلى الزهد والقناعة، ومن سجن الدنيا إلى فضاء الآخرة، ومن ضيق الجهل إلى سعة العلم ورحبه، ومن مرض الشهوة والإخلاد إلى هذه الدار إلى شفاء الإنابة إلى الله والتجافي عن دار الغرور، ومن مصيبة العمى والصمم والبكم إلى نعمة البصر والسمع والفهم عن الله والعقل عنه، ومن أمراض الشبهات إلى برد اليقين وثلج الصدور.

والتفكُّر "سياحة نورانية ورياضة إيمانية، ينطلق فيها القلب في وعي، والعقل في يقظة، معاً بعيداً في ساحات الإيمان بلا قيد من جواذب الأرض وقيود الشهوات؛ ليجتمعا على التقاط الحكمة والمعرفة وتحقيق معاني الإيمان والترقي في درجات العبودية.

 وهو فرصة عظيمة لاكتشاف مساحة بعيدة شديدة العمق في النفس الإنسانية يصعب الوصول إليها في غير تلك الأجواء النفسية الصافية، والتي تمتزج فيها أنوار التدبر مع صفاء النفس حتى تصل إلى حقائق العبودية بما فيها من: ضَعْف وعَجْز وذلة وعَوَز، ومشاهدة كمالات الربوبية بما فيها من: كمال وجمال وجلال.

وهو يبدأ بعمليات سهلة بسيطة، يلتفت فيها القلب إلى عظيم الآيات المبهرة وعظيم قدرة الله في خَلْقه، وجلاله في فِعْلِه وتدبيره، في عملية يسيرة لا تحتاج في بدايتها لكبير مجاهدة، ترتقي إلى درجات أعلى في معانيها وأعمق في تأثيرها،

لا يتمكن من الوصول إليها إلا بنوع من المجاهدة، ولا يستطيعها إلا من رُزق حظاً من البصيرة وقِسْطاً من السموِّ الروحي، وفيها يتجاوز المؤمن بنور بصيرته نور بصره، ويتجاوز ظواهر الأشياء إلى حقائقها، ويرى فضل المنْعِم من وراء النعم، ويشاهد عظيم قدرة الله في كل حركة وسكنة في الكون، ويجمع من عجائب آيات الكون والنفس وعظيم حكمة الشرع، فينصب من جميعها شواهد على جلال أسماء الله وصفاته وعظيم قدرته وحكمة تقديره جل وعز وتقدست أسماؤه".

 

منزلته وشرفه في الكتاب والسنة:

كثر الحث في كتاب الله تعالى على التدبر والاعتبار والنظر والافتكار، ولا يخفى أن الفكر هو مفتاح الأنوار، ومبدأ الاستبصار، وهو شبكة العلوم، ومصيدة المعارف والفهوم، وأكثر الناس قد عرفوا فضله ورتبته، لكن جهلوا حقيقته، وثمرته، ومصدره.

فقد أمر سبحانه وتعالى بالتفكُّر والتدبر، وأثنى على المتفكِّرين أنهم من أولي الألباب {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّار} [آل عمران: 190و191].

ولهذا جاءت الدعوة إلى نفس التفكر صريحة في القرآن الكريم، وبأسلوب التحضيض أو الاستفهام الاستنكاري، من أجل التوصل إلى الأحكام الصائبة، المبنية على الأدلة والمقدمات الصحيحة.

حيث ورد لفظ التفكر وما يشتق منه ثمان عشرة مرة، أغلب هذه الموارد في سور مكية، عدد من هذه الموارد جاء في تعداد نعم الله عز وجل وما سخره للإنسان في هذه الأرض من وسائل الحياة: {وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الاَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَاراً وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اليْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الرعد: 3]، وقال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْاَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيات لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الجاثية: 12].

وغالباً ما يعقب ذكر هذه الآيات المسخرات الحث على التفكر، وكأن التفكر هو الوسيلة الموصلة إلى فهم طبيعة هذه الآيات الكونية التي تفضي هي نفسها إلى نتيجة واحدة هي أن وراء هذا الكون المسخر إله واحد يستحق من الإنسان الشكر على هذه الآيات المسخرات، وأول منازل هذا الشكر: العبادة، وتتلو هذه الحقيقية حقيقة أخرى هي أن هذا العالم الدنيوي لم يكن ليخلق عبثاً، بل هو مطيتنا إلى العالم الحقيقي، وهذه حقيقة نطق بها القرآن الكريم على لسان المؤمنين المتفكرين : {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:191].

كما جاءت هذه الحقيقة في سياق استنكار فعل الغافلين عن الآخرة : {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْاَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ} [الروم:7].

ومن خصائص موارد لفظ التفكر أنه جاء في أكثر من موضع في سياق ضرب الأمثال، نذكر منها المثل الذي ضُرب للحياة الدنيا في عدة مواضع ومنها: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء اَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَرْضِ مِمَّا يَاَكُلُ النَّاسُ وَالاَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الاَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً اَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالاَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:24].

وضرب الأمثال كما هو معلوم من الوسائل الاستدلالية والبرهانية التي يستعملها القرآن الكريم لتقرير الحقائق الدينية، ولذلك غالباً ما يعقب ذكر المثل الدعوة إلى التفكر فيه: {وَتِلْكَ الْاَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون} [الحشر:21]. فالمثل هنا ليس مقصوداً لذاته، وإنما هو مسوق لمقصد آخر لا نستطيع الوصول إليه إلا بإعمال الفكر والتدبر والتأمل، ولذلك ناسب التعقيب في آيات الأمثال باستعمال هذه المفردات.

ومن خصائص موارد اللفظ أيضاً وروده في سياق حوار الأنبياء عليهم السلام مع أقوامهم، ودعوتهم إياهم لعبادة الله وحده، والتفكر في هذه المواطن مطلوب، ذلك أن دعوة الأنبياء بنيت على أساس من البرهان يروم لفت النظر إلى مجموعة من الحقائق، منها: حقيقة النبوة وطبيعة النبي التي لا تفارق في شق منها الطبيعة البشرية : {قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ اِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الاَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} [الأنعام :51].

ومنها وظيفة النبي صلى الله عليه وسلم المتمثلة في البيان الذي يستلزم من المتلقين له التفكر: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [النحل:44].

إن حقيقة النبوة من الحقائق العقدية الكبرى التي تستلزم التفكر، ولو أن الناس تفكروا قليلاً في دعوات الأنبياء لما حادوا عن اتباعهم، وقد شدد الله عز وجل على هذا الأمر كثيراً في سياق عرض مواقف الناس من الأنبياء: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ اِنْ هُوَ اِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} [الأعراف:184]. وقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ:46].

إن الناظر في مفهوم التفكر من خلال هذه الآيات، يلحظ أن التفكر هو بحق طريق الإيمان والاعتقاد الصحيح بالله عز وجل وبآياته وبرسله.

بل إن هذه الآيات وغيرها تُظهر للمتأمل أهمية العقل والتفكير، وأنها نعمة ربانية عظيمة اختص الله بها الإنسان، وجعلها مناط التكليف، وميَّزه بها عن غيره من بين سائر الجمادات والعجماوات.

ولقد كان سيد الخلق صلى الله عليه وسلم: أكثر الناس تفكراً في آيات الله عز وجل، وتأملاً في دلائل وحدانيته سبحانه، فكان غار حراء مكاناً لتعبده وتفكره في هذا الكون وملكوت خالقه سبحانه قبل بعثته، بعيداً عن ضجيج مكة وصخب الشرك المحيط بكعبتها. وكان اختياره لهذه العزلة من الأسباب التي هيأها الله تعالى له ليعدّه لما ينتظره من الأمر العظيم، والمهمة الكبيرة التي سيقوم بها، وهي إبلاغ رسالة الله تعالى للناس أجمعين، ومن هنا اقتضت حكمة الله أن يكون أول ما نزل عليه من الوحي في هذا الغار.

ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن أعجب ما رأته  مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بكت وقالت: قَامَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي)، قَالَتْ: قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا يَسُرُّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ، فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ، وَجَاءَ بِلالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلاةِ فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَبْكِي، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟! لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَاتٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ}) [ أخرجه ابن حبان في صحيحه (620) ، وبعضه في البخاري (4837)، ومسلم(7304)   ].

بيان أحوال السلف في التفكر:

اعتنى السلف بهذه العبادة الجليلة، وكان لهم فيها أحوال وأقوال مأثورة تواترت في كتب السير والتزكية، ومما ورد في ذلك:

* كان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة بلا قلب.

* سُئلت أم الدرداء رحمها الله: ما كان أفضل عبادة أبي الدرداء؟ قالت: التفكر والاعتبار.

* وعن محمد بن واسع رحمه الله أن رجلاً من أهل البصرة ركب إلى أم ذر بعد موت أبي ذر رضي الله عنه؛ فسألها عن عبادته، فقالت: كان نهاره أجمع في ناحية البيت يتفكر.

* قال عامر بن قيس رحمه الله: سمعت غير واحد ولا اثنين ولا ثلاثة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقولون: إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر.

* كان لقمان يطيل الجلوس وحده، فيمر به مولاه فيقول: يا لقمان؛ إنك تديم الجلوس وحدك فلو جلست مع الناس كان آنس لك. فيقول لقمان: إن طول الوحدة أفهم للفكر، وطول الفكر دليل على طريق الجنة.

* وروي عن الحسن البصري رحمه الله عدة أقوال في ذلك، منها:

- "من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكراً فهو سهو، ومن لم يكن نظره اعتباراً فهو لهو" .

- "الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك" .

- ونقل عنه وعن غيره: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة" .

- وكتب إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله يقول: "اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، وليس ما فني وإن كان كثيراً يعدل ما بقي وإن كان طلبه عزيزاً، واحتمال المؤونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مؤونة باقية" .

- روي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله قوله: "الفكرة في نعم الله عز وجل من أعظم العبادة" .

- وقد بكى يوماً بين أصحابه، فسئل عن ذلك فقال: "فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فاعتبرت منها بها، ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها، ولئن لم يكن فيها عبرة لمن اعتبر إن فيها مواعظ لمن ادّكر" .

- وقال وهب بن منبه رحمه الله: "ما طالت فكرة امرئٍ قط إلا علم، وما علم امرؤٌ قط إلا عمل" .

- وقال الشافعي رحمه الله تعالى: "استعينوا على الكلام بالصمت، وعلى الاستنباط بالفكر" .

- وقال أيضاً: "صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور، والعزم في الرأي سلامة من التفريط والندم، والرؤية والفكر يكشفان عن الحزم والفطنة، ومشاورة الحكماء ثبات في النفس وقوة في البصيرة، ففكر قبل أن تعزم، وتدبر قبل أن تهجم، وشاور قبل أن تقدم".

- وروي عن سفيان بن عيينة قوله: "الفكرة نور يدخل قلبك".

- وقال أبو سليمان الداراني رحمه الله: "إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رأيت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة".

- وقال رحمه الله: "عودوا أعينكم البكاء وقلوبكم التفكر" .

- وقال بشر الحافي رحمه الله: "لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا الله عز وجل ".


مجالات التفكر:

لو تأملنا مجال التفكر في آيات القرآن لبرز لنا مجالان عظيمان أشار إليهما الإمام ابن القيِّم رحمه الله تعالى:

فالمجال الأول هو: التفكر في الدليل القرآني:

إننا نعيش في زمن كثرت فيه الفتن، وتلاطمت فيه المحن، وكثرت فيه المنكرات، زمنٍ يحس فيه المؤمن الصادق بغربة شديدة، لا يسليه فيها، ولا يذهبها عنه إلا العيش مع القرآن الكريم، والتفكر في معانيه، والنهل من معينه، والاتجاه إليه اتجاهاً صحيحاً بكامل أحاسيسه ومشاعره، بقلبه وقالبه: تلاوة وتدبراً، وتفكراً وتطبيقاً، فالعيش - مع القرآن الكريم - مزية لا تعدلها مزية، ومرتبة لا تفوقها المراتب؛ لأنه الملاذ عند الفتن، والمنقذ عند المصائب والمحن. وإن مما يحزُّ في نفوس المصلحين والغيورين في واقعنا المعاصر بُعْدُ المسلمين عن القرآن الكريم، والعيش في رحابه، والتدبر في آياته، والتفكر في معانيه، والاطلاع على مقاصده وحكمه العظيمة؛ حيث إن استشعار ذلك كله هو الطريق الصحيح الموصل للامتثال والتعظيم لله رب العالمين، وهو الطريق الموصل أيضاً للفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

والتفكر في القرآن يكون بالتفكر في آيات الله المسموعة التي حث الله عز وجل على التفكر فيها وتدبُّرها في أكثر من نص في القرآن الكريم كقوله تعالى : {وَأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: ٤٤]، وقوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر: 21]؛ وذلك أن المرء يتفكر في هذه الأدلة حين سماعها أو تلاوتها، وما تتضمنه من دلائل باهرة تحث على توحيد الله والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

ويتفكر أيضاً فيما جاء فيها من معجزات ودلائل، وبشارات ونذارات، وعبرة وأحكام، ونحوها، ويتفكر في معجزة ألفاظه، وعظمة أحكامه، وقوة حججه وبراهينه... إلخ.

فهذا التفكر يورث في القلب محبةَ الخالق وتعظيمَه، وإخلاص العبادة له، والتوكل عليه، وزيادة الإيمان واليقين، وغير ذلك من مقامات العبودية وأعمال القلوب.

ومن صوره: التفكر في الآيات الشرعية في آي القرآن؛ بأن يلاحظ بلاغة القرآن وفصاحته، وحسن تنظيم الكلام، ومناسبته لأغراض الكلام، ومقام السياق وإعجازه، وحسن عرضه لقضايا التوحيد والتشريع والسلوك والآداب {..وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [النحل :44].

 

والمجال الثاني: التفكر في الدليل العياني، وهو آياته المشهودة:

لقد أثنى الله عز وجل على من يتفكر في ذلك، كما مر معنا سابقا في آيات سورة آل عمران.

ومن مشاهد ذلك:

- التفكر في آيات الله الكونية: بأن يشاهد الإنسان جمال روعة الجبال والبحار، والأشجار والأنهار، والسهول والطبيعة الخلابة، ويلاحظ تعاقب الليل والنهار، وجريان الشمس والقمر، وفق نظام بديع لا يتخلف ولا يضطرب على مر الزمان.. {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} [الفرقان:61 و62].

تأمَّل في نباتِ الأرضِ وانظر == إلى آثارِ ما صنعَ المليكُ

عيونٌ من لُجينٍ شاخصاتٌ == بأحداقٍ هي الذهبُ السبيكُ

على قضبِ الزبرجدِ شاهداتٌ == بأنَّ اللهَ ليسَ لهُ شريكُ

- تكوين الانسان: بأن يشاهد تنوع الأعضاء، وحسن تنسيقها، وبديع صنعها ودقتها، وكبير فائدتها، وانسجامها في العمل، فيتأمل في القلب والشرايين، والأعصاب ووظائف العقل، وإعجاز حاسة النطق والسمع والبصر، واللمس والذوق، وما يجري في هذه النفس من الدم والماء والإنزيمات التي تضمن حياته وتؤثر على تصرفاته {وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات:21] .

- طبيعة النفس البشرية: بأن يتأمل في نزعات النفس والرغبات التي خلقه الله عليها، من حب الدنيا، والرئاسة، والتملك، وحب الاعتداء، والاستيلاء على ملك الغير، وحب الخلود. ويتأمل في غريزة حب العمارة، فلو كان جميع الخلق زاهداً لما عمرت الأرض {وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72].

- الكائنات الحية: حيث خلقها الله وجعلها تعيش وفق نظام دقيق، وعام وشامل، حيث أنشأها على اختلاف نوعها ولغاتها وطبيعتها، وتكفل برزقها وتسييرها، وهداها لمصالح عيشها وكفايتها، فلم يعجزه ذلك مع كثرتها وتنوعها، وكلما زادت أحدث الله سبباً جديداً في الرزق.

- التأمل في نشأة خلق الكائنات: على اختلاف طبائعها ووظائفها، وتصنيفها وبيئتها، سواء كانت كائنات دقيقة لا تُرى بالعين أو ظاهرة، أو بحرية أو بريه أو برمائية، وسواء كانت أحادية الخلق أم مركبة. فيتأمل في نشأة النبات كيف ينمو، والطير في أوكارها، والحيوان في الغابات، وهذا باب كبير، التفكر فيه لا ينقضي ولا يحيط بعلمه مخلوق {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[النور:45]، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:10]، فيا سبحان الله ما أعظم عجائبه.

- التفكر في حال الدنيا: وسرعة زوالها، وعظم فتنتها، وتقلب أحداثها، وتداول أيامها، وحال أهلها اللاهثين وراء سرابها، العابدين لها، المفتونين بزينتها، ثم تنكرها لهم وجحودها إياهم، ومآلهم فيها إلى الخسارة والهوان، والهم والحسرة في الحياة والممات، فحالهم معها كرجل افتتن بعروس، وأنفق في سبيلها، وتعلق قلبه بها، ثم لما زفت إليه وانكشف الغطاء، رأى منها ما يهوله من النقائص والعيوب، فانقبض منها، ثم ولت عنه مسرعة وفي قلبه حسرة وندامة {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس:24].

فكَّرتُ في الدنيا وعالمها == فإذا جميعُ أمورها تفنى

وبلوتُ أكثر أهلها فإذا == كل امرئ في شأنهِ يسعى

وقد مررتُ على القبورِ فما == ميزتُ بين العبدِ والمولى

أتُراك تدري كم رأيتُ من == الأحياءِ ثم رأيتُهم موتى

- التفكر في أحوال الأمم السابقة: والشعوب البائدة، والحضارات المندثرة، كيف وجدوا وتكاثروا، ومكن لهم، وعمروا الأرض، واغتروا بعددهم وعدتهم، وأموالهم وكيدهم، ثم جاءتهم الرسل يدعونهم للحق فاستكبروا، فنزل عليهم العذاب، فأبادهم عن بكرة أبيهم، وبقيت آثارهم شاهدة على كفرهم وعجزهم وزوالهم. والحديث عن هذا يطول، وفي قصصهم عبرة للمتفكرين {أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [الروم:9].

أما ذات الله وصفاته فيمنع التفكر فيها ويحرم؛ لما جاء في الأثر موقوفا على ابن عباس رضي الله عنهما: " تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله" [قال ابن حجر في الفتح (13/383): سنده جيد]؛ لأن العقل يستحيل عليه إدراك كنه ذلك والإحاطة بعلمه، ولأن التفكر في هذا الأمر قد يفضي إلى الوقوع في مفاسد اعتقادية من التفويض، والتشبيه، والتمثيل، والإلحاد، وطروء الشك في المسلَّمات. ولذلك لما أعمل المبتدعة من معتزلة وغيرهم عقولهم في كنه ذات الله وصفاته فسد اعتقادهم وخرجوا عن منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وكل ما يتخيله الانسان ويخطر عليه فيه، فالله على خلافه، سبحانه وتعالى ، تبارك اسمه وتعالى جده، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } [الشورى:11].

 

ما يصرف الناس عن التفكر في آيات الله:

ما دامت الآيات الدالة على الحق بهذا الكم وهذا الوضوح؛ فما الذي يصرف الناس عن الاهتمام بها والاستفادة منها في بناء الإيمان؟

نجد الجواب في القرآن أيضاً ونبينه فيما يأتي:

- الغفلة: وهي الانغماس في متطلبات الحياة وأهوائها، والانشغال بها عن التفكير في دلائل الحق. جاء في القرآن الكريم {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [يونس:7 و 8].

- الإعراض: وهو النفور والهروب من دلائل الحق؛ جحوداً له أو كسلاً عن مشقة التفكير وتبعات التكليف، {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [يونس:105].

- الكبر والغرور والعناد: قد يعرفون آيات الله ولكن ينكرون ما تدل عليه من حق مثل الكثير من علماء الغرب {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف:146]، وقال تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا} [النحل:83]، وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل :14].

- اتباع الهوى: ومعناه استحسان الآراء والمواقف والسلوك بالاشتهاء، واتباع النفس من غير الاستناد الى علم وعقل وفكر. جاء في تفسير الطبري في تفسيره لقوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ} [القصص:50]، قال: أي: آراء قلوبهم وما يستحسنونه ويحببه لهم الشيطان، وقال تعالى: {فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى} [طه :16].

- اتباع الشيطان وكثرة المعاصي: فالشيطان يصد عن سبيل الله، والمعاصي تعمي القلب، أي: تذهب نور العقل {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175]، وقال عز وجل: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14].

 

ما يعين على التفكُّر:

من أعظم ما يعين العبد على التفكر: الخلوة عن الخلق، واعتزالهم، والبعد عن شواغل الدنيا، وعلائق الترف، ومجالس اللهو، بحيث يكون القلب مستجمعاً للفكرة، محلاً صالحاً للعبرة، تؤثر فيه الحكمة.

والخلوة: انقطاعٌ عن البشر لفترة محدودة، وتركٌ للأعمال الدنيوية لمدة يسيرة؛ كي يتفرغ القلب من هموم الحياة التي لا تنتهي، ويستريح الفكر من المشاغل اليومية التي لا تنقطع.

"فالتفكر من العبادات التي تتطلب صفاء النفس، والقدرة على طرد الأفكار والهواجس التي تعيق التفكر. وقد سُئل بعض العلماء: ما الذي يفتح الفكر؟ قال: اجتماع الهم؛ لأن العبد إذا اجتمع همه فكر، فإذا فكّر نظر، فإذا نظر أبصر، فإذا أبصر عمل".

واجتماع الهم يتطلب من المرء أن يخلو بنفسه، ليكون ذلك أدعى إلى التفكر. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "لا بد من أوقات ينفرد بها المرء بنفسه، في دعائه وذكره وصلاته، وتفكره ومحاسبة نفسه وإصلاح قلبه، وما يختص به من الأمور التي لا يشركه فيها غيره، فهذه يحتاج فيها إلى انفراده بنفسه، إما في بيته كما قال طاووس: نعم صومعة الرجل بيته يكفُّ فيها بصره ولسانه، وإما في غير بيته".

وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: "التمس وجود الفكر في مواطن الخلوات".

وقد جاء في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خالياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ) [رواه البخاري ومسلم].

قال ابن علان رحمه الله :قوله: ذكر الله، أي: بقلبه من التذكر، أو بلسانه من الذكر، وقوله: خالياً أي: عن الخلق؛ لأنه حينئذ يكون أبعد من الرياء. أو المراد: خالياً عن الالتفات إلى غير الله، ولو كان في ملأ .

وقال ابن عثيمين رحمه الله: قوله خالياً، يعني: خالي القلب مما سوى الله عز وجل، خالي الجسم أيضاً، ليس عنده أحد حتى لا يكون بكاؤه رياء وسمعة، فهو مخلص حاضر القلب؛ لأنه لا يمكن أن يبكي الإنسان وقلبه مشغول بشيء آخر".

وليست الخلوة بدعاً في الدين، بل أصل من أصوله، ففي صحيح البخاري عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءً فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَتُزَوِّدُهُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ".

قال أبو جمرة: في الحديث دليل على أن الخلوة عون للإنسان على تعبده وصلاح دينه.

وقال القسطلاني: وإنما حبب إليه الخلوة؛ لأن معها فراغ القلب والانقطاع عن الخلق ليجد الوحي منه متمكنًا كما قيل: فصادف قلبًا خاليًا فتمكّنا. وفيه تنبيه على فضل العزلة؛ لأنها تريح القلب من أشغال الدنيا، وتفرغه لله تعالى فيتفجر منه ينابيع الحكمة، والخلوة: أن يخلو عن غيره، بل وعن نفسه بربه، وعند ذلك يصير خليقًا بأن يكون قالبه ممرًّا لواردات علوم الغيب، وقلبه مقرًّا لها.

ولم يرد عن أن النبي عليه الصلاة والسلام ترك هذه الخلوة، بل كان صلى الله عليه وسلم يخلو في العشر الأواخر من رمضان، وقد سماه الفقهاء اعتكافاً، فالاعتكاف: خلوة.

وقال الإمام النووي في شرح حديث عائشة: أما الخلاء هو الخلوة، وهي شأن الصالحين، وعباد الله العارفين، قال أبو سليمان الخطابي: حببت العزلة إليه صلى الله عليه وسلم؛ لأن معها فراغ القلب، وهي معينة على التفكر، وبها ينقطع عن مألوفات البشر، ويتخشع قلبه، والله أعلم.

 وقال العلامة محمود العيني في شرحه للحديث: لِمَ حبب إليه الخلوة؟ لأن معها فراغ القلب، وهي معينة على التفكر.

واختلف العلماء في طبيعة خلوة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال بعضهم: كانت عبادته بالفكر، وقال بعضهم: كانت عبادته بالذكر، والمسلم إذا نوّع بين الفكر والذكر فقد جمع بين الأمرين.

والخلوة: تصفِّي الفكر، بينما مشاغل الدنيا حجابٌ بين الإنسان وبين الحقيقة.

وفي الخلوة أنس بالله عز وجل، فالعارفون بالله في قمة سعادتهم في خلوتهم مع الله عز وجل.

وفي الخلوة التعرف على فاطر السموات والأرض، الذي هو أساس الأحوال القلبية التي تسعد الإنسان.

وقال ابن عجيبة: ما نفعَ القلبَ شيءٌ مثلُ عُزلةٍ يدخل بها مَيْدانَ فكرة.

وقال أبو الحسن الشاذلي: ثمار العزلة الظفر بمواهب المنة، وهي أربعة: كشف الغطاء، وتنزل الرحمة، وتحقيق المحبة، ولسان الصدق في الكلمة.

ثم ذكر للخلوة عشر فوائد: "السلامة من آفات اللسان، والسلامة من آفات النظر، وحفظ القلب وصونه عن الرياء والمداهنة وغيرهما من الأمراض، وحصول الزهد في الدنيا والقناعة منها، والسلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال، والتفرغ للعبادة والذكر، ووُجْدانُ حلاوة الطاعات، وتمكن لذيذ المناجاة بفراغ سره، وراحة القلب والبدن، فإن في مخالطة الناس ما يوجب تعب القلب، وصيانة نفسه ودينه من التعرض للشرور والخصومات التي توجبها الخلطة، والتمكن من عبادة التفكر والاعتبار، وهو المقصود الأعظم من الخلوة".

 

التفكُّر أكثر ما يحتاج إليه الدعاة:

والتفكُّر وإن كانت حاجة الجميع إليه ملحَّة، إلا أن الدعاة هم من أكثر أصناف الخلق حاجة إليه؛ لما يمثله التفكُّر في حياة الدعاة من مَعِين روحي وعقلي، يمدهم بكثير من مقومات بنائهم الذاتي ونجاحهم الدعوي.

ومن عظيم فوائد التفكُّر للدعاة فضلاً عما سبق من ثمار التفكر:

*روحانية تُعين:

إن لحظات التفكُّر الصافية التي يجتمع على القلب فيها من معاني الإيمان وحقائقه ومقامات العبودية، تمد الداعية بجزء كبير من زاده الروحي، الذي يؤهل الداعية لاستحقاق مدد الله من العون والنصرة.

والتفكُّر يوفر للداعية من اليقين وحُسْن الفهم عن الله، ما ينسكب على أخلاقياته صبرًا جميلاً مع المدعوين، وحُسْنًا في الخُلُق يثبِّت المودة في قلوبهم، وما يبدو منه من هدوء نَفْس، وجميل سَمْت، أسبغته عليه جلسات التفكُّر، يفتح قلوب المدعوين على مصراعيها لدعوته، ويُلْزِمهم طِيب المعشر.

* الوقوف على مواطن الضعف والقوة:

فالتفكُّر مرآة تعكس بنور البصيرة خبايا النفوس وعيوبها؛ وفي جلسات التفكُّر الصافية البعيدة عن تزيين الشيطان وحظوظ النفس، يصل الداعية لمساحات واسعة يصعب الوصول إليها في منظومته النفسية، ونفوس من حوله من تلامذته ومحبيه، بما اختبأ فيها من طبائع وأخلاقيات ومواطن ضعف ومكامن قوة؛ حتى إذا قام ليضع خطة نهوضه وخريطة سيره؛ فعن بينة يسير وعن بصيرة ينطلق. قال الفضيل: "الفكر مرآة تُريك حسناتك وسيئاتك".

* تصحيح المسار:

وللداعية من مواطن التفكُّر ومساحات التدبر ما قد يغيب عن غيره الاعتبار به: من النظر فيما يجري من مِحَن وابتلاءات في حياة أصحاب الدعوات، وما يقع في مسيرتهم من حوادث تحمل الكثير من العبر، ووقائع تحمل العديد من الدروس: من هزيمة ظالم، وانتصار مظلوم، ومن جريان الأيام دول بين المؤمنين والكافرين، وغير ذلك: من زاد السابقين، وخبرات اللاحقين، وتجارب أهل الدعوة، مما يلزم الداعية الاسترشاد به في دعوته.

ومع غياب جولات التفكُّر التي يمارس الداعية من خلالها مراجعاته الإيمانية ويجدد خططه الدعوية، يضعف حُسْن تواصل الداعية مع مدعويه، ويتحول جانب كبير من العلاقة إلى مشاكل تستنزف كثيرًا من الجهود؛ وذلك لِمَا يلمسه الجميع من غيابٍ لجزء كبير من مرتكز اليقين الذي يؤسَّس في خلوات التفكُّر، وغيابٍ لمساحة واسعة من رُكْن الفهم ووضوح الرؤية المقوِّمة لمسار الدعوة.

 

* دعوة للتفكر في هذا الزمن:

إن الملاحظ على كثير من المنتسبين إلى الإسلام في زمننا يجد أنهم أصناف في تعاملهم مع التفكير:

فقومٌ شُغِلوا عن التفكير السليم بتفكير عقيم، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير فأصبح تفكيرهم الدائم في الدنيا وملذَّاتها وزخرفها؛ فهم في تفكير وشغل في الليل والنهار، وأوصدوا على أنفسهم مجال التفكير النافع فتشوَّشَت العبادات، وقلَّ التفكير والاهتمام بالآخرة، ونسي كثيرٌ منهم نفسه ومحاسبتها، وتذكيرها بما خلقت له، وإلى أين مصيرها.

وقومٌ جنحوا في التفكير إلى ما وراء حدود العقل، واقتحموا أموراً لم يعطَ العقل القدرة على إدراكها وتصوُّرها، فعظّموا العقل وقدَّموه على النقل فوُكِلوا إليه، فازدادوا حيرة وشكوكاً.

وقومٌ تبلد عندهم التفكير فأصبحوا ينظرون إلى آيات الله المسموعة والمشهودة فلا يتحرك فيهم شيء؛ وكأنه حدث عاديّ يمر عليهم بدون تفكر ولا اعتبار!

وقومٌ عطَّلوا تفكيرهم، وأسلموا عقولهم وتفكيرهم إلى غيرهم، فصاروا لا يرون إلا بأعينهم، ولا يفكرون إلا بتفكيرهم، فقلدوا غيرهم وعطلوا تفكيرهم؛ فالحق ما قالوه والصحيح ما صححوه.

والواجب على المكلَّف أن يشغل نفسه بهذه العبادة الجليلة في حدودها ومجالاتها المنضبطة، ويتعاهدها في جميع الأحوال؛ وذلك أن التفكير السليم يوصل صاحبه إلى الخير في الدنيا والآخرة؛ لأن «أصل الخير والشرِّ من قِبَل التفكر؛ فإن الفِكْرَ مبدأ الإرادة والطلب في الزهد والترك والحب والبغض، وأنفعُ الفِكْرِ الفكرُ في مصالح المعاد، وفي طريق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد، وفي طرق اجتنابها.

فاللهم ارزقنا التفكر في آلائك وآياتك، ونعمائك وأسرار كونك، واهدنا سبل الرشاد، وأنر لنا درب البصيرة والفلاح، إنك أنت السميع البصير..

________________________

الهوامش:

1- إحياء علوم الدين.

2- أساليب القرآن الكريم في تنمية التفكير من خلال سورة الغاشية، مقالة لرديف يوسف المقداد، رابطة خطباء الشام.

3- أساليب القرآن الكريم في دعوته إلى التفكر في الآيات الكونية، رابطة خطباء الشام بتصرف يسير.

4- التعبد في غار حراء، مقال على شبكة إسلام ويب.

5- التفكُّر .. عبادة ربانية وضرورة دعوية، مقالة لمحمد عادل، مجلة البيان: العدد 268

6- التفكير في آيات الله تعالى ومخلوقاته في ضوء القرآن والسنة، بحث للدكتور عبد الله بن إبراهيم اللحيدان، مجلة البحوث الإسلامية.

7- العبادة الصامتة، مقالة لخالد بن سعود البليهد، موقع صيد الفوائد.

8- العبادة المفقودة قنديل في المسجد – الموقع الرسمي للشيخ محمد المنجد.

9- لعلكم تتفكرون، مقالة لعبد اللطيف بن عبدالله التويجري، مجلة البيان: العدد 277

10- مركز التفكر للتدريب والتطوير التربوي (موقع على شبكة الانترنت).

11- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، لابن القيم، تحقيق عبدالرحمن بن حسن قائد.

12- مفهوم التفكر في القرآن الكريم، مقالة لفريدة زمرد، موقع ميثاق الرابطة.

13- المهذب من إحياء علوم الدين، لصالح أحمد الشامي.

14- موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية (موقع على شبكة الانترنت).

 

--------------

المراجع:

- صلاح الأمة في علو الهمة: سيد العفاني: 4/531-609

- موقع منارة الإسلام :الموسوعة الإسلامية الموثقة.

- سلسلة أعمال القلوب: المنجد.

- تزكية النفوس وتربيتها كما يقرره علماء السلف.

- مقال للأستاذ : مرفق ياسين

 

 

 

سبل الوصول وعلامات القبول (31) - التفكر في خلق السماوات و الأرض - د. محمد راتب النابلسي

 

 

التفكر في خلق الله  - د. زغلول النجار

 

 

التفكر في الكون وأثره في ترسيخ الإيمان

(1)

 

(2)

(3)

 

عبادة التفكر والتأمل

 

 

التفكر - مشاري الخراز

 

 

التفكر في خلق الله - الشيخ نبيل العوضي

 

 

منزلة التفكر - الشيخ خالد السبت

 

 

التفكر في الانسان: جسمك كما لم تعرفه من قبل