أهداف الدرس:

1- ربط قلب الداعية المسلم بربه، وطمأنينته إليه وثقته به.

2- تنبيه الداعية إلى إخلاص توحيده، وتجرده لله وحده؛ وذلك بعدم التفات قلبه إلى الأسباب المادية وتعلقه بها والركون إليها.

3- بيان التوكل الحق الذي كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في الجمع بين تعلق القلب بالله وتلبس جوارحهم بالأسباب التي أمرهم الله بالأخذ بها للوصول إلى مسبباتها.

4- رد الشبه الكثيرة التي علقت بالتوكل .

5- إدراك الداعية لأهمية التوكل في الدعوة إلى الله تعالى، وضرورته في تثبيته على دعوته وصبره على مشاقها وتكاليفها وعقباتها، وعدم الخوف على الرزق والأجل ؛ لأنه لا سبيل للمخلوقين عليها.

عناصر الدرس:

1- منزلة التوكل.

2- معنى التوكل.

3- مراتب الناس في التوكل.

4- التوكل في القرآن الكريم.

5- التوكل في السنة النبوية.

6- السلف والتوكل.

7- درجات التوكل.

8- العلاقة بين التوكل والأسباب.

9- من آثار التوكل.

10- الأسباب المعينة على التوكل.

11- عوائق التوكل.

12- قواعد وتنبيهات.

 

 

وهو عبادة قلبية عظيمة، أخطأ في فهمها جماعات من العباد والزهاد، وجماعة من عامّة الناس الذين ذهبوا في هذه المسألة إلى طرفي النقيض: الإفراط والتفريط، وأخطأوا التوسط الذي هو سمة هذه الأمة المباركة.

"وحاجة المسلم السالك لطريق الله إلى التوكل حاجة شديدة، وخصوصاً في قضية الرزق الذي شغل عقول الناس وقلوبهم، وأورث كثيراً منهم –بل أكثرهم- تعب البدن، وهمّ النفس، وأرق الليل، وعناء النهار.

وربما قبِل أحدهم أن يذل نفسه، ويحني رأسه، ويبذل كرامته من أجل لقمة العيش التي يحسبها أنها في يد مخلوق مثله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، فحياته وحياة أولاده في قبضته، بل ربما زاد أحدهم على ذلك فأفتى نفسه بأكل السحت، وأخذ الرشوة، واستباحة الربا، وأكل المال بالباطل خوفاً على نفسه إذا شاخ بعد الشباب، أو مرض بعد الصحة، أو تعطل بعد العمل، أو خشية على ذرية ضعفاء من بعده.. والمخرج من كل هذا هو الاعتصام بالتوكل على الله تعالى".

وقال ابن القيم: "والتوكل نصف الدين، والنصف الثاني الإنابة، فالدين استعانة وعبادة، فالتوكل هو الاستعانة، والإنابة هي العبادة، بل هو محض العبودية وخالص التوحيد، إذا قام به صاحبه حقيقة" (تهذيب مدارج السالكين: 336).

معنى التوكل:

التوكل لغة: "يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى فلان أي ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه، ووكل فلانا فلانا إذا استكفاه أمره ثقة بكفايته أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه".

واصطلاحاً: "المتوكل على الله: الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره، فيركن إليه وحده ولا يتوكل على غيره".

"وحقيقة التوكل هو صدق اعتماد القلب على الله عز وجل في استجلاب المصالح ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وكِلَة الأمور كلها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه".

وقيل: "هو علم القلب بكفاية الرب للعبد".

والتوكل: "هو تسليم الأمر مَن هو له، وعزل نفسه عن منازعات مالكه، واعتماده عليه فيه، وخروجه عن تصرفه بنفسه وحوله وقوته.. إلى تصرفه بربه وكونه به سبحانه دون نفسه، وهذا مقصود التوكل".

مراتب الناس في التوكل:

1- الصالحون العالمون: فهؤلاء "يتوكلون عليه في الإيمان، ونصرة دينه، وإعلاء كلمته، وجهاد أعدائه، وفي محابه وتنفيذ أوامره.

2- ودون هؤلاء من يتوكل عليه في استقامته في نفسه، وحفظ حاله مع الله، فارغاً عن الناس.

3- ودون هؤلاء من يتوكل عليه في معلوم يناله من رزق أو عافية، أو نصر على عدو، أو زوجة، أو ولد، ونحو ذلك.

فأفضل التوكل: التوكل في الواجب –أعني واجب الحق، وواجب الخلق، وواجب النفس-.

وأوسعه وأنفعه: التوكل في التأثير في الخارج في مصلحة دينية، أو دفع مفسدة دينية، وهو توكل الأنبياء في إقامة دين الله، ودفع فساد المفسدين في الأرض، وهذا توكل ورثتهم.

ثم الناس بَعْدُ في التوكل على حسب هممهم ومقاصدهم".

والقرآن مملوء بالحديث عن التوكل فحياة المرسلين مع أقوامهم: أنصارهم وأعدائهم مثلٌ للتوكل.

وجهاد المصلحين المذكور في القرآن من أمثال مؤمن آل فرعون، ومؤمن أصحاب القرية في سورة ياسين، وغيرهما مثلٌ للتوكل.

وقد كثرت آيات القرآن العظيم الداعيةُ إلى التوكل وإحسانه وإكماله، فقد قال جل من قائل: {وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (المائدة: 23).

وقال جل شأنه: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (الطلاق: 3).

وقال جل تعالى مبيناً دعاء أوليائه: {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (الممتحنة: 4).

وقال سبحانه معلماً رسوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (آل عمران: 159).

وقال سبحانه مثنياً على الصحابة: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173).

إلى غير ذلك من آيات كثيرات.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم التوكل، وحث عليه، كيف لا ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم المتوكل، كما ورد في بعض الآثار.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله تعالى فيبين للأمة توكله على مولاه فيقول: "اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، ولك خاصمت" (أخرجه مسلم).

وكان يأمر أصحابه بالتوكل فيقول لهم: "من قال –يعني إذا خرج من بيته- بسم الله توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله يقال له: كُفيت ووقيت، وتنحّى عنه الشيطان" (أخرجه الترمذي في سننه).

وقال صلى الله عليه وسلم: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقتم كما يُرزق الطير، تغدو خماصاً-أي: جائعة- وتروح بطاناً" (أخرجه الترمذي).

وقد حث السلف على التوكل، وكانت حياتهم ترجمةً له:

فهذا الإمام سعيد بن جبير يدعو فيقول: "اللهم أسألك صدق التوكل عليك، وحسن الظن بك".

وكان يقول: التوكل على الله جماع الإيمان.

وقيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك في التوكل؟ قال: على خصال أربعة: علمت أن رزقني لا يأكله غيري فاطمأنت به نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتي بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله فأنا مستحي منه".

وأخرج ابن أبي الدنيا بسنده عن سعيد ابن المسيب قال: التقى عبدالله بن سلام وسلمان رضي الله عنهما فقال أحدهما لصاحبه: إن مت قبلي فالقني فأخبرني ما لقيت من ربك، وإن مت قبلك لقيتك فأخبرتك. فقال أحدهما للآخر: أو يلقى الأموات الأحياء؟! قال: نعم، أرواحهم تذهب في الجنة حيث شاءت. قال: فمات فلان –أي سلمان الفارسي-، فلقيه في المنام فقال: توكل وأبشر، فلم أر مثل التوكل قط، توكل وأبشر فلم أر مثل التوكل قط".

وأخرج ابن أبي الدنيا بسنده عن وهيب بن الورد أن رجلين كسر بهما في البحر فوقعا إلى الأرض، فأتيا بيتا مبنياً من شجر فكانا فيه، فبينما هما ذات ليلة أحدهما نائم والآخر يقظان إذ جاءت امرأتان فوقفتا على الباب، بهما من قبح الهيئة شيء لا يعلمه إلا الله عز وجل فقالت إحداهما للأخرى: ادخلي، فقالت: ويحك، إني لا أستطيع. قالت: ويحك، لمه؟ قالت: أو ما ترين ما في الباب. فإذا لوح في البيت في كتاب: حسبي الله وكفى، سمع الله لمن دعا، وليس وراء الله مرمى".

درجات التوكل:

للتوكل درجات بحسب المتوكل وقوة إيمانه، وعزمه وهمته:

فالدرجة الأولى: معرفة بالرب وصفاته: من قدرته، وكفايته، وقيوميته، وانتهاء الأمور إلى علمه وصدورها عن مشيئته وقدرته، وهذه المعرفة أول درجة يضع بها العبد قدمه في التوكل.

الدرجة الثانية: إثبات الأسباب والمسببات.

الدرجة الثالثة: رسوخ القلب في مقام توحيد التوكل.

الدرجة الرابعة: اعتماد القلب على الله، واستناده إليه وسكونه إليه. وعلامة هذا أنه لا يبالي بإقبال الدنيا وإدبارها، ولا يضطرب قلبه ويخفق عند إدبار ما يحب منها وإقبال ما يكره؛ لأن اعتماده على الله وسكونه إليه واستناده إليه قد حصنه من خوفها ورجائها.

الدرجة الخامسة: حسن الظن بالله عز وجل فعلى قدر حسن الظن بالله ورجائه يكون التوكل عليه.

الدرجة السادسة: استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلها إليه، وقطع منازعاته.

فإن توكل العبد هذا التوكل أورثه علماً بأنه لا يملك قبل عمله استطاعة، ويعود لا يأمن مكر الله.

الدرجة السابعة: التفويض: وهو روح التوكل وحقيقته، وهو إلقاء أموره كلها إلى الله، وإنزالها به طلباً واختياراً، لا كرهاً واضطرارا.. لإرادته أن يقضي له ما هو خير له في معاشه ومعاده، وإن كان المقضي له خلاف ما يظنه خيراً فهو راض به لأنه يعلم أنه خير له وإن خفيت عليه جهة المصلحة فيه.

"وكثير من المتوكلين يكون مغبوناً في توكله.. كمن صرف توكله إلى حاجة جزئية استفرغ فيها قوة توكله، ويمكنه نيلها بأيسر شيء وتفريغ قلبه للتوكل في زيادة الإيمان والعلم، ونصر الدين، والتأثير في العالم خيراً، فهذا توكل العاجز القاصر الهمة؛ كما يصرف بعضهم همته وتوكله ودعاءه إلى وجع يمكن مداواته بأدنى شيء، أو جوع يمكن زواله بنصف رغيف، أو نصف درهم، ويدع صرفه إلى نصرة الدين، وقمع المبتدعين، وزيادة الإيمان، ومصالح المسلمين.

وحال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه رضي الله عنهم محك الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها؛ فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم؛ فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يُعبد الله في جميع البلاد، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان، وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقيناً وإيماناً".

العلاقة بين التوكل والأسباب:

وهو أمر مهم إلى الغاية، أخطأ فيه من أخطأ، ووفق للحق فيه من سعد وفاز.

فمن تارك للأسباب، عاقد عزمه على ألا يتلبس بها، وهذا كان فيمن قبلنا أكثر، ويقل وجوده هذه الأيام.

ومن ملابس للأسباب إلى الحد الذي يعتقد أنه لا غناء له عنها، وأن حياته لا تقوم بدونها، وأنه سيهلك إن لم يعتمد عليها، وهو في هذا كله قد نسي الله إلى الغاية التي يسر بها الشيطان، والعياذ بالله، وهذه الطائفة كثيرة في أيامنا هذه، وأفكارها فاشية في أذهان الناس، مسيطرة عليها، تنادي عليهم صباح مساء بالحرص والشره والطمع، والتخويف من المستقبل القاتم فيما يصورونه، فالسعيد في زعمهم من حصل من الدنيا ما يقوم بحاله وحال أولاده وأحفاده إلى ما شاء الله، وصارت الأسباب تُعبد مع الله أو من دون الله عند أكثر الناس، وقل من الناس من توسط وفهم الأسباب وعلاقتها بحياة المسلم على وجهها الصحيح.

القول فيمن نفى الأسباب كلية، وهم الفئة المفرطة:

"اعلم أن نفاة الأسباب لا يستقيم لهم توكل البتة، لأن التوكل من أقوى الأسباب في حصول المتوكل فيه، فهو كالدعاء الذي جعله الله سبباً في حصول المدعو به، فإذا اعتقد العبد أن توكله لم ينصبه الله سبباً، ولا جعل دعاءه سبباً لنيل شيء فقد وقع في الوهم الباطل، فإن الله سبحانه وتعالى قضى بحصول الشبع إذا أكل المرء، والري إذا شرب، فإذا لم يفعل لم يشبع ولم يرو، وقضى بحصول الحج والوصول إلى مكة إذا سافر وركب الطريق، فإذا جلس في بيته لم يصل إلى مكة، فوِزان ما قاله منكرو الأسباب أن يترك كل من هؤلاء السبب الموصل ويقول: إن كان قضى لي وسبق في الأزل حصول الشبع والري والحج ونحوها فلا بد أن يصل إليّ تحركت أو سكنت، سافرت أو قعدت، وإن لم يكن قد قضى لي لم يحصل لي أيضاً فعلت أو تركت.

فهل يعد أحد هذا من جملة العقلاء؟ وهل البهائم إلا أفقه منه؟ فإن البهيمة تسعى في السبب بالهداية العامة.. وهو ما يسمى بالغريزة.

بل التجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلاً وشرعاً وحساً، وما أخل صلى الله عليه وسلم بشيء من الأسباب، وقد ظاهر بين درعين –أي لبس درعين- يوم أحد، ولم يحضر الصف قط عرياناً، كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة، واستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه يدله على طريق الهجرة.. وكان يدخر لأهله قوت سنة وهو سيد المتوكلين، وكان إذا سافر في جهاد أو حج أو عمرة حمل الزاد..".

فالتوكل إذاً "لا ينافي رعاية الأسباب التي أقام الله عليها نظام هذا الكون، وأجرى عليها سنته، ومضت بها أقداره، وحكم بها شرعه".

"واستدل لذلك بالحديث المشهور عن أنس بن مالك قال: جاء رجل على ناقة له، فقال: يا رسول الله: أعقلها وأتوكل؟ أو أطلقها وأتوكل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "اعقلها وتوكل". وهذا نص صريح حاكم في مراعاة الأسباب وأنها لا تنافي التوكل".

وما أجمل ما قاله الشاعر:

وتوكل على الرحمن في الأمر كله            ولا ترغبن في العجز يوما عن الطلب

ألم تر أن الله قال لمريم                      وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أن تجنيه من غير هزة              جنته ولكن كل شيء له سبب

قال الدكتور القرضاوي: "والحق أن المعرضين عن الأسباب بالكلية لا سند لهم من قرآن ولا سنة، ولا من عمل الصحابة وتابعيهم بإحسان.. ولو أن المسلمين في خير القرون ساروا على هذا المنهج ما انتصر لهم دين، ولا تأسست لهم حضارة، ولا مكن لهم في الأرض، فإن هذا التوجه السلبي غريب على العقل الإسلامي، والروح الإسلامي، والنهج الإسلامي، الذي يعمل لتكوين الفرد الصالح والأسرة الصالحة والمجتمع الصالح، والأمة الصالحة، والدولة الصالحة، ولذا أنكره فقهاء الأمة المتبوعون وأئمتها المعتبرون، فهذا الإمام سفيان بن سعيد الثوري –وهو إمام في الفقه، وفي الحديث وفي الزهد واليقين– يقول: العالم إذا لم تكن له معيشة صار وكيلا للظلمة، والعبد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه، والجاهل إذا لم تكن له معيشة صار وكيلاً للفساق".

الرد على المتعلقين بالأسباب تعلقاً عظيماً، وهم الفئة المفرطة:

فهؤلاء على خطر عظيم لنسيانهم الله تبارك وتعالى وانصرافهم إلى الأسباب بالكلية، وإنما تذم الأسباب –في هذه الحالة– "إذا تعلق القلب بها وحدها وجعل كل اعتماده عليها، ونسي مسببها وخالقها، وجهل أن الأسباب لا تعمل وحدها، وقد ذكر القرآن لنا نموذجاً من الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها فإذا هي لا تحقق نتائجها، وذلك في قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ} (التوبة: 25).

لقد خذلوا وهم كثرة حيث غرهم الكم وأذهلهم عن التوكل فلم يغن الكم الكثير شيئاً، على حين انتصروا وهم قلة إذ كان اعتمادهم على الله وحده، بعد أن بذلوا ما استطاعوا".

والمذهب الوسط بين طرفي النقيض هذين هو مذهب من أخذ بالأسباب مع التوكل على الله حق توكله، "فهو مع الأسباب بجوارحه وبدنه، ومع ربه بعقله وقلبه، وهو الذي رعى سنة الله في خلقه، وأحكامه في شرعه، موقنا أن الله تعالى هو الذي وضع الأسباب وأمر باتخاذها، ورتب عليها آثارها قدراً وشرعاً، وهو –في الوقت نفسه– قادر على أن يعطلها إن شاء، وأن يخلق من الموانع ما يعوق سيرها أو يبطل أثرها".

من آثار التوكل:

للتوكل على الله آثار عظيمة منها: السكينة، والطمأنينة، والقوة، والعزة، والرضا، والأمل.

الأسباب المعينة على التوكل:

هي أسباب كثيرة منها معرفة الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، والثقة بالله تعالى، ومعرفة الإنسان بعجزه وضعفه، والمعرفة بفضل التوكل وأهميته.

عوائق التوكل:

ومنها الجهل بالله تعالى وعظمته، والغرور بالنفس، والركون إلى الخلق، وحب الدنيا والاغترار بها.

قواعد وتنبيهات:

1- التوكل أعظم العبادات القلبية تعلقاً بالأسماء الحسنى:

"فله تعلق باسم الغفار، والتواب، والعفو، والرؤوف، والرحيم. وتعلق باسم الفتاح، والوهاب، والرزاق، والمعطي، والمحسن. وتعلق باسم المعز، والمذل، الخافض، الرافع، المانع، من جهة توكله عليه في إذلال أعداء دينه، وخفضهم، ومنعهم أسباب النصر. وتعلق باسم القدرة والإرادة. وله تعلق عام بجميع الأسماء الحسنى، ولهذا فسره من فسره بأنه المعرفة بالله".

2- التوكل على الله تعالى لا ينافي التداوي:

جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم (لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون)[أخرجه البخاري]، فمفهوم هذا الحديث أن التداوي بالرقى والكي ينافي التوكل، وقد وجه عدد من الأئمة هذا الحديث جمعاً بينه وبين الأحاديث المنبئة عن تداوي النبي صلى الله عليه وسلم وأمره الصحابة بالتداوي، فمن التوجيهات المقبولة:

أ- المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا.

ب- يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا، وما فيها من الأسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الأطباء، ورقى الرقاة، ولا يحسنون من ذلك شيئاً.

جـ- المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك؛ لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب.

"وقد ثبتت الرقى من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله وتقريره، وجاءت عنه صيغ في الرقية معروفة، وقد ذكر ابن تيمية أن المنفي هو الاسترقاء –أي طلب الرقية- وليس الرقية".

وقد يقال إن الحديث لا يدل على أن السبعين ألفاً هم وحدهم المتوكلون بل يدل على أنهم صنف متميز، فيؤخذ منه أفضلية سلوكهم لا شرطيته.

3- استخارة الله تبارك وتعالى هيئة من هيئات التوكل وصورة منه:

فإن المستخير يتوكل على الله في تبيين الخير من الشر والنافع من الضار، ويسلم له في ذلك كله، والله أعلم.

 

 

مصادر ومراجع الموضوع الرئيس:

عنوان الكتاب
المؤلف
تحميل
1 التوكل د. يوسف القرضاوي
2 العبادات القلبية د. محمد موسى الشريف
مواقع مختلفة على الشبكة العنكبوتية

 للاستزادة:

عنوان الكتاب
المؤلف
تحميل
1 صلاح الأمة في علو الهمة سيد العفاني
2 التوكل على الله وآثاره التربوية في تنمية شخصية المسلم زكي الحازمي
3 التوكل على الله ابن أبي الدنيا
4 شرح رياض الصالحين  الشيخ بن عثيمين

 

 

 

 

التوكل على الله والثقة به - د. سعيد بن مسفر

 

التوكل على الله - الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي .

 

كيف نطبق التوكل على الله في حياتنا - د.محمد راتب النابلسي

 

جربها لذة التوكل على الله - الشيخ عبد المحسن الاحمد

 

الدعاء والتوكل على الله لكل مهموم - الشيخ صالح المغامسي

 

المغامسي وأجمل قصة في التوكل على الله

 

الشيخ الشعراوي - حديث قدسي ولا أروع عن التوكل والرزق

 

حسن التوكل على الله - الشيخ صالح المغامسي