أهداف الدرس:

1- أن يعرف المسلم حقيقة اليقين ومنزلته.

2- أن يعرف المسلم أن اليقين روح الإيمان.

3- أن يعلم المسلم أن اليقين مراتب.

4- أن يعلم العبد أنه إذا أيقن بالله جل جلاله  فلن يخيبه الله أبداً.

5- أن يعلم العبد أنه إذا امتلأ قلبه باليقين أشرقت نفسه وسعد قلبه وانتفت عنه الشكوك والريب والشبهات.

6- الرضا بما قدر الله جل جلاله وأعطى وقسم.

7- الثبات على الحق.

عناصر الدرس:

1- بيان معنى اليقين وحقيقته.

2- بيان منزلة اليقين من الدين.

3- اليقين في كتاب عز وجل، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

4- بيان مراتبه .

5- بيان مراتب أهل اليقين .

6- اختبار اليقين.

7- بيان الطريق الموصل إليه .

8- بيان الثمرات التي يجنيها من تحقق باليقين واتصف به وحصّله .

9- بيان ما ينافي اليقين ويضاده .

10- السلف واليقين .

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

أولًا: معنى اليقين:

اليقين في اللغة: العلم الذي لا شك معه.

وفي الاصطلاح: اعتقاد الشيء بأنه كذا، مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا، مطابقًا للواقع، غير ممكن الزوال.

وعند أهل الحقيقة: رؤية العيان بقوة الإيمان لا بالحجة والبرهان.

وقيل: هو طمأنينة القلب على حقيقة الشيء؛ وقيل: تحقيق التصديق بالغيب بإزالة كل شك وريب. وقيل: اليقين نقيض الشك. وقيل: اليقين رؤية العيان بنور الإيمان. وقيل: اليقين ارتفاع الريب في مشهد الغيب. وقيل: اليقين العلم الحاصل بعد الشك».

اليقين إذاً نور يقذفه الله في قلب من يصطفي من خلقه حتى يشاهد به أمر آخرته؛ ويخترق بقوته كل حجاب بينه وبين الغيب فيطلع على تلك الأمور كأنه يشاهدها، فإذا أشرق نور اليقين في الصدر ذهبت الحيرة والشكوك، وزالت المخاوف، واطمأن القلب، ونشطت الأعضاء للطاعة والبذل.

* ثم هذا اليقين ينتظمُ أمرين:

أحدهما: علم القلب.

والثاني: عمل القلب، كما فصل ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيميه رحمه الله تعالى [انظر مجموع الفتاوى 3/329].

فلا يحصل الإيمان بالآخرة –كما قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله- حتى يطمئن القلب إلى ما أخبر الله سبحانه به عنها، طمأنينته إلى الأمور التي لا يشك فيها ولا يرتاب، فهذا المؤمن هو المؤمن حقاً باليوم الآخر [الروح /221].

ثانياً: منزلة اليقين:

اليقين هو خُلق أنبياء الله وعباده الصالحين، رفع الله به درجاتهم، وكفَّر به خطيئاتهم، وأوجب لهم الحب منه والرضوان، والصفح من لدنه والغفران، إنه اليقين بالله الذي وقف معه نبي الله آدم أبو البشرية جمعاء، وقف عليه الصلاة والسلام في موقف أليم إذ أحس بالذنب في حق ربه الكريم، وقد بدت له سوءته، فطفق هو وزوجه يخصفان عليهما من ورق الجنة، {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه:121] فجاءه اليقين بالله فنادى ربه وناجاه، فغفر الله ذنبه، وستر عيبه وكفَّر خطيئته، هذا اليقين الذي دخل به يونس بن متى عليه السلام بطن الحوت في ظلمات ثلاث، لا يراه إلا الله، ولا يطلع على خبيئة قلبه من الآلام والحسرات سوى الله، فناداه وناجاه، وتقرب إليه جل في علاه {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:87]، فناداه بهذا النداء وكله يقين بأن الله سيرحمه، وناجاه بهذه النجوى وكله يقين بأن الله سيلطف به، فأخرجه الله من الظلمات إلى رحمة فاطر الأرض والسماوات، هذا اليقين الذي وقف به أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد أصابه الضر والبلوى، وعظُمت عليه الشكوى، فنادى ربه جل وعلا، فناداه وناجاه بقلب لا يعرف أحداً سواه، ففرج الله عز وجل كربه، ونفسَّ همه وغمه، ورد عليه ما افتقده.

هذا اليقين الذي وقف به الأنبياء والمرسلون في أشد الشدائد، وأعظم المكائد، فكان الله عز وجل بهم رحيماً، وبحالهم عليماً، ففرج عنهم الخطوب، وأزال عنهم الهموم والكروب.

وقف موسى عليه الصلاة والسلام البحر أمامه والعدو وراءه ومعه أمة خرجت ذليلة لله، مستجيبة لأمر الله، فوقف أمام البحر فلما قال له بنو إسرائيل: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء:61] قال واليقين معمور به قلبه ومليءٌ به فؤاده: {قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء:62] كلا؛ لا أُدرك ولا أُهان ومعي الواحد الديان، ففي طرفة عين تنزلت أوامر الله {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ} [الشعراء: 63] وإذا بتلك الأمواج المتلاطمة العظيمة تنقلب في طرفة عين إلى أرض يابسة، وإذا به على أرض لا يخاف دركاً فيها ولا يخشى، قال الله عز وجل: {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 61-63] سبحان الله! بحر عظيم؛ وفي طرفة عين تنقلب أمواجه إلى صفحة لا يجد فيها رذاذ الماء، ويضرب لهذه الأمة المستضعفة الموقنة بالله جل وعلا طريقاً في ذلك البحر لا يخاف دركاً ولا يخشى، كل ذلك باليقين بالله.

جاء عن بعض السلف: "الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله" [مجموع الفتاوى، ورسالة اليقين لابن أبي الدنيا].

وقد أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: (الْيَقِينُ الْإِيمَانُ كُلُّهُ) [أخرجه البخاري تعليقاً والحاكم في المستدرك برقم (3666) وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه]

بل قال ابن القيم رحمه الله: "اليقين من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد، وبه تفاضل العارفون، وفيه تنافس المتنافسون، وإليه شمر العاملون، وهو مع المحبة ركنان للإيمان، وعليهما ينبني وبهما قوامه، وهما يُمدان سائر الأعمال القلبية والبدنية، وعنهما تصدر، وبضعفهما يكون ضعف الأعمال، وبقوتهما تقوى الأعمال، وجميع منازل السائرين إنما تُفتتح بالمحبة واليقين، وهما يثمران كل عمل صالح، وعلم نافع، وهدى مستقيم" [مدارج السالكين 2/397]. ولهذا قال أبو بكر الوراق رحمه الله: "اليقين ملاك القلب، وبه كمال الإيمان، وباليقين عُرف الله، وبالعقل عُقل عن الله".

ثالثاً: اليقين في الكتاب والسنة:

الله تبارك وتعالى يذكر اليقين في مواضع متعددة:

فتارة: يذكره من أوصاف أهل الإيمان: فيقول: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} [سورة البقرة: 4].

وتارة: يذكر بعض حِكَمِه في بعض أفعاله، وليصل بعبدٍ من عباده إلى مرتبة اليقين: فيقول: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [سورة الأنعام: 75].

وتارة: يذم من لا يقين عنده: فيقول: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ} [سورة النمل: 82].

وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد كثير من الأحاديث النبوية الشريفة التي يذكر فيها فضل اليقين ومنزلته وشرفه: كما في حديث أبي هريرة قال: كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فِي نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا وَفَزِعْنَا فَقُمْنَا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما بحثوا عنه؛ وجدوه في حائط، وكان أبو هريرة رضى الله تعالى عنه أول من وجده فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم نعله، وقال له: (اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ) [أخرجه مسلم].

ولما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بِلَالٌ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجَنَّةَ) [أخرجه النسائي]. فدل ذلك على أن اليقين سبب لدخول الجنة، والأحاديث في هذا كثيرة، وتتبع ذلك أمر يطول.

رابعاً: مراتب اليقين:

أدنى مراتب اليقين هي مرتبة: "علم اليقين"، والمرتبة التي فوقها هي مرتبة: "عين اليقين"، وأعلى المراتب هي مرتبة: "حق اليقين"، والله عز وجل يقول: {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [سورة التكاثر: 5]. فذكر العلم: علم اليقين.

{لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ[6]ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [سورة التكاثر: 6-7]. فذكر في هذه الآيات مرتبتين من مراتبه:

فعلم اليقين: هو التصديق الكامل الجازم، الذي لا تردد فيه فينكشف بذلك المعلوم للقلب، فيصير بمنزلة المُشَاهِد له، فلا يشك فيه كما يشك الرائي بعينه في مرئيه ومُشَاهَدِه، فيكون علم اليقين بالنسبة للقلب كالمرئي بالعين بالنسبة للبصر.

ثم إذا كان اليوم الآخر، ورأينا الجنة بأعيننا، فإن هذه المرتبة هي مرتبة عين اليقين. والفرق بين هذه المرتبة والتي قبلها هو كالفرق بين العلم وبين المشاهدة، وقد جاء عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ)  [أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم 1842]. فموسى صلى الله عليه وسلم أخبره الله عز وجل -وهو أصدق من يقول- أن قومه قد عبدوا العجل فما ألقى الألواح، فلما قدم ورأى قومه يعبدون العجل بعينه؛ ألقى الألواح، وغضب، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ولهذا قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ) .

وهذه المرتبة: مرتبة عين اليقين هي التي سألها إبراهيم صلى الله عليه وسلم ربه قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} [سورة البقرة: 260]. فإبراهيم صلى الله عليه وسلم كان كامل الإيمان، راسخ اليقين، لا تردد عنده، ولا اشتباه ولا ريب، ولكنه أراد أن ينتقل من مرتبة من مراتب الكمال إلى مرتبة أعلى منها، أراد أن ينتقل من مرتبة علم اليقين إلى مرتبة عين اليقين، فيرى ذلك بأم عينه، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المسافة التي بين علم اليقين، وبين عين اليقين سماها: "شكاً" لعله من باب التجوز، فقال صلى الله عليه وسلم: (نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ) [أخرجه البخاري ومسلم].

وأما المرتبة الثالثة فهي: مرتبة حق اليقين: وهي مباشرة الشيء بالإحساس فعلاً، أن تكون في بحبوحة الشيء، أن تكون ملابساً له، وذلك أن أهل الجنة إذا كانوا في وسط الجنة، فهم في هذا الحال قد بلغوا مرتبة حق اليقين.

مراتب الناس في اليقين:

فَعِلْمُ اليقين على مراتب:

تارة: يعلم العبد الحقيقة علماً جازماً لثقته بالمُخبِر.

وتارة: يعلم صدقه، ويتيقن ذلك، وتقوم الدلائل في قلبه حتى يصير ذلك كالمشاهَد بعينه، فهذه مرتبة أعلى. وعين اليقين من أهل العلم من يقول إنه نوعان:

نوع يحصل لقلب المؤمن في الحياة الدنيا: وهذا إذا ارتقى إيمان العبد ورسخ اليقين في قلبه، واستقر وصار كأن حقائق الآخرة ماثلة بين يديه، وكأنه يشاهد عرش الرحمن، يحف به الملائكة، وصار كأنه يرى الجنة والنار، فهذه بعض أهل العلم يعدونها من عين اليقين بالنسبة للقلب، يقولون: هذا في الدنيا.

وأما في الآخرة: فيكون ذلك بمشاهدتها بالعين الباصرة.

خامساً: اختبار اليقين:

هناك مواقف يتبين العبد حاله فيها ومرتبته في هذا الباب، ومن هذه المواقف والمواطن:

الموقف الأول: موقف التوبة: فالعبد الذي قد كمل اليقين في قلبه؛ لا يتردد إذا وقع منه تقصير، أو ذنب، أو زلة -وكل إنسان مُعرَّض لذلك- فإنه يبادر إلى التوبة من غير تردد، ويرجع إلى الله عز وجل، وينيب إليه؛ لأنه يعلم أن ثمة يوماً سيحاسب فيه على القليل والكثير، والدقيق والجليل، وسيؤاخذ بجرمه، فلا تردد عنده في التوبة.

وأما من ضعف يقينه، فيحتاج إلى تحريك القلب بعرض ألوان من المواعظ والعبر وما ذلك إلا لضعف يقينه.

ولذلك ذكروا عن رجل أنه كان كثير الذنوب، كثير الخطايا والعيوب، فجاءه رجل يذكره بالله، وكان هذا الرجل كثير النصح له، فلما أكثر عليه نصحه ذات يوم قال له: إن الله لا يغفر لك، فاستفاق من غفلته وانتبه من منامه، وقال له وهو على يقين بالله: سأريك كيف يغفر الله لي ذنبي، فخرج إلى التنعيم فأحرم بالعمرة تائباً إلى الله فطاف بالبيت فخرَّ ميتاً بين الركن والمقام.

فما أيقن الإنسان بالله عز وجل وخيبه الله سبحانه، ولو أنه جاء إلى الله بذنوبٍ بلغت عنان السماء وقلبه عامر باليقين بالله ما خيبه الله.

الموقف الثاني: هو موقف المصيبة: فما ألذ اليقين، إذا نزلت المصائب بعباد الله المؤمنين، والله! ما أُصيب إنسان في نفسه أو في أهله وولده أو في ماله أو في أي شيءٍ عزيز عليه واعتقد في قلبه أن الله يعوضه إلا عوضه الله عز وجل، فيجب ألا يكون في قلب الإنسان مثقال ذرة من سوء الظن بالله، ولذلك الشيطان أحرص ما يكون في مثل هذه المواقف، وتجد المؤمن إذا أصابته المصيبة يأتيه الشيطان من كل حدب وصوب لكي يخيب ظنه بالله، يقول له: لو كنت مؤمناً ما ابتلاك الله بفقد ولدك، ولو كنت مؤمناً ما ابتلاك الله بفقد ابنتك، ولو كنت مؤمناً ما ابتلاك الله بفقد مالك، ولو كنت.. ولو كنت.. ولكن ما أحسن عبد ظنه بالله فخيبه الله أبداً، إياك أن يدخل إلى قلبك مثقال ذرة من سوء الظن بالله عز وجل، فلعلك عندما تفقد المال تخرج منك كلمة تثني بها على الله فيحبك الله حباً لا يسخط عليك بعده، وقد يرفعك الله بهذه الكلمة إلى درجة لا تبلغها بكثير صلاة ولا صيام.

ذكر رجل أنه في ذات يوم من الأيام دخل على أبيه وهو في همّ وغم، فلما نظر إليه سأله، فإذا به قد أصابه دين، يقول هذا الرجل -وكان من عباد الله الصالحين ومن الشباب الأخيار-: فكان دين والدي بمقدار عشرة آلاف أو خمسة عشر ألفاً، وكان مالي عشرون ألف تعبت عليها حياتي وأنا أجمع هذا المال؛ لكي أبني مستقبلي، فلما نظرت إلى ما أصاب أبي ذكرت وصية الله بالوالدين، وذكرت وصية الله بالإحسان إليهما، فقلت في نفسي: لو أنني أعطيته هذا المال الذي أملكه، فجاءني الشيطان وقال لي: تعبك ومالك ومستقبلك يضيع في هذه اللحظة، يقول: فأصبحت في صراع هل أعطيه أو لا أعطيه! فقررت أن أعطيه، قال: فذهبت فأخذت المال وكلي يقين بأن الله سيعوضني عني، فوضعت الخمسة عشر ألفاً بين يديه، وأنا على يقين بأن الله لا يخيبني، يقول: فلما وضعتها بين يديه فاضت عيناه بالدمع وقال: أسأل الله العظيم أن يفتح لك أبواب فضله، يقول: فقمت من عنده، وما مضت إلا أيام قليلة فدُعيت إلى مناسبة فيها رجل من الأثرياء، وكان يبحث عن رجل يقوم على أمواله، فقال الرجل الذي استضافه: لن تجد أصلح من هذا الرجل الذي أمامك، يقول: فأخذني وكيلاً على ماله، وكانت أول صفقة لي من ذلك المال في أول بيعة مائتا ألف ريال، فرحمه الله عز وجل ولم يخيبه سبحانه.

الموقف الثالث: في حال الغنى: فمن الناس من لا يصبر إذا أغناه الله عز وجل، فيصل به ذلك إلى الكفر، لربما قال العبد: إنما أوتيته على علم عندي، وينسى أن الله عز وجل هو الذي أعطاه وأولاه، وأن الله عز وجل هو مالك الملك وأن العطاء بيده، وأن الكون ملكه بما فيه، ينسى هذا ويقول: إنما أوتيته على علم، إنما حصلته بجدي واجتهادي وجهدي، وتحصيلي وذكائي وعلمي بوجوه المكاسب، ولربما قال: حصلته وورثته كابراً عن كابر، ولربما قال غير ذلك مما يكون فيه نسيان المنعم، والذهول عن مقام استشعار إنعامه وإفضاله على العبد، فيكون بذلك كافراً لنعمة ربه جل جلاله.

وعلى كل حال: إذا أردت أن تكون متحققاً باليقين، وأن تعرف ذلك من نفسك؛ فلا تُمْسِ ولا تُصْبِح وفي قلبك أحد أحب إليك من الله، وإذا أردت أن تتحقق باليقين، وأن يكون ذلك وصفاً راسخاً ثابتاً في قلبك؛ فلا يكن أحد من المخلوقين أخوف عندك من الله. وبالتالي فإن صاحب اليقين لا يتعلق بأحد من الخلق لعطاء أعطاه، أو لجمال صورته، أو لغير ذلك، لا يتعلق قلبه به، ويلتفت إليه ليرجو ما عنده، ولا يخاف أحداً من المخلوقين، فيترك ما أمره الله عز وجل به، أو يتردد في التمسك بحبل الله جل جلاله من أجل الخوف من هذا المخلوق، فيكون صاحب اليقين ثابتاً، مرتبطاً بالله عز وجل في كل أحواله، فهو يرجو الله، ويؤمله، ويحبه، وهو أحب شيء إليه، كما أنه يخاف الله عز وجل ولا يرقب أحداً سواه.

الموقف الرابع: حال الفتنة والشبهة، فعندما يأتي ليل الفتن وسيلها الجارف يحتاج المؤمن إلى ما يثبته، وهو هذا اليقين الذي يجعله لا ينجرف وراء الفتن ولا يذهب وراء كل ناعق، ويمسك بالمحجة البيضاء لا يميل عنها يميناً ولا شمالاً، ولا يسلك بنيات الطريق ولا أبواباً مفتحة.

وهذا الحال يذكرنا بحالنا اليوم، فالفتن تزداد في آخر الزمان، وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الفتن فقال: (يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا) [أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة]، فكم شاهدنا من الناس من نرى بحسب الظاهر -والسرائر علمها إلى الله- أنه يبيع دينه بعرض من الدنيا.

هذا من هذه الفتن التي حذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم، فلذلك يجب على المسلم أن يستمسك باليقين، فإذا عرض عليه بيع دينه بأي ثمن تذكر أن هذا الدين هو هو، وأن بيعه له خسارة في الدنيا والآخرة، وأنه إن لم يسلك طريق إبراهيم فقد سفه نفسه كما شهد الله وهو عليم بذلك: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} [البقرة:130].

ومن هنا فعليه أن يثبت وأن يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن ما كتب له لابد أن يناله، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وليتذكر هذا عند كل الصدمات والأزمات، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.

فإذا جاءت أية نازلة وأية فتنة فإن أهل الإيمان يثبتون ويراجعون أنفسهم ويتذكرون أول ما يتذكرون اللجوء إلى الله والعلاقة به، ومن هنا لا يستفزون بهذه الفتنة فينجون منها: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27].

سادساً: الطريق إلى اليقين:

كيف نصل بأنفسنا إلى اليقين؟ كيف نتربى على اليقين؟ كيف نرتقي بإيماننا إلى هذه المرتبة؟

أعظم ذلك: أن نعلم أن التوفيق بيد الله عز وجل، وأن المواهب بيده، فما على العبد إلاّ أن يلتجأ إليه، وأن يصدق في الإقبال عليه، فيسأل ربه قائماً، قاعداً أن يرزقه الإيمان الكامل، واليقين الجازم الراسخ الذي لا يتزعزع. [انظر: مدارج السالكين 2/302]. ومع ذلك أيضاً يبذل الأسباب التي توصله إلى هذه المرتبة، ومن هذه الأسباب:

* الأول: وهو أول درجات اليقين: العلم: فهو يستعمله، فأن تعمل بمقتضى هذا العلم، واليقين يحملك كما قال بعض السلف: "العلم يستعملك –فتعمل بمقتضاه- واليقين يجملك" [مفتاح دار السعادة 1/154]. فيندفع العبد للعمل، ويُقدم، وينفق ماله الذي يكون حبيباً إلى قلبه؛ لأنه يتيقن بالجزاء، ويعلم أن من أعلى المراتب والمنازل عند الله عز وجل مرتبة الشهداء، فيبذل نفسه رخيصة في سبيل الله تبارك وتعالى-والنفس هي أحب الأشياء إلى الإنسان-:

لولا المشقة ساد الناس كلهم * * * الجود يُقفر والإقدام قَتَّالُ

وهذا العلم الذي يحتاج إليه العبد ليصل إلى مرتبة اليقين يشمل: العلم بالله عز وجل، ويشمل العلم بالله عز وجل: علمه بأنه المألوه المعبود وحده لا شريك له، وأنه لا يستحق العبادة أحد سواه، فلا يلتفت قلبه إلى أحد من الخلق، ولا يتعلق بهم، وهو يعلم أيضاً ربوبية الله عز وجل للكائنات، وأن أَزِمَّة الأمور بيده، وأنه مدبر هذا الكون ومُصَرِّفه، وأن الخلق عبيده يربهم ويتصرف بهم، إذا علم العبد ذلك اطمأن إلى رزقه؛ لأن الأرزاق بيد الله، فهذا من معاني ربوبية الله عز وجل، وإذا علم العبد ذلك اطمأن إلى أجله؛ لأن الآجال بيد الله عز وجل، وإذا علم العبد ربوبية الله عز وجل؛ اطمأن إلى أقداره، وإلى عطائه ومنعه، فلا يعترض على الله، ولا يقترح، ويتقدم بين يدي الله عز وجل، ولا يسيء الأدب معه.

والعلم بالله يشمل أيضاً: العلم بأسمائه وصفاته، فيعلم أن الله هو العظيم الأعظم، فلا يعظم أحد في عينه عظمة لا تصلح إلا لله، ويعلم أن الله عز وجل هو الجبار القاهر، القادر القوي المتين، فلا يهاب المخلوقين، وإنما يعظم الخوف من الله عز وجل في نفسه، ويعلم أن الله هو الرقيب، فلا تمتد عينه إلى الحرام، ولا تمتد يده إلى الحرام، ولا تخطو رجله إلى الحرام؛ لأن يقينه راسخ بأن الله هو الرقيب، وأن ما يخفى على المخلوقين لا يخفى على الله جل جلاله؛ فتسكن جوارحه، وتلتزم طاعة ربها ومليكها، فلا يصدر منه شيء ينافي هذا الإيمان، وهذا اليقين الذي وقر في قلبه بمعرفته بأوصاف الله عز وجل الكاملة، وإذا عرف أن ربه قوي؛ عرف أن ربه قادر على أن يمنعه من كل المخاوف، وأن الله قادر على حفظه، فهو يلجأ إلى ركن قوى، فيفوض أموره إليه، فيكون بذلك متوكلاً على الله لا متوكلاً على ذاته، ويكون متوكلاً على الله لا متوكلاً على أبيه، ويكون متوكلاً على الله لا متوكلاً على ذكائه، ويكون متوكلاً على الله لا متوكلاً على سوقه ومتجره ومصنعه.

وهذا العلم أيضاً كما أنه علم بالرب المعبود أيضاً هو علم بالنفس وبالخلق: فيعلم قدر نفسه وضعفه وعجزه، فلا يركن إلى نفسه، ولا يركن إلى المخلوقين؛ لعلمه أنهم مربوبون، وأن الله عز وجل يصرّفهم ويدبّرهم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، فالمخلوق ضعيف عاجز لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فكيف يملك لغيره؟! ومن ثم فلا يمتد طمعه إلى أحد من هؤلاء الضعفاء العاجزين، وإنما يكون ملتفتاً إلى الله عز وجل، ولهذا قال بعض أهل العلم: "إذا أردت اليقين فكن أفقر الخلق إلى الله" مع أن الله أغنى ما يكون عنك.

* الثاني: مما يقوي اليقين في نفس الإنسان: دفع الواردات والخواطر والأمور المنافية له: ولهذا كان جهاد الشيطان على مرتبتين اثنتين: جهاده فيما يُلقيه من الشبهات والوساوس والخواطر المزعزعة لليقين، كما أنه إذا جاهد الشيطان في باب الشهوات؛ فإن ذلك يُورثه صبراً كما قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله [زاد المعاد 3/10]. ولهذا كانت الإمامة في الدين تُنال بالصبر واليقين، فالصبر يدفع الشهوات والإرادات الفاسدة، واليقين يدفع الشكوك والشبهات.

* الأمر الثالث: من الأمور الموصلة لليقين: العزم الجازم الذي لا تردد فيه في العمل بمرضاة الله عز وجل: فيُقدم العبد على ذلك من غير نظرٍ في الحسابات، وإنما العبد بحاجة إلى الإقدام والجزم، ولهذا قال بعض أهل العلم: "الاهتمام بالعمل يورث الفكرة، والفكرة تورث العبرة، والعبرة تورث الحزم، والحزم يورث العزم، والعزم يورث اليقين، واليقين يورث الغنى، فلا يلتفت ولا يفتقر إلى أحد سوى الله عز وجل، والغنى يورث الحب، والحب يورث اللقاء".

* والأمر الأخير: مما يورث اليقين في قلوبنا، ويكون سبباً إلى تحصيله: التفكر في الأدلة التي توصل إلى اليقين: فكلما تواردت البراهين المسموعة، والمعقولة، والمشاهدة على قلب الإنسان؛ كلما كان ذلك زيادة في يقينه وإيمانه.

سابعا: ثمرات اليقين:

* أولاً: أن اليقين إذا وصل إلى قلب الإنسان؛ امتلأ قلبه نوراً وإشراقاً، وانتفى عنه أضداد ذلك من الشكوك والريب والشبهات التي تقلقه: فيكون القلب مستريحاً مطمئناً، فيرتفع عنه السخط والهم والغم الذي يجلبه الشك والريب. ولهذا يقال: "ثَلَجَ صدرُه.. وحصل له برد اليقين" [انظر: إغاثة اللهفان 1/19-20]. فتزول عنه هذه الأمور التي تعصر القلب، وتؤلمه، وتعصف به.

يقول ابن القيم [الوابل الصيب ص 69-70] رحمه الله تعالى، واصفاً مثالاً واقعياً شاهده على سكون صاحب اليقين وهذا المثال هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- يقول ابن القيم: سمعته قدس الله روحه يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة". يقول ابن القيم: وقال لي مرة: "ما يصنع أعدائي بي؟! إن جنتي وبستاني في صدري أنَّى رحتُ، فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خَلْوَة، وقتلى شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة". وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بَذَلْتُ ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة، أو قال: "ما جزيتهم على ما تسببوا لي فيه من الخير ونحو هذا". -نعمة السجن- التي أورثته خلوة بربه، فحصل له من الأمور التي تورثه اليقين ما الله به عليم. وكان يقول في سجوده وهو محبوس: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". كان يردد ذلك.

وقال لابن القيم مرة: "المحبوس من حُبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه".

ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله، واصفاً له: "وعَلِمَ الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مع كل ما كان فيه من ضيق العيش، وخلاف الرفاهية والنعيم بل ضدها، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد، والإرهاق، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً، وأقواهم قلباً وأسرّهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه". يقول: "وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت منا الظنون، وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه؛ فيذهب ذلك كله، وينقلب انشراحاً، وقوةً، ويقيناً، وطمأنينةً، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها، ونسيمها، وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها، وإذا وصل العبد إلى مرتبة اليقين اندفعت عنه الشكوك والريب، ولهذا قال أحمد بن عاصم الأنطاكي رحمه الله، وهو واعظ دمشق: "يسير اليقين يُخرج كل شك من القلب" [نزهة الفضلاء 955].

* ثانياً: مما يورثه اليقين: الهدى والفلاح في الدنيا والآخرة [زاد المعاد 4/215] ومعلوم أن الفلاح هو تحصيل المطلوب، والنجاة من المرهوب، ولهذا قال الله عز وجل عن المؤمنين: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ[4] أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة البقرة: 4-5]. وقد جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه -مرفوعا- فيما أخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والبخاري في الأدب المفرد، قال: (سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ أَفْضَلَ مِنْ الْعَافِيَةِ).

يقول ابن القيم رحمه الله في "زاد المعاد": لا يتم صلاح العبد في الدارين إلا باليقين والعافية، فاليقين يدفع عنه عقوبات الآخرة، والعافية تدفع عنه أمراض الدنيا من قلبه وبدنه [ انظر: مدارج السالكين 2/397].

ويقول شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، مبيناً لطيفة تتعلق بآية من كتاب الله عز وجل، فالله عز وجل يقول: {إنّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ[22]عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ[23]تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ[24]يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ[25]خِتَامُهُ مِسْكٌ [26] [سورة المطففين]. أي أن آخره يكون بطعم المسك، وقال: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ[27]عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ[28] [سورة المطففين]. فالتسنيم هي عين يشرب بها المقربون من عباد الله عز وجل في الجنة، وأولئك الأبرار يشربون من شرابٍ من خمرٍ ممزوجة مخلوطة بالتسنيم، وليست تسنيماً صافياً خالصاً، يقول شيخ الإسلام: "وذكر سبحانه أن شراب الأبرار يُمزج من شراب عباده المقربين؛ لأنهم مزجوا أعمالهم، ويشربه المقربون صِرْفاً خالصاً كما أخلصوا أعمالهم، وجعل سبحانه شراب المقربين من الكافور الذي فيه من التبريد والقوة ما يناسب برد اليقين وقوته؛ لما حصل لقلوبهم، ووصل إليها في الدنيا، مع ما في ذلك من مقابلته للسعير، ويشير إلى قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا} [سورة الإنسان: 5]. فالجزاء من جنس العمل، فلما حصل لهم برد اليقين حصل لهم أيضاً برد هذا الشراب من الكافور في الجنة [دقائق التفسير 3/22].

* ثالثاً: من الأمور التي يثمرها اليقين في سلوك الإنسان: أنه يورثه الزهد في الدنيا وقصر الأمل: فلا تتعلق نفسه بها، ولا يتشبث بُحطامها، وإنما يكون زاهداً فيها؛ لأنه يعلم أنها ليست موطناً له، ولأنه يعلم أنها دار ابتلاء، وأنه فيها كالمسافر يحتاج إلى مثل زاد الراكب، ثم بعد ذلك يجتاز ويعبر إلى دار المقام، فهو بحاجة إلى أن يشمر إليها، وأن يعمل لها، ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) فَقَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ الْأَنْصَارِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ: (نَعَمْ) قَالَ: بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ) قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا رَجَاءَةَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ: (فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا) فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. [أخرجه مسلم].

يقول بلال بن سعد رحمه الله: "عباد الرحمن اعلموا أنكم تعملون في أيام قصار، ولأيام طوال، في دار زوال لدار مقام، ودار حزن ونصب لدار نعيم وخلد، ومن لم يعمل على اليقين، فلا يغتر؛ لأن المصير حتماً سيقع إما إلى الجنة وإما إلى النار". وكان يقول: "كأنّا قوم لا يعقلون، وكأنّا قوم لا يوقنون".

* رابعاً: مما يثمره اليقين: الانتفاع بالآيات والبراهين [انظر: مدراج السالكين 2/397]: فالله عز وجل يقول: {وَفِي الْأَرْضِ ءَايَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} [سورة الذريات] نحن نشاهد الإنسان الذي عنده يقين راسخ إذا مر بآية من الآيات الكونية، أو مر بآية من الآيات الأرضية، إذا شاهد مكاناً للمعذبين؛ فإنه يرق قلبه، وتتمالكه مشاعر كثيرة لا يستطيع أن يُعبر عنها، ولربما دمعت عينه وبكى، وأما الآخر: فهو ينظر إلى هذه الأشياء، وقد علق كاميرا في عنقه، يضحك ملء فيه، ولا يُحرك ذلك في قلبه ساكناً، فالآيات إنما تُؤثر وتُحرك نفوس أصحاب اليقين، أما أهل الغفلة، فإنهم لا ينتفعون بها؛ ولهذا يقول الله عز وجل: {وَكَأَيِّنْ مِنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} [سورة يوسف: 105].

* خامساً: مما يؤثره اليقين: الصبر: ولا يمكن للعبد أن يصبر إن لم يكن له ما يطمئن له، ويتنعم به، ويغتذي به وهو اليقين [الاستقامة 2/261]. والعبد إذا كان فارغ القلب؛ لم يصبر، وإنما إذا كان له شيء يتنعم به، ويتلذذ به، ويركن إليه؛ فإنه يركن، ويصبر، ويسكن، فلا يصدر منه شيء يخالف مقتضى الصبر.

وعلى حسب يقين العبد بالمشروع؛ يكون صبره على المقدور، كما قال الله عز وجل: {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [سورة الروم: 60] قال ابن القيم رحمه الله: "لعدم يقينهم عُدِمَ صبرهم، وخفوا واستخفوا قومهم، ولو حصل لهم اليقين والحق؛ لصبروا، وما خفوا ولا استخفوا، فمن قل يقينه قل صبره، ومن قل صبره خف واستخف، فالموقن الصابر رزين لأنه ذو لب وعقل، ومن لا يقين له، ولا صبر عنده؛ خفيف طائش، تلعب به الأهواء والشهوات كما تلعب الرياح بالشيء الخفيف" [التبيان في أقسام القرآن ص 55].

ويقول في موضع آخر: "لذة الآخرة أعظم وأدوم، ولذة الدنيا أصغر وأقصر، وكذلك ألم الآخرة وألم الدنيا، والمعول في ذلك على الإيمان واليقين، فإذا قوى اليقين، وباشر القلب؛ آثر الأعلى على الأدنى في جانب اللذة، واحتمل الألم الأسهل على الأصعب" [الفوائد ص201]. ولهذا قال بعض الزهاد العبّاد من المتقدمين: "تَرِدُ عليّ الأثقال –يعنى من المصائب والآلام- التي لو وضعت على الجبال تفسخت، فأضع جنبي على الأرض وأقول –مُثَبِّتاً لنفسه- {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[5]إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا[6]{ [سورة الشرح] . ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني" [نزهة الفضلاء 1575].

وكان عطاء الخراساني رحمه الله لا يقوم من مجلسه حتى يقول: "اللهم هب لنا يقيناً بك حتى تهون علينا مُصيبات الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يُصيبنا إلا ما كُتب علينا، ولا يأتينا من هذا الرزق إلا ما قسمت لنا به".

* سادساً: مما يورثه اليقين -وهو مرتبه فوق الصبر-: الرضا بما قدر الله عز وجل وأعطى وقسم: فاليقين هو أفضل مواهب الله عز وجل على العبد، ولا يمكن أن تثبت قدم الرضا إلا على قاعدة اليقين ودرجته، فمن لا يقين عنده لا يمكن أن يصبر، فضلاً أن يرتقى إلى درجة الرضا بما قدر الله عز وجل عليه من الآلام والمصائب والمحن والبلايا، وما قدر الله عليه من الفقر والمرض، وما أشبه ذلك، الله يقول: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [سورة التغابن: 11]. يقول ابن مسعود: "هو العبد تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله؛ فيرضى ويُسلّم". ولهذا لم يحصل له هداية القلب والرضا والتسليم إلا باليقين [ مفتاح دار السعادة 1/154]. وهذا الرضا يكون بقضاء الله عز وجل.

وهذه محاورة وقعت بين الحسن بن على رضى الله عنه، وبين من نقل كلام أبي ذر الغفاري رضي الله عنه: أبو ذر رضى الله عنه كان يقول: "الفقر أحب إلىّ من الغنى، والسقم –يعنى المرض- أحب إلىّ من الصحة" فلما بلغ ذلك الحسن بن على رضى الله عنه قال: "رحم الله أبا ذر، أمّا أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له؛ لم يتمنَّ شيئاً".

* سابعاً: من ثمرات اليقين: أن البلاء يصير عند من استكمل اليقين نعمة، والمحنة منحة: قال سفيان بن عيينة: "من لم يَعُدّ البلاء نعمة فليس بفقيه" [مفتاح دار السعادة 1/154].

* ثامناً: مما يثمره اليقين: التوكل على الله عز وجل: ولهذا قرن الله بينه وبين الهدى، فقال: {وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا} [سورة إبراهيم: 12]. وقال: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} [سورة النمل: 79]. والحق هنا هو اليقين كما قال ابن القيم رحمه الله [مدارج السالكين 2/398].

* تاسعاً: من ثمراته: أنه يحمل صاحبه على مباشرة الأهوال وركوب الأخطار: لما أراد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يعبر دجلة إلى المدائن، وقطع الفُرْسُ عليه الجسر، وحازوا السفن؛ نظر سعد في جيشه، فلما اطمأن إلى حالهم، اقتحم الماء، فخاض الناس معه، وعبروا النهر فما غرق منهم أحد، ولا ذهب لهم متاع، فعامت بهم الخيل وسعد يقول: "حسبنا الله ونعم الوكيل، والله لينصُرَّنَ الله وليَّه، وليُظْهِرَنَّ الله دينه، وليهزمن الله عدوه؛ إن لم يكن في الجيش بَغْيٌ أو ذنوب تغلب الحسنات" [تاريخ الطبري2/462]. ولما نزل خالد بن الوليد رضى الله عنه الحيرة، فقيل له: احذر السم لا تسقك الأعاجم، فقال: "ائتوني به، فأُتي به، فالتهمه، واستفه، وقال: بسم الله، فما ضره". قال الذهبي رحمه الله: "هذه والله الكرامة وهذه الشجاعة" [سير أعلام النبلاء 1/376].

* عاشراً: مما يثمره اليقين: أن اليقين إذا تزوج بالصبر فإنه يولد بينهما الإمامة في الدين: والله عز وجلّ يقول: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [سورة السجدة: 24]. فالصبر هو لقاح اليقين. [مدارج السالكين 2/196، الفوائد ص 199].

* الحادي عشر: مما يورثه اليقين: أنه يحمل صاحبه على الجد في طاعة الله عز وجلّ والتشمير والمسارعة والمسابقة في الخيرات: ولذلك فإن أصحابه يمتطون العزائم، ويهجرون اللذات، وكما قيل: "وما ليل المحب بنائم". فعلموا طول الطريق، وقلة المقام في منزل التزود؛ فسارعوا في الجهاز، وجدّ بهم السير إلى منزل الأحباب، فقطعوا المراحل، وطووا المفاوز، كما يقول ابن القيم رحمه الله [مفتاح دار السعادة 1/149].

يقول سفيان الثوري رحمه الله مبيناً هذا المعنى: وهو أثر اليقين في قلب العبد بالتشمير في طاعة الله جلّ جلاله: "لو أن اليقين استقر في القلب كما ينبغي؛ لطار فرحاً، وحزناً، وشوقاً إلى الجنة أو خوفاً من النار" [الحلية 7/17].

* الثاني عشر: من الأمور التي يثمرها اليقين في سلوك العبد: أنه يجعل صاحبه ثابتاً على الحق الذي اتبعه وعرفه: ولهذا فإن أهل الحق هم أكثر الناس ثباتاً، ولهذا لما سأل هرقل أبا سفيان عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قال: لا، قال: وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ [أخرجه البخاري].

يقول شيخ الإسلام: "وأما أهل السنة، فما يعلم أحد من علمائهم، ولا صالح عامتهم؛ رجع قط عن قوله أو اعتقاده، بل هم أعظم الناس صبراً على ذلك، وإن امتُحنواْ بأنواع المحن، وفُتنواْ بأنواع الفتن، وهذه حال الأنبياء وأتباعهم من المتقدمين، كأهل الأخدود، ونحوهم، وكسلف هذه الأمة من الصحابة، والتابعين، وغيرهم من الأئمة، حتى كان مالك رحمه الله يقول: لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر بلاء [مجموع الفتاوى 4/50].

* الثالث عشر: من الأمور التي يورثها اليقين: الثبات أمام الأعداء حتى النصر أو الشهادة: وأخبار أهل اليقين في هذه الأمة كثيرة جدًّا، وهكذا أهل اليقين الذين كانواْ من قبلنا، وتعرفون جميعاً خبر الغلام مع الملك وثباته العظيم الذي ثبته، ومن أخبار القادة المسلمين الذين كانوا يتحلون باليقين، وكان لهم عجائب، وغرائب بسبب ذلك: القائد المجاهد، الزاهد، أبو عبدالله مردنيش، قَاتَل الكفار من الرومان، واستطاع أن يُحرز غنائم هائلة، ثم بعد ذلك كان مع طائفة من أصحابه لا يزيدون عن ثلاثمائة، وهو قائد كبير، فأحاط به من الرومان أكثر من ألف، فلما نظر إليهم قال لأصحابه: ما ترون؟ قالواْ نترك الغنيمة، وننطلق فينشغلواْ بها عنا، فقال: ولكن القائل يقول: {إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} [سورة الأنفال: 65]. ألم يقل القائل ذلك؟؟ -وظنوا أنه لم يعرف من قال ذلك- فقال بعضهم: هذا قاله الله عز وجلّ! فقال: إذا كان الله قال ذلك، فكيف تقعدون عن لقائهم؟! فثبتواْ أمامهم، فهو يعرف القائل، ولكنه كان يريد أن يختبرهم، وقاتلوهم حتى هزموهم، وفروا من مواجهتهم. [نزهة الفضلاء 1545].

* الرابع عشر: مما يورث اليقين: أن صاحبه لا يعرف اليأس مهما طال ليل الظالمين ومهما امتد الظلام: فإن بعد الليل انفلاق الفجر ولا محالة، فالليل مهما طالت ساعاته ومهما اشتدت ظلمته فإنه يزول وينفلق عن بياض الصبح، فأهل اليقين لا يعرفون اليأس، وبالتالي فمهما وقع على الأمة من مصائب وبلايا ومحن ونكبات، وتسلط الأعداء؛ فإن أهل اليقين تختلف مواقفهم عن غيرهم من الناس، فمنَ ضَعُف يقينهم؛ يرضون بالأمر الواقع ويدعون إلى التسليم، والاعتراف بالأمر الواقع بزعمهم، والانخذال للعدو، والاستسلام له.

وأما أهل اليقين: فيصبرون، ويثبتون، ويفعلون ما في وسعهم، وطاقتهم، والله عز وجلّ لا يكلف نفساً إلا وسعها، ثم بعد ذلك إذ أقدرهم الله عز وجلّ، ومكنهم من رقاب عدوهم؛ استعملوا معه ألوان العزائم التي أمرهم الله عز وجلّ بها، وشرعها لهم، فلسان حال الواحد منهم، وقد أخذ العدو بلده يقول:

يا درُ مجدُك لن يضيع فأّمّا خيـرا ولا تَستَرسِلي بُكــــاء

فالحاقدون سَيُغْلَبُون وإن همُ حشدوا جُيوشَ البغي والإفناء

أم ألَّبوا قوماً على قوم ولم يَدَعُوا سبيـل المين والإلهاء

فلتصبري الثبر الجميل فـ إنه تاج اليقين وحلية العظماء

فيصبرون، ويثبتون على مبادئهم، ولا يعرفون شيئاً اسمه الأمر الواقع، أو التسليم بالأمر الواقع، وهؤلاء هم الذين يغير الله على أيديهم وإن طال الزمان.

* الخامس عشر: مما يورثه اليقين: أن أعمال أهله الصالحة تكون راجحة في الموازين عند الله تبارك وتعالى: ولهذا جاء عن أبي الدرداء رضى الله عنه أنه قال: "ولمثقال ذرة بر من صاحب تقوى ويقين؛ أفضل وأرجح وأعظم من أمثال الجبال عبادة من المغترين".

ثامناً: الأمور التي تنافي اليقين:

وأعظم ذلك أن يكون القلب متطلعاً إلى غير الله عز وجلّ، متعلقاً به، ملتفتًا إليه، ولهذا قال بعض السلف: "حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين، وفيه السكون إلى غير الله عز وجلّ، وحرام على قلب أن يدخله النور وفيه شيء مما يكرهه الله جل جلاله" [روضة المحبين ص439].

كما قال ابن القيم رحمه الله: "الشك مبدأ الريب كما أن العلم مبدأ اليقين" [بدائع الفوائد 4/913].

تاسعاً: أخبار السلف رضى الله عنهم في هذا الباب:

وهي كثيرة، وقد ذكرت طائفة منها عند الكلام على بعض جزئيات هذا الموضوع، وأذكر شيئاً يسيراً ومن ذلك:

ما قاله عامر بن عبد القيس رحمه الله مبيناً الدرجة التي وصل إليها في هذا الباب يقول: "لو كُشِف الغطاء ما ازددت يقيناً". عنى بلغ في اليقين غايته يقول: لو رأيت الجنة والنار ما ازددت يقيناً.

ويقول الآخر: "رأيت الجنة والنار حقيقة". فقيل له: كيف رأيتها حقيقة؟ قال: "رأيتها بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورؤيتي لها بعينه آثر عندي من رؤيتي لها بعيني؛ فإن بصري قد يطغى ويزيغ بخلاف بصره صلى الله عليه وسلم". فهذا يعتبر ما أخبر عنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، آكد في نفسه، وأعظم ثقة من الأشياء التي شاهدها بأم عينه.

وهذا الإمام البخاري لما ابتُلي، وأوذي إيذاءً كثيراً -في القصة المعروفة- ماذا كان يُردد ويقول؟ كان يردد ليلاً ونهاراً يقول: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ} [آل عمران: 160]. [نزهة الفضلاء 1019]. فلم يذهب إلى أحد المخلوقين، فيشكو له فلاناً، أو فلاناً، ويطلب النصرة منه، وإنما كان يردد هذه الآية، وكان إذا قيل له: يقولون عنك كذا، وكذا؛ لا يزيد أن يقرأ آية من القرآن: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]. يقولون: إنهم يكيدون لك كذا وكذا، فيقرأ: {وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [سورة فاطر: 43]. في جميع جواباته على ما ينقل إليه من أقوال، وأفعال خصومه.

* اجتمع حذيفة المرعشي، وسليمان الخوّاص، ويوسف بن أسباط، وهم من الزهاد، فتذاكروا الفقر والغنى، وسليمان الخواص ساكت، فقال بعضهم: الغني من كان له بيت يكنه. ما هو معنى الغني؟ ما ميزان الغني عندهم؟ الغني من كان له بيت يكنه، وثوب يستره، وسداد عيش يكّفه عن فضول الدنيا، وقال الآخر: الغني من لم يحتج إلى الناس، وسليمان ساكت، فقيل له: ما تقول أنت أبا أيوب؟ فبكى ثم قال: رأيت جوامع الغنى في التوكل، ورأيت جوامع الشر من القنوط، والغنيّ حق الغنى من أسكن الله قلبه من غناه يقيناً، ومن معرفته توكلاً، ومن عطاياه وقسمه رضاً، فذاك الغني حق الغنى، وإن أمسى طاوياً، وأصبح معوزاً، فبكى القوم جميعاً من كلامه.

* وهذه المرأة الصحابية من بنى عبد الدار من الأنصار رضى الله عنهم لما أُخبرت باستشهاد زوجها، وأخيها، وأبيها، ولم يبق لديها أحد، قالت: ماذا صنع رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: هو بخير، فقالت: كل مصيبة بعدك يا رسول الله جلل . يعني: أنها سهلة يسيرة، فقدت زوجها، وأباها، وأخاها، وتقول ذلك في حرارة المصيبة.

* وأيضاً: من عجائب أخبارهم ما جاء عن حَيْوَة بن شريح التجيبي، الفقيه، المحدث، الزاهد، وهو من رواة الحديث الثقات، كان يأخذ عطاءه في السنة ستين ديناراً، فلا يفارق ذلك المكان الذي أخذ فيه العطاء حتى يتصدق بها جميعاً، فكان إذا جاء إلى منزله وجد الستين ديناراً، تحت فراشة، فبلغ ذلك ابن عم له، فتصدق بعطائه جميعا أراد أن يفعل مثل حيوة، وجاء إلى تحت فراشه فلم يجد شيئاً! فذهب إلى حيوة وقال: أنا تصدقت بكل عطائي، ولم أجد تحت فراشي شيئاً، فقال له حيوة: أنا أعطيت ربي يقيناً، وأنت أعطيته تجربة. يعنى: أنت كنت تريد أن تجرب، وتختبر ربك، فتصدقت، لتنظر النتيجة، وأما أنا فأتصدق وأنا راسخ اليقين بما عند الله عز وجلّ من الجزاء والعوض.

* وهذه الخنساء، ومعروف خبرها: لما مات أخوها صخر، فكانت تبكى وترثيه، وتقول: ومن بكى حولاً كاملاً فقد اعتذر. وكانت تقول:

ولولا كثرة الباكين حولي * * * على إخوانهم لقتلت نفسي

وقالت فيه شعرها المشهور المعروف، فلما دخلت في الإسلام، وقُتل أبناؤها الأربعة في وقعة واحدة، ماذا قالت؟ قالت: الحمد لله الذي شرفني باستشهادهم. فانظر كيف قلب اليقين حالها، فغيرها هذا التغيير!!

* وكذلك أم حارثة التي قُتل ابنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَجَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي فَإِنْ يَكُ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ: (وَيْحَكِ أَوَهَبِلْتِ أَوَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ إِنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَإِنَّهُ لَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ) [أخرجه البخاري]. فسكتت، وما بكت، وما جزعت، وما تحرك لها ساكن. فما الذي يجعل الإنسان يفعل هذه الأمور، ويصبر هذا الصبر الذي كان عليه السلف الصالح رضى الله عنهم؟ هو قوة اليقين بالله.

ذكروا عن رجل من أهل العلم أنه كتب كتاباً في تفسير القرآن العظيم، وكان فقيراً، فخرج إلى إخوانه وخلانه من العلماء يستشيرهم، فأشاروا عليه برجل عنده المال والثراء، فقالوا له: اذهب إلى فلان يعطك المال فتنسخه، فاستأجر رحمه الله سفينة، وخرج في البحر حتى إذا مشى وأراد ذلك الثري ليعينه بالمال، فسخَّر الله له رجلاً يمشي على شاطئ البحر، فأمر قائد السفينة أن يركبه معه، فلما ركب الرجل معه سأل العالم وقال له: من أنت؟ قال: أنا فلان بن فلان، قال: المفسِّر؟ قال: نعم، قال: إلى أين أنت ذاهب؟ قال: إني ذاهب إلى فلان، أريد منه أن يساعدني في نسخ كتابي. فقال له الرجل: بلغني أنك فسَّرت القرآن؟ قال: نعم، قال: سبحان الله! ماذا قلت في تفسير قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]؟ ففسر العالم الآية، وفهم مراد الرجل، فقال لقائد السفينة: الآن ترجع بي إلى بيتي، فرجع رحمه الله إلى بيته وكله يقين بالله عز وجل أن الله سيسد فقره، وأن الله سييسر أمره، فما مضت إلا ثلاثة أيام وإذا برجل يقرع الباب، فلما فتح الباب، قال له: إني رسول فلان إليك، بلغه أن عندك تفسيراً للقرآن يحب أن يراه، فأعطاه ذلك الكتاب الذي خرج من أجل أن يعرضه عليه، فرجع الرسول بالكتاب، فنظر فيه ذلك الثري فأعجبه، فأمر أن يوضع في كفة وأن يصب الذهب في كفة وأن يُبعث بذلك إلى الإمام. ما وثق أحدٌ بالله فخيبه الله، ولا أيقن عبد بالله جل جلاله إلا كان الله له، فكم من أمور نزلت بالإنسان وخطوب أحاطت به ولم يجد غير الله مجيباً ولا مفرجاً.

وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

 

مصادر ومراجع الموضوع الرئيس:

اليقين: د خالد السبت.

اليقين بالله: د. محمد بن محمد المختار الشنقيطي.

رحلة البحث عن اليقين: خالد أبو شادي.

معرفة الله: العلامة محمد الددو.

مواقع مختلفة على الشبكة العنكبوتية.

 للاستزادة:

عنوان الكتاب
المؤلف
تحميل
رحلة البحث عن اليقين د. خالد أبو شادي
صلاح الأمة في علو الهمة سيد العفاني
اليقين ابن أبي الدنيا
تهذيب مدارج السالكين (منزلة اليقين) ابن القيم-عبدالمنعم العزي
شرح رياض الصالحين  الشيخ بن عثيمين
 

 

اليقين بالله - الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي

 

مدارج السالكين (اليقين)- د. محمد راتب النابلسي

 

نصيحة غالية : اليقين بالله عز وجل - غازي الشمري

 

طالب ثانوي يعطي درسا للشيخ كشك في معنى اليقين بالله

 

اليقين في الله الشيخ المغامسي وبكاء مرير مؤثر

 

لأن الله ربي.. من أروع ما ستسمع عن اليقين بالله