أهداف الدرس:

1- أن يعرف الدارس أهمية الذكر وفضله وأنواعه.

2- أن يعرف  الدارس وجوه الذكر في القرآن الكريم بشكل مجمل.

3- أن يتعرف  الدارس على فوائد وثمرات الذكر.

4- أن يسعى لأن يكون من المفردين.

عناصر الدرس:

1- أهمية الذكر.

2- فوائد وثمرات الذكر.

3- وجوه الذكر في القرآن الكريم بشكل مجمل.

4- الذاكر انسان حي.

5- متى يصرع العبد الشيطان؟

6- من هم المفردون؟

7- غنيمة الذكر

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالذكر فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ [سورة الأحزاب: 41-44].

قال الشاعر:

والذكرُ أعظمُ بابٍ أنتَ داخلُهُ

للهِ فاجعلْ لهُ الأنفاسَ حرّاسا

* أهمية الذكر:

قال بعض العلماء: كلُّ جارحةٍ من جوارح الإنسان لها عبادة, فعبادة العين أن تَغُضَ بصركَ عن محارم الله, وأن تنظرَ بها إلى ملكوت السموات والأرض مفكراً ومتعظاً.. أما عبادة القلب فهي الذِكر، ففي كل جارحةٍ من جوارح الإنسان عبادة مؤقتة, والذِكر عبودية القلب واللسان, وهي غير مؤقتة، لذلك قال ربنا عزّ وجل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه: 14].

إن الأساس الأول الذي تُبنى عليه نهضات الأمم والشعوب، تربية النفوس، وتجديد الأرواح، وتقوية الأخلاق، وتنمية الرجولة الصحيحة في نفوس الناس، ولا سبيل إلى ذلك إلا السبيل الذي سلكه الداعي الأول صلى الله عليه وسلم، وهو إيقاظ الأرواح، وتوصيلها بالله رب العالمين؛ عن طريق أفضل الأعمال وهو الذكر.

الذِكرُ رأس الأصول، وطريق عامة الطائفة، منشور الولاية، الذي من أُعطيه اتصل، من مُنعه عُزل، وهو قوت القلوب التي متى فارقها, صارت الأجساد لها قبوراً، فمن فُتح له فيه فقد فُتح له باب الدخول على الله عز وجل، فليتطهر وليدخل على ربه عز وجل يجد عنده كل ما يريد، فإن وجد ربه عز وجل وجد كل شيء، وإن فاته ربه عز وجل فاته كل شيء.

أرأيت لو أن نباتاً بهيّ المظهر، حَسَن الزهر، ولكن تقاعس صاحبه عن سقياه وتعاهده، كيف يكون منظره؟ هل تبقى نضارته طويلاً، أو يذبل سريعاً؟ أَوَ قد رأيتَ سمكةً تمّ إخراجها من الماء، أكانت تعيش؟ أو أنّ حاجتها إلى الهواء كحاجتها إلى الطعام والشراب، إن لم تكن أشدّ؟

كذلك الحال مع قضية الذِّكر لله سبحانه وتعالى، فالذِّكر للقلوب قوتٌ يوميّ لا تُتصوّر الحياة دونه، ومن هذه الحقيقة جاء التمثيل النبوي الرائع؛ ليبيّن حال الذاكرين وما يُقابله من حال الغافلين اللاهين، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحيِّ والميت) [أخرجه البخاري]. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "الذكر للقلب مثل الماء للسمك, فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟".

القلب دون ذِكرٍ لله عزّ وجل الجسم قبرٌ له، ميتٌ في ميت، الذِكرُ عِمارة الديار, داركَ لا تحيا إلا بذكر الله, فإذا انعدمَ منها الذِكرُ, أصبحت داراً ميتةً؛ كالقبر التي إذا تعطلت صارت بوراً، الذِكر سلاح المؤمن, الذي يقاتل به قُطّاعَ الطريق, فإذا خلا من سلاحه, أصبحَ عُرضةً للقتلِ من قِبل قطاع الطريق.

إنَّ ذِكرَ اللهِ حياةٌ للقلوب، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28].

* فوائد الذكر:

قال ابن القيم رحمه الله: وفي الذكر أكثر من مائة فائدة:

إحداها: أنه يطرد الشيطان، ويقمعه، ويكسره.

الثانية: أنه يرضي الرحمن عز وجل.

الثالثة: أنه يزيل الهمّ والغمّ عن القلب.

الرابعة: أنه يقوي القلب والبدن.

الخامسة: أنه ينور الوجه والقلب.

السادسة: أنه يجلب الرزق.

السابعة: أنه يكسو الذاكر المهابة والحلاوة والنضرة.

الثامنة: أنه يورثه المحبة، التي هي روح الإسلام، وقطب رحى الدين، ومدار السعادة والنجاة.

التاسعة: أنه يورثه المراقبة حتى يدخله في باب الإحسان، فيعبد الله كأنه يراه.

العاشرة: أنه يورثه الإنابة، فمتى أكثر الرجوع إليه بذكره، أورثه ذلك رجوعه بقلبه إليه.

الحادية عشرة: أنه يورثه القرب منه، فعلى قدر ذكره لله عز وجل يكون قربه منه.

الثانية عشرة: أنه يفتح له باباً عظيماً من أبواب المعرفة، وكلما أكثر من الذكر ازداد من المعرفة.

الثالثة عشرة: أنه يورثه الهيبة لربه عز وجل وإجلاله، لشدة استيلائه على قلبه وحضوره مع الله تعالى، بخلاف الغافل فإن حجاب الهيبة رقيق في قلبه.

الرابعة عشرة: أنه قوت القلب والروح، فإذا فقده العبد صار بمنزلة الجسم إذا حيل بينه وبين قوته.

الخامسة عشرة: أنه يورث جلاء القلب من صداه، وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة والاستغفار.

السادسة عشرة: أنه يحط الخطايا ويذهبها. فإنه من أعظم الحسنات، والحسنات يذهبن السيئات.

السابعة عشرة: أنه يزيل الوحشة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى، فإن الغافل بينه وبين الله عز وجل وحشة لا تزول إلا بالذكر.

الثامنة عشرة: أن العبد إذا تعرف إلى الله تعالى بذكره في الرخاء عرفه في الشدَّة.

التاسعة عشرة: أنه ينجي من عذاب الله تعالى، كما قال معاذ رضي الله عنه ويروى مرفوعاً «ما عمل آدمي عملاً أنجى من عذاب الله عز وجل من ذكر الله تعالى».

العشرون: أنه سبب تنزيل السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكر.

الحادية والعشرون: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس اللغو والغفلة مجالس الشياطين. فليتخير العبد أعجبهما إليه وأولاهما به، فهو مع أهله في الدنيا والآخرة.

الثانية والعشرون: أنه يسعد الذاكر بذكره، ويسعد به جليسه. وهذا هو المبارك أينما كان، والغافل واللاغي يشقى بلغوه وغفلته، ويشقى به مجالسه ما كان.

الثالثة والعشرون: أنه يؤمن العبد من الحسرة يوم القيامة. فإن كل مجلس لا يذكر العبد فيه ربه تعالى كان عليه حسرة وترة يوم القيامة.

الرابعة والعشرون: أن الاشتغال به سبب لعطاء الله للذاكر، أفضل ما يعطي السائلين.

الخامسة والعشرون: أنه أيسر العبادات، وهو من أجلها وأفضلها، فإن حركة اللسان أخف حركات الجوارح وأيسرها.

السادسة والعشرون: أنه غراس الجنة.

السابعة والعشرون: أن دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه، الذي هو سبب شقاء العبد في معاشه ومعاده، فإن نسيان الرب سبحانه وتعالى يوجب نسيان نفسه ومصالحها.

الثامنة والعشرون: أن الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى.

التاسعة والعشرون: في القلب خلة وفاقة لا يسدها شيء البتة إلا ذكر الله عز وجل.

الثلاثون: أن الذكر يجمع المتفرق، ويفرق المجتمع، ويقرب البعيد، ويبعد القريب، فيجمع ما تفرق على العبد من قلبه وإرادته وهمومه وعزومه.

الحادية والثلاثون: أن الذكر ينبه القلب من نومه، ويوقظه من سنته. والقلب إذا كان نائماً فاتته الأرباح والمتاجر وكان الغالب عليه الخسران.

الثانية والثلاثون: أن الذكر شجرة تثمر المعارف والأحوال التي شمَّر إليها السالكون، فلا سبيل إلى نيل ثمارها إلا من شجرة الذكر، وكلما عظمت تلك الشجرة ورسخ أصلها كان أعظم لثمرتها.

الثالثة والثلاثون: أن الذكر يعدل عتق الرقاب، ونفقة الأموال، والحمل على الخيل في سبيل الله عز وجل، ويعدل الضرب بالسيف في سبيل الله عز وجل.

الرابعة والثلاثون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين من لا يزال لسانه رطباً بذكر الله.

الخامسة والثلاثون: أن الذكر شفاء القلب ودواؤه، والغفلة مرضه، فالقلوب مريضة وشفاؤها دواؤها في ذكر الله تعالى.

السادسة والثلاثون: أن الذكر أصل موالاة الله عز وجل ورأسها، والغفلة أصل معاداته ورأسها.

السابعة والثلاثون: أنه ما استجلبت نعم الله عز وجل، واستدفعت نقمه بمثل ذكر الله تعالى؛ فالذكر جلاب للنعم، دافع للنقم.

الثامنة والثلاثون: أن الذكر يوجب صلاة الله عز وجل وملائكته على الذاكر، ومن صلى الله تعالى عليه وملائكته فقد أفلح كل الفلاح، وفاز كل الفوز.

التاسعة والثلاثون: أن مدمن الذكر يدخل الجنة وهو يضحك.

الأربعون: أن أفضل أهل كل عمل أكثرهم فيه ذكراً لله عز وجل، فأفضل الصوام أكثرهم ذكراً لله عز وجل في صومهم، وأفضل المتصدقين أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وأفضل الحاج أكثرهم ذكراً لله عز وجل، وهكذا سائر الاحوال.

الحادية والأربعون: أن إدامته تنوب عن التطوعات، وتقوم مقامها، سواء كانت بدنية أو مالية.

الثانية والأربعون: أن ذكر الله عز وجل من أكبر العون على طاعته، فإنه يحببها إلى العبد، ويسهلها عليه، ويلذذها له، ويجعل قرة عينه فيها، ونعيمه وسروره بها.

الثالثة والأربعون: أن ذكر الله عز وجل يسهل الصعب، وييسر العسير، ويخفف المشاق، فما ذكر الله عز وجل على صعب إلا هان، ولا على عسير إلا تيسر، ولا مشقة إلا خفت.

الرابعة والأربعون: أن ذكر الله عز وجل يذهب عن القلب مخاوفه كلها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله عز وجل.

الخامسة والأربعون: أن دور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء.

السادسة والأربعون: أن الذكر سد بين العبد وبين جهنم، فإذا كانت له إلى جهنم طريق من عمل من الأعمال كان الذكر سداً في تلك الطريق، فإذا كان ذكراً دائماً كاملاً كان سداً محكماً.

السابعة والأربعون: أن الملائكة تستغفر للذاكر، كما تستغفر للتائب.

الثامنة والأربعون: أن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله.

التاسعة والأربعون: أن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر والنعيم الذي يحصل لقلبه، لكفى به.

الخمسون: أنه يكسو الوجه نضرة في الدنيا، ونوراً في الآخرة، فالذاكرون أنضر الناس وجوهاً في الدنيا، وأنورهم في الآخرة.

* متى يكون الباب مغلقاً بين العبد وربه؟ :

الحسن البصري رحمه الله تعالى كانَ يقول: تَفقدّوا الحلاوة في ثلاثةِ أشياء؛ في الصلاة, وفي الذِكرِ, وفي قراءة القرآن, فإن وجدتم وجدتم, وإن لم تجدوا حلاوةً في الذِكرِ والصلاة وتلاوة القرآن, فاعلموا أنَّ البابَ مُغلق.

أحياناً الإنسان يشعر أنَّ هناكَ حِجاباً بينه وبينَ الله، يشعر أنَّ أبواب السماء مُغلّقةٌ في وجهه، يفتح القرآن ويقرأ, لا يشعر بشيء أبداً، يجلس ليذكر لا يشعر بشيء، يقوم ليصلي لا يشعر بشيء, معنى ذلك: أنَّ البابَ مُغلق، لماذا أُغلقَ البابُ في وجهه؟ لِعلةٍ في عمله, فالمؤمن متبصّر، هؤلاء الذين يصلّون, ويقرؤون القرآن, ولا يعرفون ما إذا كانَ قلبهم متصلاً أو مقطوعاً, هؤلاءِ على هامشِ الحياة .!!

* من هو الإنسان الحي؟ :

الذي لا يملك الحس المرهف لن يشعر, يقول لكَ: اليوم أنكرتُ قلبي، اليوم شعرتُ أن صلاتي لا طعمَ لها, اليوم قرأتُ القرآن فلم أشعر بحلاوة تلاوته، هذا الذي أحسَّ على قلبه, وشعرَ بقربه, هذا إنسان حيّ, أمّا الذي غفلَ عن الله عزّ وجل, فاستوت غفلته مع صحوته, فهو لم يصحو حتى يشعر أنه غَفل.

الإنسان ليس له حق أن يُهمل قلبه, يقول لكَ: أنا أُصلي الحمد لله، أنا مُسلم عقيدتي صحيحة, شيء جميل, لكن هذا القلب ينبغي أن يكونَ حيّاً؟ ينبغي أن يكونَ مُقبلاً؟ ينبغي أن يكونَ مُحبّاً؟ ينبغي أن يمتلئ بمشاعر الخوفٍ والحبٍ والتعظيمٍ، فالذي يهمل قلبه ويعيشَ على هامش الحياة, هذا أغفلَ جانباً كبيراً جداً من الدين.

إذاً مقياس القرب: حلاوة الذِكرِ، حلاوة الصلاة، وحلاوة تلاوة القرآن, هذا مقياس, فإذا كان الباب مغلقاً فمعناه في حِجاب، معناه أنّ الله عزّ وجل أغلقَ في وجهكَ الباب، لأنه ليسَ راضياً عن عملك, ابحث في الخلل، ابحث في الزلل، ابحث في الانحراف، في التقصير.

* متى يصرع العبد الشيطان؟ :

بالذِكرِ يصرعُ العبدُ الشيطان، كما يصرعُ الشيطان أهلَ الغفلةِ والنسيان, الشيطان إما أن تصرعه بالذِكرِ, وإما أن يصرعكَ بالغفلة, فأنتَ بين ذاكرٍ أو غافل، تصرعُ الشيطان بذكركَ لله عزّ وجل, ويصرعكَ الشيطان بغفلتكَ عن الله عزّ وجل.

الذِكرُ روح الأعمال الصالحة، العمل الصالح دون ذكر ميت، والإنسان إذا ماتَ قلبه, وعَمِلَ عملاً صالحاً, أغلب الظن أنه يتجه بهذا العمل إلى إرضاء الناس, فيقع في النِفاق، فإذا عَمِلَ عملاً صالحاً ولم يشكره الناس عليه تألم وضجر، وطلبَ واستجدى منهم المديح، واستجداء المديح علامةٌ خطيرةٌ على موت القلب, إذا خلا العملُ من الذِكرِ, كان كالجسد الذي لا روحَ فيه.

* وجوه الذكر في القرآن الكريم بشكل مجمل :

يقول بعض العلماء: إن ذِكرَ الله عزّ وجل وردَ في القرآن الكريم على عشرةِ وجوه: الوجه الأول: أنَّ الله أمر بالذِكرِ مطلقاً وأمرَ به مُقيّداً، والوجه الثاني: أنه نهى عن ضده وهو الغفلةُ والنسيان، هناك نهيٌ قطعيٌّ عن الغفلةِ والنسيان أمركَ به ونهى عن ضده, والثالث: علّقَ الفلاحَ باستدامته وكثرته, الرابع: الله عزّ وجل أثنى على أهل الذِكرِ, وبيّنَ أنه أعدَ لهم الجنة والمغفرة, والخامس: أخبرَ عن خسران من لها وسها, والسادس: أن الله سبحانه وتعالى جعلَ ذِكره جزاءً لذِكر عباده له, السابع: أخبرَ الله عزّ وجل أن أكبر شيء هو ذِكر الله, بل هو أكبر من كلِّ شيء, الثامن: أخبرَ أنَّ الإنسان لا ينتقعُ بآيات الله إلا إذا ذكرَ الله عزّ وجل, التاسع: أنَّ الله سبحانه وتعالى جعلَ الذِكرَ قرينَ الأعمالِ كلها .

وإليكم هذا التفصيل وما يتضمنه من شرح لوجوه الذكر في القرآن الكريم :

1- أن الله أمر به مطلقاً ومقيداً :

قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أذكروا الله ذِكراً كثيراً﴾، فهذا أمر مطلق، والمُطلق على إطلاقه، يعني إذا قرأتَ القرآن ذكرتَ الله، وإذا أمرتَ بالمعروف ذكرتَ الله، وإذا حَمدته ذكرته، وإذا سبّحته ذكرته، وإذا وحَّدته ذكرته, وإذا كبّرته ذكرته، وإذا دعوته ذكرته.

أمرَ الله عزّ وجل بِذكره في القرآن ذِكراً مُطلقاً: ﴿يا أيها الذين آمنوا أذكروا الله ذِكراً كثيراً وسبحوه بكرةً وأصيلاً هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾.

الله عز وجل أمرَ بذكره ذِكراً مقيّداً, قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف: 205]. ومعنى هذا أن الذِكر يجب أن يُقيّد بالتضرع، بالتذلل، بالخضوع، وخيفةَ, يعني يجب أن تذكره متضرعاً وخائفاً، جهراً وسِراً، يجب أن تذكره في سِركَ وقلبك, ويجب أن تذكره بلسانكَ وقولك.

2- نهى عن الغفلة والنسيان :

الله عزّ وجل نهى عن الغفلة والنسيان، قال تعالى: {ولا تكن من الغافلين}, غَفَلَ عن ماذا؟ غَفَلَ عن ذِكر الله، فأكبر خطر يعيشه الإنسان أن يكونَ غافلاً. والناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.

قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [سورة الزخرف: 83]، وقال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [سورة الطور: 45].

يأتي يومٌ يُصعقُ الإنسان، كانَ غافلاً فَعرفَ الحقيقة بعدَ فوات الأوان, فربنا عزّ وجل نهانا عن أن نغفلَ عنه, الحياة تجذبكَ إليها, قد تستهلكك من عملٍ إلى عمل, ومن لقاءٍ إلى لقاء, ومن مشروعٍ إلى مشروع, ومن صفقةٍ إلى صفقة, ومن اهتمامٍ إلى اهتمام, ومن متعةٍ إلى متعة, أنتَ مستهلك, لذلك: العمل لو درَّ عليكَ ألوف الألوف, واستهلكَ وقتكَ كله, فأنتَ في خسارةٍ كبيرة، إذا استهلكَ عملكَ كلَّ وقتك, فأنتَ في خسارةٍ كبيرة, لأنه جعلكَ من الغافلين: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر: 19].

أمركَ بالذِكرِ مطلقاً, أمركَ به مقيّداً، تضرعاً وخيفة، سِراً وجهراً، بقلبكَ وبلسانك، ونهاكَ عن ضده, نهاكَ عن الغفلة، ونهاكَ عن النسيان.. ﴿ولا تكن من الغافلين﴾.

﴿ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم﴾. نسيانهم لله أنساهم سِرَّ وجودهم، نسيانهم لله أنساهم مهمتهم، نسيانهم لله أنساهم حقيقتهم، نسيانهم لله أنساهم التكليف، أنساهم الأمانة, أنساهم العمل الصالح.

3- الله سبحانه وتعالى علق الفلاح بذكر الله :

فالله سبحانه وتعالى علّقَ الفلاحَ بذكر الله، الفلاح يعني تقول عن إنسان نجحَ في حياته, يعني أتقن عملاً معيناً, ودرَّ عليه هذا العمل رزقاً وفيراً, تزوج, وسكنَ بيتاً مريحاً, وله مركبة, وله مكانة اجتماعية, واعتنى بصحته, يقول الناس: فلان ناجح في الحياة, النجاح شيء له بريق, وليست البطولة أن تنجح في الدنيا وحدها, أهل الدنيا نجحوا في الحياة، الأغنياء نجحوا في الحياة، الأقوياء نجحوا في الحياة، يعني أصحاب الحظوظ نجحوا في الحياة, ولو أنَّ مالهم مغتصب، ولكنَّ البطولة أن تنجحَ في الحياة الآخرة، في الدار الآخرة, ذلكَ هو النجاح، ذلكَ هو الغِنى، ذلكَ هو التفوق، ذلكَ هو الفوز.  لذلك سيدنا علي قال: الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله.

الله عزّ وجل علّقَ الفلاحَ بالإكثار من ذِكر الله, إذا أردتَ أن تُفلح في الدنيا والآخرة، إذا أردتَ أن تفوز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، إذا أردتَ أن تتفوق، إذا أردتَ أن تنجح، إذا أردتَ أن تكون من السعداء، فربنا عزّ وجل ربطَ ذِكره بالفلاحِ, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال: 45].

هذا قرآن، كلام خالق الكون: ﴿واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾. اذكروا الله في أنفسكم، اذكروه في ألسنتكم، اذكروا الله للناس، ما من جلسةٍ، ما من لقاءٍ، ما من سهرةٍ، ما من نزهةٍ, إلا ويجب أن يُذكر فيها الله, إذا ذكرتَ الله عزّ وجل امتلأ القلب طمأنينةً, واستبشر الناس من حولك, وعلت البسمة الوجوه، فإذا ذكرت الدنيا تفرّق الناس، إذا ذكرتَ الدنيا حَزِنَ بعض الناس، إذا ذكرتَ الدنيا نفرَ منك بعض الناس.

4- الله عز وجل أثنى على أهله :

فالله سبحانه وتعالى أثنى على أهله فقال: ﴿إن الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب: 35]. فليسَ الأمر أن تذكره, ولكنَ الأمر أن تُكثرَ من ذِكره: ﴿والذاكرين الله كثيرا ًوالذاكرات أعدَّ الله لهم جميعاً مغفرةً وأجراً عظيماً﴾.

5- نهانا عن أن نغفل عنه وبيَّن الخسران الكبير :

فقد نهانا الله عن أن نغفلَ عنه وبيّنَ الخسران الكبير, فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سورة المنافقون: 9].

فإن قال إنسان: أنا والله مشغول, شغلتني الدنيا، شغلني عملي، شغلتني بعض مباهج الحياة عن حضور مجلس علمٍ, هذا ممن انطبقت عليه الآية الكريمة: ﴿لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأؤلئكَ هم الخاسرون﴾.

6- أن العبد إذا ذكر الله عز وجل الله في علاه يذكره :

 الحقيقة: هل نصدق أنَّ العبدَ إذا ذكرَ الله عزّ وجل فإن الله في عُلاه يذكره؟.

ربنا عزّ وجل يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: 152]. فلو أن إنساناً ذا قيمة ذكر صديقه, فلن ينسى الصديق هذا الذِكر, صورة يطبعها ويكبّرها لأنها حوتهما، كيف ضيّفه؟ كيف صافحه؟ كيف استقبله؟ كيف ودّعه؟ وكلما زاره إنسان يريه الصورة, فما بالك إذا كان الذكر لك من الله؟.

7- أخبرَ الله عزّ وجل أن أكبر شيء هو ذِكر الله, بل هو أكبر من كلِّ شيء :

ربنا عزّ وجل قال: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾، وقال سبحانه: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت: 45].

﴿ولذِكرُ الله أكبر﴾ يعني أكبر من كلِّ طاعة، أكبر من كلِّ عمل، لأنَّ ذِكرَ الله هو محطُ الرِحال ومنتهى الآمال، به تسعد، أكبر ما في الصلاة، أكبر من الركوع والسجود، ومن القيام ﴿ولذكرُ الله أكبر﴾.

الله عزّ وجل ختمَ به الأعمال الصالحة كلها، ختمَ به مثلاً الصيام, قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة: 185].

الناس في رمضان، في أيام العيد، يُكبّرون الله عزّ وجل، لماذا شُرعَ التكبير بعدَ الصيام؟ هكذا قالَ الله عزّ وجل: ﴿ولتكملوا العِدّة ولِتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون وختمَ بالذِكر الحج, فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [سورة البقرة: 200] وختمَ به الصيام، وختمَ به الحج، وختمَ به الصلاة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [سورة النساء: 103] وختمَ به الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الجمعة: 10].

8- أنَّ الذاكرين وحدهم هم الذين ينتفعون بآيات الله :

الحقيقة: أنَّ الذاكرين وحدهم هم الذين ينتفعون بآيات الله، الإنسان الغربي استمتعَ بالدنيا إلى أقصى درجة، عَرَفَ خصائص المواد, استغلّها استغلالاَ رائعاً، ولكن ما نَفَذَ منها إلى المُنعم، فالآيات الكونية؛ المجرات، الشمس، القمر، الليل، النهار، خلق الإنسان، الذريّة، الأولاد، الزوجة، النباتات، هذه المظاهر الطبيعية التي خلقها الله عزّ وجل, الذاكر لله ينتفع بها وغير الذاكر لا ينتفع بها, فالذي تعجبُ له أنَّ طبيباً مثلاً درسَ جسم الإنسان، درسَ الأعضاء، الأجهزة، الأنسجة, خصائص جسم الإنسان، دقة الصنع، دقة العمل، الفيزيولوجيا، رأى من معجزات الله في خلق الإنسان الشيء الكثير, لأنه ما ذَكَرَ الله من قبل هذه الآيات ما تأثّرَ بها,

ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران: 190-191].

9- أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الذكر قرين الأعمال كلها :

الذِكر يجب أن يصاحب جميع الأعمال، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿وأقم الصلاة لذكري  يجب أن يصحبَ الصلاة, وأن يصحبَ الصيام, وأن يصحبَ الحج, بل هو روحُ الحج. قَالَتْ عَائِشَةُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) [أخرجه أبو داود في سننه].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال: 45] معناها أن الذِكر يجب أن يُرافقَ كلَّ عمل.

* من هم المفردون؟ :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: )كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ, فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ, يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ, فَقَالَ: سِيرُوا, هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ, قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ( [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه].

* شمول الذكر لمناحي الحياة:

إن المرء إذا شَرِبَ كأسَ ماء, فتسميته قبل الشرب, وحمده بعدَ الشرب, هو ذِكر لله عزّ وجل، إن ألقى على ابنه نظرة, تذكرَ أن هذا الابنَ الذي ملأَ البيتَ بهجةً, كانَ في الأصلِ نُقطةً من ماءٍ مهين، إذا أمسكَ تفاحةً ليأكلها, تذكرَ خالِقَ هذه التفاحة, كيفَ أبدعها وجعلها بهذا الحجم, وبهذا القِوام, وبهذه الرائحة, وبهذا الطعم, وبهذا الشكل, وبهذا الوقت المناسب في نضجها؟ يعني كلما عاينتَ شيئاً من خلق الله عزّ وجل, يجب أن تذكر الله، هذا المؤمن دائماً ذاكر لا يغفل، يعني إذا نظرَ إلى الشمس, إذا نظرَ إلى القمر, إذا نزلت الأمطار, هبت الرياح .

* الذكر خير الأعمال :

في المُسند مرفوعاً: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ, وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ, وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ, فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ, وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى) [أخرجه الإمام مالك في الموطأ والترمذي وابن ماجة في سننهما].

* الذكر سبب تنزيل السكينة، وغشيان الرحمة، وحفوف الملائكة بالذاكر:

عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ, قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ, وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ, وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ( [أخرجه مسلم].

إذا مجموعة إخوان التقوا في سهرة، التقوا في دعوة، وذكروا الله عزّ وجل وذكروا آياته، ذكروا أوامره، ذكروا نواهيه، ذكروا صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ذكروا أعمال أصحابه، ذكروا ما عنده من نعيمٍ مقيم، ذكروا عذابه فخافوا، ذكروا نعيمه فاشتاقوا، ذكروا جلاله فخشوه, هذا المجلس مجلس علمٍ، مجلس ذِكرٍ, مجلس مذاكرةٍ بين الإخوة, لذلك الإنسان لا بد له من جلسةٍ مع ربه, وجلسةٍ مع أخيه، إذا جلستَ مع أخيك, وحدثّته عن ربك, انطلقَ اللسانُ بذكرِ الله، هذا الحديث يجب أن يكون في أعلى موضع من مواضع قلوبنا.

يكفيكَ شرفاً إذا ذكرتَ الله عزّ وجل أنَّ الله عزّ وجل يباهي بكَ الملائكة.

* بشرى سارة.. الذاكرون مذكورون:

الآن: أغلب الناس يسهرون, يجتمعون، ويولمون وليمة، في هذه الجلسة يتحادثون في أمور الدنيا, بالبيع وبالشراء, بالتجارات, بالأخبار التي يسمعونها, وينفضُّ المجلس, وينتهي الأمر, لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك شيئاً آخر، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ, وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: (مَا أَجْلَسَكُمْ؟) قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإسْلامِ, وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا, قَالَ: (آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟) قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ, قَالَ: (أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ, وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ) [أخرجه مسلم].

إذا جلستَ مع أخيك تذاكر العِلم، إذا جلستَ مع أخيك لتذكر الله عزّ وجل، لتحدثّه وليحدثك، تتلو عليه بعض آيات القرآن الكريم لتفسرها له، لتنصحه لينصحكَ، لتقفَ على سُنّةٍ نبوية، لتقفَ على موقفٍ شريفٍ لأصحاب رسول الله، إذا فعلتَ هذا, فأنتَ ممن ينطبقُ عليكَ هذا الحديث .

قال: (ما أجلسكم؟) قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإسْلامِ, وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. هؤلاء الذاكرون جلسوا ليذكروا الله عزّ وجل, لا قصد الطعام والشراب, ولا الضيافة, ولا الشوق, ولا اللقاء .

* نصيحة من نبيك:

عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَجُلا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ, فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ, قَالَ: (لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ([أخرجه الترمذي وابن ماجة في سننهما].

والحقيقة: ربنا عزّ وجل يختم عملَ الإنسان بحسب حياته, إذا كانَ في حياته طائعاً، منيباً، يختم حياته وهو في صلاة.

* متى يحقق العبد الهدف من وجوده؟:

عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ, عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيَّانِ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ خَيْرُ الرِّجَالِ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ), وَقَالَ الآخَرُ: إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا, فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ, قَالَ: (لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ([أخرجالإمام أحمد في مسنده برقم 17716].

هذا أعظمُ عملٍ تفعله، يبدو أنكَ إذا ذكرتَ الله اتصلتَ به, وهذه قِمةُ العبادات كلها، الصلاة من أجل الصِلة، الحجُ من أجل الصِلة، الصيام من أجل الصِلة، الزكاة من أجل الصِلة، غَضُ البصرِ من أجل الصِلة، تحريّ الحلال من أجلِ الصِلة، كلُّ عباداتك وكلُّ طاعاتك ومعاملاتك, وإحسانِكَ من أجلِ الصِلة، فإذا اتصلتَ بالله عزّ وجل, فقد حققتَ الهدفَ من وجودك.

* ما غنيمة مجالس الذكر؟:

 قَالَ حَسَنٌ الأَشْيَبُ رَاشِدٌ, أَبُو يَحْيَى الْمَعَافِرِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِالرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ, عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ؟ قَالَ: (غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الْجَنَّةُ( [أخرجه أحمد في مسنده برقم 6651].

إذا عاملت إنساناً, رأيتَ منه وفاءً، حياءً، شهامةً، مروءةً، رحمةً، عطفاً، لُطفاً، يجب أن تحكم أنَّ هذا الإنسان له مجلسُ ذِكرٍ يحضره، له نبع يرتوي منه، له صِلةٌ بالله عزّ وجل، ما من إنسانٍ يرحمك, أو يعطفُ عليك, أو يُنصفك, أو يفي بعهده, إلا وله صِلةٌ بالله عزّ وجل.

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [سورة العلق: 9-12] انظر إلى عمله، انظر إلى أخلاقه، انظر إلى لؤمه، انظر إلى قذارته، إلى أنانيته، إلى إخلافه الوعد، إلى إيثاره مصالحه، انظر إليه عمله يُنبئكَ بحاله.. إنسان آخر.

* اغدوا وروحوا واذكروا:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: )لَنْ يُنْجِيَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ), قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: (وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَاغْدُوا وَرُوحُوا, وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ, وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا) [أخرجه البخاري].

سافرت, اذكر الله في سفرك، رأيتَ جبلاً شامخاً، رأيتَ بحراً مضطرباً، رأيتَ سماءً صافيةً، رأيتَ بلاداً لا تعرفها، في سفرك، في حَضرك، في إقامتك، في تجارتك، في نزهتك، في سكونك، في حركتك، " اغدوا وروحوا واذكروا". 

من كانَ يحبُ أن يعلم منزلته عندَ الله, فلينظر كيفَ منزلة الله عنده؟ يعني ساحة نفسك إن صحَّ التعبير: ما الذي يشغلها؟ قد تكون الدنيا هي التي تشغلها، وقد يكون ذِكرُ اللهِ عزّ وجل هو الذي يشغلها، فإذا أردتَ أن تعرفَ ما للهِ عِندك، أردت أن تعرفَ ما لكَ عندَ الله, فانظر ما للهِ عِندك .

* من أنواع الذكر:

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السّلامَ, وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ, عَذْبَةُ الْمَاءِ, وَأَنَّهَا قِيعَانٌ, وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ ([أخرجه الترمذي في سننه].

يجب أن تسبحه، أن تنزهه، وأن تمجّده، ويجب أن تحّمده، وأن توحّده، وأن تكبّره، وهذا ذِكرُ الله عزّ وجل, يعني أحياناً تُحدثنا عن آية كونية في الفلك، عن آية في خلق الإنسان، هذا من تسبيح الله, هذا من تكبيره, لا تفهموا من هذا الكلام أن تقول: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! هذا ذِكر أيضاً, ولكن إذا عرضتَ علينا آيةً من آيات الله الباهرة, فعرضُ هذه الآية نوعٌ من أنواع الذِكر، إذا عرضتَ هذه الآية سبحنا الله عزّ وجل، كبرنّاه، عظمّناه، وحدنّاه .

* من هو الحي ومن هو الميت؟ :

عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:)مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ, وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ, مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ( [أخرجه البخاري].

 ما دامَ قلبه غافِلاً عن ذِكرِ الله فهو ميت.

عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ, وَالْبَيْتِ الَّذِي لا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ, مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ ([أخرجه مسلم].

 هذا البيت يجب أن يكون مُفعماً بِذكر الله، بتلاوة القرآن, أما بيوت المسلمين اليوم كُلها غِناء, في أيّ وقت الأغاني تصدح في أرجاء البيت، فالبيت الذي يُذكر الله فيه بيتٌ حيّ، والبيت الذي لا يُذكر الله فيه بيتٌ ميت، قالَ بعضُ الشعراء:

فنسيان ذِكر الله موت قلوبـــهــــــم

وأجسامهم قبلَ القبورِ قبـورُ

وأرواحهم في وحشةٍ من جسومهم

وليسَ لهم حتى النشورِ نشورُ

* أنواع الذكر :

1- ذكر الله عز وجل وذكر أسمائه وصفاته:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ, أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ, ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي, وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ مِنَ النَّاسِ, ذَكَرْتُهُ فِي مَلأ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ) [أخرجه أحمد في مسنده، برقم 8635].

هناكَ ثلاثةُ أنواعٍ للذِكر: ذِكرُ الله عزّ وجل, وذكِرُ أسمائه، وذكر صفاته, الله ربنا، الله خالقنا، الله إلهنا، وجود الله عزّ وجل، وحدانيته، كمالاته، أسماؤه الحسنى، صفاته الفُضلى، لذلك: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ([أخرجه الترمذي في سننه].

إذا فهمتَ هذا الاسم، فهمتَ تعريفه، فهمتَ مظاهره، فهمتَ براهينه، فهمتَ تطبيقاته، هذا ذِكر, باب من أبواب الذِكر, أن تذكرَ الله خالقاً مربيّاً مسيّراً، وأن تذكره في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى .

2- أن تذكر أمره:

النوع الثاني: أن تذكرَ أمره, ما حُكم هذا الشيء؟ الأمر والنهي, والحلال والحرام، المكروه، المباح، المندوب، الواجب، في كل شيء, في تجارتك، في بيعك، في شرائك، في طعامك، في شرائك، أيجوز هذا؟ لا يجوز، هذا باب آخر من باب الذِكر, يعني أن تذكرَ الله وأن تذكرَ أمره، أن تذكرهُ كي تعرفه, وأن تذكرَ أمره كي تعبده, تذكره لتعرفه وتذكرَ أمره لتعبده، هذا نوعٌ آخر من أنواع الذِكر.

3- ذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي:

النوع الثالث: ذِكرُ الآلاءِ والنعماءِ والإحسانِ والأيادي, الكون, الشمس، القمر، الماء في درجة +4 ينكمش، يزداد حجمه خِلافاً لكلِّ الأجسام, هذه آية من آيات الله, لولا هذه الآية لما كُنّا أحياء, كلُّ عنصر إذا برّدته ينكمش, فإذا سخنّته يتمدد، إلا الماء في درجة +4 إذا بردّته يزداد حجمه, لولا هذه الخاصّة, لما بقيت حياةٌ على وجه الأرض.

مثلاً: آية النبات أنها تأخذ غاز الفحم وتطرح الأوكسجين, هذه آية عظيمة جداً, آية القلب، آية الرئتين، آية الأعصاب، العضلات، الأجهزة، هذا الطعام، النبات، الجذور.. آيات بالنبات لا يعلمُها إلا الله، آيات بالحيوان، آيات بالإنسان، آيات بالأكوان، فهذا نوعٌ من الذِكر .
ومن أنواع الذكر أيضاً :

نوعٌ يتواطأ عليه القلبُ واللسانُ، وهو أعلاها. الإمام الغزالي يقول في آداب القرآن: أن تتشوق في بعض الأوقات إلى أقصى درجات الفضل فيه، وذلك بأن تقرأه في الصلاة قائماً، خصوصاً في المسجد وبالليل، لأن القلب في الليل أصفى؛ وأفرغ.

وذِكرٌ بالقلبِ وحده, وهذا في الدرجة الثانية. وذِكرٌ باللسان المُجرد, وهذا بالدرجة الثالثة.

وقالوا: ذِكرُ العبدِ ربّه محفوفٌ بِذكرين: ذكركَ الله ذكرته فذكرك, ذَكركَ قبلَ أن تذكرهُ, وذَكركَ بعد أن ذكرته، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة: 152] (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم) [أخرجه أحمد في مسنده، برقم 8635].

وهناك ذِكرُ الثناء, إذا قلتَ: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر, هذا ذِكر الثناء، وإذا قُلت: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَ من الخاسرين, هذا ذِكرُ الدُعاء، فأنتَ إذا سبحّتَ الله, أو وحدّته, أو كبرّته, أو حمدّته, فقد ذكرته, وإذا دعوته فقد ذكرته.

 قالَ عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ) [أخرجه الحاكم في المستدرك]. وقيل لسفيان بن عُيينة: كيف جعلها النبي دُعاءً؟ قال له: أما سَمعتَ قولَ الشاعر:

أأذكرُ حاجتي أم قد كفاني

حباؤكَ إنَّ شيمتكَ الحِباءُ

إذا أثنى عليكَ المرءُ يوماً

كفاه من تعرضه الثنـاءُ

إذا دخل أحدهم بيتك, وقال لك: أنا أعرفك كريماً وسكت، ألا تفهم منها شيئاً هذه؟ لم يقل: أريد منكَ شيئاً، قال لك: أنا أعرفكَ عفواً, وعَمِلَ معكَ ذنب، ألا يعني الثناء عليك, أنه يُطالِبكَ أن تعفوَ عنه؟.. ثناؤكَ على الله عزّ وجل نوعٌ من أنواع الدعاء.

* أدعية مأثورة:

يجب أن تحفظ بعض الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم. والدعاء ذِكر, فالإنسان إذا دخلَ بيته أو خرج منه ذكر الله بما ورد، وهكذا إن  أقدمَ على عمل، أو ركب دابّته ومركبته, وأفضل كتاب بهذا الموضوع كتاب الأذكار للإمام النووي, فالدعاء ذِكر, والتسبيح, والتحميد, والتهليل, والتوحيد, والتكبير, أيضاً ذِكر.

* نهاية المطاف:

الحقيقة: إذا الإنسان دعا قبلَ أن ينام، عندما يستيقظ، إذا خرجَ من بيته، دخلَ إلى عمله، أقدم على عمل مهم، قبلَ أن يعقد صفقة، هذا الدعاء هوَ صِلة بالله، هو استعانة بالله، فأنتَ إذا دعوتَ الله في كلِّ أحوالكَ فأنتَ من الذاكرين، إذا حَمِدته وأثنيتَ عليه فأنتَ من الذاكرين، إذا قلت: الله معي, الله شاهدي, الله ناظرٌ إليّ, فأنتَ من الذاكرين، إذا قرأت القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا سمعتَ القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا جلستَ تستمع إلى تفسير القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا فسرّته فأنتَ من الذاكرين، إذا أمرتَ بالمعروف فأنتَ من الذاكرين، إذا قرأتَ كتابَ فِقهٍ فأنتَ من الذاكرين. وكلُ عملٍ ابتغيتَ به وجهَ اللهِ, وذكرتَ الله فيه, فأنتَ من الذاكرين, لذلك: كـأنَّ الذِكرَ هو غاية العبادات ومنتهى آمال العابدين .والحمد لله رب العالمين.

 

 

مصادر ومراجع الموضوع الرئيس:

الذكر، موسوعة النابلسي، د. محمد راتب النابلسي.

الوابل الصيب من الكلم الطيب، ابن قيم الجوزية.

فضل الذكر، واحة رمضان، موقع إسلام ويب الالكتروني.

مواقع مختلفة على الشبكة العنكبوتية.

 

الكتب:

عنوان الكتاب
المؤلف
تحميل
 روح الأرواح د. علي بن عمر بادحدح
 

 

أهمية الذكر وفوائده - د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني

 

:::::::::::::::::::::::::

الذكر والدعاء - د. محمد الحسن الدّدو

:::::::::::::::::::::::::

مجالس الذكر وفضلها- د. محمد بن محمد المختار الشنقيطي

 الذكر (معانيه, درجاته، أحواله ) - محمد بن علي الشنقيطي

الأوراد الشخصية بين المجاهدة والفتور - فريد الأنصاري

الذكر ونور القلب - د. عمر عبد الكافي

كيف تتلذذ بعبادتك (الذكر) - مشاري الخراز

فوائد الذكر- د. محمد راتب النابلسي

فضائل الذكر - نبيل العوضي

فضل الذكر - توفيق بن سعيد الصائغ