كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
الحج مشاعر وشعائر
عدد الزيارات : 1480
خطبة حجة الوداع ورسالة المسلمين في أوربا .. دعوة ربانية وقيم إنسانية
10 نوفمبر, 2012 - 25 ذو الحجة 1433هـ

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

فحينما وقف النبي صلى الله عليه وسلم في صعيد عرفات في حجة الوداع في العام العاشر بعد الهجرة من مكة إلى المدينة، واجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم أكبر عدد من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

وفي هذا الموقف المهيب نزل على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

فأكمل الله للأمة دينها وأتم عليها نعمته ورضي لها دينه.

* أهمية خطبة حجة الوداع:

وقف النبي يخطب في جموع الصحابة في عرفات ويبين للأمة الدين الحق معالم الرسالة الخاتمة التي ينبغي أن تعمل بها وتدعو إليها.

لم تكن خطبة موجهة للجموع التي وقفت مع النبي بعرفات وحدها إنما كانت موجهة للأمة الإسلامية بأسرها في مشارق الأرض ومغاربها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

بل إن نداء النبي بعرفات في خطبة حجة الوداع بـ(يا أيها الناس) يعلمنا بأن ما أمر ونادى به المصطفى صلى الله عليه وسلم إنما هو نداء للإنسانية بأسرها وبيان للبشرية على اختلاف أشكالها وألوانها وأجناسها وبلدانها.

* المسلمون في أوربا وخطبة حجة الوداع:

والمسلمون الذين يعيشون في أوربا يجب أن تتضح لهم من هذه الخطبة المتجددة على مدار الأعوام معالم رسالتهم التي ينبغي أن يقوموا بها مع أنفسهم، والمجتمعات التي يعيشون فيها.

فهذه دعوة ربانية، وقيم إنسانية أرسى النبي معالمها، ووضع أسسها، ونادى البشرية للعمل بها.

* أزمة الأمة والوجود الإسلامي بالغرب:

إن أمورا كثيرة جعلت المجتمعات الإسلامية منذ فترة من الزمن بعيدة عن القيام بالتكليف الرباني بدعوة الناس إلى دين الله تعالى، وبعيدة عن التأثير على المستوى الدولي والإنساني بعدم إبراز قيم الإسلام وثوابته التي فيها صلاح العالم بأسره.

إن ضعف التمسك بالدين، وعدم تحمل المسئولية، والشعور بالضعف والتبعية، وغياب الرؤية، وعدم وضوح الأهداف، وكثرة الفرقة والخلاف، والعشوائية والارتجال، والانفصام بين الإيمان والمعرفة والعمل والسلوك، من الأمراض التي ابتليت بها الأمة بشكل كبير منذ زمن بعيد.

وهي تظهر بوضوح وجلاء على مستوى الوجود الإسلامي في الغرب.

والوجود الإسلامي في الغرب يمكن أن يتخطى هذه العقبة حينما يحسن الارتباط بدين الله تعالى، ويحسن التمسك بأصول هذا الدين وثوابته كما جاءت في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

فيبدأ بالعلم بهذا الدين ومعرفته معرفة صحيحة بعيدة عن التحزب والتعصب والجمود.

وبنظرة واسعة بعيدة عن القصور والاجتزاء.

وبميزان عدل بعيد عن الإفراط أو التفريط

وبإدراك للواقع بعيد عن الانعزال أو الذوبان.

إنما بفهم صحيح كما هو في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وانطلاقا من قول الله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

ثم تنطلق هذه الأمة ويصبح المسلم الذي يعيش في الغرب عنصرا فاعلا مؤثرا إيجابيا، صاحب دين يحمله، ورسالة يدعو إليها ويوضحها للناس لا سيما في المجتمعات الأوربية التي يعيش فيها.

وهنا فرق كبير بين الأمة صاحبة الرسالة التي تعيش لها وتعمل من أجلها.

وبين من يعيش لا يهمه في الحياة إلا لقمة بطنه، أو شهوة فرجه.

* معالم الرسالة:

إن خطبة حجة الوداع كانت بيانا مركزا لهذه الرسالة جمعت بين الإيجاز والوضوح.

فهي دعوة ربانية وقيم إنسانية يحملها المسلم ويبدأ فيها بنفسه، ويدعو إليها ويبينها لكل الناس.

وحينما نحسن النظر فيها في يومنا هذا نجد أن فيها الحلول العملية لكل مشكلات البشرية.

وإن حاجة المجتمعات الأوربية بمن فيها من مسلمين وغير مسلمين في يومنا هذا إليها حاجة ماسة ملحة.

بل لا خروج لهذه المجتمعات من سلسلة الأزمات المتتالية:

أزمات على المستوى الروحي والديني.

أزمات على مستوى القيم.

أزمات على مستوى الأخلاق.

أزمات على المستوى الاجتماعي والأسري.

أزمات على المستوى الاقتصادي.

لا حلول ولا علاج لهذه الأزمات إلا بنشر معالم الرسالة الهادية التي دعا إليها النبي في خطبته في حجة الوداع.

وأهم هذه المعالم للمسلم الأوربي التي ينبغي أن يعمل بها ويبنها للناس:

1- صفاء التوحيد ونبذ الشرك:

فأكثر ما عنى به القرآن ودعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إليه الأنبياء من قبل هو توحيد الله تعالى، ونبذ كل مظاهر الشرك وصوره.

وفي خطبة الوداع حث النبي عليه وبينه [إن ربكم واحد]

والذي ينظر إلى المجتمع الأوربي يجد أنه إما مشرك بالله تعالى، أو ملحد، والغالبية العظمى اختلط عليه الأمر فلا يدري عن أي شيء يتحدث أو بأي شيء يؤمن.

يحدثك وهو في حيرة من أمره بأن هناك خالق ومالك ومسير لهذا الكون لكنه لا يدري ما هو، ولا يعرف عنه شيئا، ولا يثق فيما يقوله رجال الدين.

لأن أوربا مرت ولا زالت بتجربة مريرة في هذا الشأن.

فهي تعيش أفرادا ومجتمعات في صراع داخلي وشقاء نفسي، بين فطرتها وعقلها من ناحية، وبين واقعها وعقيدتها من ناحية أخرى.

والحل لهذا الأمر ببيان التوحيد لله تعالى الذي يجمع شتات الإنسان، ويمنح النفس الإنسانية العزة والسكينة والطمأنينة والانسجام.

2- التأكيد على مبادئ حقوق الإنسان:

إن مبادئ حقوق الإنسان التي أقرتها المواثيق الدولية، ونجد أن كثير من الزعماء ينادي بها ويتشدق بذكرها.

أمر أقره الإسلام بل أسسه وأوجده وجعله فرائض وواجبات شرعية وحقوق إنسانية.

وذلك واضح جلي في خطبة النبي في حجة الوداع التي استهلها بالتأكيد على هذا الأمر فقال صلى الله عليه وسلم (أما بعد أيها الناس! اسمعوا أبين لكم فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا في موقفي هذا.

أيها الناس! إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلّغت؟ اللهم اشهد)

فأعطى لهذه الحقوق مكانة كبيرة ومنزلة عظيمة ليس من قبيل الشعارات فقط، بل كانت حياته ومواقفه صلى الله عليه وسلم تطبيقا واضحا لكل ما نادى به.

إن حقوق الإنسان في عصرنا الحاضر هي حقوق الأقوياء، أو حقوق الغالب المنتصر ليس أكثر.

لكن النبي حينما نادى بهذه الحقوق إنما نادى بها للناس كافة وللبشر أجمعين، للضعفاء قبل الأقوياء، وللبعيد كما هي للقريب، يستوي في ذلك صاحب المنزلة والجاه، أو المغمور الذي لا يعرفه الناس.

وهذا الفرق الواضح بين ما دعا إليه النبي وما ينبغي أن يدعو إليه المسلمون وبين أصحاب الدعوات الأخرى.

3- صيانة الأسرة والحرص على تماسكها، وتكريم المرأة:

اشتملت خطبة حجة الوداع في جزء كبير منها على الحرص على صيانة الأسرة والتأكيد على تماسكها، والعمل على تقوية بنيانها لأنها الأساس المتين للأمم والشعوب، بل والحياة الكريمة الهانئة الهادئة لكل إنسان.

فقال صلى الله عليه وسلم [أيها الناس! فإن لكم على نسائكم حقاً، ولهنّ عليكم حقاً، لكم عليهنّ ألاّ يوطئن فرشكم غيركم وعليهنّ ألاّ يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلاّ بإذنكم ولا يأتين بفاحشةٍ مبينة.

واستوصوا بالنساء خيرا، فإنهنّ عندكم عوانٍ لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا. ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد].

والذي ينظر إلى واقع المجتمعات الغربية يلحظ مدى الاضطراب التي آلت إليه أوضاع الأسرة فيها وحال المرأة، وإن كانت هناك بعض الشعارات البراقة التي ينخدع بها البعض من متبعي الأهواء، ومن مروجي الشهوات.

لكن تبقى الحقيقة واضحة للعيان من انتشار التفكك الأسري، وضياع الدفء العاطفي بضعف الأسرة وعدم تماسكها.

وكذلك من التناقض الواضح بين فطرة المرأة وطبيعتها التي خلقها الله عليها وبين كثير من الممارسات التي تصادم هذه الفطرة.

فلا يجني الإنسان من وراء ذلك إلا الاضطراب.

إن للمسلمين الذين يعيشون في أوربا دور كبير في إظهار حقيقة الأسرة المسلمة ومدى ما يكسبه كل أفرادها من هناءة وسعادة وسكن ورحمة ومودة بصورة عملية، وترجمة حقيقية لمبادئ الإسلام في أسر متماسكة مترابطة، تعيش بقيم الإسلام ومبادئه داخل المجتمع الأوربي.

ثم الدعوة لهذه القيم الإسلامية الإنسانية التي تصون الإنسان وتحميه وتهبه سعادة لا يجدها في مكان آخر.

وتصون المجتمع وتحميه وتقوي روابطه، وتجنبه كثيرا من الشرور والمفاسد.

4- المساواة ونبذ العنصرية:

أكد النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع على المساواة الإنسانية، ونبذ العنصرية التي تفرق بين الناس على أساس اللون أو العرق، فقال صلى الله عليه وسلم (ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير، ألا لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى ألا هل بلغت؟ اللهم اشهد)

والذي ينظر للوهلة الأولى قد يرى في الواقع الأوربي أن العنصرية موجهة للعرب أو للمسلمين، أو لغير الأجناس الأوربية من المهاجرين عموما.

لكن الحقيقة التي ينبغي أن نعلمها أن هذه العنصرية البغيضة حينما تتمكن من نفوس المجتمعات والشعوب تهلكها وتدمرها.

فقد توجه في بداية الأمر لهؤلاء لكنها إن وجدت من يؤجج أمرها ويشعل نيرانها لا تبقي على شيء بل تحرق الجميع، وما حدث في النرويج من فترة من مقتل عدد كبير على يد أحد العنصريين دليل واضح.

فالعنصرية مرض خطير وشر مستطير.

ينزع النبي هذا الداء من النفس الإنسانية ببيان أصلها التي منها خلقت وأبيها التي إليه تنسب، وعملها التي ينبغي أن تتمايز أو تتفاضل به.

5- الاقتصاد الذي يقوم على أساس الرحمة لا الجشع:

فدعوة النبي صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام بإبطال الربا، وأن يتعامل الناس فيما بينهم بمعاملات اقتصادية تقوم على العدل والرحمة والأخلاق، لا الجشع والاستغلال وتكديس الثروات في أيدي فئة بعينها.

فقال صلى الله عليه وسلم (وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلِمون ولا تظلَمون، قضى الله أنه لا رِبا، وإن أول رِبا أبدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب)

إن الأزمة الاقتصادية التي تضرب أوربا حاليا إنما هي أزمة قيم ومبادئ قبل أن تكون أزمة مال وثروات.

وأن قيم الليبرالية أو الاشتراكية عاجزة عن أن تعالج هذا الخلل الواضح.

وإنما قيم الإسلام ومبادئه حينما تكون هي أساس التعامل الاقتصادي.

لكننا قبل أن نلوم المجتمعات الغربية في هذا الشأن ينبغي أن نلوم المجتمعات الإسلامية التي غاب عن الكثير منها قيم الإسلام في التعامل الاقتصادي.

إن أمام المسلمين لا سيما أهل التخصص في ميدان الاقتصاد فرصة عظيمة في بيان الإسلام والدعوة إليه عن طريق بيان مبادئ الاقتصاد القائم على أساس قيم الإسلام.

6- الأخلاق الفاضلة:

فالنبي صلى الله عليه وسلم  يقول (فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها)

فالأخلاق بالأساس هي هدف الرسالة الإسلامية (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)

وهي عنوان هذا الدين الذي قال عنه أكثم بن صيفي: لو لم يكن دينا لعد من مكارم الأخلاق.

وهي الفرق الظاهر للعيان بين الجاهلية والإسلام.

وهي السمت الذي ينبغي أن يتحلى به المسلم في المجتمع الأوربي فيكون خير دليل على الإسلام، وأفضل داعية إليه.

إن المسلم حين يظهر منه أن أخلاقه تدعوه إلى الفضائل والتخلي عن الرذائل، والإحسان إلى الناس دون حاجة إلى الخوف من سلطان القانون، أو سطوة الناس.

حينئذ يضرب أفضل مثال لهذا الدين، ويعمل على الحفاظ على المجتمع الذي يعيش فيه أكثر مما يتوقع منه الأوربيون.

لذلك ينبغي أن تكون رسالة المسلم في كل مكان هي نشر الأخلاق الحسنة والتحلي بها.

7- القدوة الحسنة:

كل ذلك الذي دعا إليه كان يبدأ به النبي صلى الله عليه وسلم بعمله قبل قوله، وبسلوكه وفعله وحاله قبل كلامه.

فكان للكلام أثره وللدعوة ثمرتها وتأثيرها، وهذا ما ينبغي أن نحرص عليه في قيامنا بواجبنا ورسالتنا في كل مكان والمسلم الذي يعيش في أوربا على وجه الخصوص.

فالناس ما عادوا يلتفتون للكلام بدون فعل وللتوجيه بدون عمل.

فكل مسلم ينبغي أن يضرب للناس قدوة حسنة بسلوكه وخلقه حتى يدل على دينه دلالة لا تقبل الشك.

وهذا هو مقتضى الشهادة على الناس شهادة بأحقية هذا الدين وبإمكانية العيش والعمل به، وبالحصول على الخير والسعادة من الالتزام به.

وما أعظم رسول الله حينما يبدأ بوضع دماء الجاهلية فيبدأ من نفسه وأهله، وحينما يبدأ بوضع ربا الجاهلية فيبدأ بعمه، ليضرب للناس المثل ويعطيهم القدوة والأسوة.

وهكذا ينبغي أن يكون المسلمون في أوربا، حتى يكون لوجودهم أثره وثمرته.

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

* رئيس الاتحاد الإسلامي للأئمة والمرشدين بأسبانيا

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0