كيف تقيّم ثقافتك عن القضايا الإسلامية ؟
أدخل بريدك الالكتروني...
 
 
الحج مشاعر وشعائر
عدد الزيارات : 319
الخصال العشر في أيام العشر
11 أكتوبر, 2015 - 28 ذو الحجة 1436هـ

ليستْ فضيلةُ أيامِ العشرِ من ذي الحجةِ بحاجةٍ إلى الحديث عنها من جهةِ (التعريفِ)، فكلنا يعرفُها ويعرفُ فضلها، ولكنّها بحاجة إلى الحديث عنها من جهةِ (التحفيزِ)، فليس كلُّ ما يعرفُهُ الإنسانُ تدفعُهُ معرفتُهُ المجردةُ للعملِ بمقتضاهُ، بل هناك -دائماً- خطوةٌ أخرى بعد المعرفةِ هي التي تقود إلى العمل.

هذه الخطوة هي (الإرادةُ).. والإرادةُ قلبيةٌ لا عقليةٌ.

ومعنى هذا أن السبيل لعملِ الإنسانِ بما علمَ هو أن يحرِّكَ قلبه بمضامينِ هذه المعرفة ليهتزَّ هزَّةً تنشأ معها الإرادةُ، فتتحرك بذلك الجوارحُ.

وهذا المعنى -والله أعلمُ- هو واحدٌ من تفسيراتِ الحديث النبويّ العظيمِ الذي أخرجه البخاريُّ عن النعمان بن بشيرٍ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإن في الجسدِ مُضغَةً: إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه، وإذا فسَدَتْ فسَد الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ).

فمن صلاحِ القلبِ أن تتولَّدَ فيه الإرادةُ على العمل الصالحِ، فيصلُحُ حينئذٍ الجسدُ كله بالعملِ والطاعةِ والإقبال، ومن فساده أن تتولد فيه الإرادة على العمل الفاسد، فيفسُدُ بذلك الجسدُ كله بالمعصيةِ وعملِ السوءِ.

ومن تحررتْ عنده هذه الحقيقةُ عرف (قيمةَ الموعظةِ)، وتبيَّنَ الحكمةَ في قول المولى جل جلاله: {وذكر فإنّ الذكرى تنفع المؤمنين}، فالموعظةُ أو الذكرى قد لا تضيف إلى علومِكَ جديداً، ولا إلى معارفكَ مجهولاً، ومع ذلكَ أُمِرْنا بها قولاً وسماعاً.. لماذا؟ لأنّها سبيلٌ من سبلِ توليدِ الإرادةِ القلبية، وتحويل المعرفةِ الذهنية إلى عمل تنطقُ به الجوارحُ طلباً لرضوانِ من رضاهُ غايةُ المقصودِ والمنى.

ومن هنا فإنَّ الحديثَ المشروعَ المكرورَ عن مواسمَ الفضائل ليس (تقليداً) ولا هو (تكرارٌ محضٌ) وليس هو كذلك ( عجزاً) و(قصوراً) من متحدثٍ لا يعرفُ إلا كليماتٍ يعتادها ويعيدها! كلا..

إنّه ضرورةٌ منهجيةٌ دعويةٌ.. ولك أن تنظر مثلاً كم تكرَّرَ ذكرُ الجنة ووصفِها في القرآن! لقد تكرر ذكرُها نحو مئةٍ وتسعٍ وثلاثين مرةَ!.

كما تكرر ذكرُ النارِ بلفظها في القرآن في مئةٍ وخمسةٍ وأربعين موضعاً!.

وكذلك تكرَّرَ حديثُ المصطفى صلى الله عليه وسلم عن الإخلاصِ عشراتِ المراتِ، وعن الخلق الحسنِ كذلك.. وقس على ذلك ما شئتَ.

على أنَّ هذا التكرارَ يحسُنُ فيه التنويعُ والتشكيلُ والتجديدُ ما أمكن.

وعلى كل حالٍ.. دعونا نخلُصُ من هذا كله إلى عَظْمِ الموضوعِ وهو هذه العشرُ المباركاتُ من ذي الحجةِ التي سنقدُمُ عليها أو ستقدُمُ علينا بعد أيامٍ قلائلَ.

وقد خرج البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام -يعني أيام العشر- قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء) البخاري.

وسأعدلُ في حديثي اليوم عن التوسع في فضل هذه العشر، إلى التوسع فيما ينبغي أن يكون فيها. وسأذكرُ خصالاً عشراً أرى أنه يجدرُ بنا التحلي بها في هذه الأيام العشر.

الخصلة الأولى من الخصال العشر في أيام العشر: تحقيقُ التوحيدِ:

فالتوحيدُ فطرةُ الله، والواجبُ الأول على المكلفِ، وهو الدينُ الحقُّ القيِّمُ: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرةَ الله التي فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله ذلك الدين القيِّمُ ولكنّ أكثر الناس لايعلمون}.

والتوحيدُ هو الغاية من إرسال الرسل: {وما أرسلنا من قبل من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون}.

والتوحيد من أجله كذلك أنزلت الكتبُ: {الر، كتابٌ أحكمتْ آياتُهُ ثم فصلتْ من لدن حكيمٍ خبير. ألا تعبدوا إلا الله إني لكم منه نذيرٌ مبينٌ}.

والتوحيدُ أول موضوعات الدعوةِ، وفي الحديث قولُهُ صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (إنك تقدُمُ على قومٍ من أهل الكتابِ فليكنْ أولُ ما تدعوهم إليه أن يوحِّدوا الله).

وهذه الأيامُ العشرُ فيها من شواهدِ التوحيدِ ودلائله الشيءُ الكثير، وأعظمُ هذه الدلائل وأجلها أنها هي الميقاتُ الزمنيُّ لأخذ العهد الرباني على بني آدم بتحقيق التوحيد.

قال سبحانه: {وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين}. إنَّ هذا العهدَ العظيم على البشرية بتحقيق التوحيد قد كان في يوم عرفة، فقد روى النسائي في سننه والأمام أحمد في مسنده عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (أخذ الله الميثاق من ظهر آدم بنَعمانَ يوم عرفة، فأخرج من صلبه كلَّ ذرية ذرأها فنثرها بين يديه ثم كلّمهم قبلاً، قال: {وإذْ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم..} الآية.

ومن دلائل ارتباطِ هذه العشر بتوحيد المولى جل جلاله ما يكون في الحجّ ومناسكه ومشاعره من إخلاص التوحيد للمولى، فالتلبيةُ توحيدٌ، والطوافُ توحيدٌ، وموقفُ عرفةَ توحيدٌ، ورميُ الجمارِ توحيدٌ، ويكادُ أن يكون كلُّ نسك من مناسك الحجّ إعلاناً وإشهاراً لتوحيد المولى عز وجل.

وهكذا ترتبطُ هذه الأيام الشريفةُ بهذا الواجبِ الشريفِ، وعليه فإن الخصلة الأولى من الخصال العشرِ هي تحقيقُ التوحيدِ، بأنْ يكثر الإنسانُ من كلمة التوحيد (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ويتفقد قلبه وإخلاصَه للمولى وبراءته من كل شرك وطاغوت، ويراجع أعماله وأفعاله هل فيها ما يقدحُ في توحيدِهِ أو يجرحُه؟

وعلينا أن نتنبه هنا أن قوادح التوحيد ليست هي فقط في الطواف بالقبور، والاستغاثة بالأموات ونحو ذلك مما هو منكرٌ عظيمٌ قد يبلغُ حدّ الشرك بالله سبحانه.

بل هناك قوادحُ خفيةٌ تتعلق بأعمال القلوب، كالتوكل على غير الله، أو تقديمُ محبة غيره على محبته، أو تقديم الخوف من غيره على الخوف منه، وغير ذلك مما قد يبتلى به الإنسانُ.

وإنها لفرصةٌ في هذه العشر المباركاتِ أن يتخلص العبدُ منها، ويصحِّحَ توحيده لله ويحققه، ليكون ممن قال الله فيهم: {إلاّ من أتى الله بقلب سليم}.

الخصلة الثانيةُ من الخصالِ العشرِ في هذه الأيام العشر: دوامُ الذكرِ:

فهذه الأيام لها ارتباطٌ عجيبٌ بذكر الله عزوجلّ.

من ذلك الربطُ القرآنيُّ بينها وبين الذكر في قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ}، وقوله: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ}.

وفي البخاري عن ابن عباسٍ تفسير الأيام المعلوماتِ بأيام العشر من ذي الحجةِ، والأيام المعدودات بأيام التشريق.

وقال ابن رجب رحمه الله: "وجمهور العلماء على أن هذه الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة، منهم ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وعكرمة وقتادة والنخعي، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه".

ومن ذلك الأمر النبوي الصريحُ: (ما من أيام أعظم عند الله و لا أحب إليه من العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد).

ومن ذلك التكبيرُ الذي شُرعَ فيها، فالتكبيرُ مستحبٌّ في هذه الأيامِ مطلقا ومقيدا، فيجهر الرجال بالتكبير المطلق من أول أيام ذي الحجة في الطرقات والشوارع والأسواق، وبالتكبير المقيد أدبار الصلوات من يوم عرفة لغير الحاج، ومن يوم النحر للحاج إلى آخر أيام التشريق. [انظر تفصيل حكم التكبير في الشرح الممتع 5/209-222].

وذكر البخاري رحمه الله: أنّ "ابن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران، ويكبر الناس بتكبيرهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك".

وعن ميمون بن مهران قال: أدركت الناس وإنهم ليكبرون في العشر حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتها، ويقول: إن الناس قد نقصوا في تركهم التكبير.

ولذلك فالذكرُ مشروعٌ مطلقاً في هذه العشرِ، منه التكبيرُ المنصوصُ عليه، ومنه الذكرُ المطلقُ، وعلى رأس الذكر المشروعِ في هذه الأيام تلاوةً القرآن الكريمِ، فله فضيلةٌ في هذه الأيامِ كما لسائر الأعمال الصالحةِ فضيلةٌ فيها.

الخصلةُ الثالثةُ من الخصال العشرِ: الإنفاقُ في سبيلِ الله:

والإشارة إليها واضحةٌ في الحديث السابق: (إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء). فالخروجُ بالمالِ هو إنفاقٌ له في سبيل الله.

وقد سئلتْ إحدى لجانِ الإفتاءِ المعتبرةِ عن حكم تأخير الصدقةِ إلى هذه العشرِ التماساً لعظمِ الأجرِ فيها، فأفتتْ بجواز ذلك وخيريته ما لم تكن زكاةً مؤقتةً فلايجوز تأخيرها عن وقتها. ونقلتِ اللجنةُ كلمةَ البهوتي في كشاف القناع: "ويستحب الاجتهاد في عمل الخير أيام عشر ذي الحجة من الذكر والصيام والصدقة وسائر أعمال البر، لأنها أفضل الأيام، لحديث ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة".

فتحري الصدقةِ في هذه الأيام، بل تأخيرُ ما أراد الإنسانُ التصدق به لينفقه في هذه الأيامِ هو من العمل الصالحِ المضاعف بإذن الله.

ولعل أبرز تجليات الإنفاقِ في هذه العشر هو (الأضحيةُ)، التي قال الله عنها: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}.

وهي -كما نعلمُ- سنة مؤكدة يكره للقادر أن يدعها لأنَّ الله قرنها بالصلاة في قوله: {فصلّ لربك وانحر}، وقد سئل ابن تيمية رحمه الله عمن لا يقدر على الأضحية، هل يستدين؟ فقال: "الحمد لله رب العالمين، إن كان له وفاء فاستدان ما يضحي به فحسن، ولا يجب عليه أن يفعل ذلك، والله أعلم. [مجموع الفتاوى].

وشروطُ الأضحيةِ وأحكامُها معروفةٌ مبذولةٌ من أهمها: الذبحُ بعد صلاة العيد إلى آخر أيام التشريقِ، والمِلْكُ في الشاةِ لواحدٍ والشركةُ في الثواب لاحدّ لها، وتقسيمها ثلاثاً: أكلاً، وصدقةً، وإهداءً.

وأما الكفُّ عن الشعر والظفُرِ فهو القول المشتهرُ عندنا لحديث أم سلمة: (إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يضحي فلا يأخذن من شعره ولا من بشرته ولا من ظفره شيئا) [رواه مسلم].

والمصيرُ إليه أحسنُ وأحوطُ والمسألةُ فيها كلامٌ طويلٌ عند الفقهاءِ.

الخصلة الرابعة من الخصال العشر: القتالُ في سبيل الله:

وقلتُ القتال ولم أقل الجهادَ عامداً، لأنّ لفظَ الجهادِ عامٌّ يشملُ القتال وغيره، والحديثُ صريحٌ في شأن الجهادِ بالنفسِ والتضحية بها في سبيل الله: (إلا رجلٌ خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء).

والجهادُ في سبيل الله بالنفسِ من حيثُ هو عملٌ عظيمٌ، بل هو ذروة سنامِ الإسلامِ، فكيف به في هذه العشر؟ وكيف به وقد نُصَّ عليه في هذه العشرِ؟

وكان حقُّ هذه الخصلةِ أن يتقدَّم بعد التوحيدِ، وإنما أخرتُهُ من جهةِ الإمكان لا من جهةِ القدرِ. ومع ذلك علينا أن ندركَ أن إخواننا الذين يجاهدون الكفرَ والظلم والباطل والطغيان على منهجٍ سديدٍ رشيدٍ هم على رأس العاملينَ في هذه العشر المباركة، نسأل الله أن يسدد جهادهم ويرشدهم ويعصمهم من مزالق الغلوّ والفتنِ والتكفيرِ.

وفي الحديث: (مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا في سبيلِ اللهِ فَلهُ مثلُ أَجْرِهِ، ومَنْ خَلَفَ غَازِيًا في أهلِهِ بِخَيْرٍ، أوْ أنْفَقَ على أهلِهِ فَلهُ مثلُ أَجْرِهِ) [صححه الألباني في السلسلةِ].

الخصلةُ الخامسةُ من هذه الخصالِ العشر: الصومُ:

وقد كان صلى الله عليه وسلم يصوم العشر أو أكثرها، فعن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسع ذي الحجة [رواه أحمد] وكان عليه الصلاة والسلام يحث على صيام يوم عرفة ويقول: (صيام عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والتي بعده).

قال الإمام النووي رحمه الله: معناه: ذنوب صائمه في السنتين. قالوا: والمراد بها الصغائر، وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء, وذكرنا هناك أنه إن لم تكن صغائر، يُرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رُفعت درجات.

وقد روي عن ابن سيرين وقتادة أنهما كانا يقولان: صوم كل يوم من العشر يعدل سنة.

فالعشرُ من ذي الحجةِ مظنَّةُ الصومِ، والصومُ فيها مضاعفُ الأجرِ بإذن الله، كسائر الأعمالِ.

الخصلةُ السادسة من الخصالِ العشرِ في أيام العشرِ: الصلاةُ:

وهي عمادُ الدين، وأولُ ما يُسأل عنه العبدُ يوم القيامةِ.

ولذلك فإن أيام العشر فرصةٌ عظيمةٌ ليصلح الإنسانُ ما بينه وبين الصلاةِ فرضاً ونفلاً.

فإنْ كان مقصراً في الجماعة عجِل إليها. وإن كان مقصراً في الخشوع طلبه. وإنْ كان مقصراً في أركانها أو سننها أو آدابها التمس ذلك والتزمه.

والمؤمنُ الحفيُّ بصلاتِهِ، الذي يعرفُ قيمتها، ويدرك منزلتها، لا يدعُ فرصةً تمرُّ عليه إلا اغتنمها لتحسين موقفه من الصلاةِ، وتجويدِ أدائه لها.

وثقوا أن هذه العشرَ بما فيها من مضاعفة الأجر والثواب وعموم الخيراتِ فرصةٌ عظيمةٌ لتكون صلاتُنا أجمل وأحسن وأخشع وأقربَ إلى القبولِ.

ومن هذا الباب قيامُ الليل والحرصُ على تجديد في هذه الليالي المباركة، وليس في ذلك بدعةٌ ولا سوءٌ ما لم يكن جهراً في المساجدِ يُدعى إليه.

أما اجتهاد المرء في نفسه أو مع أهله أو خاصته في قيام هذه الليالي فلاشك أنه داخل في عموم العمل الصالح المندوب إليه.

وقد كان ابن عباس إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادا حتى ما يكاد يقدر عليه، وكان يقول: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر، تعجبه العبادة.

الخصلة السابعةُ: الحجُّ إلى بيتِ الله الحرامِ:

ولاريب أن الحجَّ هو عبادةُ العشرِ الكبرى، وعلامتُها الفارقةُ، وهو أجلُّ عبادة يعملها الإنسان في هذه العشر، هذه العبادة الجليلة التي يخرج منها الإنسان كيوم ولدته أمه صفاء ونقاء وطهارة من الذنوب.

وإن من أقبح القبيح ألا يكون الإنسان قد حج فريضته بعدُ ثم هو يعزم على صرف هذه الأيام في غير الحج إن كان مستطيعا قال صلى الله عليه وسلم: (من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة) [أحمد بسند حسن] وقال صلى الله عليه وسلم: (تعجلوا إلى الحج فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له) [رواه أحمد].

وقد ذهب الإمام أحمد وجمهور الحنفية وفريق من المالكية إلى أن وجوب الحج على الفور لا على التراخي.

وروي عن عمر قوله: لقد هممتُ أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار فتنظر كل من كانت له جدة (أي غنى) ولم يحج فيضربوا عليه الجزية ما هم بمسلمين ما هم بمسلمين. وعند البيهقي عن عمر قال: ليمت يهوديا أو نصرانيا رجل مات و لم يحج وجد لذلك سعة وخليت سبيله.

فلنحذر أشد الحذر من التسويف وليحذر الطالب من ترك الفريضة بحجة الدراسة والتاجر من تركها بحجة التجارة والعامل من تركها بحجة أنها إجازته الوحيدة!.

وكانَ حقُّ هذه الخصلةِ أن تقدم أيضاً، لولا أنّها لا تشملُ الجميعُ ففينا العاجزُ وغير القادرِ ومن لم يجب عليه الحجُّ. وفينا من قد أدى فريضته الواجبةَ.

وتكرارُ الحجِّ في أصلِهِ شرفٌ وفضيلةٌ وعملٌ صالحٌ عظيمٌ جداً، فكما نستدل بأحاديث فضل الصدقة مثلاً على استحباب تكرارها والإكثار منها فكذلك يستدل بأحاديث فضائل الحجّ، كما أن الخلفاء الراشدين وهم محل التسنن والاقتداءِ كرروا الحجّ، وعُرف هذا التكرارُ عن كثيرٍ من الأئمة والصالحين.

فما من حرج في تكرار الحجّ في أصله بل هو عملٌ صالحٌ كما ذكرتُ. وإنما تأتي العوارضُ والمفاضلاتُ..

فهل الأفضل مثلاً أن يحج الإنسانُ اليوم نفلاً ًأم يتصدقُ بماله لإخوانه اللاجئين؟

لاشك عندي أن التصدق أفضل والله أعلمُ.

كذلك من العوارضِ ما يكون من تنظيماتٍ رسميةٍ تنظّمَ آلية تكراره طلباً للمصلحة العامة، فهذا أيضاً مما تحسُنُ مراعاتهُ. والله أعلمُ.

الخصلة الثامنة من الخصال العشر: الدعوة إلى الله:

وسرُّ هذه الخصلة أن هذه العشر هي الأيام المباركة التي تمتْ فيها دعوةُ النبي صلى الله عليه وسلم.

ففي يومِ عرفةَ كما أخبر عمرُ بن الخطابِ رضي الله عنه نزل قوله تعالى: {اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتمتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام ديناً}.

لقد أتمّ الله النعمة على نبيه والمسلمين؛ وفتح قلوب العباد للإسلام، فدخل الناس في دين الله أفواجاً، وغلبَ الدينُ الحقّ على اليهودية والنصرانية والمجوسية في جزيرة العربِ، وكان إعلانُ (تمامِ هذا النجاحِ الدعويّ) في هذه العشر المباركات.

لقد شهد يوم عرفة -كما أسلفتُ- تنزَّل الآية العظيمة التي أخبر الله فيها بتمام النعمة على الإسلام وأهله، أي تمام مسيرته الدعوية العظيمة.

ولذلك قلت: إن هذه العشر أيامٌ محفزةٌ للدعوة إلى الله، والاجتهاد فيها.

الخصلة التاسعة من الخصال العشر: اللَّبْثُ في المساجدِ:

فاللبثُ فيها مظنّةُ كثيرٍ مما سبقَ من العباداتِ المرتبطةِ بالعشرِ. ولذلك كان اللبثُ في المساجدِ أيامَ العشرِ من خصالها العشرِ التي ينبغي الحرصُ عليها.

وحسبنا من الفضل ما رواه أبو هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (إنَّ للمساجدِ أوتادًا هم أوتادُها، لهم جلساءُ من الملائكةِ، فإن غابوا سألوا عنهم، وإن كانوا مرضى عادوهم، وإن كانوا في حاجةٍ أعانُوهم). [صحيح الترغيب والترهيب].

ومن جميل فضل الله أن كثيراً منا في إجازةٍ في هذه العشر أو في بعضها مما يتيحُ وقتاً أوسعَ لهذه الخصلةِ الشريفة.

الخصلة العاشرة من الخصال العشر في أيام العشر: التوبة:

تحقيقاً لقول المولى سبحانه: {وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}.

والتوبةُ خيرُ ما تُفتتحُ به هذه العشرُ، وخير ما تختتم به. فهي في البدءِ عونٌ وانطلاقٌ، وهي في الختامِ توقٌ وانعتاقٌ. وما أحسن أن ينتصبَ العبدُ في لياليها المباركات فيكونَ كما قال الشاعرُ:

بسطتُ ثوب الرجا والناس قد رقدوا * * * وبت أشكو إلى مولاي ما أجدُ

فقلتُ يا أملي في كل نائبةٍ * * * ومن عليه لكشف الضر أعتمدُ

أشكو إليك أموراً أنت تعلمها * * * مالي على حملها صبرٌ ولا جلدُ

وقد مددتُ يدي بالذل أرفعها * * * إليك يا خير من مدتْ إليه يدُ

طباعة أضف تعليقك أرسل هذا الرابط لصديق

عدد التعليقات (0