الأسس المنهجية للبرمجة العملية

 

المحتويات :

• التمهيد

• فوائد البرمجة العملية

• الأسس الشرعية

• الأسس الاجتماعية

• الأسس الإحصائية

• الأسس الإدارية

• تشييد وتهديد

• ومضات سريعة على الناحية العملية

 

الأسس المنهجية للبرمجة العملية

 

التمهيد :

أول ما نبدأ به في هذا التمهيد معنى المنهج أو المنهاج ، ومعنى البرنامج فالمنهاج في أصل اشتقاقه من النهج ، وهو الطريق الواضح وطرق نهجه - أي واضحة - ومنه قوله - جلا وعلا -  { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً } - أي طريقاً واضحاً ، ومنهجاً بيناً - ، وفي المعجم الوسيط  - وهو متأخر- يدرج المعاني التي استحدثت ويبين دلالات المصطلحات ، قال في معنى المنهج : " هو الخطة المرسومة كمنهاج الدراسة أو التعليم ونحوها والجمع مناهج " . فنحن نقول منهج الجامعة هو كذا وكذا يعني الخطة الدراسية للمرحلة الجامعية.

وأما البرنامج فأصلها كلمة فارسية عربت فهي بالفارسية برنامه ، ومعناها : الورقة الجامعة للحساب ولذلك يسمون التقاويم رزمانه أو برمانه ، لأنها تشتمل على هذا المعنى . وفي تاج العروس معنى آخر ذكره لمعنى البرنامج وهو : " زمام يرسم فيه متاع التجار وسلعهم يعني قيد تسجل فيه البضاعة والسلع فهو كذلك نوع من الإدراك للمعلومات في صورة منظمة يتوصل بها إلى المقصود ويعرف بها الموجود " . وفي المعجم الوسيط قالوا في البرنامج هو: " النسخة التي يكتب فيها المحدث أسماء رواته وأسانيد كتبه " وهذا قد اشتهر قديماً عند العلماء والمحدثين ، فصنفوا في هذا كتب ذكروا فيها أسماء شيوخهم والكتب التي رووها عنهم ويسمون ذلك برنامجاً كبرنامج ابن جابر الوادي آشي . ويطلق ذلك أيضاً عند العلماء .

 بعد تلك الفترة صاروا يستخدمون الفهرسة فيقولون : " فهرسة فلان " يعني : ثبت شيوخه واستخدموا الثبت بعد ذلك وهو كذلك الذي يستخدم فيه اسم المعجم أو المشيخات . المهم أنه أيضاً رصد وجمع منظم لمعلومات مقصودة يتوصل بها إلى التحصيل والإنجاز الذي تم خلال مرحلة من الزمن ، مفصل على أماكنه التي تم تحصيله فيها، وعلى مصادره التي تم استقاءه منها.

وأخيراً في معنى البرنامج في المعجم الوسيط : " الخطة المرسومة لعمل ما كبرامج الدرس والإذاعة " ونحن نسمع هذه الكلمة دائماً تستخدم لهذا المعنى .

والمقصود إذاً في مثل هذا الحديث الذي نحن بصدده ، أننا نريد أن نتحدث عن أسس واضحة - يعني منهجية- ، والمنهجية تشتمل كذلك مع الوضوح على ترتيب وتنظيم يكون فيه التدرج ، وإمكان التطبيق ، فنحن نبحث عن أسس واضحة للبرمجة العملية - أي بوضع خطط مرسومة للأعمال التي نريد أن ننفذها في حياتنا- وكثيرة هي الأوقات التي تمضي دون عمل ، وكثيرة هي المدد المتطاولة التي تمضي دون إنجاز ، ومن فضل الله - عز وجل - أننا في هذه الأوقات نرى فوائد متجددة تتجلى ربما في جانبين :

 

الأول منهما : الالتزام الشرعي الذي يعظم المسؤولية في النفوس تجاه الوقت والبدن ، وكل نعم الله  - عز وجل - مما يدفع إلى حسن اغتنامها واستثمارها.

 

والأمر الثاني : هو اتساع دائرة الاهتمام بالموضوعات الإدارية والتنظيمية ، واكتساب المهارات في القدرات وتطوير الطاقات ، وحسن إدارة الأوقات ونحو ذلك وقد شاع هذا كثيراً ، وكثرت فيه الدورات ، وأعدت فيه الدراسات وطبعت فيه الكتب ، وعقدت فيه الندوات وصار موضع اهتمام كثير من الناس عموماً ، وشباب الأمة خصوصاً ، وأعني ذلك الشباب الجادين من الملتزمين الحريصين على الإنجاز . ونحن نريد في محاولة متواضعة أن نعطي هذا الموضوع مفاتيحه الأولى ونخطو فيه الخطوات الأولية بإذن الله  - عز وجل - .

       

وأبدأ بفوائد البرمجة العملية وقد فهمنا مدلولها ومعناها ببساطة برمجة عملية - أي إنني أريد أن أنجز شيئاً فأضع له جدولاً وخطة مرسومة موزعة على الأوقات حتى أحقق الهدف وأستطيع أن أنجز المطلوب - وهذه فوائد عديدة :

 

فوائد البرمجة العملية

1- الفكرة

 وأعني بها اعتماد مبدأ التفكير والتركيز ، فإن الذي يتوجه إلى وضع البرنامج لابد أن يكون مريداً وقاصداً ، وآخذ بمبدأ التفكير والتركيز ، لأنه سيبحث في أمور كثيرة حتى يصل إلى وضع هذا البرنامج ، أما الذي ليس في قاموس حياته أن يضع برنامجاً وجدولاً ، فهذا غالباً ما لا يجهد فكره ، ولا يركز في أي أمر من الأمور ، بل يأخذ الأمور سبهللاً - كما يقولون - ، وتمر عليه الأوقات أو السنوات أو الفرص دون أن يفكر فيها كيف يغتنمها ؟ أو كيف يصنع بها؟ أو نحو ذلك ، إذن فأول فائدة للبرمجة أنها تعودنا على التفكير والتركيز، بدلاً من البلادة والتشتت الذي نراه . فلا هو أخذ بعلم فأصاب منه حظاً ، ولا هو أتقن عملاً فنال منه كسباً ، ولا هو اشتغل بعبادة فزكى بها نفسه ، وطهّر قلبه ، ولا هو قدح في الدنيا فعف نفسه ، وعال أهله .

 كثيرون هم الذين يتشتتون هنا وهناك ، وكما يقولون : يخوضون في كل بحر ، ويدخلون في كل باب ، فلا يكادون يحصلون على شيء ، ويكون حظه - كما قيل - : من كل بحر قطرة ، ومجموع هذه القطرات يكاد لا يروي غليلهم ولا ينفعهم.

 

2- القوة

 وأعني بذلك قوة الإرادة ، ومقاومة الاستسلام ؛ فإن الذي يتوجه لوضع البرنامج يشعر أنه لابد أن يقاوم الفوضى الاجتماعية ، وأن يقاوم نفسه المتكاسلة ، وأن يقاوم عاداته السيئة ، وأن يقاوم بيئته المثبطة.  إنه يكتسب من هذه البرمجة قوة إرادة تجعله يتحدى الواقع الذي هو فيه ولا يستسلم له ، ويبدأ في السير وغذ الخطى ، وإن كان في اتجاه ضد التيار . لأن هذا يجعله يجتهد وينتفع كما لا يكون بغير هذه الوسيلة.

 

3- الحرص

 فإن البرمجة هي الاستغلال الأمثل للوقت ، ومن كان آخذاً بمبدأ البرمجة ؛ فإنه دائماً يتعود على الحرص والظن بوقته ، والحرص مذموم إلا في الوقت ، فالحرص على الوقت ممدوح ومطلوب ، فلا ينبغي أن يكون فيه أي تفريط لأي سبب من الأسباب . قال إبراهيم الحربي - رحمه الله - :" صحبت الإمام أحمد بن حنبل أربعين سنة فما رأيته في يوم إلا وهو زائد على الذي قبله " . وهذا من شدة حرصه .. يرى أنه اغتنم في هذا اليوم خمس ساعات فلابد في الذي بعده خمس ساعات وقليل ولو دقيقة أو خمس ، فمع الزمن فإذا كل يوم يزيد جديداً فإذا به يصبح أكثر حرصاً، وأكثر كسباً بإذن الله عز وجل.

 

4- الذكاء

 وأعني به اكتشاف واستثمار الطاقة ؛ فإن كثير من الناس لا يعرف ما عنده من نعمة الله  - عز وجل – عليه ،  فإن قلت له - على سبيل المثال - : ضع برنامجاً لتحفظ شيئاً من القرآن أو شيئاً من العلم قال: أنا ذاكرتي ضعيفة ، وإمكانياتي العقلية محدودة ، ولا أستطيع أن أحفظ . هو قال ذلك لأنه لم يضع أو لم يدخل نفسه في البرمجة ، ولم يبدأ بشيء من خطواتها ، ولو فعل لاكتشف في نفسه ما كان جاهلاً به ، ولو قلت له : لما لا تحاول أن تقرأ حتى تكتسب لغة جيدة وبلاغة رائعة ونحو ذلك . قال : هذا أمر بعيد المنال ، فأنا لا أحسن الكلام ولا النطق، فضلاً عن أن أكون من البلغاء الفصحاء ، ولو أنه أيضاً أخذ بشيء من الأسباب لاكتشف في نفسه وفي لسانه طلاقة ، وفي عقله إبداعاً وخيالاً ونحو ذلك من الأمور . فلذلك الذي يدخل في عالم البرمجة هو الذكي الذي يبدأ يفتق طاقاته ، ويكتشف مهاراته ويرى من نفسه ما لم يكن به من قبل عالماً .

 

5- الإنتاج

 فالذي يأخذ بأسباب البرمجة هو الذي يحقق كثرة الإنجازات ، وتحقيق الطموحات ، ورفع المعنويات .

معنى ذلك أنه يضع القليل مع القليل ؛ فإذا به ينجز الكثير ، ولا يمكن أن تكون هناك إنتاجية عالية ، ولا طموحات محققة ، ولا معنويات مرتفعة ما لم يكن هناك برمجة وتركيز في هذا المعنى ، ولعلنا نأخذ مثالاً حتى ندرك أن هذه البرمجة وتوزيع الأوقات وحسابها ودقتها - كما سنرى - هو الذي يمكن أن يثمر، قطاف يسير من ترجمة الإمام النووي . في ترجمته أنه كان يقرأ في كل يوم - في كل يوم ليس أسبوعاً ، ولا شهراً - كان يقرأ في كل يوم اثنا عشر درساً ، درسين في كتاب " الوسيط" - وهو الوسيط للغزالي في الفقه الشافعي - والثالث في كتاب " المهذب " للشيرازي ، الذي شرحه بعد ذلك النووي في كتابه الضخم " المجموع " ودرساً في كتاب الجمع بين الصحيحين ، ودرساً في صحيح مسلم ، ودرساً في كتاب " اللمع " لابن جندي في النحو ودرساً في كتاب " إصلاح المنطق " لابن السكيت في اللغة ، ودرساً في التصريف ، ودرساً في أصول الفقه تارة في " اللمع " بأبي إسحاق ، وتارة في المنتخب للفخر الرازي ، ودرساً في أسماء الرجال، ودرساً في أصول الدين ، ولا أظن أن من صنع مثل هذا ليس عنده برمجة ! لا أظنه لا يكون أحد هذه الدروس قبل الفجر ، والثاني بعد الفجر ، والثالث في الضحى ، والرابع بعد العصر- أي إنها موزعة - وبالتالي انظر إلى هذه الكتب التي درسها الإمام النووي - رحمه الله -إذا بشروحه فيها أعظم شروح انتهى إليها طلب وغاية وأمل أهل العلم ، فلما درس صحيح المسلم شرحه . وهو إلى يوم الناس هذا هو أعظم الشروح وأجلّها ، ولما درس المجموع شرحه ، إلى آخر ما نعرف من تصنيفاته ومؤلفاته رحمه الله .

 

6- الخبرة

 والبرمجة يستفيد منها المرء تعميق الخبرة ، وتحسين التجربة ، والقدرة على المتابعة والتقييم والتعديل ، وتلافي الأخطاء . والذي يضع الأمور و الأعمال في برامج وجداول يكتسب خبرة في تطبيقها ما الذي يبدأ به . .

ما هي العوائق التي تكون ؟ كيف يتجاوزها إذا وقع له كذا ماذا يصنع ؟

هذه البرمجة وتطبيقها تكسبه دقة متناهية في تحديد أموره ومتطلباته ، وحسابها ثم تكسبه تجربة في الممارسة العملية إن كان البرنامج للحفظ ، أو كان البرنامج للعمل الخيري ، أو كان البرنامج للتعليم ، أو كان في غير ذلك سوف يكتسب خبرة رائعة ، وتجربة عميقة ، ويصبح أيضاً بهذه البرمجة دائماً متعوداً على المتابعة والتقويم ، لأن البرنامج لا بد أن يكون فيه متابعة وتقويم ، ولا بد أن ينظر إليه .ز كان من المفترض أن ينتهي كذا .. في تاريخ كذا.. هل انتهى ؟ لا . لماذا لم ينتهي ؟ لأنه كذا وكذا . ماذا يصنع ؟ لا بد أن يعوض . نتعود على هذه السمة التي تعودنا على الدقة والمهارة في تعاطي الأمور ، وخبرة الحياة ، أما كثير من الذين لا ينتبهون إلى ذلك ، ولا يأخذون به ، وليس عندهم تجارب ، ولا خبرات وليس عندهم شيء من هذه النفسية التي تحاسب وتعدل ، والتي تكون دائماً في وضع أفضل وأحسن .

 

6- التنظيم

 وأعني بذلك أن الذي يأخذ بالبرمجة يكتسب مهارة التخطيط والتنظيم وتطوير الملكات ، وهي مهارة مهمة لأن الذي يكتب على الورق ويحسب - كما سنرى - لا يأخذ الأمور جزافاً . تقول له : متى تصنع هذه الأمور ؟ يقول لك : إن شاء الله خلال شهر أو سنة . ماذا شهر إلى سنة ! أي تقدير هذا ! وأي تفريط وفوضى ليست فيها أهمية للوقت ولا تقدير للجهد ولا معرفة بالواقع ولا شيء من ذلك ! أما الذي يأخذ بالبرمجة فهو إنسان يكتسب مهارة التنظيم . إن قلت له : أريد منك أن تصنع ذلك متى تفعل ؟ يقول لك انتظر لحظة ، أو لا يجيبك فيعطيك بعد ذلك إجابة دقيقة يقول: أستطيع أن أنجزه إذا كنت تريده بالطريقة المبدئية فأحتاج إلى أسبوع ، وإن كنت تريده أن يكون منتهياً بطريقة كاملة فهو يحتاج إلى شهر ، وإن كنت تريده قابلاً لأن يخرج للناس أو أن يطبع أو ينشر فإنه يحتاج إلى كذا .. هذه الدقة تنبني على هذه التجربة العملية في البرمجة فالإنسان يكتسب بذلك مهارة مهمة تجعله دائماً في غاية من قدرته على الانتفاع والاستفادة .

 

7- العطاء

 وأعني بذلك القدرة على الإفادة والتوريث والعطاء . ماذا ستعطي لأبنائك ؟ وماذا سيستفيد منك أقرانك ؟ وأي شيء سيجنيه تلاميذك إن لم تكن لك تجربة في هذه البرمجة ولم يكن لك إنجاز؟ إن كنت قد جربت وجدولت الأعمال وحققت الأهداف فإنك ستقول للناس: إذا أردت أن تحفظ فاصنع كذا وكذا وكذا وإذا أردت أن تعمل فطريقك هو أولاً وثانياً وثالثاً سوف تكون لك قدرة على أن تفيد من حولك من أبنائك ومجتمعك أم أن تكون هكذا كما يقولون كالطبل الأجوف تمر في هذه الحياة وتنتهي منها وتخرج وتطوى صحيفتك دون أن يكون لك شيء يذكر بك ، ولا توريث ، ولا عطاء أبقيته ، حتى في أبنائك لكي تكون قد غرست غرساً ما تزال ثماره تينع مرة بعد أخرى.

 

8- التفوق

 وأعني بذلك أن البرمجة تدفع الإنسان إلى منافسة الأقران ، ومواجهة الأعداء ، والتفوق عليهم . إن الذي يأخذ بمبدأ البرمجة إذا كنا في بيئة برمجة ، فهذا أعد برنامجاً ليحفظ جزءاً من القرآن في شهر ، وذاك أعد ليحفظ في نصف شهر ، فيكون هنا تنافس ، ثم ماذا تصنع الأمم المتقدمة - كما تسمى اليوم - إن إنجازها ودقة حرصها على وقتها في الحياة العملية بما قرروه على أنفسهم من الإنجاز و الحرص على المادة أصبحوا مضرب مثل في ذلك .

 

وفي دراسة موجزة ، عملت على مدى كفاءة الإنتاج والاستغلال لوقت العمل ثمان ساعات في كل يوم . وجد إن أعلى استغلال هو عند اليابانيين ثم درجات درجات .. وفي ضمن هذه النماذج دولة عربية مسلمة كبرى ووجد أن الذي يستغل حقيقة من الساعات الثمان كلها لا يتجاوز 37 دقيقة وليس في هذا مبالغة وسيأتي ما قد يشير إلى هذا ، دراسة أخرى أشير إليها نقلاً عن إحدى الصحف المحلية الطرق التي يقضي بها الشباب أوقاتهم من عينة معينة 75% في مشاهدة التلفزيون 52% كرة القدم 75% قراءة مجلات ودوريات 32% استماع إذاعة 32% التمشي بالسيارات 31% زيارة الأصدقاء 27% الرحلات 24% لعب الورق 18% السباحة 16% كرة طائرة 11% المقاهي 11% الموسيقى 10% الرسم 9% التمشي على الأقدام في الشوارع 9% جمع الطوابع ... وانظروا إليها وفكروا فيها .

 

معدل ما يجلسه كثير من الشباب أمام التليفزيون في السنة 1000 ساعة وإذا طلبت من هؤلاء شيئاً قال لك : لا أجد وقتاً ماذا يمكن أن ينجز في 1000 ساعة تعرفون الساعة كم ؟ 60 دقيقة احسبوا كم دقيقة واحسبوا كم ثانية واحسب كم يكون من هذا هذه إحصائية قديمة منشورة في عام 1408 هـ البث التلفزيوني سنوياً يصل إلى أكثر من 64 ألف ساعة وأظنها اليوم لو زدنا عليها صفراً لكان الرقم قليلاً . يمكن تكون اليوم 640 ألف ساعة بث إذاعي .الدراسة في الجامعات 6 آلاف ساعة يعني بمقدار ما يجلس أمام التلفزيون 6 سنوات يكون تخرج من الجامعة ، أو درس منهج الجامعة كله  تعرفون ماذا يتخرج الطالب ! يدرس 132 ، 136 ، 140 ساعة ويتخرج من الجامعة 140 ساعة طبعاً قد تضرب في 3 على عدد أيام الأسبوع يعني في آخر الأمر كله 600 ساعة ، 700 ساعة يدرس ويتخرج من الجامعة . الساعة ليست شيئاً تافهاً حتى لا يكترث بها النوّم يتراوح ما بين 2100 إلى3500 ساعة ، ثم معدل ما يقضيه المسلم في الصلاة كم ساعة في السنة ؟ دراسة 500 ساعة في السنة كلها يعني في اليوم ساعة وشيء لأن السنة كم يوم ؟ 365 يوم . ساعة وربع طبعاً هذا للذي يصلي ويأتي مبكراً وكذا . أما الذي يعني يمكن أن يكون في نصف هذا الوقت فاحسب ترى أننا نحتاج إلى البرمجة حتى نتفوق .

 

9- الراحة

 ولعل هذا يكون فيه غرابة كيف تكون البرمجة العملية راحة وصحة وكفاءة ! وهي كذلك لأن الذي يبرمج عمله يستطيع أن ينجزه وفق برمجته ، ويستغل الأوقات فلا يكون مضغوطاً ، ولا متحملا لعبء كثير في وقت قصير ، ومثاله البسيط "الفرق بين الطالب المجد والطالب المهمل " الطالب المجد يذاكر أولاً بأول نصف ساعة في اليوم .. ساعة في اليوم . فيأتي وقت الاختبار وهو مرتاح ، وخلاف هذه الأيام كلها لا يرهق ، لأنه يأخذ القليل في المدى الطويل فلا يرهق فإذا جاء الاختبار كان مستعداً فلا يرهق في الاختبار لكن الطالب المهمل لا يذاكر ، ثم بعد ذلك ماذا يصنع يتعب أيام الاختبارات ، وربما يمرض ويدخل المستشفى ، وربما يرهق فينام فلا يحضر الاختبار ! النتيجة كلها كوارث في كوارث ، وضياع في ضياع وهذا يدلنا على أن البرمجة تفيدنا في هذا كثيراً .

 

ننتقل الآن إلى الأسس التي نريد أن نتحدث عنها وسنجعلها أيها الأخوة في صورة برقيات قصيرة لأن لا يدركنا الوقت ونحاول - إن شاء الله - أن نغطي ونمر على جميع هذه النقاط التي  نريدها:

 

أولاً : الأسس الشرعية

هل لهذه البرمجة أساس في الشرع من حيث المبدأ أو من حيث التطبيق ؟ نقول نعم وانظر إلى هذا في نقاط سريعة :

1- تعظيم قسم

 الله - جل وعلا - عظم الوقت والزمن ، إذ أقسم به في كتابه ، ولا يقسم إلا بم هو عظيم ويريد - جل وعلا - به أن يلفت النظر إلى عظمته - أي في عظمة هذا الذي يقسم به -في القدرة الإلهية وعظمته أيضاً في النعمة الربانية على الخلق والله - جل وعلا - أقسم بالزمن في أوقات كثيرة متنوعة { والفجر * وليال عشر } ، { والضحى * والليل إذا سجى } ، { والعصر * إن الإنسان لفي خسر } ، { والليل إذا عسعس * والصبح إذا تنفس }

 كل الأوقات المتنوعة ذكرت في سياق القسم الرباني ، تعظيماً لها ، ولفتاً لعظيم المنة بها فكلها معنى ذلك أنها نعمة من الله وكلها معنى ذلك أنها ينبغي أن تغتنم وكلها أي لكل منها ما يتناسب معه { وجعلنا الليل لباسا وجعلنا النهار معاشا } .

 

2- خسارة نعمة

وذلك ظاهر في حديث النبي - صلّى الله عليه وسلم – المشهور: ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ )، وأعظم الوسائل المعينة على اغتنام الوقت البرمجة العملية ، فإنه يكون خاسراً نعمة عظيمة من أجل نعم الله سبحانه وتعالى عليه وهي نعمة لا تعوض كل شيء يمكن تعويضه واستدراكه إلا الوقت المال إذا خسرت مائة ثم ربحت المائتين فقد عوضت الذي فات وهكذا في كثير من الأشياء إلا الوقت فإنه لا يمكن تعويضه ولا يمكن أيضاً التحكم فيه لكن يمكن إدارته واستغلاله هذا الذي نتحدث عنه.

 

3- جسامة مسؤولية

وذلك ظاهر أيضاً في حديث المصطفى - صلّى الله عليه وسلم – ( لن تزول قدم عبداً يوم القيامة حتى يسأل عن أربع : عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه )، فهذا الزمن مسؤول عنه وهذه الحياة الممتدة محاسب عليها وهذا يدلنا على أن الشرع يريد منا أن لا نجعل هذه الأوقات حججاً علينا وأن لا نجعلها مدعاةً لكي تكون إثماً يطوق أعناقنا ، أو سيئات تسود صحائفنا.

 

4- إقامة حجة

وذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري عن رسول الله - صلّى الله عليه وسلم – ( أعذر الله إلى امرأ أخر عمره حتى بلغ الستين )، أي أن من مد له في العمر ، وأخذ فرصة الحياة الطويلة ، فإنه قد أقيمت عليه الحجة وأنقطع منه العذر ، ومعنى ذلك أنه يستحق العقاب على تفريطه في عمره ، وتفويته لزمانه ، وتضييعه لمهمته ورسالته ، وهذا أيضاً يعظم عندنا هذا الأمر ، ويدعونا لأن نكون نحن معاشر المسلمين أغنم الناس اغتناماً للأوقات وانتفاعاً بها ، وإنجازاً فيها لا أن تكون أمتنا وشبابنا وكثير من أجيالنا ، أمهر الناس في تبديد الأوقات وأكثرهم تضييع للفرص رغم كثرة ما يحيط بهم من النعم مع وجود الوقت تكون هناك الراحة ومعها الأمن وإتاحة الفرص ، وكثرة أبواب الخير وبعد ذلك لا يكون عمل ولا إنجاز فإن الحجة قائمة ، والعذر منقطع نسأل الله عز وجل السلامة.

 

5- دعوة غنيمة

 ولو قيل لنا تعالوا اليوم أو غداً أو في ساعة بعينها إلى مكان ما ، فإننا سوف نقسم عليكم فيها غنائم فإن أكثر الناس لن يتخلف ، لأن كل واحد يحب أن يكسب ، ويريد أن يغنم ويشتهي أن يكون لديه من الماء أو العطاء ، ما يحب أن يفرج به عن نفسه ، أو ينتفع به في حياته ، والغنيمة في الوقت أعظم من ذلك لأن الوقت هو الذي تعمل فيه فتأخذ المال والوقت ، وهو الذي تطلب فيه العلم وتحصل المهارة التي تعمل بها والتي تستطيع أن تكتسب بها ، والوقت هو الذي تصنع فيه كل شيء يعود عليك بالنفع الدنيوي والأخروي ، ومن هنا نفقه حديث النبي- صلّى الله عليه وسلم –   الذي يقول فيه ( اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك ) . هذه فرص مدعوون لاغتنامها، فإن لم تكن غنيمة كان ما يقابل ذلك سئل نافع مولى ابن عمر ما كان ابن عمر يصنع في منزله ؟ قال :  " الوضوء لكل صلاة والمصحف بينهما " هذا الذي يريد الغنيمة يعرف كيف لا يفوت صحة قد لا يستطيع إذا مرض أن يعمل ما يريد، ولا يفوت كما قلنا حياة ولا شباب ولا غير ذلك مما أخبر به -  عليه الصلاة والسلام - .

 

6- راحة عمل

 وكما قلت هذا قد يكون غير متصور عند بعض الناس ، هل يرتاح الإنسان في العمل؟ وهل وقت الراحة يكون للعمل؟ ونقول في حس المسلم نعم . فإن الراحة بمعنى الفراغ المبدد للوقت ليست في قاموس المسلم حتى الراحة التي يرتاحها بنية خالصة تكون عمل لأنها تهيئة لعمل، ولذلك تأمل في قول الله عز وجل { فإذا فرغت فأنصب } ، قال أهل التفسير إذا فرغت من شئون دنياك ، فانصب لعبادة ربك ، فليس هناك فراغ بمعنى الوقت الذي لا تصنع فيه شيئاً ، حتى الراحة إذا عنيتها فإنك قد وضعتها في جدولك أن هذا وقت للراحة فهو جزء من العمل- تحديد وقت للراحة - يعني أن الراحة جزء من العمل استمع إلى شريح القاضي وهو يحكي قصته ويروى عنه أنه خرج على قوم من الحاكة - خياطين أو أصحاب المهنة والخياطة -في يوم عيد وهم يلعبون فقال : ما لكم تلعبون ؟  قالوا : إنا تفرغنا عندنا إجازة فراغ ، فقال أو بهذا أمر الفارغ ثم تلا عليهم قوله - جلا وعلا – { فإذا فرغت فأنصب * وإلى ربك فأرغب} . وفي ترجمة أبي القاسم قيل :" لم يشتغل منذ أربعين سنة إلا بالجمع والتصنيف والتسميع ، حتى في نزهه وخلواته " لا بأس بالراحة من العمل الجاد يكون فيها عمل لا يحتاج إلى كثير من الإعداد ، لكن ليس هناك راحة ليس فيها عمل .

 

7- تحذير عوائق

 وهو في حديث النبي – صلى الله عليه وسلم - : ( بادروا بالأعمال سبعاً هل تنتظرون إلا فقراً منسياً ، أو غناً مطغياً ، أو هرماً مفنداً ، أو مرضاً مقعداً ، حتى قال أو الدجال فشر غائب ينتظر،  أو الساعة فالساعة أدهى وأمر ) .

 

8- تنظيم حياة

والله - جلا وعلا - جعل لنا في شرعه ، وفي ديننا وفرائضنا ما ينظم الأوقات ، ويبرمج الحياة { إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا } هذا التوقيت الدقيق في دخول أوقات الصلاة وخروجها ينقلنا من مرحلة إلى مرحلة ، وتوزيع هذه الصلاة العجيبة من وقت انبثاق الفجر وبزوغ أول الضياء ، إلى غروب الشمس ودخول الليل ، كل هذا ونحن نتقلب في الطاعات ، ونجزئ الأوقات، ونقسم هذا اليوم ، ونقسم جزء من الليل ، ونعرف أن بقيته للراحة والاستعداد للطاعة ، وكأن هذه الصلوات قد نظمت الأوقات ، وقد أوجدت الأسس لبرمجة هذه الحياة ولم سئل النبي – صلى الله عليه وسلم -  كما في حديث ابن مسعود عن أفضل الأعمال إلى الله - عز وجل – قال: ( الصلاة على وقتها ) . دقة معرفة ، مبادرة ، وعمل فيكون هذا نوع من الإنجاز والبرمجة للحياة ، ونرى ذلك في سير أسلافنا- رضوان الله عليهم ورحمهم الله - .

 فهذا الحافظ عبدالغني المقدسي نموذج ليوم من حياته، مقسم على نهاره وليله في ترجمته عند الذهبي في السير :" كان لا يضيع شيء من زمانه بلا فائدة ،  فكان يصلي الفجر ، ويلقن القرآن وربما أقرأ شيء من الحديث تلقيناً ، ثم يقوم فيتوضأ فيصلي ثلاثمائة ركعة بالفاتحة والمعوذتين إلى قبل الظهر ، وينام نومةً ثم يصلي الظهر - نومته راحة ضمن الجدول وهي عمل يهيئه لعمل - ويشتغل إما بالتسميع أو النسخ إلى المغرب ، فإن كان صائماً أفطر وإلا صلّى من المغرب إلى العشاء ، ويصلي العشاء وينام إلى نصف الليل أو بعده ،  ثم قام كأن إنسان يوقظه فيصلي لحظة ثم يتوضأ فيصلي إلى قبل الفجر وربما توضأ سبع مرات أو ثماني في الليل " .

 وهذا أيضاً حماد بن سلمة في ترجمته أنه " كان يقسم الليل أثلاثا كان مشغولاً إما أن يحدث أو يقرأ أو يسبح أو يصلي  قد قسم النهار على ذلك "  هكذا كان فعل أسلافنا . وفي ترجمة أبي النظر الطوسي قال: " جزأت الليل أثلاثاً فثلث أصنف ، وثلث أنام ، وثلث أقرأ القرآن" والشافعي - رحمه الله – جزأ الليل أثلاثاً ثلثه الأول يكتب ، وثلثه الثاني يصلي ، وثلثه الثالث ينام، فهذه أيضاً أسس واضحة في حياة أسلافنا من خلال قرآن ربنا .

 

9- نقصان عمر

 فإضاعة الوقت نقصان في العمر، وهذا ابن مسعود - رضي الله عنه – يقول: " ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه ، نقص فيه أجلي ، ولم يزد فيه عملي " وهذا الفقه هو الذي يستنبط من كل ما سبق .

 

10- إلحاح دعاء

 باغتنام الأوقات وتنظيمها في سيرة الإمامين الجليلين الصحابيين العظيمين أبي بكر وعمر فمن دعاء أبي بكر – رضي الله عنه – " اللهم لا تدعنا في غمرة ، ولا تأخذنا على غرة ، ولا تجعلنا من الغافلين " ومن دعاء الفاروق عمر- رضي الله عنه – " اللهم إنا نسألك صلاح الساعات، والبركة في الأوقات " وهكذا نرى أسس الدين في القرآن والسنة وأفعال الصحابة تدعونا إلى هذا.

 

ثانياً: الأسس الاجتماعية

وهي مهمة - أيها الأخوة - لأن أكثر ما يفسد برامجنا وأعظم ما يضيع أوقاتنا اجتماعيات مبددة للأوقات ، تكسبنا الكثير من سيئ العادات ولذلك أقول هذه الأسس مهمة لابد من أخذها لمن أراد أن ينتفع في وقته ويبرمج أعماله :

1- إظهار صبغة

 لابد أن تظهر صبغتك وشخصيتك على أنك رجل حريص على الوقت ، لا تقبل تضييعه ، ولا تمالئ في ذلك أو تجامل على حساب هذه الغنيمة ، أو هذه الثروة العظيمة وهي الوقت ، ولذلك لابد أن تشعر الناس بهذا بعض الناس يأخذون عنك هذا ولا تظن أنه صفة سيئة ، دعهم يقولون : فلان دائماً حريص على وقته في كل مكان معه كتاب ، أو في كل وقت تجده جاداً ، وهم يقولون ذلك على سبيل التذمر . أقول هذه سمات حسنة ومعنى ذلك أنك وصلت إلى نتيجة ، هي أن تعرف الناس بشخصيتك ، وأن تعلن صبغتك بأنك بهذه الطريقة ، واستمع إلى ابن الجوزي في قصته المشهورة وهو يتذمر من تلك المفاجآت الاجتماعية غير السارة في الزوار الثقلاء المبددين للأوقات ، الذين يأتون إليك يقولون" جئنا نزور ونسلم " وإذا بهم كما يقولون : يكونون على قلبك مثل الهم الذي لا يزول ولا يزاح . يقول ابن الجوزي: " فجعلت من المستعد للقائهم بري الأقلام ، وحزم الدفاتر فإن هذه الأشياء لابد منها ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب فجعلتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي " .

فإذاً لابد أن تعرف الناس وتظهر في بيئتك الاجتماعية بهذه الصبغة وبهذه الصيغة كما يقولون .

 

2- تقنين التقنية

 ونحن نعرف أن التقنية من الأسباب الميسرة التي من المفترض أن تختصر الأوقات ، فالهاتف  ما هو إلا اختصار للوقت. بدل أن تذهب اتصل به لكن أسألكم كيف يستخدمون الناس الهاتف اليوم؟ وخاصة مع الجوال والنقال والمحمول والأسماء التي يسمى بها كيف يستخدم؟ أصبح من أكثر مبددات الأوقات ، ومشغلات الفكر والقواطع التي تحول دون العمل والإنجاز ، ولو أردت أن تسير مع النواحي أو مع البيئة الاجتماعية لاستطعت أن لا يكون عندك أي وقت إلا وأنت ترد على الهاتف ، وترد على هذا مكاتبة ، وتسلم على هذا مصافحة ، وتزور هذا مجاملةً ، ثم ترجع إلى بيتك في آخر يومك لم تصنع شيئاً ، لم تسبح تسبيحاً ، لم تقرأ قرآناً ، لم تحصّل علماً ، لم تنجز عملا ،ً ولذلك نقول : تقنين التقنية لابد أن تقنن هذه الوسائل وتجعل لها ضوابط وأحب أن أذكر أمور عملية حتى نبين أن هذه الأمور أيضاً يمكن أن تساعد فيها .

بعض الكتب فيها أساليب جديدة منها : إذا رن الهاتف فلا تعتقد بأن من الواجب أن ترد إذا كان عندك عمل، ولم يكن هناك شيء متوقع ، لأن ردك عليه في كل وقت فمعنى ذلك أنك محبوس له ، هو الذي يقطع عليك وقتك ، هو الذي يفرض عليك برنامجه ، هو الذي يدخلك في المتاهات التي يريد ، ويمضي بك حيث يشاء ، وهذه مشكلة كبيرة ! خذ وسائل على سبيل المثال: إن كنت رجلاً كثير الأشغال وعندك علاقات كثيرة فأتخذ - إن كنت صاحب عمل - من يرد عن الهاتف بدلاً عنك ، فيختصر لك الكثير من ذلك ويكون لبقاً مرناً ، وهذا عمله الذي يؤديه في هذا الوقت ، فيخلصك من تسعين في المائة من المكالمات التي ليس لها ضرورة ، ويختزن لك الوقت ، حتى إذا حول لك المكالمة يكون مهد للذي معه فيقول له : إنه مشغول الآن لكنني سأطلب منه أن يتحدث معك لدقيقتين ، فيفهم أن المسألة ليست مفتوحة . لأن هناك مكالمات تستغرق وتمتد أكثر من ساعة ماذا يقول الإنسان في ساعة؟ في ساعة كاملة هذا درس كامل ! أو محاضرة كاملة ! فهل أحد يأخذ محاضرات على الهاتف بهذه الطريقة التي نراها في حياة الناس؟ استخدم إذا استطعت الهواتف التي يمكن أن تستخدم فيها السماعة و الذي يمكن أن تأخذه بيدك فتتحرك فتذهب إلى هنا فتقرأ أو إلى هنا فتكتب – أي تتكلم مع عمل آخر مناسب – تستطيع في هذه الحالة أن تنجز شيئاً آخر . استخدم جهاز التسجيل للمكالمات  لا ترد ، دعهم يسجّلون وأنت تكتب أو تقرأ ، ثم أنظر من كان مهماً أن ترد عليه أو بينك وبينه عمل والآخرين يقولون لك في الرسالة السلام عليكم ورحمة الله قل له : وعليكم السلام وجزاءهم الله خيراً . وليس هذا في كل مرة ، لأن بعض الناس مستعد أن يتصل بك في اليوم خمس مرات كالصلوات الخمس في كل مرة يصبح ويمسي وكذا دون فائدة .

 

 نحن لا ندعو إلى مقاطعة الناس وإنما أن تستخدم هذه على أسلوب مباشر مثلاً " أريد أن أصنع شيئاً " وأنت تريد ذلك  - حتى يهتم ويعتني – " لن أكون هنا بعد قليل سوف أخرج " إذن يعني لا بد أن يفهم أنه لا بد أن يوجز ، وأن يأتي بالمهم وهكذا... وأحياناً يمكن أن تسأله هل مكالمتك طويلة ؟ هل عندك موضوع طويل ؟ إذن اتركه في وقت آخر لأنني الآن مشغول وهكذا ... وهناك لااات لطيفة وأحب أن أقرأها لكم في هذا الباب بالذات الهاتف . لأنه مضيعة للوقت كثيراً لا تفترض أنك يجب أن تقوم بالرد على كل مكالمة هاتفية . لا تفترض أن كل متصل شخص مهم - هناك أناس عندهم شهوة إذا دق التليفون حتى عند غيرهم مباشرة يرفع في بيت غيره متعود كأنما ينتظر هذا الهاتف حتى يروي غلته في الحديث والكلام الذي لا يفيده - لا تخف من أن تصرفك لتوفير وقتك سيهين محدثك - بعض الناس يقول طيب ماذا أقول له يا أخي - لا تنسق نحو الفضول لمعرفة كل شيء . لا تقم بتحويل الهاتف إلى لقاء للمناسبات الاجتماعية . لا تسرف وتؤجل المهام غير المحببة لك بالهروب للمكالمات الهاتفية . لا يجب أن تكون موجوداً على الدوام أخل بنفسك واحتجب عن الآخرين لبعض الأوقات بلا هاتف ، بلا رنين ، بلا أي شيء في هذا الأمر هناك أيضاً أشياء كثيرة متعلقة بهذا الجانب ينبغي أن ينتبه لها الإنسان .

 

3- لباقة الاعتذار

 فكثيرة هي الأمور الاجتماعية والدعوات والزيارات والمناسبات . هذا جاءه مولود ، وهذا مات له إنسان ، وهذا عنده من يتزوج وهذا جاءه زائر وكل هذا ليس كله داخل في باب الإجابة للدعوة ، وليس كله داخل في باب إدخال السرور على المسلم ، وإذا زاد ذلك أيضاً لا بد أن يكون له حدود فلذلك لا بد من حسن الاعتذار ، ويساعد عليه النقطة الأولى ، وهي صبغة الانشغال والجدية في قضاء الأوقات ، لأن بعض الناس أحياناً يقول لك كنا نود أن نزورك لكننا نعلم أنك كثير الأشغال ، هذه حسنة وهذا أمر إلى حد ما جيد ، ولذلك أقول بعض الناس لماذا يكثر الناس عليه المناسبات الاجتماعية ؟ لأنهم يرونه فارغ إذا عنده دعوة لأي مناسبة فإن فلان على رأس قائمة المدعوين ، لأنه يحب ذلك إذا أراد أن يذهب إلى مكان لا يقول ارفع السماعة أو أنا ذاهب للمكان... أمر بك حتى تصطحبني أو حتى أصطحبك .. نعم مباشرة ، كأنما هو منتظر لمثل هذا ! أقول لا بد أن يكون عند الإنسان اعتذار ، ولا بد أن يحلل حالات أو الأشياء التي تقطعه عن أعماله ، وتعيقه عن إنجازها ، ويقسمها إلى قسمين: قسم لا يمكن تجنبه ، وقسم يمكن تجنبه . القسم الذي لا يمكن تجنبه: إجابة دعوة من أب أو من أخ أو من قريب في شيء مهم ، وهو لا يريد ، لكن هنا يحسن أن يجعل هذا في أضيق دائرة وفي أقل وقت ممكن ، مثلاً : الدعوات التي توجه لك الآن في مناسبات الأفراح والزواج ، أحياناً يكتبون فيها في تمام الساعة التاسعة والنصف ، فتذهب التاسعة والنصف أو العاشرة والنصف ولم يأت أصحاب الدعوة بعد لماذا تذهب مبكراً ؟ إذا كان ولا بد أن تذهب أو ما من مناص من الذهاب أجّله واجعله في وقت مناسب ، أو قدمه واعتذر في الانصراف ، وهكذا أجب وحقق ما لا يمكن تجنبه بأقل الخسائر الممكنة، وهكذا يمكن أن ينجز الإنسان شيئاً من هذا .

 

4- الاحتياط المثمر

 دائماً كن مستعداً ومحتاطاً ، فإن الناس متفنون في تبديد الأوقات ، وليس عندهم أدنى اكتراث بهذا حتى إلى اجتماع عمل ، فاصطحب معك عملاً إضافياً ، لأنك قد تذهب ولا يأتي المجتمعون إلا بعد نصف ساعة أو ساعة من الوقت .

 إذا ذهبت إلى الطبيب في الساعة التاسعة وموعدك في التاسعة بالضبط ، فتوقع أن لا يكون الطبيب قد أتى أو أن يكون هناك اختلال في المواعيد ، لأن هذه سمة غالبة فاحتط لنفسك بمصحف تقرأ فيه ، أو بأمر تكتبه ، أو بكتاب تلخصه ، أو بمهاتفة أو مكالمة تنجزها ...

وثق تماماً أن كثير من المهمات غير الكبيرة لا تحتاج أن تخصص لها وقتاً ، بل يمكن فيما بين هذه الأوقات أن تنهيها .

 

ثالثاً : الأسس الإحصائية

الحساب نعمة

 معرفة الحساب - أيها الأخوة – نعمة ، فنحن عندما لا نحسب نظن أننا نرتاح وأننا نحقق نعمة أو نحقق فائدة . كلا ! بعض الناس يقول لك: يا أخي لا تحسب ، وتحمل هم اتركها لله ... كيف ؟ والحساب نعمة من الله - عز وجل - علمنا وذكر لنا في الآيات حساب دقيق في كثير من الأوقات ، وبين لنا مواقيت الشهور والأيام والأعوام ، وذكر في القرآن الساعة ، وذكر اليوم وذكر الشهر وذكر العام .. كل هذا لماذا ؟ لأنه ينبغي أن نعرف أن هذا الحساب نعمة من الله - سبحانه وتعالى - فإذن الإحصاء والحساب نعمة ، لا بد أن نأخذ بها ، سأقول نقاط هكذا رأيت أن أختم ..

وأظنها معلومة بديهية لأن خمسة + خمسة = عشرة . فالجمع إضافة ، لكنني أريد أن أقول : إنك إن جمعت الأوقات مثلاً الفارغة ثم أضفتها إلى بعضها وجدت وقتاً كبيراً مثمراً ، وبعض الناس مثلاً يقول: أنا عندي في بعض الأوقات هنا ربع ساعة ، انتظرت فلم يأت أحد ، وهنا ربع ساعة كم سوف يجمع من هذا ؟ ساعة أو ساعتين ! وهو يريد أن يقرأ جزء من القرآن في كل يوم يقول لا أجد الوقت لو جمع هذه الأوقات لزاد عما يريد أن ينجزه لزاد الوقت عن المهمة التي يريد إنجازها فلذلك أقول لا بد في العمل على البرمجة من الحساب والجمع .

وسيقول أيضاً :  وهو أن الضرب مضاعفة ، بعض الناس لا يحسب الحساب إلا في الوقت القصير لكن لو استخدم الضرب يأتيه وقت كثير ، وكنت قد ذكرت لكم مرة إحصائية عندما نقولها بعد الضرب تكون ضخمة وهائلة الذي أذكره الآن نشرت قديماً عن الوقت الذي يقضى في حلاقة الذقن يومياً للذين يصنعون ذلك يومياً كم يأخذ في كل يوم ؟  قالوا أنه في العام يقضي 14 يوم ! تخيلوا واحد 14 يوم يحلق غريب !! لكن نحن نقول بالمضاعفة أحسب ربع ساعة في اليوم ،اضربها في سبعة أيام سوف يكون هذا المجموع كذا ، اضربها في ثلاثين مثلاً سيعطيك في الشهر،  اضرب الأشهر في 12 في السنة ، اضرب في عدة سنوات سوف تجد أن الرقم في الأخير شيء مذهل، وهو خطير .

 

أيضاً في المقابل النقطة التي بعدها : القسمة تجزئة ، نقول له اقرأ كتاب كذا و500 صفحة  ، قسمها على 500 يوم كل يوم صفحة ، القسمة أيضاً تقسم لك الأعمال ، وتجزئها لماذا ننظر دائماً إلى العمل بحجمه الكبير ، الذي يريد أن يحفظ القرآن يقول 30 جزء نقول خذه في 30 سنة أليس منا من كان عمره 20 سنة ، وتمنى أن يحفظ القرآن ، وصار عمرة 60 أو 70 سنة ولم يحفظ شيئاً منه ، لماذا ؟ لأنه كل مرة يقول القرآن ثلاثين جزءاً  طيب.. والزمن كيف هو ؟ أليس هو أيضاً كبير القسمة ؟ وهذا يدلنا على أننا في الحساب وفي الجدولة نستطيع أن نصنع في هذا شيئاً كثيراً ، نستفيد فائدة لطيفة ولذلك كما قلت في كثير من الأوقات جزئ الأعمال الكبيرة على الأوقات العديدة ، سوف تستطيع أن تؤدي شيئاً ضخماً هائلاً بإنجاز لا يتصور من غير هذه البرمجة . كما قلت دائماً أقول لمن يريد أن يقرأ ، قل لي كم صفحة تريد أن تقرأ في اليوم وقل الحد الأدنى في ذلك ماذا سيختار ؟ ليختر أحد أي واحد يختار كم يقول 5 صفحات ! 10 صفحات .. 5 صفحات كثير أو قليل ؟ طيب بعض الناس طبعاً سيقول يا أخي قليلة 5 صفحات يعني خمس صفحات يعني تريد على الأقل  5 صفحات تظنني طفل صغير لا نقول لو 5 صفحات فقط في الشهر كم صفحة ؟ 1800 صفحة ، لو قلت لك الآن اقرأ 1800 صفحة ، وجئتك بكتاب ثلاث مجلدات سوف يوضع على طاولتك أو في مكتبتك ولن تقرأ منه في العام كله ولا 18 صفحة .

الضرب مضاعفة والقسمة تجزئة وأخيراً : الطرح احتياط ، ومعنى ذلك عندما تحسب الأوقات لا تحسبها بالدقة ، لأن هناك أشياء تفرض عليك احسب دائماً خصومات احتياطية ، وأوقات إضافية وخصم الأمور الجانبية حتى لا تصاب بخلل في الحساب والإحصاء ، فتقول قدرت أن أحفظ في اليوم كذا أو أن أقرأ في اليوم كذا ، ثم اختلطت الحسبة واضطربت الأرقام عندي ، لا دائماً اجعل هناك شيئاً مخصوماً ، قل قدرت كذا مثلاً كما قلنا 1800 صفحة اخصم 300 صفحة على الحساب احتياط خليها 1500 صفحة سوف يكون ذلك أيضاً إنجاز جيد .

 

رابعاً :الأسس الإدارية

1- الأهداف الواضحة

 لا يمكن أن يكون عندك برنامج عملي بدون أهداف واضحة ، أكثر مبددات الأوقات الافتقار إلى الأهداف لماذا ؟ لأن الإنسان متى يعمل برنامج إذا كان يريد أن ينجز شيئاً معيناً ، يريد أن يقرأ كتاباً ، يريد أن يحضر لاختبار ، يريد أن يحصل على شهادة ، فإذا كان عنده هدف أصبح عنده مهمة ، وبالتالي يحتاج إلى أن يبرمج العمل ، لكن إذا ما كان هناك شيء من هذا فإنه تمر الأوقات دون أن يكون هناك أي شيء يحتاج إليه ، وهذه قضية مهمة وأساسية ، ولذلك لا نريد أن نخوض فيما يفصله الإداريون ، لكن الأهداف مهمة جداً وتحديدها هو أول وأهم الخطوات وأكثرها استحقاقاً أو استجلاباً للنجاح بإذن الله - عز وجل - .

 طبعاً هناك أهداف قريبة ، وهناك أهداف بعيدة ، وهناك كما يسمونها أهداف تكتيكية - يعني مرحلية - وأهداف استراتيجية - يعني التي تمتد طول الحياة - ولا بد هنا من أمور كثيرة : منها أن تكتشف ميولك ومواهبك في أي مجال ، لأن الإنسان إذا لم يحاول أن يصنع ذلك سوف يضع أهدافاً بعيدة ، مثلاً كرجل أعور أو ضعيف البصر أعمش ويريد هدفه أن يكون مثلاً خبيراً في البكتيريا والكائنات الدقيقة لا يتناسب مع طاقاته لأنه لا بد أن يعرف نفسه أين هو وما هي ملكاته حتى لا يضع أهدافاً تتعارض مع ملكاته ، أو مع واقع البيئة المحيطة وهي مهمة أيضاً في تحديد الأهداف ، فقد يحدد أهدافاً ليست في بيئته أبداً ، ليست موجودة وليس هناك إمكانية لتحقيقها ، لا بد أن تكون الأهداف قابلة للتحقيق وهذا أمر كما قلت يطول أمده .

 

2- أولويات مرتبة

 لأن الأهداف قد تكون كبيرة ، تحتاج بعدها إلى تحديد المهمات وترتيبها . مثلاً أنت تريد أن تطلب العلم الشرعي ، هذا هدف لكن هناك أولويات ، وهناك مهمات أخرى عندك أيضاً تريد أن تطلب العلم الشرعي ، وتريد أن تتوظف وتعمل ، وتريد أن تتزوج ، وتريد أن تعبد الله - عز وجل - كثيرة هي الأمور .. أيها أولى وأهم كم تريد أن تجعل حصة من الوقت ؟ لهذا نصف الوقت ، ولهذا ربع الوقت، ولهذا ثلث الوقت ، كيف تريد أن تبرمج هذا وترتبه ؟ نعم هناك أهداف كثيرة يمكن أن تعرض لك في كل الأوقات لكن إذا لم تحددها فإن هذا الأمر يختلط عليك ومرة تبدأ بهذه المهمة ثم ترى أنك أضعت فيها وقتاً وعندك شيء أهم فتبدأ به فتقطع الأولى وتبدأ في الثانية فلا تكاد تنجز هنا شيئاً ولا هناك أيضاً شيئاً آخر .

 

3- مواعيد محددة

 كل مهمة هدف حددته ثم وضعت المهمات وأولوياتها مرتبة ، لا بد أن تجعل لكل مهمة موعد محدد ، لا تقل أنا أريد أن أحفظ القرآن ، طيب ممتاز .. وحفظ القرآن عندي أهم الأولويات ، طيب نعم جيد لكنني أقول لك: متى ستنتهي من ذلك ؟ هل ستحفظ القرآن وتجعل آخر آية تحفظها قبل آخر نفس في حياتك ؟ متى تعرف  متى تنتهي حياتك ؟ أريد أن أقرأ عشرة كتب ، أو أريد أن أقرأ في فن علوم الحديث ، طيب كم كتاباً ستقرأ ؟ حدد عشرة في كم ؟ في عشرة أشهر لأن هذا هو الذي يجعلك صاحب برنامج ، وإلا ستبقى صاحب دعاوى وأمنيات ليس لها خطاب ولا زمام كما يقال وهذا ينبهنا إلى هذه المعاني كلها ونحتاج إليها .

 

4- شخصية منظمة

 وهو مهم جداً لا بد أن تكون صاحب شخصية تنظم طبيعة حياتك ، أنك إنسان تضع كل شيء في مكانه فإن بحثت عنه وجدته ، ولا تخلط بين الأمور فتستطيع أن تؤدي المطلوب هناك شخصيات مختلفة لا تتسق مع البرمجة ، لأن طبيعتها فيها نوع من التغير من هذه الشخصيات مثلاً الإنسان المتسرع الذي دائماً يتخذ قراراً سريعاً ويبدأ في العمل دون تفكير ، فماذا يحصل له غالباً يكون عنده خلل ومن طبيعة هؤلاء الأشخاص أنهم لا يعملون الأعمال إلا عندما تتأزم الأمور ، وأحياناً يكونون من الأشخاص الذين يتأثرون عاطفياً ، فلأن فلان هو الذي سيعمل كذا فهم يدخلون في هذا العمل ، أو لأن فلان هو الذي سيلقي الدرس إذن لا بد أن يكون هذا الدرس ممتعاً ومفيداً ونافعاً ، وإن كان هو ليس في مجاله وليس مما يحبه أو مما يقدر عليه وهكذا الإنسان أيضاً المشتت الذي دائماً عنده عدم قدرة على التركيز في شيء واحد يترك الواجبات والأعمال وهي غير منجزة ، يصنع شيء وباقي شيء يتركه يترك الشيء في منتصفه ، وأيضاً هناك الإنسان المتردد ، الذي دائماً لا يكاد يعزم على شيء يبدأ ثم يتردد .

 كل هذه الشخصيات لا تنفع ، ولذلك نقول الشخصية المنظمة تساعد - مثلاً على سبيل المثال - السفر حالة من حالات الإنسان ، تعرض له خذ فرقاً أو نموذجاً بين إنسان منظم شخصيته منظمة وآخر ليس كذلك . المنظم يكون قد حجز الرحلة مبكراً وعرف وقته وتهيأ قبله لماذا سيسافر ؟ سيسافر للقاء أشخاص في عمله ، يكون قد اتصل بهم وأعد معهم البرنامج ، ماذا سيصنع يريد أن يبحث معهم مهمة معينة ، سيأخذ الأوراق معه لكن غيره ماذا سيصنع ؟ ستجده لم يحجز وجاء في وقت متأخر وليس هناك مكان ، ثم أخذ المكان ووجد الرحلة على عجل ، ثم لم يتصل بهم بل ذهب إليهم ، يذهب إلى البلد فلا يجد الذين يريد أن يقابلهم ، قد يكونون مشغولين أو مسافرين أو ذهب إليهم ووجدهم ولم يكن معه ما يريد أن يتناقش معهم لأجله ، فتجده دائماً في حيرة واضطراب ، ويعني عنده كثير من التشويش الذي يعيقه عن إنجاز أعماله بشكل منظم وواضح في الوقت نفسه .

 

 أيضاً هناك وسائل مساعدة . ونعني بهذه الوسائل المساعدة أن الإنسان لا بد أن يأخذ بالكتابة بالذات ، وبالإحصاء الذي قلنا فيه وأن يضع أموره واضحة أمامه .

 ومن الوسائل المساعدة الاستفادة من خبرات الآخرين دون أن يكون مقلداً لهم ، لأن كل إنسان في آخر الأمر هو شخص بذاته ، ليس بالضرورة أن يكون نسخة من غيره . ومن الوسائل المساعدة - كما قلنا - منع الصوارف التي تعيق عن العمل ، وأيضاً منها القدرة على الاستعانة بالآخرين لإنجاز المهمات أو لإنجاز الأعمال غير المهمة ، وهذه مسألة مهمة ليس بالضرورة أن تصنع كل شيء بنفسك ، إن كان عندك أبناء أو أصدقاء أو هناك موظفين أو إنسان يمكن أن يساهم معك في عمل ما فيقضي عنك حاجة معينة وهو غير منتدب لأمور عظيمة ، فتستطيع أن تنجز من هذا وتستفيد به بإذن الله - عز وجل -  .

 

تشييد وتهديد

أخيراً أحب أن أشير إلى نقطتين أجمل بهما البرنامج الذي نريده ، أو كيف يكون هذا البرنامج الذي نعده لأي أمر ناجح . جعلت ذلك تحت عنوان " تشييد وتهديد " ، تشييد البرنامج أو التهديد الذي يعترضه .

 

وهو أيضاً في نقاط واحدة وواضحة تشمل كثيراً مما ذكرناه من هذه الأسس مجتمعة .

أولاً : تحديد الهدف

لأي أمر وعمل لا بد أن يكون له هدف  .

 

ثانياً : تحديد الإنجاز

يعني الكم الذي تريده في هذا ، الأمر كما قلت تقول هدفي أن أزيد من إطلاعي وقراءتي كم تريد ؟ عشرة كتب.. خمسة كتب .. إلى آخره .

 

ثالثاً : تحديد الزمن

 زمن محدد لهذه الأعمال ، في شهر في أسبوع في ساعات معينة وتكتب ذلك .

 

رابعاً : اعتماد الإحصاء

حتى تقول : هذه المهمة تحتاج إلى 50 ساعة متى سآخذها ليس عندي من أوقاتي الآن متاح إلا ثلاث ساعات في الأسبوع ، إذن سوف أحسب وأوزع بناءً على هذا الإحصاء ، والتقسيم المناسب .

 

خامساً : دراسة الوسائل

هل سأصنع هذا بنفسي ؟ هل أريد أن أقرأ بنفسي ؟ أم أريد أن أسمع أشرطة مقروءة مسموعة ؟ هل أريد أن أصنع هذا وحدي أو سأكون مشاركاً مع غيري ؟ هل أريد أن أحفظ القرآن منفرداً أو سأذهب إلى حلقة المسجد ؟ هل أستطيع أن أفهم هذا الكتاب وحدي أم أنني أحتاج إلى مدرس يدرسني هل أريد هذا مباشرة أو أني سأحتاج فيه إلى تصوير أوراق أو إلى إعداد أشياء معينة حتى لا تقول أريد أن أنفذ شيء وليس هناك الوسيلة التي تستعين بها .

 

سادساً : إعداد الجداول

يعني جمع هذا كله ، ما هي المهمة والزمن والإحصاء والوسائل ؟ وجعلها في الجدول لأن هذا الجدول ، هو الذي يساعدك على أن تحدد التحديد الدقيق إلى النهاية وأن يكون هذا الجدول إما أمامك أو في جيبك أو في جهاز الحاسوب عندك ، حتى تستطيع باستمرار أن تراه وأن تنظر إليه .

 

سابعاً : تحديد آلية المتابعة

ولتكن في الجدول إشارة أو خانة هل أنجز ؟ فتضع إشارة "صح " أو لم ينجز فتضع إشارة "خطأ" وهكذا.. حتى تستطيع أن تقوّم هذا العمل ومدى الإنجاز الذي فيه .

 

ثامناً : الحلول البديلة

 بمعنى أنك إذا كنت قد حددت وقتاً بعد الفجر- مثلاً- ثم اتفق ذلك اليوم أن كان هناك صلاة جنازة لإنسان جار أو قريب تريد أن تشهدها فلن يكن هذا الوقت موجوداً إذن لا بد أن يكون لديك باستمرار بدائل معينة ، موجودة بالذهن أو موجودة مكتوبة في نفس هذا البرنامج حتى تستطيع باستمرار أن لا تضيع الفرصة في الإنجاز .

 

تاسعاً : المكافأة والعقاب

كافئ نفسك إذا أنجزت ، وعاقبها إذا أخلفت كيف تكافئها ؟ لن تعطي نفسك أموالاً لكن كافأ نفسك بالتشجيع كافأ نفسك بأن تعطي لنفسك مع كل إنجاز فرصة من الفرص النفسية التي تشجع فيها نفسك وتقول – مثلاً- إذا كنت تريد أن ترتاح راحة من النوع الذي قلناه ، فتقول إذا قطعت نصف أو حفظت نصف القرآن فسوف أصنع كذا وكذا لنفسي أو سوف يعني أقوم بهذه المهمة أ وهذا العمل أو أرتاح بطريقة ما ، والعقاب مهم جداً ، وأهم أنواع العقاب، العقاب بمضاعفة التكليف ، فما فات في اليوم يعوض في اليوم الذي يليه فيكون اليوم الذي يليه فيه ضعفي ما في اليوم الذي قبله ، و العقاب هذه قضية مهمة لأننا في كل مرة نبدأ وكثيرة هي الوعود التي قطعناها على أنفسنا والبرامج التي وضعناها في أذهاننا وبدأناها ثم كل خلل أو كل تقصير لا يكون له عقاب ، إذا تأخرت عن دوامك في العمل ألا تعاقب ألا يخصم منك أم يقولوا لك لا بأس في كل يوم لا بأس لا لابد أن يكون هناك عقاب وهذا العقاب هو الذي يجعلك تلتزم أو يدفعك إلى هذا الالتزام ويكون معيناً لك فيه .

 

عاشراً : الاقتباس مع التفرد

 اقتبس من خبرات الآخرين وتجاربهم وجداولهم وكيف حققوا هذا الإنجاز ؟ وكيف أدوا هذه المهمة ؟ وكيف استطاع هذا أن يحصل العلم ؟ وكيف استطاع هذا أن يتفوق في الكسب ؟ وكيف؟ وكيف ؟ دون أن تذوب في شخصياتهم فإن هذا يعينك على إعداد برامج جيدة .

 

أما التهديد

أولاً : التسويف والتأجيل

 وهذا أخطر الأمراض وكما يقول القائلون في هذا - على سبيل الدعابة – "إذا زرعت لو في وادي عسى ينبت يا ليت "  كلها كلمات في التأجيل والتسويف ليس لها معنى ، لذلك هنا قائمة تجيب على هذا السؤال لماذا تؤجل وتسوّف ؟ خذ هذه الإجابات وسوف تجد أنها تنطبق كثيراً على واقع حياتنا ، أؤجل المهام التي لا أرتاح لها ولا أحب أدائها وهذا كثيراً ما يحصل للطالب يريد أن يذاكر فيقول :ليس اليوم غداً إن شاء الله . لماذا؟ لأن المذاكرة عنده غير محببة . الميل إلى التردد والرغبة في أن نكون دائماً على صواب ودون أخطاء  " لا أريد أن أفعل هذا لا حتى أراجع أو حتى أستعد حتى كذا " ثم لا يراجع ، ولا يستعد ، ولا ينجز العمل لا بصواب ولا بخطأ ! عدم الثقة بالنفس والذات ، عدم الرغبة في الشعور بالفشل يقول أنا إذا بدأت سوف لن أنجح، وبذلك سأفشل ، وبذلك سوف يصيبني الإحباط ، وهذا كما يقولون يعني أغلق الباب قبل أن يدخل مباشرة الخوف من المجهول ومن الأخطاء التي يرتكبها كثير من الناس أنهم يؤجلون لأنه الواحد منهم لا يريد أن يخطئ ، وليس هناك أحد منزه عن الخطأ ولا يخطئ إلا من عمل ، أما الذي لا يعمل لا يخطئ ، لأنه لم يكن هناك عمل أصلاً ، وأيضاً عدم القدرة على الرفض - كما قلنا - عدم اللباقة في الاعتذار يريد أن يقرأ جاءته دعوة ، يريد أن يعاود القراءة جاءه اتصال هاتفي ، يريد أن يصنع جاءه زائر... وهو لا يقول لا كما يقولون .

 

وهكذا لكن كيف نعالج ذلك ؟ كيف نتوقف عن التأجيل والتسويف ؟ .

 

 العلاج

1- عالج نفسك ؛  فإن هذا التسويف إذا كان كثيراً فهو مرض نفسي يحتاج إلى العلاج بنوع من التدرب على العمل والإنجاز .

2- تيقن أن التأجيل ليس حلاً لأي مشكلة ، ولا علاج لأي قضية

 لأن القضية التي أمامك هي   الاختبار لو أجلت المذاكرة اليوم فالاختبار قائم ، لو أجلت إلى بعد غد الاختبار موجود ، لن تستطيع أن تفتك منه ، فالتأجيل لن يحل المشكلة بل سيعقدها .

3- قم بتفتيت المهمات والمشكلات الكبيرة إلى أجزاء صغيرة

 كما قلنا : القسمة تجزئة تساعدك على ألا تؤجل ، خذ قليلاً ثم واصل إلى الكثير ، نفذ أول مهمة وأنهها حتى تشعر بأنك أنجزت شيئاً ، إذا أردت أن تقرأ خذ كتاباً من 20 صفحة وقل أنهيت كتاباً ، يشجعك هذا على ما ورائه لا تؤجل عاقب نفسك إذا لم تنجز المهمة ابدأ بأصعب جزء في المهمة ، حتى إذا حققت فيه نجاحاً شعرت أن ما وراءه سيكون أسهل ، وهكذا أعد النظر في الأجواء التي تحقق فيها الأعمال مثلاً أنت تريد أن تذاكر وأنت مثلاً في مكان هناك أو في العمل مكان الشاي وكذا ، فكل دقيقة تذهب وتؤجل ، لا حاول أن تغير البيئة التي تحقق فيها عملك ، بما لا يدعوك إلى التسويف والتأجيل ، وما يمنع عنك هذه الجوانب المهمة التي كما قلنا فيها قد تطرأ لك في حياتك .

 

ثانياً : التردد والتخوف

هو سبب أيضاً كبير من أسباب فشل البرامج التي يقوم بها الناس .

 

ثالثاً : المقارنات الماضية

 كثيراً ما يريد أن يصنع شيئاً ويبدأ في برنامج يقول قد فعلت قبل ذلك عشرات من البرامج كلها فشلت طيب هل معنى ذلك أننا سنضيف فشلاً إلى الفشل السابق ، أم أننا نريد أن نغير الفشل إلى نجاح جديد ، أو إلى نجاح مبدئي نبدأ به لا ينبغي أن يكون الإنسان دائماً أسيراً لماضيه ، لأن الماضي ينبغي أن تأخذ منه زاداً وتجربة للمستقبل ، وليس أن يكون هو عائقاً ومثبطاً عن المستقبل .

 

رابعاً : الهزيمة السريعة

 بعض الناس يبدأ في أول يوم من برنامجه الجديد قال : أريد أن أبدأ بعد الفجر ، أول يوم بعد الفجر أصابه نعاس قليل ، إذن لا يمكن صعب جداً سوف أترك هذا البرنامج أو بدأ يقرأ قال القراءة مملة ومرهقة للذهن إذن سأترك ...

الهزيمة السريعة هذه هي أهم أسباب الفشل لا تستسلم كن مقاوماً ، كن جندياً شجاعاً،  اثبت في مكانك ورابط ، ما هي إلا جولة أو جولتين أو ثلاث ثم ستجد أنك استطعت أن تتجاوز كل هذه الأمور الحسية والنفسية ، لأن كثير منها نفسي وليس حسي ، دائماً يقول بعض الناس أنا أشعر بالإرهاق وكذا ويقول هذا لنفسه كثيراً حتى يصدق نفسه وهو ليس مرهقاً ولو أنه اضطر الآن في ظرف طارئ أن يقوم بعمل يعني مرهق فإنه سيعمل هذا العمل ويكتشف بعد أن ينجزه أنه كان مرهقاً قبله كيف استطاع أن يصنع كثير من هذه الأمور؟ هذه أمور نفسية .

 

خامساً: المجاملات المضيعة للأوقات

وهذه أكبر مدمر ومهدد لأي برنامج تريد أن تقوم بها.

 

أخيراً : ومضات سريعة على الناحية العملية

- حاول أن تعتمد على الكتابة .

- ضع قوائم للأشياء التي تريد إنجازها .

- استخدم الساعة الهادئة ، لكي تحدد المطلوب في ضوء وهدوء وسكينة .

- لا تحاول أن تكتب في الأوقات التي تكون مشغولاً فيها .

- في وقت السكينة حدد ما تريد ، اجمع المهام المتشابهة معاً ،حتى لا تضيع الوقت لو كانت مهمة مشابهة لأخرى فاجعلهما في وقت واحد لأنك تستطيع أن تصنعهما في الوقت نفسه أيضاً .

- حدد المواقع والأماكن والبيئات ، بدل من أن تذهب لمكان تدرس مثلاً أو أن تأخذ درساً في المسجد ثم بجواره مكان تريد أن تصنع فيه مهمة ولكنك لم تضعها في هذا الوقت وبعد أن ترجع إلى بيتك تريد أن ترجع مرة أخرى لزيارة هذا الصديق حتى التقسيم الجغرافي يعينك على هذا .

- حاول أن تنظم الأوقات وتنظم الأوراق وتنظم الأشياء التي تحتاجها باستمرار ودائماً .

- احرص على استحضار  النية الصالحة والإخلاص لله عز وجل .

- ثم احرص كذلك على دوام الدعاء لله- سبحانه وتعالى - بالبركة في الأوقات والمهمات.