الصيف ضيّعت اللبن

د. علي بن عمر بادحدح

الخطبة الأولى

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :

" الصيف ضيعت اللبن " مَثَلٌ عربي شهير يضرب لمن ضيّع الفرصة ، وفوّت الغنيمة ، وترك المجال الرحب الواسع ، ولم يكن له من ذكاء عقله ومن شرف نفسه ومن قوة عمله ما يجعله محصلا لمكاسب دنياه ومدخرا لمآثر أخراه .

       

مثلٌ يضرب بامرأة تزوجت رجلاً شهماً كريماً ، يغدق عليها طعاماً وشراباً ولبناً سائغاً للشاربين مع حسن معاملة وإجلال وإكرام ، لكنها لم تقابل ذلك باعترافها بالنعمة وشكرها لها وانتفاعها منها ، وحرصها عليها وقابلت ذلك بإعراض وتضييع ، وبجحود وإنكار ، فكانت العاقبة أن طلّقها ثم تزوجها غيره ، لم تجد عنده يداً مبسوطة بالكرم ، ولا وجهاً مشرقاً بالسرور ، ولا معاملة محفوفة بالإعزاز والإكرام ، فتندمت وتحسّرت على ما فات عليها وما ضاع منها ، لكنها لم تنحو باللائمة على غيرها ، وإنما خاطبت نفسها تذكّرها تفريطها ، وتبيّن لها سوء تدبيرها ، فقالت : " الصيف ضيعت اللبن " ، ومضى مثلاً لكل من أضاع الفرصة وفرط في الغنيمة .

 

وها نحن اليوم نبدأ موسم الصيف ، وما أدراك ما موسم الصيف ! ملايين الملايين من الأوقات التي تحسب في خانة الفراغات ، والتي تصنف فيما يعرف بالعطلة ، وهي : " اسم في لفظه ومعناه ، واشتقاقه اللغوي مأخوذ من العطالة والعطل ، وهو الخلو من الزينة في أصل اللغة ، وهو هنا خلو عن العمل الجاد والانتفاع المثمر " ، والاستغلال الهادف للطاقات المختلفة المتنوعة كلها من وقت ممتد ، وعقل مفكر ، وقوة وصحة وعافية وفرص وأبواب من الخير مشرّعة ، ثم قد ينتهي الزمان وينقضي الصيف بأيامه وأسابيعه وأشهره وسعته التي ليس فيها كثير من العمل المطلوب المكلف به ، وحينئذ تعود مرة أخرى التسويفات .. إذا جاء الصيف سأفعل ، وإذا كانت الإجازة سأنجز ، وإذا تخليت عن بعض الأعباء والمهمات سأفرغ لغيرها ، ويمضي الإنسان بذلك دن أن يدرك أن ما يضيعه إنما هو جزء حقيقي مهم من عمره وحياته ، وأنه يبدد من رصيده ، ويفني من كنوزه ما قد يكون أقل القليل منه موضع ندامة وحسرة شديدة وأكيدة وعظيمة في وقت لا ينفع فيه الندم .

       

ولعلنا نذكر أمرين مهمين قبل حديثنا عن الصيف :

الأمر الأول: في المنهج الإسلامي الفراغ فرصة للعمل

ويخطئ من يظن غير ذلك ، ويعتقد أن الفراغ فرصة للنوم والكسل ، ولعلنا نكتفي بالآية التي نتلوها كثيرا ونسمعها في صلواتنا كثيراً : { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ } [ الشرح:7،8 ] .

وقبل أن أذكر ما ذكره المفسرون من الصحابة والتابعين وغيرهم ندرك جميعا بمعرفتنا للغة العرب المعنى العام : إذا فرغت وانتهيت وصارت عندك فسحة من الوقت وشيء من الراحة فأي شيء تصنع؟ فانصب ، وكلنا يعلم أن النصب هو التعب والمقصود به الجد والعمل الذي يجدد مرة أخرى الإنجاز ويحقق الخير بإذنه سبحانه وتعالى .

لنستمع - أيها الأخوة - إلى القلوب المؤمنة والأفهام المسلمة والنفوس الحية والهمم العالية كيف فسرت ؟ وكيف فقهت هذه الآيات من كتاب الله سبحانه وتعالى ..

عن ابن مسعود رضي الله عنه : " إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل " .

وعن ابن عباس : " إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء " .

وأما الحسن وزيد بن أسلم فروي عنهما قولهما : " إذا فرغت من جهاد عدوك فانصب إلى عبادة ربك " .

وعن مجاهد إمام التابعين من المفسرين: " إذا فرغت من أمر دنياك فانصب في عمل آخرتك " .

وعن الجنيد: " إذا فرغت من أمر الخلق فانصب في عبادة الحق " .

هل رأيتم في مجموع هذه الأقوال قولاً يقول: إذا فرغت فنم ؟ إذا فرغت فالهوا والعب ؟ إذا فرغت فضيع الأوقات وانحر الساعات؟ هل سمعنا شيئا من ذلك ؟

والذي نقلته لكم نقلته من نحو ثمانية أو تسعة تفاسير من أمهات كتب التفسير ، ولو رجعتم إلى عشرات أخرى غيرها لم تضفروا إلا بمثل هذه المعاني الشريفة العظيمة التي ترجمها القاسمي - المفسّر المتأخر المعاصر - ليجعل لها إطاراً واسعاً ومعنىً شاملاً حين قال : " إذا فرغت من عمل من أعمالك النافعة لك ولأمتك فانصب إلى عمل وخذ في عمل آخر واتعب فيه ؛ فإن الراحة إنما تكون بعد التعب والنصب " .

 

هذا فقه الإيمان ، وهذه دلالة القرآن ، وهذه نفوس أسلافنا وأفكارهم وعقولهم وهكذا ينبغي أن نفقه الأسس السليمة لا أن نسمح للمفاهيم المغلوطة أن تروج ، فمع آخر يوم من انتهاء الاختبارات تسمع الطلبة والطالبات وهم يتوعدون بالنوم الطويل واللعب الكثير والسهو واللهو والغفلة ، ويرون ذلك هو الميدان الصحيح ، وهو العمل المطلوب ليس في يوم أو يومين ! بل في أشهر معدودات متواليات ، وليس هم الذين يقولون ذلك بل أسرهم وآباؤهم وأمهاتهم يوافقونهم في مثل هذا في الجملة ، فهم يرون ألا يكلموهم وأن لا يوقظوهم من نومهم وسباتهم ، وأن لا يثربوا عليهم في لهوهم وفراغهم وغير ذلك ، بل ليس هؤلاء فحسب بل المجتمع في مجمله كأنما يقول لهم ذلك ، وكأنما يؤكد لهم أن الرسالة المطلوبة هي مثل هذا اللغو واللهو والفراغ غير المجدي .

 

وقاعدة أخرى - أيها الأخوة الأحبة - المسؤولية حقيقة كلية في المنهج الإسلامي

ليست هناك مسؤولية في زمان دون زمان .. لن يكون الحساب يوم القيامة على أيام الدراسة والعمل والقلم مرفوع عن أيام الإجازة أو العطل من قال هذا ؟ ومن يتوهم هذا ؛ فإنه لاشك على خطر عظيم ، والمسؤولية كذلك لا ترتفع عن مكان دون مكان ليست هي في مكة المكرمة أو المدينة ، فإذا كان في غيرها أو في خارج هذه البلاد أصبح الأمر آخر ، وأصبح التصرف مختلفاً وأصبح القول غير القول وغير ذلك ما نعلم كثيرا منه، إنها قضية واضحة كذلك : { إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } [ الإسراء: من الآية 36 ] .

ليست هناك حدود في الزمان أو المكان تخرج عن دائرة هذه المسؤولية : { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ قّ:18 ] .

" قول منكرة " ومنونةٌ ؛ لتدل على العموم في سائر الأوقات وفي سائر الأحوال في الرضا والغضب أنت مسؤول عن قولك في العمل والإجازة أنت مسؤول عن فعلك في بلادك وفي خارجها أنت محاسب على أفعالك ، والأمر في ذلك يطول والفقه الإيماني يدعو إلى أن يكون المرء المؤمن عاقلاً ، وأن يعمل مثلما يعمل التاجر ، فالتجار -كما نعلم - في مواسمهم يشمرون عن ساعد الجد ، ويفتقون العقول عن الأفكار والحيل والأساليب المناسبة لمزيد من الأرباح في هذه المواسم ، وتجدهم يزيدون في الأوقات ويغتنمون الفرص في الإقبال وإتاحة الإمكانات والطاقات .. والنبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثه المشهور يقول : ( اغتنم خمسا قبل خمس )

استمعوا إليها لتروا أن معظمها متعلق بالزمان والوقت: ( حياتك قل موتك .. شبابك قبل هرمك .. فراغك قبل شغلك .. صحتك قبل سقمك ) .

انظروا إلى الأوائل كلها متعلقة بالزمن ..كلها مربوطة بما يتيسر من هذا الزمان الممتد .

 

وهنا نستحضر الحديث العظيم عند الإمام البخاري في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ) .

امتداد في الزمن ، وقوة في البدن ، وتكاليف تنزلت بها الآيات وشهدت بها ووجهت إليها الأحاديث وأمة مهيضة الجناح متأخرة عن ركب الأمم يحدق بها الأعداء من كل مكان وتحيط بها المكائد في كل وجه وصوب ، ثم بعد ذلك ملايين من الأبناء والبنات والأسر من هنا وهناك ضائعون في فلك لا نهاية له .. سائرون في طرق لا تفضي إلى خير ولا إلى علم ولا إلى عمل ولا إلى تقدم أو نحو ذلك إنها قضية خطيرة .

 

يحسبون - أيها الأخوة - في مقاييس الإنجاز والعمل في الدول والشركات الدقائق والساعات ، ويقولون : إذا حصل أمر من الأمور وتعطلت الأجهزة أو تعطل العمل لأمر أو لآخر لمدة ساعة فيقولون: إن هذه الساعة من عدد كذا من الموظفين أصبحت تشكل كذا من الساعات الإنتاجية وتقدر بكذا من الملايين ، وتقدر بكذا وكذا ، وأما نحن فنضربها ونحسبها ثم نهبها للفراغ ونهدرها في الهباء وننحرها بلا نفع ولا فائدة .

 

إنها المسؤولية المناطة بنا جميعاً أنا وأنت وهذا وذاك .. إن الشباب والشابات والأبناء والبنات جزء عظيم من المسؤولية مناط بآبائهم وأمهاتهم ، وسبل التربية والتوجيه وسبل اغتنام الأوقات وغير ذلك مما نعلمه ، إضافة إلى مسؤولية المجتمع في كل دوائره المختلفة .

 

ولعلي أقف هنا وقفات سريعة وليس مقامنا مقام تفصيل فيما ينبغي عمله أو فيما ننكره ونحذر منه ولكها ومضات مهمة :

هناك أرباح وخسائر ، وهناك رابحون وخاسرون متى يتضح ذلك ؟ بعد نهاية الموسم وفي آخره ، لكن هل ننتظر حتى يأتي آخر الموسم ونرى هل ربحنا أم خسرنا ؟ أم نتنبه في أوله وبدايته حتى نأخذ الأسباب ونهيأ العدة ، ونجتهد في أن نخرج من الموسم بأكبر ربح ممكن ، بدلاً من أن تكون الخسائر فادحة وليتها خسائر في جانب المادة فحسب .. إهدار للأوقات أو إهلاك للأموال أو غير ذلك ، بل كثيرة هي الخسائر الفادحة من الإيمان الذي يضعف والحياء الذي يذبل ، والهم التي تخور والعزائم التي تفتر ، واللهو الذي يتمكن من النفوس ، والعبث الذي يضيع العقول ، والغفلة التي لا تنهض عزماً ولا تقيم أملاً ولا تحيي عملاً في هذه الأمة .

 

أبواب الخير الكثيرة الخيرة مشرّعة ، واغتنموا لكم ولأبنائكم هذه الفرص من الوقت المتاح :

أولا: في ميدان القرآن الكريم

المساجد التي تمتلئ بحلق التحفيظ ، وكثير من الطلاب وأسرهم يقولون: ليس هناك وقت متاح في أوقات الدراسة ! وإذا ذهبوا إلى المساجد فستضيع الأوقات عليهم عن الدراسة ، وسيتأخرون فيها ، فلنقبل منهم ذلك في أوقات الدراسة فماذا يقولون اليوم ؟ وإضافة إلى ذلك الأبواب مشرّعة في أنماط مختلفة متعلقة بالقرآن ، فهناك الدورات القرآنية التي تتيح الفرص لتعلم القراءة والتجويد والتلاوة ، ولحفظ الجديد ولمراجعة وتمكين المحفوظ القديم ونحو ذلك من الأمور الخيّرة ، إضافة إلى المسابقات القرآنية والمنافسات القرآنية العظيمة .. أبواب من الخير لو أننا أحسنا توجيه أبنائنا إليها ورغبناهم فيها لوجدنا تحقق موعود الله عز وجل : { وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ } [ القمر:17].

إنه يسيرٌ وإنه محبوبٌ  لا ينبغي أن نقول : " إنها إجازة فكيف نثقل عليهم بذلك " سبحان الله ! هل في كتاب الله من ثقل على النفوس ؟ هل فيه من همٍّ أو غمٍّ على القلوب ؟ أ ليس هو الذي تنشرح به الصدور ؟ أليس هو الذي تطمئن به القلوب ؟ أليس هو الذي تلتذ به الأسماع ؟ أ ليس هو الذي تترطب به الألسنة ؟ أليس هو الذي تعم به الخيرات والبركات ؟ أليس هو الذي يبصر وينير العقول ويرشدها ؟ أليس هو الذي يفتق الطاقات ويجعل المقبل عليه ذكياً فطناً ، فضلاً عن كونه زكياً نقياً طاهراً ؟

لماذا نحرم أبناءنا ؟ لماذا نقصّر في حقهم ؟ ونفرّط في توجيههم إلى الخير الذي لهم ؟ ولا نقول ليرتبطوا بالحلق أو بالقرآن ليلهم ونهارهم ، فلا يكون عندهم فرصة لشيءٍ من راحة ، ولو قضوا ذلك في كتاب الله لما كان قليلاً .

 

وباب آخر وهو  : باب القراءة

القراءة المجني عليها لا يعرف أبناؤنا كثيراً من كتاب ربهم ، ولا من سنة نبيهم ، ولا من سيرة مصطفاهم ، ولا من صفحات تاريخهم ، ولا من علوم شريعتهم ، ولا من حقائق واقعهم ، ولذلك تجد الطلاب وقد صاروا اليوم كأنما عقولهم ورؤوسهم فارغة حتى ما يقرؤونه في مدارسهم يقرؤونه ليفرغّوه على أوراق الاختبارات ، ثم يحاولون بكل جهد أن ينسخوه من عقولهم ، وأن ينظفوها حتى لا يبقى فيها أي أثر من آثار تلك المعلومات والقراءات والفرصة سانحة والوقت متسع والمنهج لو أراد الآباء والأمهات ومؤسسات المجتمع والحكومة أن تبسط ميادين المنتزهات فحسب أين هي المكتبات ؟ أين هي المسابقات ؟ أين هي القراءات ؟ أين هي المجالات التي ينبغي أن يأخذ بها أبناؤنا ؟

 

وأستحضر هنا خبراً تافهاً سخيفاً ، لكنه أخذ حظاً وافراً في وسائل الإعلام كلها قصة ابتكرتها امرأة إنجليزية قصة خرافية عن شخصية خيالية ، وجعلت لها اسماً ثم أصدرت لها كتاباً فتلقاه القوم - وهم يقرؤون ويحبون أي شيء بالقبول العظيم - حتى توالت الأجزاء ، وجنت هذه المرأة من هذه القصة ستمائة مليون جنيه إسترليني - كما يقولون - وعندما نزل الجزء الأخير نشر في الصحف أن المكتبات في بعض الدول الكبيرة المشهورة في بلاد الغرب سوف تداوم أربعاً وعشرين ساعة حتى تلبي احتياجات الناس من الإقبال على هذا الكتاب .

قد نقول سخافة وقد نقول ضياع لكنهم يقرؤون وربما نجد سوق الكتاب وهو يشكو الحزن الأليم حتى إن ما يطبع باللغة العربية في العام الواحد لا يبلغ إلا خمس ما يطبع في بريطانيا وحدها فقط ويصدق حينئذ فينا قول أعدائنا إننا أمة لا نقرأ .

أنتم - معاشر الآباء - فضلاً عن الشباب أليس في فرص الإجازات ميدان لنقرأ في السيرة .. لنقرأ في تاريخنا .. لنقرأ ما ينفعنا لنعرف ما يجري حولنا وهذه قضية أخرى مهمة .

 

والثالثة : ميدان الترفيه

وهو أيضاً يمكن أن يكون نافعاً ومفيداً ، لقد كان لهو السابقين من أسلافنا لهوٌ بالخيل ، وكان نور الدين زنكي القائد العادل المقاتل المجاهد العظيم كان لعبه بالكرة على الخيل يعطفها يمنة ويسرة يقول:" ما أريد بها إلا الاستعداد للجهاد " .

وكم هي فرص الترفيه التي يمكن أن تكون نافعة ومفيدة ، والمراكز الصيفية - بحمد الله - تقدّم كثيراً من هذا النافع المفيد المثمر الذي يدخل السرور ويغيّر النفس ، ومع ذلك يكسب المهارة الجديدة والمعلومة الجديدة والمعرفة الجديدة ، إضافة إلى أجواء من الأخوة والتعاون وغير ذلك .

والعمل ميدان أيضاً لاغتنام الوقت والاستفادة من الطاقات :

العمل للشباب والشابات في صور مختلفة ولو كان عملاً ذاتياً ربما لا يكون له العائد المالي لكنه له عائد تربوي ونفسي .

 

والسفر وما أدراك ما السفر ؟ وله في جانب السلبيات باب واسع ، لكنه كذلك يمكن أن يكون نافعاً ومفيداً إذا لم يكن في البلاد التي يعظم فسادها ، ويكثر شرها وهي بلاد أعدائنا التي ننفق فيها أموالنا وغير ذلك من الأمور التي نعرفها .

وأبواب الخير في هذا كثيرة مشرّعة ، المهم أن نعرف أن الفراغ فرصة للعمل ، وأن المسؤولية لا يستثنى منها شيء .

 

الخطبة الثانية

أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله ؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه ، ولاشك - أيها الأخوة الأحبة - أن هناك صوراً محزنة ، ومظاهر مؤسفة ، وأحوالاً مخزية نراها في هذه الفترة من الصيف ، قد تحدّث إلي بالأمس غيور ، ظلّ يتابع الاتصال وهو يركز على وجوه النقد التي تصاحب كثيراً من ممارسات الصيف ، فآثرت أن يكون حديثنا الأول هو حديث الإيجاب وحديث القواعد المؤسسة ، وحديث الآيات البينة الواضحة ، وحديث هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان النموذج الأمثل في اغتنام الأوقات ، والذي كان مضرب المثل الحقيقي في حياة كل مسلم ومؤمن .

لكننا لابد كذلك أن ننبه إلى هذه السلبيات ؛ لأنها لا تقع إلا منا نحن إما مباشرة وإما بطرق غير مباشرة ، وهذه مآس كثيرة وهذه مشكلات عديدة :

 

أولها: مشكلات السهر والعبث

أكثر الشباب والشابات - بل وكثير من الأسر - عندما يأتي هذا الصيف لا يذوقون النوم في ليله أبدا ويسهرون الليل ينحرون أوقاته حتى الصباح ، فإذا جاء الصباح قتلوه نوماً وقتلوه كسلاً وقتلوه سلبية ، وهذا أمر ظاهر ومشاهد ولو أردت أن تجرب أن تتصل بأي بيت في صباح أي يوم لما وجدت لك مجيباً ، ونرى ذلك بآثاره السلبية ، فالشباب يصنعون - كما تعلمون - من التجمّعات في الأماكن السكنية وفي أماكن المنتزهات ويصنعون ما هو معلوم من الأذية والمعاكسات والمغازلات وغير ذلك من الأمور المعلومة ومآس أخرى في مخازي الأسواق والمنتزهات ولعلنا هنا نتوجه إلى النساء والفتيات فإن الخروج المسف المكثر المتأخر إلى ما بعد منتصف الليل في هذه الأماكن مع قصد في التميّع والتكسّر ، وعدم مراعاة لأحكام الحجاب وآداب الحياء ومراعاة الواقع الاجتماعي والأسري والتربوي ؛ فإن هذا نعلم منه الكثير ، وترى اليوم الأسواق وهي تعج بروادها كأنما كانوا في مجاعة فخرجوا يتطلبون قوتهم ، أو كانوا قد عريت أجسامهم فخرجوا يشترون أكسية وأحذية أو نحو ذلك ، ولا حرمة في التسوّق ، ولا غضاضة في قضاء الحوائج ، لكنها بهذه الصورة والهيئة التي تكثر عند الناس حتى تكون كأنها جدول أعمال له في كل يوم ساعات أو له في كل أسبوع أيام والمسألة بقضاء الحاجة تنقضي في أوقات يسيرة لمن كان يطلب حاجته ويعرفها دون هذا العبث والنزهة التي تتدثر بدثار التسوق ونحو ذلك .

 

ومآسٍ أخرى في السياحة والأسفار :

ليس أولها ما يصنعه كثير من النساء من نزع الحجاب مع أول درجات سلم الطائرة كأنما هناك مكان ليس فيه حكم لشرع الله أو كأنما هناك مكان يخلو ويخرج عن علم الله المحيط الشامل القائل - جل وعلا - في وصف علمه وشموله :{ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [ غافر:19 ] .

وهذه صور كثيرة نحن مسؤولون عنها .. قد نكون من أهلها وقد يكون بعض معارفنا أو جيراننا أو أقاربنا من أهلها ، وقد يكون غيرهم من أهلها ، ونحن نملك أن نقول كلمة ننصح بها أو نقدم رسالة نذكّر بها ، وأن نحذر مما يستهدفنا ونحن نمر في بلادنا وعلى مستوى أمتنا بأعظم هجمة شرسة تريد استئصال إسلامنا من جذوره ، ونسخ تاريخنا من أصوله ، وفوق ذلك كذلك نجد أننا نمرّ بأشد الظروف التي تكاد فيها أوضاع أمتننا في داخلها تموج بكثيرٍ من المتغيرات والاضطرابات ، فهل يحسن بنا مع ذلك كله أن نبقى على غفلتنا ، وأن نبقى على السر الأعظم في سبب بلائنا ونكباتنا ومصائبنا والسبب الأساس  في تسلط أعدائنا وهو مخالفتنا لأمر الله وتنكبنا لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .. { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ } [ الروم: من الآية 41 ] .

 

فالله الله في أبنائكم وبناتكم ، والله الله في أوقاتكم وأيامكم ولياليكم وساعاتكم ، والله الله في قلوبكم ونفوسكم ، والله الله في الفرص العظيمة والأبواب المشرعة من الخير ، لعل الله - سبحانه وتعالى - أن يعوّضنا كثيراً مما فرطنا فيه ، وأن يجعل هذه الأوقات المتاحة فرصة لننجز عملا نخدم به أنفسنا نعلي به إيماننا نعظم به أجورنا ننصر به أمتنا نقوي به مجتمعنا .